المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رواية ذاكرة الجسد .. احلام مستغانمى


فداء
11-08-2007, 11:25 PM
إهداء ...
إلى مالك حداد ..
ابن قسنطينة الذي أقسم بعد استقلال الجزائر ألاَّ يكتب بلغة ليست لغته ..
فاغتالته الصفحة البيضاء .. ومات متأثرا بسلطان صمته ليصبح شهيد اللغة العربية, وأول كاتب قرر أن يموت صمتاً وقهراً وعشقاً لها .
وإلى أبي ...
عساه يجد "هناك" من يتقن العربية , فيقرأ له أخيراً هذا الكتاب ... كتابه .

أحلام
***************

الفصل الأول

ما زلت أذكر قولك ذات يوم :
"الحب هو ما حدث بيننا. والأدب هو كل ما لم يحدث".
يمكنني اليوم, بعد ما انتهى كل شيء أن أقول :
هنيئا للأدب على فجيعتنا إذن فما اكبر مساحة ما لم يحدث . إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب .
وهنيئا للحب أيضا ...
فما أجمل الذي حدث بيننا ... ما أجمل الذي لم يحدث... ما أجمل الذي لن يحدث .
قبل اليوم, كنت اعتقد أننا لا يمكن أن نكتب عن حياتنا إلا عندما نشفى منها .
عندما يمكن أن نلمس جراحنا القديمة بقلم , دون أن نتألم مرة أخرى .
عندما نقدر على النظر خلفنا دون حنين, دون جنون, ودون حقد أيضا .
أيمكن هذا حقاً ؟
نحن لا نشفى من ذاكرتنا .
ولهذا نحن نكتب, ولهذا نحن نرسم, ولهذا يموت بعضنا أيضا .
- أتريد قهوه ؟
يأتي صوت عتيقة غائبا, وكأنه يطرح السؤال على شخص غيري .
معتذرا دون اعتذار, على وجه للحزن لم أخلعه منذ أيام .
يخذلني صوتي فجأة ...
أجيب بإشارة من رأسي فقط .
فتنسحب لتعود بعد لحظات, بصينية قهوة نحاسيه كبيرة عليها إبريق، وفناجين, وسكريه, ومرشّ لماء الزهر, وصحن للحلويات .
في مدن أخرى تقدم القهوة جاهزة في فنجان, وضعت جواره مسبقاً معلقه وقطعة سكر .
ولكن قسنطينة مدينه تكره الإيجاز في كل شيء .
إنها تفرد ما عندها دائما .تماما كما تلبس كل ما تملك. وتقول كل ما تعرف .
ولهذا كان حتى الحزن وليمه في هذه المدينة .
أجمع الأوراق المبعثرة أمامي , لأترك مكاناً لفنجان القهوة وكأنني أفسح مكانا لك ..
بعضها مسودات قديمة, وأخرى أوراق بيضاء تنتظر منذ أيام بعض الكلمات فقط... كي تدب فيها الحياة, وتتحول من ورق إلى أيام .
كلمات فقط, أجتاز بها الصمت إلى الكلام, والذاكرة إلى النسيان, ولكن ..
تركت السكر جانبا, وارتشفت قهوتي مره كما عودني حبك .
فكرت في غرابه هذا الطعم العذب للقهوة المرّة . ولحظتها فقط, شعرت أنني قادر على الكتابة عنك فأشعلت سيجارة عصبيّة, ورحت أطارد دخان الكلمات التي أحرقتني منذ سنوات, دون أن أطفئ حرائقها مرة فوق صفحه .
هل الورق مطفأة للذاكرة؟
نترك فوقه كل مرة رماد سيجارة الحنين الأخيرة , وبقايا الخيبة الأخيرة. .
من منّا يطفئ أو يشعل الآخر ؟
لا ادري ... فقبلك لم اكتب شيئا يستحق الذكر... معك فقط سأبدأ الكتابة.
ولا بد أن أعثر أخيراً على الكلمات التي سأنكتب بها, فمن حقي أن أختار اليوم كيف أنكتب. أنا الذي أختر تلك القصة .
قصه كان يمكن أن لا تكون قصتي, لو لم يضعك القدر كل مره مصادفه, عند منعطفات فصولها .
من أين جاء هذا الارتباك؟
وكيف تطابقت مساحة الأوراق البيضاء المستطيلة, بتلك المساحة الشاسعة البياض للوحات لم ترسم بعد.. وما زالت مسنده جدار مرسم كان مرسمي ؟
وكيف غادرتني الحروف كما غادرتني قبلها الألوان. وتحول العالم إلى جهاز تلفزيون عتيق, يبث الصور بالأسود والأبيض فقط ؟
ويعرض شريطا قديما للذاكرة, كما تعرض أفلام السينما الصامتة .
كنت أحسدهم دائماً, أولئك الرسامين الذين كانوا ينتقلون بين الرسم والكتابة دون جهد, وكأنهم ينتقلون من غرفه إلى أخرى داخلهم. كأنهم ينتقلون بين امرأتين دون كلفة ..
كان لا بد ألا أكون رجلا لامرأة واحدة !
ها هوذا القلم إذن.. الأكثر بوحا والأكثر جرحا ً.
ها هو ذا الذي لا يتقن المراوغة , ولا يعرف كيف توضع الظلال على الأشياء . ولا كيف ترش الألوان على الجرح المعروض للفرحة
وها هي الكلمات التي حرمت منها , عارية كما أردتها , موجعه كما أردتها , فَلِمَ رعشة الخوف تشلّ يدي , وتمنعني من الكتابة؟
تراني أعي في هذه اللحظة فقط ، أنني استبدلت بفرشاتي سكيناً. وأن الكتابة إليك قاتله.. كحبك .
ارتشفت قهوتك المرة, بمتعه مشبوهة هذه المرّة. شعرت أنني على وشك أن اعثر على جمله أولى, ابدأ بها هذا الكتاب .
جمله قد تكون في تلقائية كلمات رسالة .
كأن أقول مثلا :
"أكتب إليك من مدينه ما زالت تشبهك, وأصبحت أشبهها. ما زالت الطيور تعبر هذه الجسور على عجل, وأنا أصبحت جسرا آخر معلقاً هنا.
لا تحبي الجسور بعد اليوم..".
أو شيئا آخر مثل :
" أمام فنجان قهوة ذكرتك ..
كان لا بد أن تضعي ولو مرة قطعة سكر في قهوتي . لماذا كل هذه الصينية.. من أجل قهوة مرّة..؟".
كان يمكن أن أقول أي شيء ...
ففي النهاية, ليست الروايات سوى رسائل وبطاقات, نكتبها خارج المناسبات المعلنة.. لنعلن نشرتنا النفسية, لمن يهمهم أمرنا .
ولذا أجملها, تلك التي تبدأ بجمله لم يتوقعها من عايش طقسنا وطقوسنا. وربما كان يوما سببا في كل تقلباتنا الجوية .
تتزاحم الجمل في ذهني . كل تلك التي لم تتوقعيها .
وتمطر الذاكرة فجأة ..
فأبتلع قهوتي على عجل. وأشرع نافذتي لأهرب منك إلى السماء الخريفية.. إلى الشجر والجسور والمارة.
إلى مدينة أصبحت مدينتي مرة أخرى . بعدما أخذت لي موعدا معها لسبب آخر هذه المرة .
ها هي ذي قسنطينة.. وها هو كل شيء أنت .
وها أنت تدخلين إليّ, من النافذة نفسها التي سبق أن دخلت منها منذ سنوات. مع صوت المآذن نفسه, وصوت الباعة, وخطى النساء الملتحفات بالسواد, والأغاني القادمة من مذياع لا يتعب ...
"يا التفاحة .. يا التفاحة ... خبريني وعلاش الناس والعة بيك ..".
تستوقفني هذه الأغنية بسذاجتها .
تضعني وجهاً لوجه مع الوطن . تذكرني دون مجال للشك بأنني في مدينه عربيه فتبدو السنوات التي قضيتها في باريس حلماً خرافياً .
هل التغزل بالفواكه ظاهره عربية؟ أم وحده التفاح الذي ما زال يحمل نكهة خطيئتنا الأولى, شهيّ لحدّّ التغنّي به، في أكثر من بلد عربي .
وماذا لو كنت تفاحه؟
لا لم تكوني تفاحه .
كنت المرأة التي أغرتني بأكل التفاح لا أكثر. كنت تمارسين معي فطرياً لعبة حواء . ولم يكن بإمكاني أن أتنكر لأكثر من رجل يسكنني, لأكون معك أنت بالذات في حماقة آدم !
-أهلا سي خالد..واش راك اليوم ..؟
يسلّم عليّ الجار, تسلّقت نظراته طوابق حزني. وفاجأه وقوفي الصباحي, خلف شرفة للذهول .
أتابع في نظرة غائبة, خطواته المتجهة نحو المسجد المجاور . وما يليها من خطوات, لمارة آخرين, بعضها كسلى, وأخرى عجلى, متجهة جميعها نحو المكان نفسه .
الوطن كله ذاهب للصلاة .
والمذياع يمجد أكل التفاحة .
وأكثر من جهاز هوائي على السطوح, يقف مقابلا المآذن يرصد القنوات الأجنبية، التي تقدم لك كل ليله على شاشة تلفزيونك, أكثر من طريقه _عصريه_ لأكل التفاح !
أكتفي بابتلاع ريقي فقط .
في الواقع لم أكن أحب الفواكه. ولا كان أمر التفاح يعنيني بالتحديد .
كنت أحبك أنت. وما ذنبي إن جاءني حبك في شكل خطيئة؟
كيف أنت.. يسألني جار ويمضي للصلاة .
فيجيب لساني بكلمات مقتضبة، ويمضي في السؤال عنك .
كيف أنا؟
أنا ما فعلته بي سيدتي.. فكيف أنتِ ؟
يا امرأة كساها حنيني جنوناً، وإذا بها تأخذ تدريجيا , ملامح مدينه وتضاريس وطن .
وإذا بي اسكنها في غفلة من الزمن, وكأنني اسكن غرف ذاكرتي المغلقة من سنين .
كيف حالك؟
يا شجرة توت تلبس الحداد وراثيا كل موسم .
يا قسنطينية الأثواب ....
يا قسنطينية الحب ... والأفراح والأحزان والأحباب .. أجيبي أين تكونين الآن؟ .
ها هي ذي قسنطينه ...
باردة الأطراف والأقدام. محمومة الشفاه, مجنونة الأطوار .
ها هي ذي .. كم تشبهينها اليوم أيضا ... لو تدرين !
دعيني أغلق النافذة!.
كان مارسيل بانيول يقول:
"تعوّد على اعتبار الأشياء العادية .. أشياء يمكن أن تحدث أيضاً " .
أليس الموت في النهاية شيئا عاديا. تماما كالميلاد, والحب, والزاج, والمرض, والشيخوخة, والغربة والجنون, وأشياء أخرى ؟
فما أطول قائمة الأشياء العادية التي نتوقعها فوق العادة, حتى تحدث. والتي نعتقد أنها لا تحدث سوى للآخرين, وأن الحياة لسبب أو لآخر ستوفر علينا كثيرا منها, حتى نجد أنفسنا يوما أمامها .
عندما ابحث في حياتي اليوم, أجد أن لقائي بك هو الشيء الوحيد الخارق للعادة حقاً. الشيء الوحيد الذي لم أكن لأتنبأ به، أو أتوقع عواقبه عليّ. لأنَّني كنت اجهل وقتها أن الأشياء غير العادية, قد تجر معها أيضا كثيرا من الأشياء العادية
ورغم ذلك ....
ما زلت أتساءل بعد كل هذه السنوات, أين أضع حبك اليوم ؟
أفي خانة الأشياء العادية التي قد تحدث لنا يوما كأية وعكه صحية أو زلة قدم.. أو نوبة جنون؟
أم .. أضعه حيث بدأ يوماً؟
كشيء خارق للعادة, كهدية من كوكب, لم يتوقع وجوده الفلكيون. أو زلزال لم تتنبأ به أية أجهزة للهزات الأرضية .
أكنتِ زلة قدم .. أم زلة قدر ؟.
أقلّب جريدة الصباح بحثا عن أجوبة مقنعه لحدث "عادي" غيّر مسار حياتي وجاء بي إلى هنا .
أتصفح تعاستنا بعد كل هذه الأعوام , فيعلق الوطن حبراً أسود بيدي .
هناك صحف يجب أن تغسل يديك إن تصفحتها وإن كان ليس للسبب نفسه في كل مرة. فهنالك واحده تترك حبرها عليك .. وأخرى أكثر تألقا تنقل عفونتها إليك .
ألأنّ الجرائد تشبه دائما أصحابها, تبدو لي جرائدنا وكأنها تستيقظ كل يوم مثلنا, بملامح متعبه وبوجه غير صباحي غسلته على عجل، ونزلت به إلى الشارع. هكذا دون أن تكلف نفسها مشقة تصفيف شعرها, أو وضع ربطة عنق مناسبة.. أو إغرائنا بابتسامة .
25 أكتوبر 1988 .
عناوين كبرى.. كثير من الحبر الأسود. كثير من الدم. وقليل من الحياء .
هناك جرائد تبيعك نفس صور الصفحة الأولى.. ببدلة جديدة كل مره .
هنالك جرائد.. تبيعك نفس الأكاذيب بطريقة أقل ذكاء كل مرّة ....
وهنالك أخرى، تبيعك تذكرة للهروب من الوطن.. لا غير .
وما دام ذلك لم يعد ممكنا, فلأغلق الجريدة إذن.. ولأذهب لغسل يدي

فداء
11-08-2007, 11:43 PM
آخر مره استوقفتني فيها صحيفة جزائرية, كان ذلك منذ شهرين تقريبا. عندما كنت أتصفح عن طريق المصادفة, وإذا بصورتك تفاجئني على نصف صفحه بأكملها, مرفقه بحوار صحافي بمناسبة صدور كتاب جديد لك .
يومها تسمَََََّر نظري أمام ذلك الإطار الذي كان يحتويك. وعبثا رحت أفكّ رموز كلامك . كنت أقرأك مرتبكاً، متلعثماً, على عجل. وكأنني أنا الذي كنت أتحدث إليك عني, ولست أنت التي كنت تتحدثين للآخرين, عن قصة ربما لم تكن قصتنا .
أي موعد عجيب كان موعدنا ذلك اليوم! كيف لم أتوقع بعد تلك السنوات أن تحجزي لي موعدا على ورق بين صفحتين, في مجلة لا اقرأها عادة .
إنّه قانون الحماقات، أليس كذلك؟ أن أشتري مصادفة مجلة لم أتعوّد شراءها، فقط لأقلب حياتي رأساً على عقبّ
وأين العجب؟
ألم تكوني امرأة من ورق. تحب وتكره على ورق. وتهجر وتعود على ورق. وتقتل وتحيي بجرّة قلم.
فكيف لا أرتبك وأنا أقرأك. وكيف لا تعود تلك الرعشة المكهربة لتسري في جسدي، وتزيد من خفقان قلبي، وكأنني كنت أمامك، ولست أمام صورة لك.
تساءلت كثيراً بعدها، وأنا أعود بين الحين والآخر لتلك الصورة، كيف عدتِ هكذا لتتربصي بي، أنا الذي تحاشيت كل الطرق المؤدية إليك؟
كيف عدت.. بعدما كاد الجرح أن يلتئم. وكاد القلب المؤثث بذكراك أن يفرغ منك شيئاً فشيئاً وأنت تجمعين حقائب الحبّ، وتمضين فجأة لتسكني قلباً آخر.
غادرت قلبي إذن..
كما يغادر سائح مدينة جاءها في زيارة سياحية منظمة. كلّ شيء موقوت فيها مسبقاً، حتى ساعة الرحيل، ومحجوز فيها مسبقاً، حتى المعالم السياحية التي سيزورها، واسم المسرحية التي سيشاهدها، وعنوان المحلات التي سيشتري منها هدايا للذكرى.
فهل كانت رحلتك مضجرة إلى هذا الحد؟
ها أنا أمام نسخة منك، مدهوش مرتبك، وكأنني أمامك.
تفاجئني تسريحتك الجديدة. شعرك القصير الذي كان شالاً يلف وحشة ليلي.. ماذا تراك فعلت به؟
أتوقف طويلاً عند عي.... أبحث فيهما عن ذكرى هزيمتي الأولى أمامك.
ذات يوم.. لم يكن أجمل من عي... سوى عي.... فما أشقاني وما أسعدني بهما!
هل تغيرت عيناك أيضاً.. أم أن نظرتي هي التي تغيرت؟ أواصل البحث في وجهك عن بصمات جنوني السابق. أكاد لا أعرف شفاهك ولا ابتسامتك وحمرتك الجديدة.
كيف حدث يوماً.. أن وجدت فيك شبهاً بأمي. كيف تصورتك تلبسين ثوبها العنابي، وتعجنين بهذه الأيدي ذات الأظافر المطلية الطويلة، تلك الكسرة التي افتقدت مذاقها منذ سنين؟
أيّ جنون كان لك.. وأية حماقة!
هل غيّر الزواج حقاً ملامحك وضحكتك الطفولية، هل غيّر ذاكرتك أيضاً، ومذاق شفاهك وسمرتك الغجرية؟
وهل أنساك ذلك "النبي المفلس" الذي سرقوا منه الوصايا العشر وهو في طريقه إليك.. فجاءك بالوصية الحادية عشرة فقط.
ها أنت ذي أمامي، تلبسين ثوب الردّة. لقد اخترت طريقاً آخر. ولبست وجهاً آخر لم أعد أعرفه. وجهاً كذلك الذي نصادفه في المجلات والإعلانات، لتلك النساء الواجهة، المعدات مسبقاً لبيع شيء ما، قد يكون معجون أسنان، أو مرهماً ضد التجاعيد.
أم تراك لبست هذا القناع، فقط لتروّجي لبضاعة في شكل كتاب، أسميتها "منعطف النسيان" بضاعة قد تكون قصتي معك.. وذاكرة جرحي؟
وقد تكون آخر طريقه وجدتها لقتلي اليوم من جديد, دون أن تتركي بصماتك على عنقي .
يومها تذكرت حديثاً قديماً لنا . عندما سألتك مرة لماذا اخترتِ الرواية بالذات. وإذا بجوابك يدهشني .
قلت يومها بابتسامة لم أدرك نسبة الصدق فيها من نسبة التحايل:
" كان لا بد أن أضع شيئا من الترتيب داخلي.. وأتخلص من بعض الأثاث القديم . إنَّ أعماقنا أيضا في حاجة إلى نفض كأيّ بيت نسكنه ولا يمكن أن أبقي نوافذي مغلقه هكذا على أكثر من جثة ..
إننا نكتب الروايات لنقتل الأبطال لا غير, وننتهي من الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئاً على حياتنا. فكلما كتبنا عنهم فرغنا منهم... وامتلأنا بهواء نظيف ..." .
وأضفت بعد شيء من الصمت:
" في الحقيقة كل رواية ناجحة, هي جريمة ما نرتكبها تجاه ذاكرة ما. وربما تجاه شخص ما, على مرأى من الجميع بكاتم صوت. ووحده يدري أنَّ تلك الكلمة الرصاصة كانت موجّهة إليه
والروايات الفاشلة, ليست سوى جرائم فاشلة, لا بد أن تسحب من أصحابها رخصة حمل القلم, بحجة أنهم لا يحسنون استعمال الكلمات, وقد يقتلون خطأ بها أيّ احد .. بمن في ذلك أنفسهم , بعدما يكونون قد قتلوا القراء ... ضجراً !".
كيف لم تثر نزعتك الساديّة شكوكي يومها .. وكيف لم أتوقع كل جرائمك التي تلت ذلك اليوم, والتي جربت فيها أسلحتك الأخرى؟
لم أكن أتوقع يومها انك قد توجهين يوما رصاصك نحوي .
ولذا ضحكت لكلامك, وربما بدأ يومها انبهاري الآخر بك. فنحن لا نقاوم, في هذه الحالات , جنون الإعجاب بقاتلنا !
ورغم ذلك أبديت لك دهشتي . قلت :
_ كنت اعتقد أن الرواية طريقه الكاتب في أن يعيش مرة ثانيه قصه أحبها.. وطريقته في منح الخلود لمن أحب .
وكأنّ كلامي فاجأك فقلت وكأنك تكتشفين شيئا لم تحسبي له حسابا:
- وربما كان صحيحا أيضا, فنحن في النهاية لا نقتل سوى من أحببنا. ونمنحهم تعويضا عن ذلك خلودا أدبيا . إنها صفقه عادلة . أليس كذلك؟!
عادله ؟
من يناقش الطغاة في عدلهم أو ظلمهم؟ ومن يناقش نيرون يوم احرق روما حباً لها, وعشقاً لشهوة اللهب . وأنت, أما كنت مثله امرأة تحترف العشق والحرائق بالتساوي؟
أكنت لحظتها تتنبّأين بنهايتي القريبة، وتواسينني مسبقا على فجيعتي...
أم كنت تتلاعبين بالكلمات كعادتك, و وتت...ين على وقعها عليّ, وتسعدين سرّاً باندهاشي الدائم أمامك, وانبهاري بقدرتك المذهلة, في خلق لغة على قياس تناقضك .
كل الاحتمالات كانت ممكنه ...
فربما كنت أنا ضحية روايتك هذه, والجثة التي حكمت عليها بالخلود, وقررت أن تحنطيها بالكلمات... كالعادة.
و ربما كنت ضحية وهمي فقط, ومراوغتك التي تشبه الصدق. فوحدك تعرفين في النهاية الجواب على كل تلك الأسئلة التي ظلت تطاردني, بعناد الذي يبحث عن الحقيقة دون جدوى .
متى كتبتِ ذلك الكتاب؟
أقبل زواجك أم بعده؟ أقبل رحيل زياد .. أم بعده؟ أكتبته عني .. أم كتبته عنه؟ أكتبته لتقتليني به.. أم لتحييه هو ؟
لم لتنتهي منّا معاً، وتقتلينا معاً بكتاب واحد... كما تركتنا معاً من أجل رجل واحد ؟
عندما قرأت ذلك الخبر منذ شهرين,. لم أتوقع إطلاقاًً أن تعودي فجأة بذلك الحضور الملحِّ, ليصبح كتابك محور تفكيري, ودائرة مغلقه أدور فيها وحدي .
فلا كان ممكنا يومها بعد كل الذي حدث, أن اذهب للبحث عنه في المكتبات , لأشتري قصتي من بائع مقابل ورقه نقدية. ولا كان ممكنا أيضا أن أتجاهله وأواصل حياتي وكأنني لم اسمع به , وكأن أمره لا يعنيني تماما .
الم أكن متحرقا إلى قراءة بقية القصة؟
قصتك التي انتهت في غفلة مني , دون أن أعرف فصولها الأخيرة. تلك التي كنت شاهدها الغائب, بعدما كنت شاهدها الأول. أنا الذي كنت,. حسب قانون الحماقات نفسه. الشاهد والشهيد دائما في قصة لم يكن فيها من مكان سوى لبطل واحد
ها هوذا كتابك أمامي.. لم يعد بإمكاني اليوم أن أقرأه. فتركته هنا على طاولتي مغلقا كلغز, يتربص بي كقنبلة موقوتة, أستعين بحضوره الصامت لتفجير منجم الكلمات داخلي ... واستفزاز الذاكرة .
كل شيء فيه يستفزني اليوم .. عنوانه الذي اخترته بمراوغه واضحة.. وابتسامتك التي تتجاهل حزني . ونظرتك المحايدة التي تعاملني وكأنني قارىء, لا يعرف الكثير عنك .
كل شيء.. حتى اسمك .
وربما كان اسمك الأكثر استفزازا لي, فهو مازال يقفز إلى الذاكرة قبل أن تقفز حروفه المميزة إلى العين .
اسمك الذي .. لا يُقرأ وإنما يُسمع كموسيقى تُعزف على آلة واحدة من أجل مستمع واحد.
كيف لي أن أقرأه بحياد, وهو فصل من قصة مدهشه كتبتها الصدفة, وكتبها قدرنا الذي تقاطع يوما؟
يقول تعليق على ظهر كتابك إنه حدث أدبي .
وأقول وأنا أضع عليه حزمة من الأوراق التي سودتها في لحظة هذيان..
" حان لك أن تكتب.. أو تصمت إلى الأبد أيها الرجل . فما أعجب ما يحدث هذه الأيام !"
وفجأة.. يحسم البرد الموقف, ويزحف ليل قسنطينة نحوي من نافذة للوحشة. فأعيد للقلم غطاءه, وانزلق بدوري تحت غطاء الوحدة .
مذ أدركت أن لكل مدينةٍ الليل الذي تستحق, الليل الذي يشبهها والذي وحده يفضحها, ويعري في العتمة ما تخفيه في النهار, قررت أن أتحاشى النظر ليلا من هذه النافذة .
كل المدن تمارس التعري ليلا دون علمها, وتفضح للغرباء أسرارها , حتى عندما لا تقول شيئا .
وحتى عندما توصد أبوابها.
ولأن المدن كالنساء, يحدث لبعضهن أن يجعلننا نستعجل قدوم الصباح. ولكن ...
"soirs, soirs.que de soirs pour un seul matin .."
كيف تذكرت هذا البيت للشاعر "هنري ميشو" ورحت اردده على نفسي بأكثر من لغة ..
"أمسيات .. أمسيات كم من مساء لصباح واحد "
كيف تذكرته, ومتى تراني حفظته؟ .. تراني كنت أتوقع منذ سنين أمسيات بائسة كهذه, لن يكون لها سوى صباح واحد ؟
أنقب بعض الشيء في ذاكرتي عن القصيدة التي اخذ منها هذا البيت, وإذا بعنوانها "الشيخوخة" ..
فيخيفني اكتشافي فجأة وكأنني أكتشف معه ملامح وجهي الجديدة. فهل تزحف الشيخوخة هكذا نحونا حقاً بليل طويل واحد. وبعتمة داخليه تجعلنا نتمهل في كل شيء, ونسير ببطء, دون اتجاه محدد؟
أيكون الملل والضياع والرتابة جزءا من مواصفات الشيخوخة أم من مواصفات هذه المدينة ؟
تراني أنا الذي ادخل الشخوخة.. أم ترى الوطن بأكمله هو الذي يدخل اليوم سن اليأس الجماعي؟
أليس هو الذي يملك هذه القدرة الخارقة, على جعلنا نكبر ونهرم في بضعة اشهر, وأحيانا في بضعة أسابيع فقط ؟
قبل اليوم لم أكن اشعر بثقل السنين, كان حبّك شبابي, وكان مرسمي طاقتي الشمسية التي لا تنضب, وكانت باريس مدينه أنيقة, يخجل الواحد أن يهمل مظهره في حضرتها . ولكنهم طاردوني حتى مربع غربتي, وأطفأوا شعلة جنوني ... وجاؤوا بي حتى هنا .
الآن نحن نقف جميعا على بركان الوطن الذي ينفجر , ولم يعد في وسعنا , إلا أن نتوحد مع الجمر المتطاير من فوهته, وننسى نارنا الصغيرة... اليوم لا شيء يستحق كل تلك الأناقة واللياقة. الوطن نفسه أصبح لا يخجل أن يبدو أمامنا في وضع غير لائق !
لا أصعب من أن تبدأ الكتابة, في العمر الذي يكون فيه الآخرون قد انتهوا من قول كل شيء.
الكتابة ما بعد الخمسين لأول مرة ... شيء شهواني وجنوني شبيه بعودة المراهقة.
شيء مثير وأحمق , شبيه بعلاقة حب بين رجل في سن اليأس, وريشة حبر بكر .
الأول مرتبك وعلى عجل... والثانية عذراء لا يرويها حبر العالم !
سأعتبر إذن ما كتبته حتى الآن, مجرد استعداد للكتابة فقط, وفائض شهوة ... لهذه الأوراق التي حملت منذ سنين بملئها .
ربما غدا ابدأ الكتابة حقا .
أحب دائما أن ترتبط الأشياء الهامة في حياتي بتاريخ ما .... يكون غمزة لذاكره أخرى .
أغرتني هذه الفكرة من جديد, وأنا استمع إلى الأخبار هذا المساء واكتشف، أنا الذي فقدت علاقتي بالزمن, أن غدا سيكون أول نوفمبر ... فهل يمكن لي ألا أختار تاريخا كهذا, لأبدأ به هذا الكتاب ؟
غدا ستكون قد مرت 34 سنه على انطلاق الرصاصة الأولى لحرب التحرير, ويكون قد مر على وجودي هنا ثلاثة أسابيع, ومثل ذلك من الزمن على سقوط آخر دفعه من الشهداء ...
كان احدهم ذلك الذي حضرت لأشيّعه بنفسي وادفنه هنا.
بين أول رصاصه , وآخر رصاصه, تغيرت الصدور, تغيرت الأهداف .. وتغير الوطن .
ولذا سيكون الغد يوما للحزن مدفوع الأجر مسبقا .
لن يكون هناك من استعراض عسكري, ولا من استقبالات, ولا من تبادل تهاني رسميه ....
سيك...ن بتبادل التهم ... ونكتفي بزيارة المقابر .
غدا لن ازور ذلك القبر . لا أريد أن أتقاسم حزني مع الوطن.
أفضل تواطؤ الورق, وكبرياء صمته .
كل شيء يستفزني الليلة.. واشعر أنني قد اكتب أخيرا شيئا مدهشا, لن أمزقه كالعادة..
فما أوجع هذه الصدفة التي تعود بي , بعد كل هذه السنوات إلى هنا, للمكان نفسه , لأجد جثة من أحبهم في انتظاري, بتوقيت الذاكرة الأولى .
يستيقظ الماضي الليلة داخلي ... مربكا. يستدرجني إلى دهاليز الذاكرة .
فأحاول أن أقاومه, ولكن, هل يمكن لي أن أقاوم ذاكرتي هذا المساء ؟
أغلق باب غرفتي واشرع النافذة ..
أحاول أن أرى شيئا آخر غير نفسي. وإذا النافذة تطل علي...
تمتد أمامي غابات الغاز والبلوط, وتزحف نحوي قسنطينه ملتحفه ملاءتها القديمة, وكل تلك الأدغال والجروف والممرات السرية التي كنت يوما اعرفها والتي كانت تحيط بهذه المدينة كحزام أمان, فتوصلك مسالكها المتشعبة, وغاباتها الكثيفة, إلى القواعد السرية للمجاهدين, وكأنها تشرح لك شجرة بعد شجره, ومغارة بعد أخرى .
إنّ كل الطرق في هذه المدينة العربية العريقة, تؤدي إلى الصمود.
وإنّ كل الغابات والصخور هنا قد سبقتك في الانخراط في صفوف الثورة .
هنالك مدن لا تختار قدرها ...
فقد حكم عليها التاريخ, كما حكمت عليها الجغرافيا, ألا تستسلم ...
ولذا لا يملك أبناؤها الخيار دائما .
فهل عجبٌ أن أشبه هذه المدينة حد التطرف ؟
ذات يوم منذ أكثر من ثلاثين سنه سلكت هذه الطرق, واخترت أن تكون تلك الجبال بيتي ومدرستي السرية التي أتعلم فيها المادة الوحيدة الممنوعة من التدريس. وكنت ادري انه ليس من بين خريجيها من دفة ثالثه, وان قدري سيكون مختصرا بين المساحة الفاصلة بين الحرية .. والموت .
ذلك الموت الذي اخترنا له اسما آخر أكثر إغراءً، لنذهب دون خوف وربما بشهوة سريه, وكأننا نذهب لشيء آخر غير حتفنا .
لماذا نسينا يومها أن نطلق على الحرية أيضا أكثر من اسم؟ وكيف اختصرنا منذ البدء حريتنا.... في مفهومها الأول

فداء
12-08-2007, 01:05 AM
كان الموت يومها يمشي إلى جوارنا, وينام ويأخذ كسرته معنا على عجل. تماما مثل الشوق والصبر والإيمان .. والسعادة المبهمة التي لا تفارقنا .
كان الموت يمشي ويتنفس معنا.. وكانت الأيام تعود قاسيه دائما, لا تختلف عما سبقتها سوى بعدد شهدائها, الذين لم يكن يتوقع احد موتهم على الغالب.. أو لم يكن يتصور لسبب أو لآخر, أن تكون نهايتهم, هم بالذات, قريبه إلى ذلك الحد .. ومفجعه إلى ذلك الحد. وكان ذلك منطق الموت الذي لم أكن قد أدركته بعد .
ما زلت اذكرهم أولئك الذين تعودنا بعد ذلك أن نتحدث عنهم بالجملة. وكأنَّ الجمع في هذه الحالة بالذات، ليس اختصارا للذاكرة , وإنما لحقهم علينا .
لم يكونوا شهداء.. كان كل واحد منهم شهيدا على حده. كان هناك من استشهد في أول معركة, وكأنه جاء خصيصا للشهادة .
وهناك من سقط قبل زيارته المسروقة إلى أهله بيوم واحد, بعدما قضى عدة أسابيع في دراسة تفاصيلها, والإعداد لها .
وهناك من تزوج وعاد .. ليموت متزوجا .
وهناك من كان يحلم أن يعود يوما لكي يتزوج ... ولم يعد.
في الحروب, ليس الذين يموتون هم التعساء دائما, إنّ الأتعس هم أولئك الذين يتركونهم خلفهم ثكالى, يتامى, ومعطوبي أحلام .
اكتشفت هذه الحقيقة باكراً، شهيداً بعد آخر، وقصة بعد أخرى..
واكتشفت في المناسبة نفسها، أنني ربما كنت الوحيد الذي لم يترك خلفه سوى قبر طريّ لأم ماتت مرضاً وقهراً، وأخٍ فريد يصغرني بسنوات، وأب مشغول بمطالب عروسه الصغيرة
لقد كان ذلك المثل الشعبي على حقّ "إن الذي مات أبوه لم يتيتَّم.. وحده الذي ماتت أمه يتيم".
وكنت يتيماً، وكنت أعي ذلك بعمق في كل لحظة. فالجوع إلى الحنان، شعور مخيف وموجع، يظل ينخر فيك من الداخل ويلازمك حتى يأتي عليك بطريقة وبطريقة أو بأخرى.
أكان التحاقي بالجبهة آنذاك محاولة غير معلنة للبحث عن موت أجمل خارج تلك الأحاسيس المرضية التي كانت تملأني تدريجياً حقداً على كل شيء؟
كانت الثورة تدخل عامها الثاني، ويتمي يدخل شهره الثالث، ولم أعد أذكر الآن بالتحديد، في أية لحظة بالذات أخذ الوطن ملامح الأمومة، وأعطاني ما لم أتوقّعه من الحنان الغامض، والانتماء المتطرِّف له.
وربما كان لاختفاء "سي الطاهر" من حينا بسيدي المبروك منذ بضعة أشهر، دور في حسم القضية، واستعجالي في أخذ ذلك القرار المفاجئ. فلم يكن يخفى على أحد أنه انتقل إلى مكان سري في الجبال المحيطة بقسنطينة ليؤسس من هناك مع آخرين إحدى الخلايا الأولى للكفاح المسلح.
من أين عاد اسم "سي طاهر" الليلة ليزيد من ارتباكي، ومن منكما استدرجني للآخر؟.
من أين عاد.. وهل غاب حقاً، وعلى بعد شارعين مني شارع مازال يحمل اسمه؟
هناك شيء اسمه "سلطة الاسم".
وهناك أسماء عندما تذكرها، تكاد تصلح من جلستك، وتطفئ سيجارتك. تكاد تتحدث عنها وكأنك تتحدث إليها بنفس تلك الهيبة وذلك الانبهار الأول.
ولذا .. ظلّ لاسم (سي طاهر) هيبته عندي. لم تقتله العادة ولا المعاشرة، ولم تحوله تجربة السجن المشترك، ولا سنوات النضال، إلى اسم عاديّ لصديق أو لجار. فالرموز تعرف دائماً كيف تحيط نفسها بذلك الحاجز اللامرئي، الذي يفصل بين العادي والاستثنائي، والممكن والمستحيل، في كل شيء.
ها أنذا أذكره في ليلة لم أحجزها له..
وبينما أسحب نفساً من سيجارة أخيرة، يرتفع صوت المآذن معلناً صلاة الفجر. ومن غرفة بعيدة يأتي بكاء طفل أيقظ صوته أنحاء كل البيت..
فأحسد المآذن، وأحسد الأطفال الرضّع، لأنهم يملكون وحدهم حق الصراخ والقدرة عليه، قبل أن تروض الحياة حبالهم الصوتية، وتعلِّمهم الصمت.
لا أذكر من قال "يقضي الإنسان سنواته الأولى في تعلم النطق، وتقضي الأنظمة العربية بقية عمره في تعليمه الصمت!".
وكان يمكن للصمت أن يصبح نعمة في هذه الليلة بالذات، تماماً كالنسيان. فالذاكرة في مناسبات كهذه لا تأتي بالتقسيط، وإنما تهجم عليك شلالاً يجرفك إلى حيث لا تدري من المنحدرات.
وكيف لك لحظتها أن توقفها دون أن تصطدم بالصخور، وتتحطم في زلّة ذكرى؟
وها أنت ذا، تلهث خلفها لتلحق بماضٍ لم تغادره في الواقع، وبذاكرة تسكنها لأنها جسدك.
جسدك المشوه لا غير.
وتدري أنّ هناك من يلهثون الآن من منبر إلى آخر، بحجة أو بأخرى، ليدينوا تاريخاً كانوا طرفاً فيه. عساهم يلحقون بالموجة الجديدة، قبل أن يجرفهم الطوفان. فلا تملك إلا أن تشفق عليهم.
ما أتعس أن يعيش الإنسان بثياب مبللة.. خارجاً لتوه من مستنقع.. وألا يصمت قليلاً في انتظار أن تجف!
صامتاً يأتي (سي طاهر) الليلة.
صامتاً كما يأتي الشهداء.
صامتاً.. كعادته.
وها أنت ذا مرتبك أمامه كعادتك.
لقد كانت دائماً الخمس عشرة سنة التي تفصلكما، أكبر من عمر السنوات. كانت عمراً بحد ذاتها، ورمزاً بحد ذاتها، لرجل كان يجمع إلى جانب الفصاحة التي كان يتميز بها كل من اختلط بجمعية العلماء، ودرس في قسنطينة، فصاحة أخرى.. هي فصاحة الحضور.
كان (سي طاهر) يعرف متى يبتسم، ومتى يغضب. ويعرف كيف يتكلم، ويعرف أيضاً كيف يصمت. وكانت الهيبة لا تفارق وجهه ولا تلك الابتسامة الغامضة التي كانت تعطي تفسيراً مختلفاً لملامحه كل مرة.
"إن الابتسامات فواصل ونقاط انقطاع.. وقليل من الناس أولئك الذين ما زالوا يتقنون وضع الفواصل والنقط في كلامهم".*
في سجن ( الكديا) كان موعدي النضالي الأول مع (سي طاهر). كان موعداً مشحوناً بالأحاسيس المتطرفة، وبدهشة الاعتقال الأول، بعنفوانه.. وبخوفه.
وكان (سي طاهر) الذي استدرجني إلى الثورة يوماً بعد آخر، يدري أنه مسؤول عن وجودي يومها هناك. وربما كان يشفق سراً على سنواتي الست عشرة، على طفولتي المبتورة، وعلى ( أمّا) التي كان يعرفها جيداً، ويعرف ما يمكن أن تفعله بها تجربة اعتقالي الأول.
ولكنه كان يخفي عنّي كل شفقته تلك، مردداً لمن يريد سماعه: "لقد خلقت السجون للرجال".
وكان سجن (الكديا) وقتها، ككل سجون الشرق الجزائري يعاني فجأة من فائض رجولة، إثر مظاهرات 8 ماي 1945 التي قدّمت فيها قسنطينة وسطيف وضواحيها أول عربون للثورة، متمثلاً في دفعة أولى من عدّة آلاف من الشهداء سقطوا في مظاهرة واحدة، وعشرات الآلاف من المساجين الذين ضاقت بهم الزنزانات، مما جعل الفرنسيين يرتكبون أكبر حماقاتهم، وهو يجمعون لعدة أشهر بين السجناء السياسيين، وسجناء الحق العام، في زنزانات يجاوز أحياناً عدد نزلائها العشرين معتقلاً.
وهكذا، جعلوا عدوى الثورة تنتقل إلى مساجين الحق العام الذين وجدوا فرصة للوعي السياسي، ولغسل شرفهم بالانضمام إلى الثورة التي استشهد بعد ذلك من أجلها الكثير منهم. ومازال بعضهم حتى الآن على قيد الحياة، يعيش بتكريم ووجاهة القادة التاريخيين لحرب التحرير، بعدما تكفّل التاريخ بإعادة سجلّ سوابقهم العدلية.. لعذريته الأولى. بينما وجد بعض السجناء السياسيين _ في تلك الحماقة الاستعمارية _ فرصة للتعرف على بعض، ووقتاً كافياً للتشاور والتفكير في أمور الوطن.. والتخطيط للمرحلة القادمة.
اليوم.. عندما أذكر تلك التجربة، تبدو لي لكثافتها ودهشتها، وكأنها أطول مما كانت. رغم أنها لم تدم بالنسبة لي سوى ستة أشهر فقط. قضيتها هناك قبل أن يطلق سراحي أنا واثنين آخرين لصغر سننا ولأنه كان هناك من يهمهم أمرهم، أكثر منَّا.
وهكذا عدت إلى ثانوية قسنطينة، بعدما أخلفت هاماً دراسياً، لأجد البرنامج نفسه وكتب الفلسفة نفسها والأدب الفرنسي في انتظاري..
وحدهم بعض رفاق الدارسة كانوا ما يزالون ضمن المتغيّبين، بين مساجين وشهداء.
أغلبهم طلبة في الصفوف العليا التي كان مقرراً أن تتخرج منها أول دفعة من المثقفين والموظفين الجزائريين المفرنسين.
وكان ذلك شرفهم، أولئك الذين راهن البعض على خيانتهم، فقط لأنهم اختاروا الثانويات والثقافة الفرنسية، في مدينة لا يمكن لأحد فيها أن يتجاهل سلطة اللغة العربية، وهيبتها في القلوب والذاكرة.
فهل عجب أن يكون من بين الذين سجنوا وعذّبوا بعد تلك المظاهرات، الكثير منهم، هم الذين كانوا بحكم ثقافتهم الغربية يتمتعون بوعي سياسي مبكر، وبفائض وطنية.. وفائض أحلام.
والذين أدركوا، والحرب العالمية تنتهي لصالح فرنسا والحلفاء، أنّ فرنسا استعملت الجزائريين، ليخوضوا حرباً لم تكن حربهم، وأنهم دفعوا آلاف الموتى في معارك لا تعنيهم، ليعودوا بعد ذلك إلى عبوديتهم.
كان في مصادفة وجودي مع (سي الطاهر) في الزنزانة نفسها شيء أسطوري بحد ذاته، وتجربة نضالية ظلَت تلاحقني لسنوات بكل تفاصيلها، وربما كان لها بعد لك أثر في تغيّر قدري. فهناك رجال عندما تلتقي بهم تكون قد التقيت بقدرك.
كان (سي الطاهر) استثنائياً في كلِّ شيء، وكأنه كان يعد نفسه منذ البدء، ليكون أكثر من رجل.
لقد خلق ليكون قائداً. كان فيه شيء من سلالة طارق بن زياد، والأمير عبد الطارق، وأولئك الذين يمكنهم أن يغيروا التاريخ بخطبة واحدة.
وكان الفرنسيون الذين عذّبوه وسجنوه لمدة ثلاث سنوات يعرفون ذلك جيداً. ولكنهم كانوا يجهلون أنّ (سي الطاهر) سيأخذ بثأره منهم بعد ذلك بسنوات، ويصبح الرأس المطلوب بعد كل عملية يقوم بها المجاهدون في الشرق الجزائري.
أيّ صدفة.. أن يعود القدر بعد عشر سنوات تماماً، ليضعني مع (سي طاهر) في تجربة كفاحية مسلحة هذه المرّة!
سنة 1955.. وفي شهر أيلول بالذات، التحقت بالجبهة.
كان رفاقي يبدأون سنة دراسية ستكون الحاسمة، وكنت في عامي الخامس والعشرين أبدأ حياتي الأخرى.
أذكر أنَّ استقبال (سي طاهر) لي فاجأني وقتها. لم يسألني عن أيّة تفاصيل خاصة عن حياتي أو دراستي. لم يسألني حتى كيف أخذت قرار التحاقي بالجبهة، ولا أيّ طريق سلكت لأصل إليه. ظلَّ يتأملني قبل أ، يحتضنني بشوق وكأنَّه كان ينتظرني هناك منذ سنة.
ثم قال:
- جئت..!
وأجبته بفرح وبحزن غامض معاً:
- جئت!
كان ( سي الطاهر) هكذا أحياناً، يكون موجزاً حتَّى في فرحته؛ فكنت موجزاً معه في حزني أيضاً.
سألني بعدها عن أخبار الأهل، وأخبار ( أمّا) بالتحديد، فأجبته أنها توفيت منذ ثلاثة أشهر. وأعتقد أنه فهم كلّ شيء، فقد قال وهو يربت على كتفي، وشيء شبيه بالدمع يلمع في عينيه:
- رحمها الله، لقد تعذبت كثيراً.
ثم ذهب في تفكيره بعيداً إلى حيث لا أدري..
بعدها حسدت تلك الدمعة المفاجئة في عينيه، والتي رفع بها أمي إلى مرتبة الشهداء. فلم يحدث لي أن رأيت (سي الطاهر) يبكي سوى الشهداء من رجاله. وتمنيت طويلاً بعد ذلك أن أمدد جثماناً بين يديه، لأتمتع ولو بعد موتي بدمعة مكابرة في عينيه.
ألكلّ هذا تقلصت عائلتي فجأة في شخصه، ورحت أتفانى في إثبات بطولتي له، وكأنني أريد أن أجعله شاهداً على رجولتي أ, على موتي؛ شاهداً على أنني لم أعد أنتسب إلى أحد غير هذا الوطن، وأنني لم أترك خلفي سوى قبر لامرأة كانت أمي، وأخٍ يصغرني اختار له أبي مسبقاً امرأة ستصبح أمه.
كنت ألقي بنفسي على الموت في كل مرّة، وكأنني أتحداه أو كأنني أريد بذلك أن يأخذني بدل رفاقي الذين تركوا خلفهم أولادهم وأهلهم ينتظرون عودتهم.
وكنت كل مرة أعود أنا ويسقط آخرون، وكأن الموت قرر أن يرفضني ..

فداء
12-08-2007, 02:06 AM
وكان (سي طاهر) بعد أكثر من معركة ناجحة اشتركت فيها، قد بدأ تدريجياً يعتمد عليَّ في المهمات الصعبة، ويكلفني بالمهمات الأكثر خطورة، تلك التي تتطلب مواجهة مباشرة مع العدو. ورفعني بعد سنتين إلى رتبة ملازم لأتمكن من إدارة بعض المعارك وحدي، وأخذ القرارات العسكرية التي يقتضيها كل ظرف.
بدأت وقتها فقط أتحول على يد الثورة إلى رجل، وكأن الرتبة التي كنت أحملها قد منحتني شهادة بالشفاء من ذاكرتي.. وطفولتي.
وكنت آنذاك سعيداً وقد بلغت أخيراً تلك الطمأنينة النفسية التي لا تمنحنا إياها سوى راحة الضمير.
لم أكن أعي أنّ طموحاتي لا علاقة لها بالمكتوب وأنّ القدر كان يتربص بي في ذلك الوقت الذي كنت أعتقد فيه أن لا شيء بعد اليوم يمكن أن يعيدني إلى حزني السابق.
وجاءت تلك المعركة الضارية التي دارت على مشارف "باتنة" لتقلب يوماً كل شيء..
فقد فقدنا فيها ستة مجاهدين، وكنت فيها أنا من عداد الجرحى بعدما اخترقت ذراعي اليسرى رصاصتان، وإذا بمجرى حياتي يتغير فجأة، وأنا أجد نفسي من ضمن الجرحى الذين يجب أن ينقلوا على وجه السرعة إلى الحدود التونسية للعلاج. ولم يكن العلاج بالنسبة لي.. سوى بتر ذراعي اليسرى، لاستحالة استئصال الرصاصتين. ولم يكن هناك من مجال للنقاش أو التردد. كان النقاش فقط، حول الطرق الآمنة التي يمكن أن نسلكها حتى تونس، حيث كانت القواعد الخلفية للمجاهدين.
وها أنذا أمام واقع آخر..
ها هو ذا القدر يطردني من ملجأي الوحيد، من الحياة والمعارك الليلية، ويخرجني من السرية إلى الضوء، ليضعني أمام ساحة أخرى، ليست للموت وليست للحياة. ساحة للألم فقط.. وشرفة أت... منها على ما يحدث في ساحة القتال. فلقد بدا واضحاً من كلام (سي طاهر) يومها، أنني قد لا أعود إلى الجبهة مرّة ثانية.
في ذلك اليوم الأخير، حاول (سي طاهر) أن يحافظ على نبرته الطبيعية، وراح كما كان يودعني كل مرة قبل معركة جديدة. ولكن هذه المرة كان يدري أنه يعدّني لتحمل معركتي مع القدر.
غير أنه كان موجزاً على غير عادته، ربما.. لأنه ليس هناك من تعليمات خاصة تعطى في هذه الحالات.. وربما لأنه كان يتكبد يومها أكبر خسارة بشرية ويفقد في معركة واحدة عشرة من خيرة رجاله بين جرحى وقتلي. وكان يدري، والثورة مطوقة من كل جانب، قيمة كلّ مجاهد وحاجة الثورة إلى كل رجل على حدة.
ولم أقل له شيئاً ذلك اليوم..
كنت أشعر، لسبب غامض، أنني أصبحت يتيماً مرة أخرى.
كانت دمعتان قد تجمدتا في عينيّ. كنت أنزف، وكان ألم ذراعي ينتقل تدريجياً إلى جسدي كله، ويستقر في حلقي غصة. غصّة الخيبة والألم.. والخوف من المجهول.
كانت الأحداث تجري مسرعة أمامي، وقدري يأخذ منحىً جديداً بين ساعة وأخرى، ووحده صوت (سي طاهر) وهو يعطي تعليماته الأخيرة، كان يصل إليَّ حيث كان، ليصبح صلتي الوحيدة مع العالم.
وبرغم ذلك، مازلت أذكر تماماً حضوره الأخير، عندما جاء يتفقدني قبل سفري بساعة، ووضع ورقة صغيرة في جيبي وبعض الأوراق النقدية، وقال وهو ينحني عليّ وكأنه يودعني سراً:
"لقد قُدّر لك أن تصل إلى هناك.. أتمنى أن تذهب لزيارتهم حين تشفى وتسلّم هذا المبلغ إلى (أمّا) لتشتري به هدية للصغيرة، وأود أيضاً أن تقوم بتسجيلها في دار البلدية لو استطعت ذلك.. فقد يمر وقت طويل قبل أ، أتمكن من زيارتهم..".
وعاد بعد لحظات وكأنه نسي شيئاً ليضيف شبه مرتبك وهو يلفظ ذلك الاسم لأول مرة..
".. لقد اخترت لها هذا لاسم.. سجلها متى استطعت ذلك وقبّلها عني.. وسلّم كثيراً على (أمّا).."
كانت تلك أول مرة سمعت فيها اسمك.. سمعته وأنا في لحظة نزيف بين الموت والحياة، فتعلقت في غيبوبتي بحروفه، كما يتعلق محموم في لحظة هذيان بكلمة..
كما يتعلق رسول بوصية يخاف أن تضيع منه..
كما يتعلق غريق بحبال الحلم.
بين ألف الألم وميم المتعة كان اسمك.
تشطره حاء الحرقة.. ولام التحذير. فكيف لم أحذر اسمك الذي ولد وسط الحرائق الأولى، شعلة صغيرة في تلك الحرب. كيف لم أحذر اسماً يحل ضده ويبدأ بـ "أح" الألم واللذة معاً. كيف لم أحذر هذا الاسم المفرد _ الجمع كاسم هذا الوطن، وأدرك منذ البدء أن الجمع خلق دائماً ليقتسم!
بين الابتسام والحزن، يحدث اليوم أن أستعيد تلك الوصية:
"قبّلها عني.." وأضحك من القدر، وأضحك من نفسي، ومن غرابة المصادفات.
ثمَّ أعود وأخجل من وقار صوته، ومن مسحة الضعف النادرة التي غلّفت جملته تلك، هو الذي كان يريد أن يبدو أمامنا دائماً، رجلاً مهيباً لا هموم له سوى هموم الوطن، ولا أهل له غير رجاله..
لقد اعترف لي أنَّه رجل ضعيف؛ يحنّ ويشتاق وقد يبكي ولكن، في حدود الحياء، وسراً دائماً. فليس من حقّ الرموز أن تبكي شوقاً.
إنه لم يذكر أمكِ مثلاً.. تراه لم يحنّ إليها، هي العروس التي لم يتمتع بها غير أشهر مسروقة من العمر وتركها حاملاً.
ولماذا هذا الاستعجال المفاجئ؟ لماذا لا ينتظر بعض الوقت ليرتِّب قضية غيابه لأيام، ويقوم هو نفسه بتسجيلكِ؟
لقد انتظر ستة أشهر، فلماذا لا ينتظر أسابيع أخرى.. ولماذا أنا بالذات..
أيّ قدر جعلني أحضر إلى هناك بتوقيتك؟
كلما طرحت على نفسي هذا السؤال، دهشت له وآمنت بالمكتوب.
فقد كان بإمكان (سي طاهر) برغم مسؤولياته أن يهرب ليوم أو ليومين إلى تونس. ولم تكن قضية عبور الحدود بحراستها المشددة ودورياتها وكمائنها لتخيفه، ولا حتى اجتياز (خط موريس) المكهرب والمفروش بالألغام، والممتد بين الحدود التونسية الجزائرية من البحر إلى الصحراء، والذي اجتازه فيما بعد ثلاث مرات، وهو رقم قياسي بالنسبة لعشرات المجاهدين الذين تركوا جثثهم على امتداده.
أكان حبّ (سي طاهر) للانضباط، واحترامه للقوانين هو الذي خلق عنده ذلك الشعور بالقلق بعد ميلادك، وهو يكتشف عاجزاً أنه أب منذ شهور لطفلة لم يمنحها اسماً، ولم يتمكن حتى من تسجيلها؟
أم كان يخاف، هو الذي انتظرك طويلاً، أن تضيعي منه إن هو لم يرسخ وجودك وانتسابك له على ورقة رسمية عليها ختم رسمي؟
أكان يتشاءم من وضعك القانوني هذا، ويريد أن يسجل أحلامه في دار البلدية، ليتأكد من أنها تحولت إلى حقيقة.. وأنَّ القدر لن يعود ليأخذها منه، هو الذي كان حلمه في النهاية أن يصبح أباً كالآخرين بعد محاولة زواج فاشلة لم يرزق منها ذرّية؟
ولا أدري إذا كان (سي الطاهر) في أعماقه يفضّل لو كان مولوده صبيّاً.. أدري فقط، كما علمت فيما بعد، أنه حاول أن يتحايل على القدر وأن يترك قبل سفره اسماً احتياطياً لصبي،متجاهلاً احتمال مجيء أنثى. وربما فعل ذلك أيضاً بعقلية عسكرية، وبهاجس وطني دون أن يدري.. فقد كانت أحاديثه وخططه العسكرية تبدأ غالباً بتلك الجملة التي كثيراً ما سمعته يردِّدها "لازمنا رجال يا جماعة.."
إذن، لهذا كان (سي طاهر) يبدو سعيداً ومتفائلاً في كلّ شيء في تلك الفترة..
فجأة تغيّر الرجل الصلب. أصبح أكثر مرونة وأكثر دعابة في أوقات فراغه.
شيء ما كان يتغير تدريجياً داخله، ويجعله أقرب إلى الآخرين، وأكثر تفهماً لأوضاعهم الخاصة.
فقد أصبح يمنح البعض بسهولة أكثر تسريحات لزيارة خاطفة يقومون بها إلى أهلهم، هو الذي كان يبخل بها على نفسه. لقد غيّرته الأبوّة المتأخرة، التي جاءت رمزاً جاهزاً لمستقبل أجمل..
معجزة صغيرة للأمل.. كانت أنتِ.
طلع صباح آخر..
وها هو ذا النهار يفاجئني بضجيجه الاعتيادي، وبضوئه المباغت الذي يدخل النور إلى أعماقي غصباً عني، فأشعر أنه يختلس شيئاً مني.
في هذه اللحظة.. أكره هذا الجانب الفضولي والمحرج للشمس.
أريد أن أكتب عنك في العتمة. قصتي معك شريط مصور أخاف أن يحرقه الضوء ويلغيه، لأنك امرأة نبتت في دهاليزي السرية..
لأنك امرأة امتلكتها بشرعية السرية..
لا بد أن أكتب عنك بعد أن أسدل كلّ الستائر، وأغلق نوافذ غرفتي.
ورغم ذلك.. يسعدني في هذه اللحظة منظر الأوراق المكدسة أمامي، والتي ملأتها البارحة، في ليلة نذرتها للجنون. فقد أهديتها لك مغلّفة بصورة مهذبة في كتاب..
وأدري..
أدري أنَّك تكرهين الأشياء المهذّبة جداً.. وأنَّك أنانية جداً.. وأن لا شيء يع... في النهاية، خارج حدودك أنت.. وجسدك أنت.
ولكن قليلاً من الصبر سيّدتي.
صفحات أخرى فقط.. ثم أعرِّي أمامك ذاكرتي الأخرى. صفحات أخرى لا بد منها، قبل أن أملأك غروراً.. وشهوة.. وندماً وجنوناً. فالكتب كوجبات الحبّ.. لا بدّ لها من مقدّمات أيضاً.. وإن كنت أعترف أنّ "المقدمات" ليست مشكلتي الآن بقدر ما يربكني البحث عن منطلق لهذه القصة.
من أين أبدأ قصتي معك؟
ولقصتك معي عدّة بدايات، تبدأ مع النهايات غير المتوقعة ومع مقالب القدر.
وعندما أتحدث عنك.. عمّن تراني أتحدَّث؟ أعن طفلة كانت تحبو يوماً عند قدمي.. أم عن صبية قلبت بعد خمس وعشرين سنة حياتي.. أم عن امرأة تكاد تشبهك، أتأملها على غلاف كتاب أنيق عنوانه "منعطف النسيان" .. وأتساءل: أتراها حقاً.. أنتِ؟
وعندما أسميك فبأي اسم؟
تُرى أدعوك بذلك الاسم الذي أراده والدك، وذهبت بنفسي لأسجله نيابة عنه في سجلات البلدية، أم باسمك الأول، ذلك الذي حملته خلال ستة أشهر في انتظار اسم شرعي آخر؟
"حياة"..
سأدعوك هكذا.. ليس هذا اسمك على كل حال. إنه أحد أسمائك فقط.. فلأسمينَّك به إذن مادام هذا الاسم الذي عرفتك به، والاسم الذي أنفرد بمعرفته. اسمك غير المتداول على الألسنة، وغير المسجّل على صفحات الكتب والمجلات، ولا في أيّ سجلات رسمية.
الاسم الذي مُنحته لتعيشي وليمنحك الله الحياة والذي قتلته أنا ذات يوم، وأنا أمنحك اسماً رسمياً آخر، ومن حقي أن أحييه اليوم، لأنه لي ولم يُنادِكِ رجل قبلي يه.
اسمك الطفولي الذي يحبو على لساني، وكأنك أنت منذ خمس وعشرين سنة. وكلما لفظته، عدت طفلة تجلس على ركبتي وتعبث بأشيائي وتقول لي كلاماً لا أفهمه..
فأغفر لك لحظتها كلّ خطاياك.
كلما لفظته تدحرجت إلى الماضي، وعدت صغيرة في حجم دمية.. وإذا بك ابنتي.
هل أقرأ كتابك لأعرف كيف تحولت تلك الطفلة الصغيرة إلى امرأة؟ ولكنَّني أعرف مسبقاً أنك لن تكتبي عن طفولتك.. ولا عن سنواتك الأولى.
أنت تملئين ثقوب الذاكرة الفارغة بالكلمات فقط، وتتجاوزين الجراح بالكذب، وربما كان هذا سر تعلقك بي؛ أنا الذي أعرف الحلقة المفقودة من عمرك، وأعرف ذلك الأب الذي لم تريه سوى مرَّات قليلة في حياتك، وتلك المدينة التي كنت تسكنينها ولا تسكنك، وتعاملين أزقَََّتها دون عشق، وتمشين وتجيئين على ذاكرتها دون انتباه.
أنت التي تعلقتِ بي لتكتشفي ما تجهلينه.. وأنا الذي تعلّقت بك لأنسى ما كنت أعرفه.. أكان ممكناً لحبنا أن يدوم؟
كان (سي طاهر) طرفاً ثالثاً في قصتنا من البدء حتى عندما لا نتحدث عنه، كان بيننا حاضراً بغيابه، فهل أقتله مرة ثانية لأتفرَّد بك؟
آه لو تدرين.. لو تدرين ما أثقل حمل الوصايا، حتَّى بعد ربع قرن، وما أوجع الشهوة التي يواجهها أكثر من مستحيل وأكثر من مبدأ فلا يزيدها في النهاية إلا ... اشتهاء!
كان السؤال منذ البداية..
كيف لي أن ألغي (سي طاهر) م ذاكرتي، وألغي عمره من عمري، لأمنح حبّنا فرصة ولادة طبيعية؟
ولكن.. ما الذي سيبقى وقتها، لو أخرجتك من ذاكرتنا المشتركة وحولتك إلى فتاة عادية؟
كان والدك رفيقاً فوق العادة .. وقائداً فوق العادة.
كان استثنائياً في حياته وفي موته. فهل أنسى ذلك؟
لم يكن من المجاهدين الذين ركبوا الموجة الأخيرة، لضمنوا مستقبلهم، مجاهدي (62) وأبطال المعارك الأخيرة. ولا كان من شهداء المصادفة، الذين فاجأهم الموت في قصف عشوائي، أو في رصاصة خاطئة.
كان من طينة ديدوش مراد، ومن عجينة العربي بن مهيدي، ومصطفى بن بولعيد، الذين كانوا يذهبون إلى الموت ولا ينتظرون أن يأتيهم.
فهل أنسى أنّه والدك.. وسؤالك الدائم يعيد لاسمه هيبته حياً وشهيداً؟
فيرتبك القلب الذي أحبّك حدّ الجنون. ويبقى صدى سؤالك مائلاً... "حدثني عنه.."
سأحدثك عنه حبيبتي.. فلا أسهل من الحديث عن الشهداء. تاريخهم جاهز ومعروف مسبقاً كخاتمتهم. ونهايتهم تغفر لهم ما يمكن أن يكونوا قد ارتكبوا من أخطاء.
سأحدِّثك عن (سي طاهر)..
فوحده تاريخ الشهداء قابل للكتابة، وما تلاه تاريخ آخر يصادر الأحياء. وسيكتبه جيل لم يعرف الحقيقة ولكنه سيستنتجها تلقائياً.. فهناك علامات لا تخطئ.
مات (سي طاهر) طاهراً على عتبات الاستقلال. لا شيء في يده غير سلاحه. لا شيء في جيوبه غير أوراق لا قيمة لها.. لا شيء على أك.... سوى وسام الشهادة.
الرموز تحمل قيمتها في موتها..
ووحدهم الذين ينوبون عنهم، يحملون قيمتهم في رتبهم وأوسمتهم الشرفيّة، وما ملأوا به جيوبهم على عجل من حسابات سرّية.
ست ساعات من الحصار والتطويق، ومنن القصف المركّز لدشرة بأكملها ليتمكن قتلته من نشر صورته على صفحات جرائد الغد كدليل على انتصاراتهم الساحقة على أحد المخرّبين و "الفلَّاقة" الذين أقسمت فرنسا أن تأتي عليهم..
أكان حقاً موت ذلك الرجل البسيط انتصاراً لقوة عظمى، كانت ستخسر بعد بضعة أشهر الجزائر بأكملها؟!
استشهد هكذا في صيف 1960، دون أن يتمتع بالنصر ولا بقطف ثماره.
ها هو رجل أعطى الجزائر كلّ شيء، ولم تعطه حتى فرصة أن يرى ابنه يمشي إلى جواره..
أو يراك أنت ربما طبيبة أو أستاذة كما كان يحلم.
كم أحبّك ذلك الرجل!
بجنون أبوّة الأربعين.. بحنان الذي كان يخفي خلف صرامته الكثير من الحنان، بأحلام الذي صودرت منه الأحلام، بزهو المجاهد الذي أدرك وهو يرى مولده الأول، أنه لن يموت تماماً بعد اليوم.
مازلت أذكر المرّات القليلة التي كان يحضر فيها إلى تونس لزيارتكم خلسة ليوم واحد أو ليومين.
وكنت وقتها أسرع إليه متلهِّفاً لسماع آخر الأخبار، وتطورات الأحداث على الجبهة. وأنا أجهد نفسي في الوقت نفسه حتى لا أسرق منه تلك الساعات القليلة النادرة، التي كان يغامر بحياته ليقضيها برفقة عائلته الصغيرة.
كنت أندهش وقتها، وأنا أكتشف فيه رجلاً آخر لا أعرفه.
رجل بثياب أخرى، بابتسامة وكلمات أخرى، وبجلسة يسهل له فيها إجلاسك على ركبته طوال الوقت لملاعبتك.
كان يعيش كل لحظة بأكملها، وكأنه يعتر من الزمن الشحيح كل قطرات السعادة؛ وكأنه يسرق من العمر مسبقاً، ساعات يعرفها معدودة؛ ويمنحك مسبقاً من الحنان زادك لعمر كامل.
كانت آخر مرة رأيته فيها، في يناير سنة 1960. وكان حضر ليشهد أهم حدث في حياته؛ ليتعرف على مولوده الثاني "ناصر"، فقد كانت أمنيته السرية أن يُرزق يوماً بكر. يومها لسبب غامض تأملته كثيراً.. وحدَّثته قليلاً.. وفضّلت أن أتركه لفرحته تلك، ولسعادته المسروقة. وعندما عدت في الغد، قيل لي إنّه عاد إلى الجبهة على عجل مؤكداً أنه سيعود قريباً لمدة أطول.
ولم يعد..
انتهى بعد ذلك كرم القدر البخيل. فقد استشهد (سي طاهر) بعد بضعة أشهر دون أن يتمكن من رؤية ابنه مرّة ثانية.
كان ناصر آنذاك ينهي شهره الثامن، وأنت تدخلين عامك الخامس.
وكان الوطن في صيف 1960 بركاناً يموت ويولد كلّ يوم. وتتقاطع مع موته وميلاده، أكثر من قصة، بعضها مؤلم وبعضها مدهش..
وبعضها يأتي متأخراً كما جاءت قصتي التي تقاطعت يومها معك.
قصة فرعية، كتبت مسبقاً وحولت مسار حياتي بعد عمر بأكمله، بحكم شيء قد يكون اسمه القدر، وقد يكون العشق الجنوني..
ذاك الذي يفاجئنا من حيث لا نتوقع، متجاهلاً كلّ مبادئنا وقيمنا السابقة.
والذي يأتي متأخراً.. في تلك اللحظة التي لا نعود ننتظر فيها شيئاً؛ وإذا به يقلب فينا كلّ شيء.
فهل يمكن لي اليوم، بعدما قطعت بيننا الأيام جسور الكلام، أن أقاوم هذه الرغبة الجنونية لكتابة هاتين القصتين معاً، كما عشتهما معك ودونك، بعد ذلك بسنوات..
رغبةً.. وعشقاً.. وحلماً.. وحقداً.. وغيرةً.. وخيبةً.. وفجائع حدّ الموت.
أنت التي كنت تحبّين الاستماع إليّ..
وتقلبينني كدفتر قديم للدهشة.
كان لا بد أن أكتب من أجلك هذا الكتاب، لأقول لك ما لم أجد متَّسعاً من العمر لأقوله.
سأحدثك عن الذين أحبّوك لأسباب مختلفة، وخنتهم لأسباب مختلفة أخرى.
سأحدثك حتى عن زياد، أما كنت تحبِّين الحديث عنه وتراوغين؟
لم يعد من ضرورة الآن للمراوغة.. لقد اختار كلّ منا قدره.
سأحدثك عن تلك المدينة التي كانت طرفاً في حبّنا، والتي أصبحت بعد ذلك سبباً في فراقنا، وانتهي فيها مشهد خرابنا الجميل.
فعمّ تراك ستتحدثين؟
عن أيّ رجل منَّا تراك كتبت؟ مَنْ منَّا أحببت؟
ومن.. منّا ستقتلين؟
ولمن تراك أخلصت، أنت التي تستبدلين حبّاً بحبّ، وذاكرة بأخرى، ومستحيلاً بمستحيل؟
وأين أنا في قائمة عشقك وضحاياك؟
تراني أشغل المكانة الأولى، لأنني أقرب إلى النسخة الأولى؟
تراني النسخة المزورة لـ (سي طاهر) تلك التي لم يحوّلها الاستشهاد إلى نسخة طبق الأصل؟
تراني الأبوة المزورة.. أم الحب المزوّر؟
أنت التي _كهذا الوطن_ تحترفين تزوير الأوراق وقلبها.. دون جهد.
كان "مونتيرلان" يقول:
"إذا كنت عاجزاً عن قتل من تدّعي كراهيته، فلا تقل إنَّك تكرهه: أنت تعهّر هذه الكلمة!".
دعيني أعترف لك أنني في هذه اللحظة أكرهك، وأنّه كان لا بدّ أن أكتب هذا الكتاب لأقتلك به أيضاً. دعيني أجرّب أسلحتك..
فربما كنت على حق.. ماذا لو كانت الروايات مسدّسات محشوّة بالكلمات القاتلة لا غير؟.
ولو كانت الكلمات رصاصاً أيضاً؟
ولكنَّني لن أستعمل معك مسدساً بكاتم صوت، على طريقتك.
لا يمكن لرجل يحمل السلاح بعد هذا العمر، أن يأخذ كلّ هذه الاحتياطات.
أريد لموتك وقعاً مدوياً قدر الإمكان..
فأنا أقتل معك أكثر من شخص، كان لا بد أن يجرؤ أحد على إطلاق النار عليهم يوماً.
فاقرأي هذا الكتاب حتى النهاية، بعدها قد تكفّين عن كتابة الروايات الوهمية.
وطالعي قصتنا من جديد..
دهشة بعد أخرى، وجرحاً بعد آخر، فلم يحدث لأدبنا التعيس هذا، أن عرف قصة أروع منها..
ولا شهد خراباً أجمل.

فداء
12-08-2007, 02:31 AM
الفصل الثاني

كان يوم لقائنا يوماً للدهشة..
لم يكن القدر فيه هو الطرف الثاني، كان منذ البدء الطرف الأول. أليس هو الذي أتى بنا من مدن أخرى، من زمن آخر وذاكرة أخرى، ليجمعنا في قاعة بباريس، في حفل افتتاح معرض للرسم؟
يومها كنت أنا الرسام، وكنت أنت زائرة فضولية على أكثر من صعيد.
لم تكوني فتاة تعشق الرسم على وجه التحديد. ولا كنت أنا رجلاً يشعر بضعف تجاه الفتيات اللائي يصغرنه عمراً. فما الذي قاد خطاك هناك ذلك اليوم؟.. وما الذي أوقف نظري طويلاً أمام وجهك؟
كنت رجلاً تستوقفه الوجوه، لأن وجوهنا وحدها تشبهنا، وحدها تفضحنا، ولذا كنت قادراً على أن أحبّ أو أكره بسبب وجه.
وبرغم ذلك، لست من الحماقة لأقول إنني أحبتك من النظرة الأولى. يمكنني أن أقول إنني أحبتك، ما قبل النظرة الأولى.
كان فيك شيء ما أعرفه، شيء ما يشدني إلى ملامحك المحببة إليّ مسبقاً، وكأنني أحببت يوماً امرأة تشبهك. أو كأنني كنت مستعداًَ منذ الأزل لأحبّ امرأة تشبهك تماماً.
كان وجهك يطاردني بين كلّ الوجوه، وثوبك الأبيض المتنقّل من لوحة إلى أخرى، يصبح لون دهشتي وفضولي..
واللون الذي يؤثّث وحده تلك القاعة الملأى.. بأكثر من زائر وأكثر من لون.
- هل يولد الحبّ أيضاً من لونٍ لم نكن نحبّه بالضرورة!_
وفجأة اقترب اللون الأبيض منّي، وراح يتحدث بالفرنسية مع فتاة أخرى لم ألاحظها من قبل..
ربَّما لأن الأبيض عندما يلبس شعراً طويلاً حالكاً، يكون قد غطَّى على كل الألوان..
قال الأبيض وهو يتأمل لوحة:
- Je prefere l'abstrait..!
وأجاب اللون الذي لا لون له:
- moi je prefere comprendre ce que je vois.
ولم تدهشني حماقة اللون الذي لا لون له، عندما يفضّل أن يفهم كلّ ما يرى..
أدهشني اللون الأبيض فقط.. فليس من طبعه أن يفضّل الغموض!
قبل ذلك اليوم، لم يحدث أن انحزت للون الأبيض.
لم يكن يوماً لوني المفضل.. فأنا أكره الألوان الحاسمة.
ولكنني آنذاك انحزت إليك دون تفكير.
ووجدتني أقول لتلك الفتاة، وكأنني أواصل جملة بدأتها أنتِ:
- الفن هو كل ما يهزنا.. وليس بالضرورة كلّ ما نفهمه!
نظرتما إليّ معاً بشيء من الدهشة، وقبل أن تقولي شيئاً، كانت عيناك تكتشفان في نظرة خاطفة، ذراع جاكيتي الفارغة والمختبئ كمّه بحياء في جيب سترتي.
كانت تلك بطاقة تعريفي وأوراقي الثبوتية.
مددت نحوي يدك مصافحة وقلت بحرارة فاجأتني:
- كنت أريد أن أهنّئك على هذا المعرض..
وقبل أن تصلني كلماتك.. كان نظري قد توقَّف عند ذلك السوار الذي يزين معصمك العاري الممدود نحوي.
كان إحدى الحليّ القسنطينية التي تُعرف من ذهبها الأصفر المضفور، ومن نقشتها المميزة. تلك "الخلاخل" التي لم يكن يخلو منها في الماضي، جهاز عروس ولا معصم امرأة من الشرق الجزائري.
مددت يدي إليك دون أن أرفع عيني تماماً عنه. وفي عمر لحظة، عادت ذاكرتي عمراً إلى الوراء. إلى معصم (أمّا) الذي لم يفارقه هذا السوار قط.
وداهمني شعور غامض، منذ متى لم يستوقف نظري سوار كهذا؟
لم أعد أذكر.. ربَّما منذ أكثر من ثلاثين سنة!
بكثير من اللباقة سحبت يدك التي كنت أشدّ عليها ربَّما دون أن أدري، وكأنني أمسك بشيء ما، استعدتِه فجأة.
وابتسمت لي..
رفعت عيني نحوك لأول مرة.
تقاطعت نظراتنا في نصف نظرة.
كنت تتأملين ذراعي الناقصة، وأتأمل سواراً بيدك.
كان كلانا يحمل ذاكرته فوقه..
وكان يمكن لنا أن نتعرف على بعضنا بهذه الطريقة فقط. ولكن كنت لغزاً لا تزيده التفاصيل إلا غموضاً. فرحت أراهن على اكتشافك. أتفحصك مأخوذاً مرتبكاً.. كأنني أعرفك وأتعرف عليك في آن واحد.
لم تكوني جميلة ذلك الجمال الذي يبهر، ذلك الجمال الذي يخيف ويربك.
كنت فتاة عاديّة، ولكن بتفاصيل غير عادية، بسرٍّ ما يكمن في مكان ما من وجهك.. ربَّما في جبهتك العالية وحاجبيك السميكين والمتروكين على استدارتهما الطبيعية. وربّما في ابتسامتك الغامضة وشفتيك المرسومتين بأحمر شفاه فاتح كدعوة سريّة لقبلة.
أو ربما في عي... الواسعتين ولونهما العسليّ المتقلِّب.
وكنت أعرف هذه التفاصيل..
أعرفها.. ولكن كيف؟ وجاء صوتك بالفرنسية يخرجني من تفكيري قلت:
- يسعدني أن يصل فنان جزائري إلى هذه القمة من الإبداع..
ثم أضفت بمسحة خجل:
- في الحقيقة.. أنا لا أفهم كثيراً في الرسم، ولم أزر إلا نادراً معارض فنية، ولكن يمكنني أن أحكم على الأشياء الجميلة، ولوحاتك شي مميز.. كنّا في حاجة إلى شيء جديد بنكهة جزائرية معاصرة كهذه... لقد كنت أقول هذا لابنة عمي عندما فاجأتنا.
وعندما تقدمت تلك الفتاة مني لتصافحني، وتقدِّم لي نفسها، وكأنها بذلك ستصبح طرفاً في وقفتنا، وذلك الحوار الذي وجدت نفسها خارجه بعدما تجاهلتها منذ البدء دون أن أدري..
قالت وهي تعرّفني بنفسها:
- الآنسة عبد المولى. إني سعيدة بلقائك..
انتفضت لسماع ذلك الاسم.
ونظرت مدهوشاً إلى تلك الفتاة التي صافحتني بحرارة لا تخلو من شيء من الغرور..
تفحصتها وكأنني أكتشف وجودها، ثم عدت لأتأملك عساني أجد في ملامحك جواباً لدهشتي.
عبد المولى.... عبد المولى..
وراحت الذاكرة تبحث عن جواب لتلك المصادفة..
كنت أعرف عائلة عبد المولى جيداً.
إنهما أخوان لا أكثر. أحدهما (سي طاهر) استشهد منذ اكثر من عشرين سنة، وترك صبياً وبنتاً فقط.
والآخر (سي الشريف) تزوج قبل الاستقلال، و قد يكون له اليوم عدة أولاد وبنات..
فمن منكما ابنة (سي الطاهر)... تلك التي حملتُ اسمها وصية من الجبهة حتى تونس.. ونبت عن أبيها في دار البلدية، لتسجيلها رسمياً في سجلِّ الولادات؟
من منكما تلك الصغيرة التي قبّلتها نيابة عن أبيها، ولا عبتها ودلّلتها نيابة عنه؟
من منكما... أنتِ؟
وبرغم بعض الخطوط المشتركة لملامحكما، كنت أشعر أنَّك أنتِ.. لا تلك.
أو هكذا كنت أتمنى، وأنا أحلم قبل الأوان بقرابة ما تكون جمعتني بك.
وأندهش لهذه المصادفة، وأجد فجأة تبريراً لوجهك المحبّب إليّ مسبقاً. لقد كنت نسخة عن (سي طاهر)، نسخة أكثر جاذبية.
كنت أنثى.
ولكن.. أيعقل أن تكوني أنت الطفلة التي رأيتها لآخر مرة في تونس سنة (1962) غداة الاستقلال، عندما رحت أطمئن عليكم كالعادة، وأتابع بنفسي تفاصيل عودتكم إلى الجزائر؟ بعدما اتصل بي (سي الشريف) من قسنطينة، ليطلب مني بيع ذلك البيت الذي لم يعد هناك ضرورة لوجوده، والذي اشتراه (سي الطاهر) منذ عدّة سنوات ليهرّب إليه أسرته الصغيرة، عندما أبعدته فرنسا عن الجزائر في الخمسينيات، بعد عدة أشهر من السجن قضاها بتهمة التحريض السياسي.
كم كان عمرك وقتها؟
أيعقل أن تكوني تغيرت إلى هذا الحدّ.. وكبرت إلى هذا الحد.. خلال عشرين سنة؟!
رحت أتأملك مرة أخرى، وكأنني أرفض أن أعترف بعمرك، وربما أرفض أن أعترف بعمري وبالرجل الذي أصبحته منذ ذلك الزمن الذي يبدو لي اليوم غابراً.
ما الذي أوصلك إلى هذه المدينة.. وإلى هذه القاعة في هذا الزمن وهذا اليوم بالذات؟
يوم انتظرته طويلاً لسبب لا علاقة له بك..
وحسبت له ألف حساب لم تكوني ضمنه..
وتوقَّعت فيه كل المفاجآت إلا أن تكوني أنت مفاجأتي.
فجأة أذهلني اكتشافي، وخفت من مواجهة عي... اللتين كانتا تتابعان بشيء من الدهشة ارتباكي. فقررت أن أطرح سؤالي بالمقلوب، وأنا أواصل حديثي مع الفتاة الأخرى التي قدّمت لي نفسها. كنت أعرف أنني إذا عرفتها سينحل اللغز، وأعرف تلقائياً من منكما.. أنتِ.
فقد كان لإحداكما اسم أعرفه منذ خمس وعشرين سنة، وعليّ فقط أن أتعرف على صاحبته.
سألتها:
- هل لديك قرابة بسي الشريف عبد المولى؟
أجابت بسعادة وكأنها تكتشف أن أمرها يعنيني:
- إنه أبي.. لقد تعذر عليه الحضور اليوم بسبب وصول وفد من الجزائر البارحة.. لقد حدّثنا عنك كثيراً. وقد أثار فضولنا لمعرفتك لدرجة قرّرنا أن نأتي مكانه اليوم لحضور الافتتاح!
كان كلام تلك الفتاة على تلقائيته يحمل لي جوابين. الأول أنها لم تكن أنت، والثاني سبب تخلف (سي الشريف).
كنت لاحظت غيابه وتساءلت عن سببه، هل كان المانع شخصياً، أم سياسياً.. أم تراه كان لسببٍ ما يتحاشى الظهور معي؟
كنت أدري أنّ طرقنا تقاطعت منذ سنين عندما دخل دهاليز اللعبة السياسية، وأصبح هدفه الوحيد الوصول إلى الصفوف الأمامية. ورغم ذلك لم يكن بإمكاني أن أتجاهل وجوده معي في المدينة نفسها. فقد كان جزءاً من شبابي وطفولتي.. وكان بعض ذاكرتي.
ولذا، ولأسباب عاطفية محض، كان الشخصية الجزائرية الوحيدة التي دعوتها.
لم ألتق به منذ عدة سنوات، ولكن أخباره كانت تصلني دائماً منذ عُيِّن، قبل سنتين، ملحقاً في السفارة الجزائرية، وهو منصب ككل المناصب "الخارجية"، يتطلب كثيراً من الوساطة والأكتاف العريضة.
وكان بإمكان (سي الشريف) أن يشق طريقه إلى هذا المنصب ولأهم منه بماضيه فقط، وباسمه الذي خلّده سي الطاهر باستشهاده. ولكن يبدو أن الماضي لم يكن كافياً بمفرده لضمان الحاضر، وكان عليه أن يتأقلم مع كلّ الرياح للوصول..
خطر ببالي كلّ ذلك، وأنا أحاول بدوري أن أتأقلم مع كل المفاجآت والانفعالات التي هزتني في بضع لحظات، والتي كانت بدايتها أنني وددت أن أسلم على فتاة جميلة تزور معرضي لا غير.. فإذا بي أسلّم على ذاكرتي!
وعدت إلى دهشتي الأولى معك..
إلى كل التفاصيل الأولى التي لفتت نظري إليك منذ البدء. إلى تلك اللوحة بالذات التي توقفت طويلاً أمامها. لقد كان هناك أكثر من قدر، أكثر من مكتوب.. أكثر من مصادفة.
أنتِ..
أكنت أنت.. في قاعة تت...ين فيها على لوحاتي. تتأملين بعضها، تتوقفين عند بعضها الآخر، وتعودين إلى الدليل الذي تمسكيه بيدك لتتعرفي على أسماء اللوحات التي تلفت نظرك الأكثر؟
أنتِ..
تراك أنت.. نور آخر يضيء كل لوحة تمرين بها، فتبدو الأضواء الموجهة نحو اللوحات، وكأنها موجّهة نحوك.. وكأنك كنت اللوحة الأصلية.
أنت إذن..
تتوقفين أمام لوحة صغيرة لم تستوقف أحداً. تتأملينها بإمعان أكبر، تقتربين منها أكثر، وتبحثين عن اسمها في قائمة اللوحات.
ولحظتها سرت في جسدي قشعريرة مبهمة. واستيقظ فضول الرسّام المجنون داخلي..
من تكونين، أنت الواقفة أمام أحبّ لوحاتي ليّ..؟
رحت أتأملك مرتبكاً وأنت تتأملينها.. وتقولين لرفيقتك كلاماً لا يصلني شيء منه.
ما الذي أوقفك أمامها؟
لم تكن أجمل ما في القاعة من لوحات، كانت لوحتي الأولى وتمريني الأول في الرسم فقط..
ولكنني أصررت هذه المرة، على أن تكون حاضرة في معرضي الأهم هذا، لأنني اعتبرتها برغم بساطتها، معجزتي الصغيرة.
رسمتها منذ خمس وعشرين سنة، وكان مرَّ على بتر ذراعي اليسرى أقلّ من شهر.
لم تكن محاولة للإبداع ولا لدخول التاريخ. كانت محاولة للحياة فقط، والخروج من اليأس. رسمتها كما يرسم تلميذ في امتحان للرسم منظراً ليجيب على ورقة الأستاذ:
"ارسم أقرب منظر إلى نفسك".
إنها الجملة التي قالها لي ذلك الطبيب اليوغسلافي الذي قدم مع بعض الأطباء من الدول الاشتراكية إلى تونس، لمعالجة الجرحى الجزائريين، والذي أشرف على عملية بتر ذراعي وظل يتابع تطوراتي الصحية والنفسية فيما بعد.
كان يسألني كل مرة أزوره فيها عن اهتماماتي الجديدة، وهو يلاحظ إحباطي النفسي المستمر.
لم أكن مريضاً ليحتفظ بي الطبيب في مستشفى، ولا كنت معافى بمعنى الكلمة لأبدأ حياتي الجديدة.
كنت أعيش في تونس، ابناً لذلك الوطن وغريباً في الوقت نفسه؛ حراً ومقيداً في الوقت نفسه؛ سعيداً وتعيساً في الوقت نفسه.
كنت الرجل الذي رفضه الموت ورفضته الحياة. كنت كرة صوف متداخلة.. فمن أين يمكن لذلك الطبيب أن يجد رأس الخيط الذي يحلّ به كلّ عقدي؟
وعندما سألني ذات مرّة، وهو يكتشف ثقافتي، هل كنت أحبّ الكتابة أو الرسم، تمسكت بسؤاله وكأنني أتمسّك بقشه قد تنقذني من الغرق، وأدركت فوراً الوصفة الطبية التي كان يعدها لي.
قال:
- إن العملية التي أجريتها عليك، أجريت مثلها عشرات المرّات على جرحى كثيرين فقدوا في الحرب ساقاً أو ذراعاً، وإذا كانت العملية لا تختلف، فإنّ تأثيرها النفسي يختلف من شخص إلى آخر، حسب عمر المريض ووظيفته وحياته الاجتماعية.. وخاصة حسب مستواه الثقافي، فوحده المثقَّف يعيد النظر في نفسه كلّ يوم، ويعيد النظر في علاقته مع العالم ومع الأشياء كلما تغيّر شيء في حياته..
لقد أدركت هذا من تجربتي في هذا الميدان. لقد مرّت بي أكثر من حالة من هذا النوع، ولذا أعتقد أن فقدانك ذراعك قد أخلّ بعلاقتك بما هو حولك. وعليكم أن تعيد بناء علاقة جديدة مع العالم من خلال الكتابة أو الرسم..
عليك أن تختار ما هو اقرب إلى نفسك، وتجلس لتكتب دون قيود كلّ ما يدور في ذهنك. ولا تهمّ نوعية تلك الكتابات ولا مستواها الأدبي.. المهم الكتابة في حد ذاتها ...يلة تفريغ، وأداة ترميم داخلي..
وإذا كنت تفضّل الرسم فارسم.. الرسم أيضاً قادر على أن يصالحك مع الأشياء ومع العالم الذي تغيّر في نظرك، لأنك أنت تغيّرت وأصبحت تشاهده وتلمسه بيدٍ واحدة فقط..
وكان يمكن أن أجيبه ذلك اليوم بتلقائية.. إنني أحبّ الكتابة، وأنها الأقرب إلى نفسي، مادمت لم أفعل شيئاً طوال حياتي، سوى القراءة التي تؤدي تلقائياً إلى الكتابة.
كان يمكن أن أجيبه كذلك، فقد تنبأ لي أساتذتي دائماً بمستقبل ناجح.. في الأدب الفرنسي!
ولهذا أجبته دون تفكير، أو ربما بموقف اكتشفت فيما بعد أنه كان جاهزاً في أعماقي:
- أفضل الرسم..
لم تقنعه جملتي المقتضبة فسألني إن كنت رسمت قبل اليوم..
قلت: "لا..".
قال: "إذن ابدأ برسم أقرب شيء إلى نفسك.. ارسم أحبّ شي إليك..".
وعندما ودّعني قال بسخرية الأطباء عندما يعترفون بعجزهم بلباقة: " ارسم.. فقد لا تكون في حاجة إليّ بعد اليوم!".
عدت يومها إلى غرفتي مسرعاً أريد أن أخلو لنفسي بين تلك الجداران البيضاء، التي كانت استمراراً لجدران مستشفى "الحبيب ثامر" الذي كان حتى ذلك الوقت، المكان الذي أعرفه الأكثر في تونس.
رحت يومها أتأمل تلك الجدران على غير عادتي، وأنا أفكر في كل ما يمكن أن أعلق عليها من لوحات بعد اليوم. كل وجوه من أحبّ.. كلّ الأزقة التي أحب.. كلّ ما تركته خلفي هناك.
نمت في تلك الليلة قلقاً، وربما لم أنم. كان صوت ذلك الطبيب يحضرني بفرنسيته المكسرة ليوقظني "ارسم". كنت أستعيده داخل بدلته البيضاء، يودعني وهو يشدّ على يدي "ارسم". فتعبر قشعريرة غامضة جسدي وأنا أتذكر في غفوتي أول سورة للقرآن. يوم نزل جبرائيل عليه السلام على محمد لأول مرة فقال له "اقرأ" فسأله النبي مرتعداً من الرهبة.. "ماذا أقرأ؟" فقال جبريل "اقرأ باسم ربّك الذي خلق" وراح يقرأ عليه أول سورة للقرآن. وعندما انتهى عاد النبي إلى زوجته وجسده يرتعد من هول ما سمع. وما كاد يراها حتى صاح "دثريني.. دثريني...".
كنت ذلك المساء أشعر برجفة الحمّى الباردة. وبرعشة ربما كان سببها توتري النفسي يومها، وقلقي بعد ذلك اللقاء الذي كنت أعرف أنه آخر لقاء لي مع الطبيب. وربما أيضاً بسبب ذلك الغطاء الخفيف الذي كان غطائي الوحيد في أوج الشتاء القارس، والذي لم يمنحني مستأجري البخيل غيره.
وكدت أصرخ وأنا أتذكر فراش طفولتي. وتلك "البطانية" الصوفية التي كانت غطائي في مواسم البرد القسنطيني، كدت أصرخ في ليل غربتي.. "دثريني قسنطينة.. دثريني.." ولكن لم أقل شيئاً ليلتها، لا لقسنطينة ولا لصاحب الغرفة البائس. احتفظت بحمَّاي وبرودتي لنفسي. صعب على رجل عائد لتوه من الجبهة، أن يعترف حتى لنفسه بالبرد..
انتظرت فقط طلوع الصباح لأشتري بما تبقى في جيبي من أوراق نقدية ما أحتاج إليه لرسم لوحتين أو ثلاث. ووقفت كمجنون على عجل أرسم "قنطرة الحبال" في قسنطينة..
أكان ذلك الجسر أحبّ شيء إليّ حقاً، لأقف بتلقائية لأرسمه وكأنني وقفت لأجتازه كالعادة؟ أم تراه كان أسهل شيء للرسم فقط؟
لا أدري..
أدري أنني رسمته مرات ومرات بعد ذلك، وكأنني أرسمه كل مرة لأول مرة. وكأنه أحب شيء لدي كل مرة.
خمس وعشرون سنة، عمر اللوحة التي أسميتها دون كثير من التفكير "حنين". لوحة لشاب في السابعة والعشرين من عمره، كان أنا بغربته وبحزنه وبقهره.
وها أنا ذا اليوم، في غربة أخرى وبحزن وبقهر آخر.. ولكن بربع قرن إضافي، كان لي فيه كثير من الخيبات والهزائم الذاتية.. وقليل من الانتصارات الاستثنائية
ها أنا اليوم أحد كبار الرسامين الجزائريين، وربما كنت أكبرهم على الإطلاق؛ كما تشهد بذلك أقوال النقاد الغربيين الذين نقلت شهادتهم بحروف بارزة على بطاقات دعوة الافتتاح.
ها أنا اليوم... نبيّ صغير نزل عليه الوحي ذات خريف في غرفة صغيرة بائسة، في شارع "باب سويقة" بتونس.
ها أنا نبي خارج وطنه كالعادة.. وكيف لا ولا كرامة لنبي في وطنه؟
ها أنا "ظاهرة فنية؟، كيف لا وقدر ذي العاهة أن يكون "ظاهرة" وأن يكون جباراً ولو بفنه؟
ها أنا ذا..
فأين هو ذلك الطبيب الذي نصحني بالرسم ذات مرة؟ والذي صدقت نبوءته ولم احتاج إليه بعد ذلك اليوم؟ إنه الغائب الوحيد في هذه القاعة الشاسعة التي لم يسبق لأيّ عربي أن عرض فيها لوحاته قبلي. أين هو الدكتور "كابوتسكي" ليرى ماذا فعلت بيدٍ واحدة..
ذلك الذي لم أسأله يوماً ماذا فعل بيدي الأخرى

فداء
12-08-2007, 02:34 AM
وها هي "حنين" لوحتي الأولى، وجوار تاريخ رسمها (تونس 57) توقيعي الذي وضعته لأول مرة أسفل لوحة. تماماً كما وضعته أسفل اسمك، وتاريخ ميلادك الجديد، ذات خريف من سنة 1957، وأنا أسجِّلك في دار البلدية لأول مرة..
من منكما طفلتي.. ومن منكما حبيبتي؟ سؤال لم يخطر على بالي ذلك اليوم، وأنا أراك تقفين أمام تلك اللوحة لأول مرة..
لوحة في عمرك.. تكبرينها _ رسمياً _ ببضعة أيام.. وتصغرك في الواقع ببضعة أشهر لا غير.
لوحة كانت بدايتي مرتين.. مرة يوم أمسكت بفرشاة لأبدأ معها مغامرة الرسم.. ومرة يوم وقفت أنت أمامها، وإذا بي أدخل في مغامرة مع القدر...
على مفكرة ملأى بمواعيد وعناوين لا أهمية لها، وضعت دائرة حول تاريخ ذلك اليوم: نيسان 1981، وكأنني أريد أن أميزه عن بقية الأيام. قبل ذلك اليوم، لم أجد في سنواتي الماضية ما يستحق التميز.
فقد كانت أيامي مثل أوراق مفكرتي ملأى بمسودات لا تستحق الذكر. وكنت املأها غالباً كي لا أتركها بيضاء، فقد كان اللون الأبيض يخيفني دائماً عندما يكون على مساحة ورق.
ثماني مفكرات لثماني سنوات، لم يكن فيها ما يستحق الدهشة. جميعها صفحة واحدة لمفكرة واحدة لا تاريخ لها سوى الغربة. غربة كنت أحاول أن أختصرها بعملية حسابية كاذبة، تتحول فيها السنوات إلى ثماني مفكرات لا غير، مازالت مكدسة في خزانتي الواحدة فوق الأخرى... مسجلة لا حسب تواريخها الميلادية أو الهجرية.. إنما حسب أرقام سنوات هجرتي الاختيارية.
أضع دائرة حول تاريخ ذلك اليوم، وكأنني أغلق عليك داخل تلك الدائرة. كأنني أطوقك وأطارد ذكراك لتدخلي دائرة ضوئي إلى الأبد.
كنت أتصرف عن حدس مسبق، وكأن هذا التاريخ سيكون منعطفاً للذاكرة؛ كأنه سيكون ميلادي الآخر على يديك. وكنت أعي وقتها تماماً أن الولادة على يدك كالوصول إليك أمر لن يكون سهلاً.
يشهد على ذلك غياب رقمك اله...ي وعنوانك من تلك الصفحة التي لم تكن تحمل في النهاية سوى تاريخ لقائك. فهل كان من المنطقي أن اطلب منك رقم ه...ك في لقائنا الأول أو صدفتنا الأولى تلك.. وبأي مبرر وبأية حجة سأفعل ذلك، وكلّ الأسباب تبدو ملفّقة عندما يطلب رجل من فتاة جميلة رقم ه...ها؟
كنت أشعر برغية في الجلوس إليك.. في التحدث والاستماع إليك.. عساني أتعرّف على النسخة الأخرى لذاكرتي. ولكن كيف أقنعك بذلك؟ كيف أشرح لك في لحظات أنني أعرف الكثير عنك، أنا الرجل الذي تقابلينه لأول مرة، والي تتحدثين إليه كما نتحدث بالفرنسية للغرباء بضمير الجمع.. فلا أملك إلا أن أجيبك بنفس كلام الغرباء بالجمع..
كانت الكلمات تتعثر يومها على لساني، وكأنني أتحدث لك بلغة لا أعرفها.. بلغة لا تعرف شيئاً عنّا. أيعقل بعد عشرين سنة أن أصافحك وأسألك بلغة فرنسية محايدة..
- Mais comment allez-vous mademoiselle?
فتردين عليّ بنفس المسافة اللغوية:
- Bien.. je vous remercie..
وتكاد تجهش الذاكرة بالبكاء.. تلك التي عرفتك طفلة تحبو.
تكاد ترتعش ذراعي الوحيدة وهي تقاوم رغبة جامحة لاحتضانك، وسؤالك بلهجة قسنطينية افتقدتها..
- واشك..؟
آه واشك.. أيتها الصغيرة التي كبرت في غفلة منِّي.. كيف أنت أيتها الزائرة الغريبة التي لم تعد تعرفني. يا طفلة تلبس ذاكرتي، وتحمل في معصمها سواراً كان لأمي؟
دعيني أضمّ كلّ من أحببتهم فيك. أتأملك وأستعيد ملامح (سي الطاهر) في ابتسامتك ولون عي.... فما أجمل أن يعود الشهداء هكذا في طلّتك. ما أجمل أن تعود أمّي في سوار بمعصمك؛ ويعود الوطن اليوم في مقدمك. وما أجمل أن تكوني أنت.. هي أنت!
أتدرين..
(إذا صادف الإنسان شيء جميل مفرط في الجمال.. رغب في البكاء..)
ومصادفتك أجمل ما حلّ بي منذ عمر.
كيف أشرح لك كلّ هذا مرّة واحدة.. ونحن وقوف تتقاسمنا الأعين والأسماع؟
كيف أشرح لك أنني كنت مشتاقاً إليك دون أن أدري.. أنني كنت انتظرك دون أن أصدق ذلك؟
وأنه لا بد أن نلتقي.
أجمع حصيلة ذلك اللقاء الأول..
ربع ساعة من الحديث أو أكثر. تحدثت فيها أنا أكثر مما تحدثت أنت. حماقة ندمت عليها فيما بعد. كنت في الواقع أحاول أن أستبقيك بالكلمات. نسيت أن أمنحك فرصة أكثر للحديث.
كنت سعيداً وأنا أكتشف شغفك بالفنّ.. كنت على استعداد لمناقشتي طويلاً في كل لوحة، كان كل شيء معك قابلاً للجدل. وأمَّا أنا فكنت لحظتها لا أرغب سوى في الحديث عنك. وحده وجودك كان يثير شهيتي للكلام.
ولأنه لم يكن في الوقت متسع لأسرد عليك فصول قصتي المتقاطعة مع قصتك، اكتفيت بجملتين أو ثلاث عن علاقاتي القديمة بأبيك.. وعن طفولتك الأولى.. وعن لوحة قلت إنك أحببتها، وقلت لك إنها توأمك!
اخترت جملي بكثير من الاقتضاب.. وكثير من الذكاء. تركت بين الكلمات كثيراً من نقط الانقطاع.. لإشعارك بثقل الصمت الذي لم تملأه الكلمات.
لم أكن أريد أن أنفق ورقتي الوحيدة معك في يوم واحد على عجل.
كنت أريد أن أوقظ فضولك لمعرفتي أكثر، لكي أضمن عودتك لي ثانية. وعندما سألتني "هل ستكون موجوداً هنا طوال فترة المعرض؟" أدركت أنني نجحت في أول امتحان معك، وأنا أجعلك تفكرين في لقائي مرة ثانية. ولكنني قلت بصوت طبيعي لا علاقة له بزلازلي الداخلية:
"سأكون هنا بعد الظهر في أغلب الأحيان.." ثم أضفت وأنا أكتشف أن جوابي قد لا يشجعك على زيارة قد أكون غائباً عنها:
"ومن الأرجح أن أكون هنا كل يوم، فستكون لي مواعيد كثيرة مع الصحافيين والأصدقاء..".
كان في ذلك الكلام شيء من الحقيقة. ولكنني لم أكن في الواقع مضطراً للبقاء طوال الوقت في المعرض. كنت فقط أحاول ألا أجعلك تعودين عن قرارك لسبب ما.
قلت وأنت تتحدثين لي فجأة بطريقة الأصدقاء القدامى:
"قد أعود لزيارة المعرض يوم الاثنين القادم.. إنه اليوم الذي لا دروس لي فيه. في الحقيقة أنا حضرت اليوم عن فضول فقط.. ويسعدني أن أتحدث إليك أكثر..".
تدخلت ابنة عمك، وكأنها تعتذر، وربما تتحسر لأنها لن تكون طرفاً في ذلك اللقاء:
"خسارة.. إنه اليوم الأكثر مشاغل بالنسبة لي.. لن يمكنني أن أرافقك، ولكن قد أعود أنا أيضاً في يوم آخر." ثم التفت نحوي سائلة:
"متى ينتهي المعرض؟"
قلت:
"في 25 نيسان.. أي بعد عشرة أيام..".
صاحت:
"عظيم.. سأجد فرصة للعودة مرة أخرى.."
تنفست الصعداء.
المهم أن أراك مرة واحدة على انفراد، وبعدها سيصبح كلّ شيء أسهل.
تزودت منك بآخر نظرة، وأنت تصافحينني قبل أن تنسحبي.
كان في عي... دعوة لشيء ما..
كان فيهما وعد غامض بقصة ما..
كان فيهما شيء من الغرق اللذيذ المحبب.. وربما نظرة اعتذار مسبقة عن كل ما سيحل بي من كوارث بعد ذلك بسببهما.
وكنت أعي في تلك اللحظة، وذلك اللون الأبيض يوليني ظهره ملتفّاً بشال شعره الأسود.. ويبتعد عني تدريجياً ليختلط بأكثر من لون، أنني سواء رأيتك أم لم أرك بعد اليوم، فقط أحببتك.. وانتهى الأمر.
غادرت القاعة إذن مثلما جئتِ.. ضوءاً يشق الطريق انبهاراً عند مروره.. متألقاً في انسحابه كما في قدومه.
يجر خلفه أكثر من قوس قزح.. وذيلاً من مشاريع الأحلام.
ما الذي أعرفه عنك؟
شيئان أو ثلاثة.. أعدتهما على نفسي بعد ذلك عدة مرات، لأقنع نفسي أنك لم تكوني "نجماً مذنباً" عابراً كذاك الذي يضيء في الأمسيات الصيفية، ويختفي قبل أن يتمكن الفلكيون من مطاردته بمنظارهم، والذي يسمونه في قواميس الفلك.. "النجم الهارب"!
لا.. لن تهربي مني، وتختفي في شوارع باريس وأزقتها المتشعبة بهذه السهولة. أعرف على الأقل أنك تعدين شهادة ما في المدرسة العليا للدراسات، وأنك في السنة الأخيرة للدراسة، وأنك في باريس منذ أربع سنوات، وتقيمين عند عمك منذ عينّ في باريس أي منذ سنتين. معلومات قد تكون هزيلة، ولكنها تكفي للعثور عليك بأية طريقة.
كانت الأيام الفاصلة بين يوم الجمعة ويوم الاثنين تبدو طويلة وكأنها لا تنتهي. وكنت بدأت في العدّ العكسي منذ تلك اللحظة التي غادرت فيها القاعة، رحت أعدّ الأيام الفاصلة بين يوم الجمعة ويوم الاثنين. تارة أعدّها فتبدو لي أربعة أيام، ثم أعود وأختصر الجمعة الذي كان على وشك أن ينتهي، والاثنين الذي سأراك فيه، فتبدو لي المسافة أقصر وأبدو أقدر على التحمل، إنها يومان فقط هما السبت والأحد.
ثم أعود فأعدّ الليالي.. فتبدو لي ثلاث ليالٍ كاملة، هي الجمعة والسبت والأحد، أتساءل وأنا أتوقع مسبقاً طولها، كيف سأقضيها؟ ويحضرني ذلك البيت الشعري القديم الذي لم أصدّقه من قبل:
أعدّ الليالي ليلة بعد ليلة *** وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا
ترى أهكذا يبدأ الحب دائماً، عندما نبدأ في استبدال مقاييسنا الخاصة، بالمقاييس المتفق عليها، وإذا بالزمن فترة من العمر، لا علاقة لها بالوقت؟
في ذلك اليوم، سعدت وأنا أرى "كاترين" تدخل القاعة. جاءت متأخرة كما كنت أتوقع. أنيقة كما كنت أتوقع. داخل فستان أصفر ناعم، تطير داخله كفراشه. قالت وهي تضع قبلة على خدي:
- لقد وصلت متأخرة.. كان هناك ازدحام في الطريق كالعادة في مثل هذا الوقت.
كانت كاترين تسكن الضاحية الجنوبية لباريس. وكانت المواصلات تتضاعف في نهاية الأسبوع، في تلك الطرقات الرابطة بين باريس وضواحيها، والتي لم يكن ذلك السبب الوحيد لتأخرها. كنت أعرف أنها تكره اللقاءات العامة، أو تكره كما استنتجت أن تظهر معي في الأماكن العامة. ربما تخجل أن يراها بعض معارفها وهي مع رجل عربي، يكبرها بعشر سنوات، وينقصها بذراع!
كانت تحب أن تلتقي بي، ولكن دائماً في بيتي أو بيتها، بعيداً عن الأضواء، وبعيداً عن العيون، هنالك فقط كانت تبدو تلقائية في مرحها وفي تصرفها معي. ويكفي أن ننزل معاً لنتناول وجبة غداء في المطعم المجاور، ليبدو عليها شي من الارتباك والتصنع، ويصبح همّها الوحيد أن نعود إلى البيت.
وهكذا تعودت عندما تحضر أن أشتري مسبقاً ما يكفينا من الأكل لقضاء يوم أو يومين معاً. لم أعد أناقشها ولا أقترح عليها شيئاً. كان ذلك أوفر وأكثر راحة لي، فلماذا كلّ هذا الجدل؟
قالت كاترين بصوت أعلى من العادة وهي تمسك ذراعي وتلقي نظرة على اللوحات المعلقة التي كانت تعرفها جميعاً:
- برافو خالد، أهنئك.. رائع كلّ هذا.. أيها العزيز.
تعجبت شيئاً ما، كانت تتحدث هذه المرة وكأنها تريد أن يعرف الآخرون أنها صديقتي أو حبيبتي.. أو أي شيء من هذا القبيل.
ما الذي غيّر سلوكها فجأة، هل منظر ذلك الحشد من الشخصيات الفنية والصحافيين الذين حضروا الافتتاح.. أم أنها اكتشفت في هذا المكان، أنها كانت منذ سنتين تضاجع عبقرياً دون أن تدري، وأنَّ ذراعي الناقصة التي كانت تضايقها في ظروف أخرى، تأخذ هنا بعداً فنياً فريداً لا علاقة له بالمقاييس الجمالية؟
اكتشفت لحظتها، أنني خلال الخمس والعشرين سنة التي عشتها بذراع واحدة، لم يحدث أنني نسيت عاهتي إلا في قاعات العرض.
في تلك اللحظات التي كانت فيها العيون تنظر إلى اللوحات، وتنسى أن تنظر إلى ذراعي. أو ربما في السنوات الأولى للاستقلال.. وقتها كان للمحارب هيبته، ولمعطوبي الحروب شيء من القداسة بين الناس. كانوا يوحون بالاحترام أكثر مما يوحون بالشفقة. ولم تكن مطالباً بتقديم أي شرح ولا أي سرد لقصتك.
كنت تحمل ذاكرتك على جسدك، ولم يكون ذلك يتطلب أيّ تفسير.
اليوم بعد ربع قرن..، أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ الذي تخفيه بحياء في جيب سترتك، وكأنك تخفي ذاكرتك الشخصية، وتعتذر عن ماضيك لكل من لا ماضي لهم.
يدك الناقصة تزعجهم. تفسد على البعض راحتهم. تفقدهم شهيتهم.
ليس هذا الزمن لك، إنه زمن لما بعد الحرب.
للبدلات الأنيقة والسيارات الفخمة.. والبطون المنتفخة. ولذا كثيراً ما تخجل من ذراعك وهي ترافقك في الميترو وفي المطعم وفي المقهى وفي الطائرة وفي حفل تدعى إليه. تشعر أن الناس ينتظرون منك في كلّ مرّة أن تسرد عليهم قصتك.
كلّ العيون المستديرة دهشة، تسألك سؤالاً واحداً تخجل الشفاه من طرحه: "كيف حدث هذا؟".
ويحدث أن تحزن، وأنت تأخذ الميترو وتمسك بيدك الفريدة الذراع المعلقة للركاب. ثم تقرأ على بعض الكراسي تلك العبارة:
"أماكن محجوزة لمعطوبي الحرب والحوامل..".
لا ليست هذه الأماكن لك. شي من العزّة، من بقايا شهامة، تجعلك تفضّل البقاء واقفاُ معلقاً بيد واحدة.
إنها أماكن محجوزة لمحاربين غيرك، حربهم لم تكن حربك، وجراحهم ربما كانت على يدك.
أما جراحك أنت.. فغير معترف بها هنا.
ها أنت أمام جدلية عجيبة..
تعيش في بلد يحترم موهبتك ويرفض جُروحك. وتنتمي لوطن، يحترم جراحك ويرفضك أنت. فأيهما تختار.. وأنت الرجل والجرح في آن واحد.. وأنت الذاكرة المعطوبة التي ليس هذا الجسد المعطوب سوى واجهة لها؟
أسئلة لم أكن أطرحها على نفسي في السابق. كنت أهرب منها بالعمل فقط، والخلق المتواصل، وذلك الأرق الداخلي الدائم.
كان داخلي شيء لا ينام، شيء يواصل الرسم دائماً وكأنه يواصل الركض بي ليوصلني إلى هذه القاعة، حيث سأعيش لأيام رجلاً عادياً بذراعين، أو بالأحرى رجلاً فوق العادة..
رجلاً يسخر من هذا العالم بيد واحدة. ويعيد عجن تضاريس الأشياء بيد واحدة.
ها أنا ذا في هذه القاعة إذن.. وها هوذا جنوني معلّق لل...ة على الجدران. تتفحصه العيون وتفسره الأفواه كيفما شاءت.. ولا أملك إلا أن أبتسم، وبعض تلك التعليقات المتناقضة تصل مسمعي. وأتذكر قولاً ساخراً لـ "كونكور":
"لا شي يسمع الحماقات الأكثر في العالم.. مثل لوحة في متحف!".
جاء صوت كاترين خافتاً وكأنها تتحدث لي وحدي هذه المرة:
- عجيب.. إنني أرى هذه اللوحات وكأنني لا أعرفها، إنها هنا تبدو مختلفة..
كدت أجيبها وأنا أواصل فكرة سابقة:
"إن للوحات مزاجها وعواطفها أيضاً.. إنها تماماً مثل الأشخاص. إنهم يتغيرون أول ما تضعينهم في قاعة تحت الأضواء!"
ولكنني لم أقل لها هذا.
قلت لها فقط:
- اللوحة أنثى كذلك.. تحبّ الأضواء وتتجمل لها، تحب أن ندلّلها ونمسح الغبار عنها، أن نرفعها عن الأرض ونرفع عنها اللحاف الذي نغطِّيها به... تحبّ أن نعلقها في قاعة لتتقاسمها الأعين حتى ولو لم تكن معجبة بها..
إنها تكره في الواقع أن تعامل بتجاهل لا غير..
قالت وهي تفكر:
- صحيح ما تقوله.. من أين تأتي بهذه الأفكار؟ أتدري أنني أحب الاستماع إليك؟ لا أفهم كيف لا نجد أبداً وقتاً للحديث عندما نلتقي.
وقبل أن أعلّق على سؤالها بجواب مقنع جداً.. أضافت بنوايا أعرفها وهي تضحك..
- متى ستعاملني أخيراً كلوحة؟
قلت وأنا أضحك لسرعة بداهتها.. ولشهيتها التي لا تشبع:
- هذا المساء إذا شئت..
وعندما أخذت كاترين منّي مفاتيح البيت، وطارت كفراشة داخل فستانها الأصفر نحو الباب.
قالت وكأنها شعرت فجأة بالغيرة من كل تلك اللوحات المعلقة بعناية على الجدران، والتي ما زال بعض الزوار يتأملونها:
- أنا متعبة بعض الشيء.. سأسبقك ..

فداء
12-08-2007, 02:36 AM
أكانت حقاً متعبة إلى هذا الحد، أم أصبحت فجأة تغار عليّ أو تغار منّي.. أم جاءتني بجوع مسبق؟. كالعادة، لم أحاول أن أتعمق في فهمها.
كنت أريد فقط أن أستعين بها لأنسى. كنت سعيداً أن أختصر معها يوماً أو يومين من الانتظار.. انتظارك أنت! وكنت في حاجة إلى ليلة حبّ بعد شهر من الوحدة، والركض لإعداد كلّ تفاصيل هذا المعرض.
لحقت بكاترين بعد ساعة.
كنت متعباً لأسباب كثيرة. أحدها لقائي العجيب بك وكلّ ما عشته من هزّات نفسية ذلك اليوم.
قالت وهي تفتح لي الباب:
- إنك لم تتأخر كثيراً..
قلت وأنا أداعبها:
- كان في ذهني مشروع لوحة.. فعدت مسرعاً إلى البيت.. الوحي لا ينتظر كثيراً كما تعلمين!
ضحكنا..
كان بيننا تواطؤ جسدي ما، يشيع بيننا تلك البهجة الثنائية، تلك السعادة السرية التي نمارسها دون قيود.. بشرعية الجنون!
ولكن شعرت لحظتها وهي جالسة في الأريكة المقابلة لي تشاهد الأخبار، وتلتهم (سندويتشاً) أحضرته معها، أنها امرأة كانت دائماً على وشك أن تكون حبيبتي، وأنها هذه المرّة _ كذلك _ لن تكونها!
إن امرأة تعيش على "السندويتشات" هي امرأة تعاني من عجز عاطفي، ومن فائض في الأنانية.. ولذا لا يمكنها أن تهب رجلاً ما يلزمه من أمان.
ليلتها، ادّعيت أنني لست جائعاً.
في الحقيقة كنت رافضاً وربما عاجزاً عن الانتماء لزمن "السندويتشات".
وبرغم ذلك..
حاولت ألا أتوقف عند تلك التفاصيل التي كانت تستفزّ بداوتي في أول الأمر.
تعوّدت منذ تعرفت على كاترين ألا أبحث كثيراً عن أوجه الاختلاف بيننا. أن أحترم طريقتها في الحياة، ولا أحاول أن أصنع منها نسخة منّي. بل إنني ربما كنت أحبها لأنها تختلف عني حدّ التناقض أحياناً.
فلا أجمل من أن تلتقي بضدك، فذلك وحده قادر على أن يجعلك تكتشف نفسك. وأعترف أنني مدين لكاترين بكثير من اكتشافاتي، فلا شيء كان يجمعني بهذه المرأة في النهاية، سوى شهوتنا المشتركة وحبنا المشترك للفن.
وكان كافياً لنكون سعيدين معاً.
تعودنا مع مرور الزمن ألا نزعج بعضنا بالأسئلة ولا بالتساؤلات. في البدء تأقلمت بصعوبة مع هذا النمط العاطفي الذي لا مكان فيه للغيرة ولا للامتلاك.
ثمَّ وجدت فيه حسنات كثيرة، أهمها الحرّيّة.. وعدم الالتزام بشيء تجاه أحد..
كان يحدث أن نلتقي مرّة في الأسبوع، كما يحدث أن تمرّ عدة أسابيع قبل أن نلتقي.. ولكن كنّا نلتقي دائماً بشوق وبرغبة مشتركة.
كانت كاترين تقول "ينبغي ألا نقتل علاقتنا بالعادة"، ولهذا أجهدت نفسي حتى لا أتعود عليها، وأن أكتفي بأن أكون سعيداً عندما تأتي، وأن أنسى أنها مرّت من هنا عندما ترحل.
في تلك المرة حاولت أن أستبقيها لقضاء كلّ نهاية الأسبوع معي، وسعدت أن تقبل عرضي بحماس.
كنت في الوقع أخاف أن أبقى وحيداً مع ساعتي الجدارية في انتظار يوم الاثنين.
ورغم أنّ كاترين ظلّت معي حتى عشية يوم الأحد، فإن الوقت بدا لي طويلاً، وربما بدا لي أكثر لأنها كانت معي. فقد بدأت فجأة أستعجل ذهابها وكأنني سأخلو بك عند ذلك.
كانت أفكاري تدور حول سؤال واحد..
ماذا أقول لك لو انفردت بك يوم الاثنين؟ من أين أبدأ معك الحديث.. وكيف أقصّ عليك تلك القصة العجيبة، قصّتنا؟
كيف أغريك بالعودة من جديد لسماع بقيّتها؟
صباح الاثنين، لبست بدلتي الأجمل لموعدنا المحتمل. اخترت بذوق ربطة عنقي. وضعت عطري المفضّل، واتجهت نحو قاعة المعرض نحو الساعة العاشرة.
كان أمامي متَّسع من الوقت لأشرب قهوتي الصباحية في مقهى مجاور. فلم يكن يعقل أن تأتي قبل تلك الساعة، وحتى القاعة نفسها لم تكن تفتح أبوابها قبل العاشرة.
عندما دخلت القاعة، كنت أول من يطأها في ذلك الصباح. كان في الجو شحنة غامضة من الكآبة. لم يكن هناك من أضواء موجهة نحو اللوحات، ولا أيّ ضوء كهربائي يضيء السقف.
ألقيت نظرة خاطفة على الجدران.
ها هي لوحاتي تستيقظ كامرأة، بتلك الحقيقة الصباحية العارية دون زينة ولا مساحيق ولا "رتوش".
هاهي امرأة تتثاءب على الجدران بعد أمسية صاخبة.
اتجهت نحو لوحتي الصغيرة "حنين" أتفقدها وكأنني أتفقدك.
"صباح الخير قسنطينة.. كيف أنت يا جسري المعلق.. يا حزني المعلّق منذ ربع قرن؟".
ردّت عليّ اللوحة بصمتها المعتاد، ولكن بغمزة صغيرة هذه المرّة.
فابتسمت لها بتواطؤ.
إننا نفهم بعضنا أنا وهذه اللوحة "البلدي يفهم من غمزة!"
وكانت لوحة بلديّة مكابرة مثل صاحبها، عريقة مثله، تفهم بنصف غمزة!
رحت بعدها أتلهّى ببعض المشاغل التي كانت مؤجّلة منذ البارحة. طريقة مثل أخرى لكسب الوقت، والتفرّغ لك فيما بعد. وكان صوت داخليّ يلاحقني أثناء ذلك، ليذكرني أنك ستأتين، ويمنعني من التركيز على أي شيء.
ستأتي..
ستأتي.. ردّد الصوت ساعة وساعتين وأكثر.. ومرّ صبح ومرّ مساء ولم تأتِ.
حاولت أن أنشغل بلقاءات وتفاصيل يومية كثيرة، حاولت أن أنسى أنني هنا لانتظارك..
قابلت صحافياً وتحدثت لآخر دون أن تفارق عيناي الباب. كنت أترقّبك في كل خطوة..
وكلما تقدّم الوقت زاد يأسي.
وفجأة فتح الباب ليدخل منه.. سي الشريف!
نهضت إليه مسلّماً وأنا أخفي عنه دهشتي. تذكَّرت أغنية فرنسية يقول مطلعها "أردت أن أرى أختك.. فرأيت أمّك كالعادة..".
- ع السلامة يا سيدي.. عاش من شافك!
قالها وهو يحتضنني ويسلّم عليّ بحرارة. وأعترف برغم خيبتي أنه لم يحدث أن شعرت بسعادة وأنا أسلّم عليه مثل تلك المرة
وقبل أن أسأله عن أخباره قال وهو يقدّم لي ذلك الصديق المشترك الذي كان يرافقه:
- شفت شكون جبتلك معايَ؟
صحت وأنا أنتقل من دهشة إلى أخرى:
- أهلاً سي مصطفى واش راك.. واش هاذ الطلة..
قال بمودة وهو يحتضنني بدوره:
- واش آسيدي.. لو كان ما نجيوكش ما نشوفوكش وإلا كيفاش؟
رحت أجامله.ز وأسأله بدوي عن أخباره وإن كنت أدري أنّ في مرافقة سي الشريف له وفي مبالغته في تكريمه دليلاً على أنه مرشح لمنصب وزاري ما كما تقول الإشاعات.
عاتبني سي الشريف بودّ أحسسته صادقاً:
- يا أخي.. أيعقل أن نسكن هذه المدينة معاً دون أن تفكّر في زيارتي مرّة واحدة؟. أنا هنا منذ سنتين وعنواني معروف عندك.
تدخّل سي مصطفى ليضيف بتلميح سياسي بين المزاح والجد:
- واش راك مقاطعنا.. وإلا كيفاش هاذا الغيبة..؟
أجبته بصدق:
- لا أبداً.. ولكن ليس من السهل على شخص سكنته الغربة أن يجمع أشياءه هكذا ويعود.. في الحقيقة "المنفى عادة سيّئة يتخذها الإنسان" وقد أصبحت لي أكثر من عادة سيئة هنا..
ضحكنا.. وتشعّب بنا الحديث في مواضيع أخرى تطرقنا إليها عبوراً ومجاملة فقط..
وكان لا بد أن يتوقّفا بعد ذلك أمام إحدى اللوحات وهما يقومان بجولة لمشاهدة المعرض. لأفهم سرّ زيارة سي مصطفى لمعرضي، والتي تعود لكونه يريد أن يشتري لوحة أو لوحتين منّي. قال:
- أريد أن أحتفظ منك بشيء للذكرى.. ألا تذكر أنَّك بدأت الرسم يوم كنّا معاً في تونس؟ مازلت أذكر حتَّى لوحاتك الأولى.. لقد كنت أول من أريته لوحاتك وقتها.. هل نسيت؟
لا لم أنسَ.. وكم كنت أتمنى لحظتها لو أستطيع ذلك. شعرت بشيء من الإحراج وهو يستدرجني لتلك الفترة..
كان سي مصطفى صديقاً مشتركاً لي ولسي الشريف منذ أيام التحرير. فقد كان ضمن المجموعة التي كانت تعمل تحت قيادة سي الطاهر. بل، وكان واحداً من الجرحى الذين نقلوا معي للعلاج إلى تونس، حيث قضى ثلاثة أشهر في المستشفى عاد بعدها إلى الجبهة، ليبقى حتى الاستقلال في صفوف جيش التحرير، ويعود برتبة رائد.
كان يومها بشهامة وأخلاق نضالية عالية. وكنت في الماضي أكنُّ له احتراماً وودّاً كبيرين. ثم تلاشى تدريجياً رصيده عندي.. كلما امتلأ رصيده الآخر بأكثر من طريقة وأكثر من عملة، مثله مثل من سبقوه إلى تلك المناصب الحلوب التي تناوب عليها البعض بتقسيم مدروس للوليمة..
ولكن كان أمره هو بالذات يعنيني ويحزنني. فقد كان رفيق سلاحي لسنتين كاملتين.. وكان بيننا تفاصيل صغيرة جمعتنا في الماضي ولا يمكن للذاكرة رغم كلّ شيء أن تتجاهلها.
لعلّ أكثر تلك التفاصيل تأثيراً، تلك المصادفة التي جعلت الممرِّضة في تونس تعطيني وأنا أغادر المستشفى ثيابه التي وصل بها، والتي جف عليها دمه منذ عدّة أيّام.
كان في جيب سترته يومها بطاقة تعريفه التي تكاد لا تقرأ، من آثار بقع الدم عليها. والتي احتفظت بها لأعيدها إليه فيما بعد.. ولكنه عاد بعد ذلك إلى الجبهة دون أن يدري حتى أنها كانت في حوزتي، وربما دون أن يسأل عنها. فقد كان ذاهباً إلى مكان لا يحتاج فيه إلى بطاقة تعريف.
سنة 1973 عثرت مصادفة على تلك البطاقة ضمن أوراقي القديمة. وكنت آنذاك أجمع أشيائي استعداداً للرحيل..
تردّدت بين أن أحتفظ بها أو أعيدها إليه، فقد كنت أدري أنَّ تلك الهوية لم تعد في الواقع هويته. ولكنني كنت أريد أن أواجهه بالذاكرة.. دون أيّ تعليق.
وربما كنت أريد كذلك وأنا على أبواب المنفى أن أنهي علاقاتي بتلك البطاقة التي رافقتني منذ 1975 من بلد إلى آخر، وكأنني أنهي علاقاتي بالوطن، وأضعه أخيراً هو وأشياءه خارج الذاكرة..
يومها دهش سي مصطفى وأنا أخرج من جيب سترتي تلك البطاقة وأضعها أمامه، بعد ست عشرة سنة.
أهو الذي ارتبك لحظتها.. أم أنا؟
شعرت فجأة وأنا أنفصل عنها أنني أعطيته شيئاً كان ملتصقاً بصدري؛ شيئاً منّي، ربما ذراعي الأخرى، أو أيّ شيء كان لي..
كان أنا!
ولكنني وجدت آنذاك في فرحته عزائي.. وفي احتضانه لي بذلك العنفوان الأول الذي جمعنا يوماً، مكافأة للذاكرة ووهماً ما بإمكانية إيقاظ ذلك الرجل الآخر داخله.
ها هو سي مصطفى بعد سنوات، يتأمل لوحة لي وأتأمله. لقد مات فيه الرجل "الآخر".. فكيف راهنت يوماً عليه؟
في هذه اللحظة، لا شيء يعنيه سوى امتلاك لوحة لي؛ وربما كان مستعداً أن يدفع أيّ ثمن مقابلها. فمن المعروف عنه أنه لا يحسب كثيراً في هذه الحالات، مثله مثل بعض السياسيين والأثرياء الجزائريين الجدد الذين شاعت وسطهم عدوى اقتناء اللوحات الفنية، لأسباب لا علاقة لها غالباً بالفنّ، وإنما بعقلية جديدة للنهب الفنيّ أيضاً.. وبهاجس الانتساب للنخبة.
وربما كان أكثر سخاءً معي أنا بالذات، للأسباب نفسها التي تجعلني اليوم أكثر رفضاً له.
لقد قرّر أن يستبدل بتلك البطاقة المهترئة، لوحة (أكواريل) يفاخر بها.. فهل يتساوى الدم بالألوان المائية.. ولو بعد ربع قرن!
سعدت بعدها وأنا أتخلص منه ومن سي الشريف دون أن يأخذا على خاطرهما.. ودون أن أتنازل عن ذلك المبدأ الذي حدث أن جعت بسببه. فلا يمكن لي أن آكل من الخبز الملوّث. هناك من يولدون هكذا بهذه الحساسية التي لا شفاء منها تجاه كلّ ما هو قذر!
كنت في الواقع على عجل. أريد أن أنتهي منهما بسرعة.. خشية أن تأتي في تلك اللحظة ويكونا هناك.
وكنت قلقاً ومبعثراً بين الأحاسيس التي استدرجتني إليها سي مصطفى بعد كلّ تلك السنوات.. وبين هاجس قدومك، الذي أرهقني انتظاره منذ أيام.. ولكنك لم تأتي.. لا أثناء ذلك ولا بعده.
من أين هجمت عليّ كلّ تلك الكآبة بعد ذلك؟
وإذا بقدميّ تقودانني بخطى مثقلة، محبطة، إلى البيت، بعدما كانتا قد حملتاني إلى هنا، على أجنحة الشوق الجارف.
ماذا لو لم أرك مرّة أخرى.. لو انتهى ذلك المعرض ولم تعودي؟.
ماذا لو كان حديثك عن زيارتك المحتملة مجرد مجاملة، أخذتها أنا مأخذ الجد؟
كيف يمكن لي وقتها أن أطارد نجمك المذنّب الهارب؟
وحدها تلك البطاقة التي أعطاني إيّاها سي الشريف وهو يودّعني كانت تبعث شيئاً من الأمل في نفسي. فقد كنت أعرف أخيراً الأرقام السرية التي توصلني إليك، فنمت وأنا أخطط لمبرر ه...ي قد يجمعني بك. ولكنّ الحب عندما يأتي لا يبحث له عن مبرر، ولا يأخذ له موعداً.. ولذا ما كدت في اليوم التالي أدخل القاعة وأجلس في الصالون لأطالع جريدتي، حتى رأيتك تدخلين.
كنت تتقدمين نحوي، وكان الزمن يتوقف انبهاراً بك.
وكان الحبّ الذي تجاهلني كثيراً قبل ذلك اليوم.. قد قرر أخيراً أن يهبني أكثر قصصه جنوناً.

فداء
12-08-2007, 02:40 AM
الفصل الثالث

التقينا إذن..
قالت:
- مرحباً.. آسفة، أتيت متأخرة عن موعدنا يوم..
قلت:
- لا تأسفي.. قد جئت متأخرة عن العمر بعمر.
قالت:
- كم يلزمني إذن لتغفر لي؟
قلت:
- ما يعادل ذلك العمر من عمر!
وجلس الياسمين مقابلاً لي.
يا ياسمينة تفتحت على عجل.. عطراً أقلّ حبيبتي.. عطراً أقل!
لم أكن أعرف أنّ للذاكرة عطراً أيضاً.. هو عطر الوطن.
مرتبكاً جلس الوطن وقال بخجل:
- عندك كأس ماء.. يعيشك؟
وتفجرت قسنطينة ينابيع داخلي.
ارتوي من ذاكرتي سيدتي.. فكلّ هذا الحنين لكِ.. ودعي لي مكانا هنا مقابلاً لكِ..
أحتسيك كما تُحتسى، على مهل، قهوة قسنطينية.
أمام فنجان قهوة.. وزجاجة كوكا جلسنا. لم يكن لنا الظمأ نفسه.. ولكن كانت لنا الرغبة نفسها في الحديث.
قلت معتذرة:
- أنا لم أحضر البارحة، لأنني سمعت عمّي يتحدث لشخص على اله... ويتفق معه على زيارتك، ففضّلت أن أؤجّل زيارتي لك إلى اليوم حتى لا ألتقي بهما..
أجبتك وأنا أتأملك بسعادة من يرى نجمه الهارب أخيراً أمامه:
- خفت ألا تأتي أبداً..
ثم أضفت:
- أمّا الآن فيسعدني أنني انتظرتك يوماً آخر، إنّ الأشياء التي نريدها تأتي متأخرة دائماً!
تراني قلت وقتها أكثر مما يجب قوله؟
ساد شي من الصمت بيننا وارتباك الاعتراف الأول.. عندما قلت وكأنك تريدين كسر الصمت، أو إثارة فضولي:
- أتدري أنني أعرف الكثير عنك؟
قلت سعيداً ومتعجباً:
- وماذا تعرفين مثلاً؟
أجبت بطريقة أستاذ يريد أن يحير تلميذه:
- أشياء كثيرة قد تكون نسيتها أنت..
قلت لك بمسحة حزن:
- لا أعتقد أن أكون نسيت شيئاً. مشكلتي في الواقع أنني لا أنسى!
أجبتني بصوت بريء، وباعتراف لم أعِ ساعتها كلّ عواقبه القادمة عليّ:
- أمّا أنا فمشكلتي أنني أنسى.. أنسى كل شيء.. تصوّر.. البارحة مثلاً نسيت بطاقة الميترو في حقيبة يدي الأخرى. ومنذ أسبوع نسيت مفتاح البيت داخل البيت، وانتظرت ساعتين قبل أن يحضر أحد ليفتح لي الباب.. إنها كارثة.
قلت ساخرا:
- شكراً إذن لأنك تذكرت موعدنا هذا!
أجبت باللهجة الساخرة نفسها:
- لم يكون موعداً.. كان احتمال موعد فقط.. لا بدّ أن تعلم أنني أكره اليقين في كلّ شيء.. أكره أن أجزم بشيء أو ألتزم به.. الأشياء الأجمل، تولد احتمالاً.. وربّما تبقى كذلك.
سألتك:
- لماذا جئتِ إذن.؟
تأمّلتني.. وراحت عيناك تتسكعان في ملامح وجهي، وكأنهما تبحثان عن جواب لسؤال مفاجئ.. ثمّ قلت في نظرة مثقلة بالوعود والإغراء..
- لأنك قد تكون يقيني المحتمل!
ضحكت لهذه الجملة التي تحمل تناقضاً أنثوياً صارخاً_ لم أكن أعرف بعد أنه سِمَتك_ وقلت وقد ملأتني عيناك غروراً وزهواً رجالياً:
- أمّا أنا فأكره الاحتمالات.. ولذا أجزم أنني سأكون يقينك.
قلت بإصرار أنثى على قول الكلمة الأخيرة:
- إنه افتراض.. محتمل كذلك!
وضحكنا كثيراً.
كنت سعيداً وكأنني أضحك لأول مرة منذ سنوات. كنت أتوقع لنا بدايات أخرى، وكنت قد أعددت جملاً ومواقف كثيرة لمبادرتك في هذا اللقاء الأول. ولكن اعترف أنني لم أكن أتوقع لنا بداية كهذه.
فقد تلاشى كلّ ما أعددته ساعة قدومك.. وتبعثرت لغتي أمام لغتك التي لم أكن أدري من أين تأتين بها.
كان في حضورك شيء من المرح والشاعرية معاً. كان هناك تلقائية وبساطة تكاد تجاور الطفولة، دون أن تلغي ذلك الحضور الأنثوي الدائم.. وكنت تملكين تلك القدرة الخارقة على مساواة عمري بعمرك، في جلسة واحدة. وكأن فتوّتك وحيويّتك قد انتقلتا إليّ عن طريق العدوى. كنت ما أزال تحت وقع تصريحاتك تلك، عندما فاجأني كلامك:
- في الواقع.. كنت أريد أن أرى لوحاتك بتأنٍّ أكثر، لم أكن أريد أن أتقاسمها في ذلك اليوم مع ذلك الحشد من الناس.. عندما أحبّ شيئاً.. أفضل أن أنفرد به!
كانت هذه أجمل شهادة إعجاب يمكن أن تقولها زائرة لرسّام.. وأجمل ما يمكن أن تقوليه لي أنت ذلك اليوم. وقبل أن أذهب بعيداً في فرحتي أو أشكرك أضفت:
- ما عدا هذا.. كنت أود أن أتعرَّف عليك منذ زمن بعيد. لقد كانت جدتي تحدثني أحياناً عنك عندما تذكر أبي. يبدو أنها كانت تحبك كثيراً..
سألتك بلهفة:
- وكيف هي (أمّا الزهرة)؟ إنني لم أرها منذ زمان.
قلت بمسحة حزن:
- لقد توفيت من أربع سنوات، وبعد وفاتها انتقلت أمي لتعيش مع أخي ناصر في العاصمة. وجئت أنا إلى باريس لمتابعة دراستي. لقد غيّر موتها حياتنا بعض الشيء.. فهي التي ربَّتنا في الواقع..
حاولت أن أنسى ذلك الخبر. كان موتها شوكة أخرى انغرست في قلبي يومها. فقد كان فيها شيء من (أمّا)، من عطرها السري، من طريقتها في تعصيب رأسها على جنب بالمحارم الحريرية، وإخفاء علبة "النفّة" الفضّيّة في صدرها الممتلئ. وكانت لها تلك الحرارة التلقائية التي تفيض بها الأمهات عندنا، تلك الكلمات التي تعطيك في جملة واحدة ما يكفيك من الحنان لعمر بأكمله.
ولكن الوقت لم يكن للحزن. كنتِ معي أخيراً، وكان على الزمن أن يكون للفرح فقط.
قلت لك:
- رحمها الله.. لقد كنت أنا أيضاً أحبّها كثيراً..
تراك أردت عندئذ، أن تضعي نهاية لموجة الحزن التي فاجأتني. خشية أن تجرفنا معاً نحو ذاكرة لم نكن مهيأين بعد لتصفحها.
أم فقط كنت تريدين أن تطبّقي برنامج زيارتك عندما نهضت فجأة وقلت:
- أيمكنني أن ألقي نظرة على لوحاتك؟
وقفت لمرافقتك.
رحت أشرح لك بعضها والمناسبات التي رسمتها فيها عندما قلت وأنت تنقلين فجأة عي... من اللوحات إليّ:
- أتدري أنني أحب طريقتك في الرسم؟. أنا لا أقول لك هذا مجاملة، ولكن أعتقد أنني لو كنت أرسم لرسمت هكذا مثلك.. أشعر أننا نحن الاثنين نرى الأشياء بإحساس واحد.. وقلّ ما أحسست بهذا تجاه إنتاج جزائري.
ما الذي أربكني الأكثر لحظتها؟. أترى عيناك اللتان أصبح لهما فجأة لون آخر تحت الضوء، واللتان كانتا تتأملان فجأة ملامحي وكأنهما تتأملان لوحة أخرى لي.. أم ما قلته قبل ذلك والذي شعرت أنه تصريح عاطفي وليس انطباعاً فنياً؛ أو هكذا تمنَّيت أو خيّل لي. توقف سمعي عند كلمة "نحن الاثنين". إنها بالفرنسية تأخذ بعداً موسيقياً عاطفياً فريداً.. حتى إنها عنوان لمجلة عاطفية تصدر لمن تبقى من رومنطيقيين في فرنسا ( Nous deux) .
أخفيت ارتباكي بسؤال ساذج:
- وهل ترسمين؟
قلت:
- لا أنا أكتب.
- وماذا تكتبين؟
- أكتب قصصاً وروايات؟!
- قصصاً وروايات...!
ردّدتها وكأنني لا أصدق ما أسمع.. فقلت وكأنكِ شعرت بإهانة من مسحة العجب أو الشك في صوتي:
- لقد صدرت لي أول رواية منذ سنتين..
سألتك وأنا أنتقل من دهشة إلى أخرى:
- وبأي لغة تكتبين؟
قلت:
- بالعربية..
- بالعربية؟!
استفزتك دهشتي، وربما أسأت فهمها حين قلت:
- كان يمكن أن أكتب بالفرنسية، ولكن العربية هي لغة قلبي.. ولا يمكن أن أكتب إلا بها.. نحن نكتب باللغة التي نحسّ بها الأشياء.
- ولكنك لا تتحدثين بغير الفرنسية..
- إنها العادة..
قلتها ثم واصلت تأمل اللوحات قبل أن تضيفي:
- المهم.. اللغة التي نتحدث بها لأنفسنا وليست تلك التي نتحدث بها للآخرين!
رحت أتأملك مدهوشاً، وأنا أحاول أن أضع شيئاً من الترتيب في أفكاري..
أيمكن أن تجتمع كلّ هذه المصادفات، في مصادفة واحدة؟ وكلّ هذه الأشياء التي كانت قناعاتي الثابتة.. وأحلامي الوطنية الأولى، في امرأة واحدة.. وأن تكون هذه المرأة هي أنت.. ابنة سي الطاهر لا غير؟ لو تصوَّرت لقاء مدهشاً في حياتي، لما تصورت أكثر إدهاشاً من هذا. إنها أكثر من مصادفة، إنه قدر عجيب، أن تتقاطع طرقنا على هذا النحو، بعد ربع قرن.
أعادني صوتك إلى الواقع وأنت تتوقفين عند إحدى اللوحات:
- أنت قلّ ما ترسم وجوهاً، أليس كذلك؟
وقبل أن أجيبك قلت:
- اسمعي.. لن نتحدث إلى بعض إلا بالعربية.. سأغير عاداتك بعد اليوم..
سألتني بالعربية:
- هل ستقدر؟
أجبتك:
- سأقدر... لأنني سأغير أيضاً عاداتي معك..
أجبتني عندئذ بفرح سري لامرأة اكتشفت فبما بعد أنها تحب الأوامر:
- سأطيعك.. فأنا أحب هذه اللغة.. وأحب إصرارك. ذكِّرني فقط لو حدث ونسيت.
قلت:
- لن أذكرك.. لأنك لن تنسي ذلك!
وكنت أرتكب لحظتها أجمل الحماقات. وأنا أجعل تلك اللغة التي كان لي معها أكثر من صلة عشقية، طرفاً آخر في قصّتنا المعقّدة..
عدت لأسألك بالعربية:
- عمّ كنت تتحدثين منذ قليل؟
قلت:
- كنت أعجب ألا يوجد في معرضك سوى هذه اللوحة التي تمثِّل وجهاً نسائياً.. ألا ترسم وجوهاً؟
قلت:
- كنت في فترة أرسم وجوهاً ثم انتقلت إلى موضوعات أخرى. في الرسم، كلما تقدم عمر الفنان وتجربته، ضاقت به المساحات الصغيرة وبحث عن طرق أخرى للتعبير.
في الحقيقة أنا لا أرسم الوجوه التي أحبها حقاً.. أرسم فقط شيئاً يوحي بها.. طلّتها.. تماوج شعرها.. طرفاً من ثوب امرأة.. أو قطعة من حليّها. تلك التفاصيل التي تعلق في الذاكرة بعدما نفارقها. تلك التي تؤدي إليها دون أن تفضحها تماماً.. فالرسام ليس مصوراً فوتوغرافياً يطارد الواقع.. إنّ آلة تصويره توجد داخله، مخفية في مكان يجهله هو نفسه، ولهذا هو لا يرسم بعينيه، وإنما بذاكرته وخياله.. وبأشياء أخرى.
قلت وعيناك تنظران لامرأة يطغى شقار شعرها على اللوحة ولا يترك مجالاً للون آخر سوى حمرة شفتيها غير البريئتين:
- وهذه المرأة إذن.. لماذا رسمت لها لوحة واقعية إلى هذا الحدّ؟
ضحكت وقلت:
- هذه امرأة لا ترسم إلا بواقعية..
-ولماذا أسميت لوحتها "اعتذار"؟
- لأنني رسمتها اعتذاراً لصاحبتها..
قلت فجأة بلهجة فرنسية وكأن غضبك أو غيرتك السرّيّة قد ألغت ...اقنا السابق:
- أتمنى أن يكون قد أقنعها هذا الاعتذار.. فاللوحة جميلة حقاً.
ثم أضفت بشيء من الفضول النسائي:
- ولكن هذا يعود إلى نوع الذنب الذي اقترفته في حقها!
لم أكن أشعر بأيّة رغبة في أن أقصّ عليك قصة تلك اللوحة، في لقائنا الأول. كنت أخاف أن يكون لتلك القصة تأثير سلبي على علاقتنا، أو على نظرتك لي. فحاولت أن أتهرب من تعليقك الذي يستدرجني بحيلة إلى مزيد من التوضيح، وأتجاهل عنادك في الوقوف طويلاً أمام تلك اللوحة بالذات.
ولكن.. هل يمكن أن تقاوم فضول أنثى تصرّ على معرفة شيء؟
أجبتك:
- لهذه اللوحة قصة طريفة شيئاً ما، تكشف عن جانب من عقدي ورواسبي القديمة، وهي هنا ربّما لهذا السبب.
ورحت أقصّ لأول مرة قصة تلك اللوحة التي رسمتها ذات يوم، بعدما حضرت مرة، كما أفعل بين الحين والآخر، إحدى جلسات الرسم في مدرسة الفنون الجميلة، حيث يدعوني هناك بعض أصدقائي الأساتذة، كما يفعلون عادة مع بعض الرسَّامين، لألتقي بالطلبة والرسامين الهواة.
كان الموضوع ذلك اليوم هو رسم موديل نسائي عارٍ. وبينما كان جميع الطلبة متفرغين لرسم ذلك الجسد من زواياه المختلفة، كنت أنا أفكِّر مدهوشاً في قدرة هؤلاء على رسم جسد امرأة بحياد جنسيّ، وبنظرة جمالية لا غير، وكأنهم يرسمون منظراً طبيعياً أو مزهرية على طاولة، أو تمثالاً في ساحة.
من الواضح، أنني كنت الوحيد المرتبك في تلك الجلسة. فقد كنت أرى، لأول مرة، امرأة عارية هكذا تحت الضوء تغير أوضاعها، تعرض جسدها بتلقائية، ودون حرج أمام عشرات العيون؛ وربما في محاولة لإخفاء ارتباكي رحت أرسم أيضاً. ولكن ريشتي التي تحمل رواسب عقد رجل من جيلي، رفضت أن ترسم ذلك الجسد، خجلاً أو كبرياء لا أدري.. بل راحت ترسم شياً آخر، لم يكن في النهاية سوى وجه تلك الفتاة كما يبدو من زاويتي.. وعندما انتهت تلك الجلسة، وارتدت تلك الفتاة التي لم تكن سوى إحدى الطالبات ثيابها، وقامت بجولة كما هي العادة لترى كيف رسمها كلّ واحد، فوجئت وهي تقف أمام لوحتي، بأنني لم أرسم سوى وجهها. قالت بلهجة فيها شيء من العتاب وكأنها ترى في تلك اللوحة إهانة لأنوثتها: "أهذا كلّ ما ألهمتك إيّاه؟" فقلت مجاملاً: "لا، لقد ألهمتني كثيراً من الدهشة، ولكني أنا أنتمي لمجتمع لم يدخل الكهرباء بعد إلى دهاليز نفسه. أنت أوَّل امرأة أشاهدها عارية هكذا تحت الضوء، رغم أنني رجل يحترف الرسم.. فاعذريني. إن فرشاتي تشبهني، إنها تكره أيضاً أن تتقاسم مع الآخرين امرأة عارية.. حتى في جلسة رسم!".
كنت تستمعين إليّ مدهوشة، وكأنك تكتشفين فيّ فجأة رجلاً آخر لم تحدثك عنه جدّتك. كان في عي... فجأة شي جديد، نظرة غامضة ما، شيء من الإغراء المتعمّد، ربما سببه غيرة نسائية من امرأة مجهولة، سرقت في يوم ما اهتمام رجل لم يكن حتى الآن مهماً بالنسبة إليك.
رحت أتلذّذ بذلك الموقف العجيب الذي لم أتعمده. كنت سعيداً أن تثير فيك الغيرة هذا الصمت المفاجئ، وهذه الحمرة الخفيفة التي علت وجنتيك، وجعلت عي... تتّسعان بغضب مكبوت. فاحتفظت لنفسي ببقية القصة.. لم أخبرك أن هذه الحادثة تعود لسنتين، وأنَّ صاحبتها ليست سوى كاترين، وأنه كان عليّ فيما بعد أن أقدم لجسدها اعتذاراً آخر.. يبدو أنه كان مقنعاً لدرجة أنها لم تفارقني منذ ذلك الحين!
أذكر اليوم بشيء من السخرية، ذلك المنعطف الذي أخذته علاقتنا فجأة بعدما حدّثتك عن تلك اللوحة.. عجيب هو عالم النساء حقاً! كنت أتوقع أن تقعي في حبي، وأنت تكتشفي تلك العلاقة السرية التي تربطك بلوحتي الأولى "حنين". لوحة في عمرك وفي هويتك. وإذا بك تتعلقين بي بسبب لوحة أخرى لامرأة أخرى، تعبر الذاكرة خطأ!
انتهى موعدنا الأول عند الظهر.
كان عندي إحساس ما إنني سأراك مرة أخرى.. ربما غداً. كنت أشعر أننا في بداية شيء ما، وأننا كلينا على عجل. كان هناك كثير من الأشياء التي لم نقلها بعد، بل إننا لم نقل شياً في النهاية. نحن أغرينا بعضنا فقط بحديث محتمل. كنّا، عن سذاجة أو عن ذكاء، نمارس اللعبة نفسها معاً، ولذا لم أتعجب كثيراً عندما سألتني وأنت تودّعينني:
- هل ستكون هنا غداً صباحاًً؟
قلت لك بسعادة من ربح الرهان:
- طبعاً.
قلت:
- سأعود إذن غداً في الوقت نفسه تقريباً، سيكون لنا متَّسع أكثر للحديث. لقد مرّ الوقت بسرعة اليوم دون أن ننتبه لذلك..
لم أعلّق على كلامك. كنت أدري أن لا مقياس للوقت سوى قلبينا. ولذا فالوقت لا يركض بنا إلا عندما يركض بنا القلب لاهثاً أيضاً من فرحة إلى أخرى، ومن دهشة إلى أخرى.. ولذا وجدت في كلامك اعترافاً بفرح مشترك سرّيّ.. توقعت أن يتكرَّر.
أذكر أنني قلت لك يومها وأنا أودِّعك عند باب القاعة:
- لا تنسي كتابك غداً.. أريد أن أقرأك.
قلت متعجبة:
- أتتقن العربية؟
قلت:
- طبعاً.. سترين ذلك بنفسك.
قلتِ:
- سأحضره إذن..
ثم أضفت بابتسامة لا تخلو من كيدٍ نسائي محبّب:
- مادمت تصرّ على معرفتي.. لن أحرمك من هذه المتعة!
وانغلق الباب خلف ابتسامتك تلك، دون أن أفهم ما كنت تعنيه بالتحديد.
ذهبت بالغموض الضبابي الذي جئت به.. نفسه. وبقيت عند عتبة ذلك الباب الزجاجي، أتأملك تندمجين بخطى المارة وتختفين مرة أخرى كنجمٍ هارب.. و أنا أتسال بشيء من الذهول.. ترانا التقينا حقاً؟!
التقينا إذن..
الذين قالوا "الجبال وحدها لا تلتقي".. أخطأوا.
والذين بنوا بينها جسوراً، لتتصافح دون أن تنحني أو تتنازل عن شموخها.. لا يفهمون شيئاً في قوانين الطبيعة.
الجبال لا تلتقي إلا في الزلازل و الهزات الأرضية الكبرى، وعندما لا تتصافح، وإنما تتحول إلى تراب واحد.
التقينا إذن..
وحدثت الهزة الأرضية التي لم تك متوقّعة، فقد كان أحدنا بركاناً، وكنت أنا الضحية.
يا امرأة تحترف الحرائق. ويا جبلاً بركانياً جرف كلّ شيء في طريقه، وأحرق آخر ما تمسَّكت به.
من أين أتيت بكل تلك الأمواج المحرقة من النار؟ وكيف لم أحذر تربتك المحمومة، كشفتيْ عاشقة غجرية.
كيف لم أحذر بساطتك وتواضعك الكاذب، وأتذكّر درساً قديماً في الجغرافية: "الجبال البركانية لا قمم لها؛ إنها جبال في تواضع هضبة.." فهل يمكن للهضاب أن تفعل كلّ هذا؟
كلّ الأمثلة الشعبية تحذّرنا من ذلك النهر المسالم الذي يخدعنا هدوؤه فنعبره، وإذا به يبتلعنا. وذلك العود الصغير الذي لا نحتاط له.. وإذا به يعمينا.
أكثر من مثل يقول لن بأكثر من لهجة "يؤخذ الحذر من مأمنه". ولكن كلّ تحذيراتها لن تمنعنا من ارتكاب المزيد من الحماقات، فلا منطق للعشق خارج الحماقات والجنون. وكلما ازددنا عشقاً كبرت حماقاتنا.
ألم يقل (برنارد شو) "تعرف أنك عاشق عندما تبدأ في التصرف ضد مصلحتك الشخصية!"
وكانت حماقاتي الأولى، أنني تصرفت معك مثل سائح يزور صقلّية لأول مرة، فيركض نحو بركان (إتنا)، ويصلِّي ليستيقظ البركان النائم بعين واحدة من نومه، ويغرق الجزيرة ناراً، على مرأى من السواح المحملين بالآلات الفوتوغرافية.. والدهشة.
وتشهد جثث السواح التي تحولت إلى تراب أسود أنه لا أجمل من بركان يتثاءب، ويقذف ما في جوفه من نيران وأحجار، ويبتلع المساحات الشاسعة في بضع لحظات.
وأنّ المت... عليه يصاب دائماً بجاذبية مغناطيسية ما.. بشيء شبيه بشهوة اللهب، يشدّه لتلك السيول النارية، فيظل منبهراً أمامها. يحاول أن يتذكّر في ذهول كلّ ما قرأه عن قيام الساعة، وينسى بحماقة عاشق، أنه يشهد ساعتها.. قيام ساعته!
يشهد الدمار حولي اليوم، أنني أحببتك حتى الهلاك؛ وأشتهيك.. حتى الاحتراق الأخير. وصدَّقت جاك بريل عندما قال "هناك أراض محروقة تمنحك من القمح ما لا يمنحك نيسان في أوج عطائه". وراهنت على ربيع هذا العمر القاحل. ونيسان هذه السنوات العجاف.
يا بركاناً جرف من حولي كلّ شيء.. ألم يكن جنوناً أن أزايد على جنون السواح والعشاق، وكلّ من أحبوك قبلي.. فأنقل بيتي عند سفحك، وأضع ذاكرتي عند أقدام براكينك، وأجلس بعدها وسط الحرائق.. لأرسمك.
ألم يكن جنوناً.. أن أرفض الاستعانة بنشرات الأرصاد الجوية، والكوارث الطبيعية، وأقنع نفسي أنني أعرف عنك أكثر مما يعرفون. نسيت وقتها أن المنطق ينتهي حيث يبدأ الحبّ، وأنّ ما أعرفه عنك لا علاقة له بالمنطق ولا بالمعرفة.
التقت الجبال إذن.. والتقينا.
ربع قرن من الصفحات الفارغة البيضاء التي لم تمتلئ بك.
ربع قرن من الأيام المتشابهة التي أنفقتها في انتظارك.
ربع قرن على أوَّل لقاء بين رجل كان أنا، وطفلة تلعب على ركبتي كانت أنت.
ربع قرن على قبلة وضعتها على خدك الطفولي، نيابة عن والد لم يرك.
أنا الرجل المعطوب الذي ترك في المعارك المنسيّة ذراعه، وفي المجن المغلقة قلبه..
لم أكن أتوقع أن تكوني المعركة التي سأترك عليها جثّتي، والمدينة التي سأنفق فيها ذاكرتي.. واللوحة البيضاء التي ستستقيل أمامها فرشاتي، لتبقى عذراء.. وجبّارة مثلك. تحمل في لونها كلّ الأضداد.
كيف حدث كلّ هذا؟ لم أعد أدري.
كان الزمن يركض بنا من موعد إلى آخر، والحبّ ينقلنا من شهقة إلى أخرى، وكنت أستسلم لحبك دون جدل.
كان حبك قدري.. وربما كان حتفي، فهل من قوة تقف في وجه القدر؟
كان لقاؤنا يتكرر كل يوم تقريباً، كنّا نلتقي في تلك القاعة نفسها في ساعات مختلفة من النهار، فقد شاءت المصادفات أن يصادف معرضي عطلة الربيع المدرسية. وكنت تملكين ما يكفي من الوقت لزيارتي كلّ يوم. فلم يكن لك أيّ دوام جامعي.
كان عليك فقط أن تتحايلي على الآخرين بعض الشيء، وربما على ابنة عمك أكثر، حتى لا ترافقك لسبب أو لآخر.
كنت أتساءل كل مرة وأنا أودعك مردداً تلقائياً، "إلى الغد": ترانا نرتكب أكبر الحماقات ويزداد تعلقنا ببعض كلّ يوم. وربما لأنني كنت أكبرك سنّاً، كنت أشعر أنني تحمل وحدي مسؤولية ذلك الوضع العاطفي ال... وانحدارنا السريع والمفجع نحو الحب.
ولكن عبثاً كنت أحاول الوقوف في طريق ذلك الشلال الذي كان يجرفني إليك بقوة حبّ في الخمسين، بجنون حبّ في الخمسين، بشهية رجل لم يعرف الحبّ قبل ذلك اليوم.
كان حبك يجرفني بشبابه وعنفوانه، وينحدر بي إلى أبعد نقطة في اللامنطق.. تلك التي يكاد يلامس فيها العشق، في آخر المطاف، الجنون أو الموت..
وكنت أشعر وأنا أنحدر معك إلى تلك المتاهات العميقة داخلي، إلى تلك الدهاليز السرية للحب والشهوة، وإلى تلك المساحة البعيدة الأغوار التي لم تطأها امرأة قبلك، أنني أنزل أيضاً سلّم القيم تدريجياً، وأنني أتنكَّر دون أن أدري لتلك المثل التي آمنت بها بتطرّف، ورفضت عمراً بأكمله أن أساوم عليها.
لقد كانت القيم بالنسبة لي شياً لا يتجزأ، ولم يكن هناك في قاموسي من فرق بين الأخلاق السياسية، وبقية الأخلاق.. وكنت أعي أنني، معك، بدأت أتنكَّر لواحدة لأقنعك بأخرى.
تساءلت كثيراً آنذاك..
تراني كنت أخون الماضي، وأنا أنفرد بك في جلسة شبه بريئة، في قاعة تؤثثها اللوحات والذاكرة؟
تراني أخون أعزّ مَنْ عرفت من رجال، وأكثرهم نخوة ومروءة، وأكثرهم شجاعة ووفاءً؟
تراني سأخون سي الطاهر قائدي ورفيقي وصديق عمر بأكمله. فأدنّس ذكراه وأسرق منه زهرة عمره الوحيدة.. ووصيّته الأخيرة؟
أيمكن أن أفعل كلّ ذلك باسم الماضي، وأنا أحدِّثك عن الماضي!
ولكن.. أكنت حقّاً أسرق منك شيئاً، في تلك الجلسات التي كنت أحدِّثك فيها طويلاً عنه؟.
لا.. لم يحدث هذا أبداً، كانت هيبة اسمه حاضرة في ذهني دائماً. كانت تربطني بك وتفصلني عنك في الوقت نفسه. كانت جسراً وحاجزاً في الوقت نفسه..
وكانت متعتي الوحيدة وقتها، أن أودعك مفاتيح ذاكرتي. أن أفتح لك دفاتر الماضي المصفرّة، لأقرأها أمامك صفحة.. صفحة. وكأنني أكتشفها معك وأنا أستمع لنفسي، أقصها لأول مرة.
كنا نكتشف بصمت أننا نتكامل بطريقة مخيفة. كنت أنا الماضي الذي تجهلينه، وكنتِ أنت الحاضر الذي لا ذاكرة له، والذي أحاول أن أودعه بعض ما حمّلتني السنوات من ثقل.
كنتِ فارغة كإسفنجة، وكنت أنا عميقاً ومثقلاً كبحر.
رحت تمتلئين بي كلّ يومٍ أكثر..
كنت أجهل ساعتها أنني كنت كلما فرغت امتلأت بك أيضاً، وأنني كلما وهبتك شياً من الماضي، حوّلتك إلى نسخة منّي. وإذا بنا نحمل ذاكرة مشتركة، طرقاً وأزقة مشتركة، وأفراحاً وأحزاناً مشتركة كذلك. فقد كنَّا معاً معطوبي حرب، وضعتنا الأقدار في رحاها التي لا ترحم، فخرجنا كلُّ بجرحه.
كان جرحي واضحاً و جرحك خفياً في الأعماق. لقد بتروا ذراعي، وبتروا طفولتك. اقتلعوا من جسدي عضواً.. وأخذوا من أحضانك أبا.. كنَّا أشلاء حرب.. وتمثالين محطّمين داخل أثواب أنيقة لا غير.
أذكر ذلك اليوم الذي طلبت فيه مني لأول مرة، أن أحدَّثك عن أبيك. واعترفت بشيء من الارتباك، أنَّك جئت لزيارتي من البدء.. بهذه النية فقط. كان في صوتك شيء من الحزن المكابر.. شي من المرارة التي اكتشفتها فيك لأول مرة.
قلت:
- ما فائدة أن يمنح اسم أبي لشارع كبير، وأن أحمل ثقل اسمه الذي يردده أمامي المارة والغرباء عدة مرات في اليوم. ما فائدة ذلك إذا كنت لا أعرف عنه أكثر مما يعرفون، وإذا كان لا يوجد بينهم شخص واحد قادر على أن يحدّثني عنه حقاً؟
قلت لك متعجباً:
- ألم يحدثك عنه عمّك مثلاً؟
قلت:
- عمّي لا وقت له لهذا.. وعندما يحدث أن يذكره أمامي، يأتي كلامه وكأنه أقرب لخطبة تأبينية يتوجه بها لغرباء يستعرض أمامهم مآثر أخيه، ولا يتوجه فيها إليّ ليحدثني عن رجل هو أبي قبل كلّ شي..
الذي أريد أن أعرفه عن أبي، ليس تلك الجمل الجاهزة لتمجيد الأبطال والشهداء، والتي تقال في كلّ مناسبة عن الجميع؛ وكأنَّ الموت سوّى فجأة بين كلّ الشهداء، فأصبحوا جميعاً نسخة طبق الأصل.
يهمني أن أعرف شيئاً عن أفكاره.. بعض تفاصيل حياته.. أخطاءه وحسناته.. طموحاته السرية.. هزائمه السرية. لا أريد أن أكون ابنة لأسطورة، الأساطير بدعة يونانية. أريد أن أكون ابنة لرجل عادي بقوّته وبضعفه، بانتصاراته وبهزائمه. ففي حياة كلّ رجل خيبة ما وهزيمة ما، ربما كانت سبباً في انتصار آخر.
حلّ شيء من الصمت بيننا..
كنت أتأملك وأغوص في أعماق نفسي. رحت أبحث عن الحدّ الفاصل بين هزائمي وانتصاراتي. لم أكن في تلك اللحظة نبيّاً، ولا كنت أنت آلهة إغريقية.. كنّا فقط تمثالين أثريين قديمين محطمَي الأطراف، يحاولان ترميم أجزائهما بالكلمات. فرحت أستمع إليك وأنت ترمِّمين ما في أعماقك من دمار.
قلت:
- يحدث أن أشعر أنني ابنة لرقم فقط، رقم بين مليون ونصف مليون رقم آخر. ربما كان بعضها أكبر أو أصغر، ربما كتب اسم بعضها بخط أكبر أو أصغر من خطّ آخر، ولكنها جميعاً أرقام لمأساة ما.
وأضفتِ:
- أن يكون أبي أورثني اسماً كبيراً، هذا لا يعني شيئاً. لقد أورثني مأساة في ثقل اسمه، وأورث أخي الخوف الدائم من السقوط، والعيش مسكوناً بهاجس الفشل، وهو الابن الوحيد للطاهر عبد المولى الذي ليس من حقه أن يفشل في الدراسة ولا في الحياة، لأنه ليس من حق الرموز أن تتحطم. والنتيجة، أنه تخلى عن دراسته الجامعية وهو يكتشف عبثية تكديس الشهادات، في زمن يكدّس فيه الآخرون الملايين. ربما كان على حق، فالشهادات هي آخر ما يمكن أن يوصلك اليوم إلى وظيفة محترمة.
لقد رأى أصدقاءه الذين تخرجوا قبله، ينتقلون مباشرة إلى البطالة أو إلى موظَّفين برواتب وأحلام محدودة، فقرَر أن ينتقل إلى التجارة. ورغم أنني أشاطره رأيه، إلا أنه يحزنني أن يتحول أخي وهو في عزّ شبابه، إلى تاجر صغير يدير محلاً تجارياً وشاحنة وهبتها له الجزائر كامتياز بصفته ابن شهيد. لا أعتقد أن أبي كان يتوقَّع له مستقبلاً كهذا!
قاطعتك في محاولة لتخفيف تذمرك:
- إنه لم يتوقع أيضاً لك مستقبلاً كهذا. لقد ذهبت أبعد من أحلامه؛ إنك الوريثة لكلّ طموحاته ومبادئه. كان رجلاً يقدّس العلم والمعرفة، ويعشق العربية، ويحلم بجزائر لا علاقة لها بالخرافات والعادات البالية التي أرهقت جيله وقضت عليه. إنك لا تعين أن يكون لك اليوم هذا الحظ الاستثنائي، في وطن يمنحك فرصة أن تكوني فتاة مثقَّفة، يمكنها الدراسة والعمل وحتى الكتابة..
أجبت بشيء من السخرية:
- قد أكون مدينة للجزائر بثقافتي أو بعلمي، ولكن الكتابة شي آخر لم يمنّ به أحد عليّ. نحن نكتب لنستعيد ما أضعناه وما سرق خلسة منّا.. كنت أفضِل أن تكون لي طفولة عادية وحياة عادية، أن يكون لي أب وعائلة كالآخرين؛ وليس مجموعة من الكتب وجزمة من الدفاتر. ولكن أبي أصبح ملكاً لكل الجزائر، ووحدها الكتابة أصبحت ملكي.. ولن يأخذها منِّي أحد!
أذهلني كلامك. ملأني بأحاسيس متناقضة. أحزنني، ولكنه لم يوصلني إلى حد الشفقة عليك. إنَّ امرأة ذكية لا تثير الشفقة. إنها دائماً تثير الإعجاب حتى في حزنها. وكنت معجباً بك، بجرحك المكابر، بطريقتك الاستفزازية في تحدّي هذا الوطن. كنت تشبهينني أنا الذي كنت أرسم بيد لأستعيد يدي الأخرى. كنت أفضِّل لو بقيت رجلاً عاديا بذراعين اثنتين، لأقوم بأشياء عادية يومية، ولا أتحول إلى عبقري بذراع واحدة، لا تتأبط غير الرسوم واللوحات.
لم يكن حلمي أن أكون عبقرياً ولا نبياً ولا فناناً رافضاً ومرفوضاً. لم أجاهد من أجل هذا. كان حلمي أن تكون لي زوجة وأولاد، ولكن القدر أراد لي حياة أخرى، فإذا بي أب لأطفال آخرين وزوج للغربة والفرشاة.. لقد بتروا أيضاً أحلامي.
قلت لك:
- لن يأخذ أحد منك الكتابة.. إن ما في أعماقنا هو لنا ولن تطوله يد أحد.
قلتِ:
- ولكن ليس في أعماقي شيء سوى الفراغات المحشوة بقصاصات الجرائد.. بنشرات الأخبار، وبكتب ساذجة ليس بيني وبينها من قرابة.
ثم أضفت وكأنك تودعينني سراً:
- أتدري لماذا كنت أحبّ جدّتي أكثر من أي شخص آخر.. وأكثر حتى من أمّي؟ إنها الوحيدة التي كانت تجد متسعاً من الوقت لتحدِّثني عن كلِّ شيء.. كانت تعود إلى الماضي تلقائياً، وكأنها ترفض الخروج منه. كانت تلبس الماضي.. تأكل الماضي.. ولا تطرب سوى لسماع أغانيه.
كانت تحلم بالماضي في زمن كان الآخرون يحلمون فيه بالمستقبل. ولذا كثيراً ما تحدّثني عن أبي دون أن أطلب منها ذلك، فقد كان أجمل ما في ماضيها الأنثوي العابر. وكانت لا تتعب من الحديث عنه، كأنها تستعيده بالكلمات وتستحضره. كانت تفعل ذلك بحسرة الأم التي ترفض أن تنسى أنها فقدت بكرها إلى الأبد.. ولكنها لم تكن تقول لي عنه أكثر مما تقوله أم عن ابنها. كان الطاهر هو الأجمل.. هو الأروع.. هو الابن البارّ الذي لم يجرحها يوماً بكلمة.
يوم الاستقلال بكت جدّتي كما لم تبك يوماً. سألتها "أمّا.. لماذا تبكين وقد استقلَّت الجزائر؟" قالت: "كنت في الماضي أنتظر الاستقلال ليعود لي الطاهر، اليوم أدركت أنني لم أعد أنتظر شيئاً".
يوم مات أبي لم تزغرد جدّتي كما في قصص الثورة الخياليّة التي قرأتها فيما بعد. وقفت في وسط الدار وهي تشهق بالبكاء وتنتفض عارية الرأس مرددة بحزن بدائي: " يا وخيدتي.. يا سوادي.. آه الطاهر أحنَاني لمن خلّيتني.. نروح عليك أطراف".
وكانت أمي تبكي بصمت وهي تحاول تهدئتها، وكنت أنا أت... عليهما وأبكي دون أن أفهم تماماً أنني أبكي رجلاً لم أره سوى مرَّات.. رجلاً كان أبي.
لماذا كان ذكرك لـ ( أمّا الزهرة) يثير دائماً فيّ تلك العواطف الغامضة، التي كانت جميلة ودافئة قبل ذلك اليوم، والتي أصبحت فجأة موجعة حدّ البكاء؟
مازلت أذكر ملامح تلك العجوز الطيبة التي أحبّتني بقدر ما أحببتها والتي قضيت طفولتي وصباي متنقلاً بين بيتها وبيتنا. كان لتلك المرأة طريقة واحدة في الحبّ، اكتشفت بعدها أنها طريقة مشتركة لكلّ الأمهات عندنا. إنها تحبّك بالأكل، فتعد من أجلك طبقك المفضل وتلاحقك بالأطعمة، وتحمّلك بالحلويات، وبالكسرة والرخسيس الذي انتهت لتوِّها من إعداده.
لقد كانت تنتمي لجيل من النساء نذرن حياتهنَّ للمطبخ، ولذا كنّ يعشن الأعياد والأعراس كوليمة حبّ، يهبن فيها من جملة ما يهبن فائض أنوثتهنَّ.. وحنانهنَ وجوع سرّي لم يجد له من تعبير آخر خارج الأكل.
لقد كنَّ في الوقع يطعمن كل يوم أكثر من مائدة.. وأكثر من "ترّاس".. وينمن كل ليلة دون أن ينتبه أحد إلى جوعهنّ المتوارث من عصور..اكتشفت هذه الحقيقة مؤخراً فقط، يوم وجدت نفسي ربَّما وفاءً لهنَّ_ عاجزاً عن حبّ امرأة تعيش على الأكل الجاهز، ولا وليمة لها غير جسدها!
سألتك وأنا أهرب من تلك الذكريات هربي من خدوش طفولتي البعيدة:
- وأمك.. إنك لم تحدّثيني عنها أبداً كيف عاشت بعد وفاة سي الطاهر؟
قلتِ:
- لقد كانت قليلة الحديث عنه.. ربّما كانت في أعماقها تعتب على الذين زوجوها منه، فقد كانوا يزفّونها لشهيد وليس لرجل..
كانت تعرف مسبقاً نشاطه السياسي، وتدري أنه سيلتحق بالجبهة بعد الزواج، وسيدخل في الحياة السرّيّة، ولن يزورها إلا خلسة بين الحين والآخر، وقد لا يعود إليها إلا جثماناً، فلماذا هذا الزواج إذن؟ ولكن كان لا بدّ لذلك الزواج أن يتمّ؛ كان في الجوّ رائحة صفقة ما. فقد كان أهلها فخورين بمصاهرة الطاهر عبد المولى، صاحب الاسم والثروة الكبيرة. ولا بأس أن تكون أمي زواجه الثاني أو أرملته القادمة. وربما كانت جدتي تعرف أنه خلق ليستشهد فراحت تزور الأولياء والصالحين متضرِّعة باكية لابنها أخيراً ذريّة.. تماماّ كما كانت تزور سابقاً يوم كانت حبلى به طالبة آنذاك أن يكون مولودها صبيّاً..
سألتك:
- من أين تعرفين كلّ هذه القصص؟
قلت:
- منها هي.. ومن أمي أيضاً. تصور أنها يوم كانت حبلى بأبي لم تفارق مزار (سيدي محمد الغراب) بقسنطينة، حتى إنها كادت تلده هناك.. ولذا سمَته ( محمد الطاهر) تباركاً به.. ثمّ سمّت عمي ( محمد الشريف) تباركاً به أيضاً.. بعدها عرفت أنَّ نصف رجال تلك المدينة أسماؤهم هكذا.. وأنَّ أهل تلك المدينة يولون اهتماماً كبيراً للأسماء، وأنَ معظمهم يحمل أسماء الأنبياء أو الأولياء الصالحين. وهكذا كادت تسمِيني "السيدة" تباركاً بالسيدة المنوبيّة التي كانت تزورها في تونس كلّ مرة محملة بالشمع والسجاد والدعوات، متنقلة بين ضريحها ومزار (سيدي عمر الفاياش). ربما سمعت به، ذلك الولي الذي كان يعيش عارياً تماماً من كل شيء.. وهو ما جعل السلطات التونسية تقوم بربط قدمه إلى سلسال حديدي حتى لا يغادر البيت عارياً كما تعوّد أن يفعل.. وهكذا كان يعيش مقيداً، يدور ويصرخ وسط غرفة فارغة، إلا من النساء اللاتي يتسابقن لزيارته، بعضهن للتبارك به.. وأخريات لمجرد اكتشاف رجولته المعروضة لل...ة.. ولفضول النساء الملتحفات بـ (السفساري) والمتظاهرات بالحشمة الكاذبة!.
سألتك ضاحكاًً..
- وهل زرته أنت؟.
قلتِ:
- طبعاً.. لقد زرته بعد ذلك مع كلّ واحدة منهنَّ على انفراد؛ وزرت أيضاً "السيدة المنوبية"، المرأة التي كدت أحمل اسمها، لولا أنَّ أمي أنقذتني من تلك الكارثة، وقررت أن تسميني "حياة" في انتظار مجيء أبي، الذي يعود إليه القرار الأخير في اختيار اسمي.
توقَّف القلب عند هذا الاسم.. وركضت الذاكرة إلى الوراء. تعثّر اللسان وهو يلفظ هذا الاسم بعد ربع قرن تماماً وفاجأك سؤالي:
- هل يسعدك أن أناديك "حياة"؟
قلت متعجبة..
- لماذا.. ألا يعجبك اسمي الحقيقي.. أليس أجمل؟!
قلت:
- إنه حقا أجمل.. حتى إنني تعجّبت وقتها كيف خطر اسم كهذا في بال والدك. كنت أسمعه لأول مرة ولم يكن في حياته آنذاك ما يمكن أن يوحي باسم جميل كهذا.. وبرغم ذلك أحبّ أن أسمِّيك "حياة" لأنني قد أكون الوحيد مع والدتك الذي يعرف اليوم هذا الاسم. أريد أن يكون بيننا ككلمة سرّ، ليذكّرك بعلاقتنا الاستثنائية، وبأنك أيضاً.. طفلتي بطريقة ما.
ضحكتِ.. قلتِ:
- أتدري أنك لم تخرج أبداً من فترة الثورة، ولذا أنت تشعر برغبة في أن تعطيني اسماً حركياً حتى قبل أن تحبني. وكأنك ستدخلني بذلك في العمل السري.. أيّة مهمة تراك تعد لي؟
ضحكت بدوري لملاحظتك التي فاجأتني بواقعيتها. تراك بدأت تعرفينني إلى هذا الحد؟
قلت:
- اعلمي أيتها الثوريّة المبتدئة أنه لا بدّ من أكثر من اختبار. لنكلِّف أحداً بمهمة فدائية. ولذا سأبدأ في مرحلة أولى بدراستك، ومعرفة استعدادتك الخاصّة!
أحسست لحظتها، أنّ الوقت قد أصبح مناسباً، لأقصّ عليك أخيراً قصّة يومي الأخير في الجبهة، ذلك اليوم الذي لفظ فيه سي الطاهر اسمك أمامي لأول مرة، وهو يودِّعني ويكلِّفني إذا ما وصلت إلى تونس على قيد الحياة أن أقوم بتسجيلك نيابة عنه.
وتلك الليلة التي عبرت فيها الحدود الجزائرية التونسية، بجسد محموم وذراع تنزف، وأنا أردِّد لنفسي بهذيان الحمّى، اسمك الذي أصبح وسط إجهادي ونزيفي، وكأنه اسم لعملية أخيرة كلفني بها سي الطاهر، كنت أريد أن أحقق طلبه الأخير، وأطارد حلمه الهارب، فأمنحك اسماً شرعياً رسمياً.. لا علاقة له بالخرافات والأولياء..
أذكر ذلك اليوم الذي وقفت فيه لأول مرة أدق باب بيتكم في شارع التوفيق بتونس. أذكر تلك الزيارة بكل تفاصيلها وكأن ذاكرتي كانت تقرأ مسبقاً ما سيكتب لي معك، فأفرغت مساحة كافية لها.
في ذلك اليوم الخريفيّ من شهر أيلول، انتظرت أمام بابكم الحديديّ الأخضر، قبل أن تفتح (أمّا الزهرة) الباب بعد لحظات بدت لي طويلة..

فداء
12-08-2007, 02:42 AM
مازلت أذكر تلك الشهقة في نظرتها، كأنها كانت تنتظر شخصاً آخر غيري.
توقفت مدهوشة أمامي، تفحّصت معطفي الرمادي الحزين ووجهي النحيل الشاحب. توقفت عند ذراعي الوحيدة التي تمسك علبة الحلوى، وذراع معطفي الأخرى الفارغة التي تختبئ لأول مرة بحياء داخل جيب معطفي.
وقبل أن أنطق بأية كلمة اغرورقت عيناها بالدموع، وراحت تبكي دون أن تفكِّر حتى في دعوتي إلى دخول البيت.
انحنيت أقبّلها.. بشوق السنوات التي لم أرها فيها.. بالشوق الذي حمّلني إياه ابنها.. وبشوق (أمّا) التي لم أتعوَّد بعد سنتين ونصف على فجيعتها..
- واشك أمّا الزهرة؟
زاد بكاؤها وهي تحتضنني وتسألني بدورها..
- واش راك يا ولدي..؟
أكان بكاؤها فرحاً بلقائي، أم حزناً على حالتي، وعلى ذراعي التي تراها مبتورة لأول مرة.. أكانت تبكي لأنها توقعت أن ترى ابنها ورأتني.. أم فقط لأن أحداً قد دقّ هذا الباب، ودخل حاملاً في يده البهجة، وشيئاً من الأخبار، لبيت ربَّما لم يدخله رجل منذ شهور؟
- ع السلامة.. جوز يا ولدي جوز..
قالتها وهي تشرع باب الدار أخيراً وتمسح دموعها. ثم أعادت وهي تسبقني "جوز..جوز.." بصوت عالٍ كإشارة موجهة لأمك التي ركضت عند سماع هذه الكلمات، ولم أرَ غير ذيل ثوبها يسبقني، ويختفي خلف باب مغلق على عجل.
أحببت ذلك البيت.. بدوالي العنب التي تتسلّق جدران حديقته الصغيرة، وتمتد لتتدلى عناقيد ثريات سوداء على وسط الدار.
شجرة الياسمين التي ترتمي وتطلّ من السور الخارجي، كامرأة فضولية ضاقت ذرعاً بجدران بيتها، وراحت تت... على ما يحدث في الخارج، لتغري المارة بقطف زهرها.. أو جمع ما تبعثر من الياسمين أرضاً.. ورائحة الطعام التي تنبعث منه، فتبعث معها الطمأنينة، ودفء غامض يستبقيك هناك.
سبقتني (أمّا الزهرة) إلى غرفة تطل على وسط الدار مرددة:
- اقعد يا ولدي.. اقعد..
قالتها وهي تأخذ منّي علبة الحلوى وتضعها على الصينية النحاسية المستديرة والموضوعة على مائدة خشبية.
وما كدت أجلس أرضاً على ذلك المطرح الصوفي حتى ظهرت أنت في طرف الغرفة صغيرة كدمية، وحبوت مسرعة نحو العلبة البيضاء تحاولين سحبها إلى الأرض وفتحها. وقبل أن أتدخل أنا كانت (أمّا الزهرة) قد أخت منك العلبة وذهبت بها إلى مكان آخر وهي تقول: "يعطيك الصحة يا وليدي.. وعلاش عييت روحك يا خالد يا بني.. وجهك يكفينا..".
ثم عادت ونهرتك، وأنت تتجهين نحو الشّياحة الخشبية، الموضوعة على شكل قبّة صغيرة فوق كانون، والتي كانت ثيابك الصغيرة البيضاء منثورة فوقها كي تجفّ.. وعندها حبوت تحوي في خطوتين مترددتين، ويداك الصغيرتان أمامك تستنجدان بي.
لحظتها شعرت بهول ما حلّ بي، وأنا أمدّ نحوك يدي الفريدة في محاولة للإمساك بك. لقد كنت عاجزاً عن التقاطك بيدي الوحيدة المرتبكة، ووضعك في حجري لملاعبتك دون أن تفلتي مني.
أليس عجيباً أن يكون لقائي الأول بك هو امتحاني الأول وعقدتي الأولى، وأن أنهزم على يدك في أصعب تجربة مررت بها منذ أصبحت رجل الذراع الواحدة.. من عشرة أيام لا أكثر..!
عادت (أمّا الزهرة) بصينية القهوة وبصحن "الطمّينة":
- قل لي يا خالد يا ابني وراسك.. واش راه الطاهر؟
قالتها قبل أن تجلس حتى على المطرح.. كان في سؤالها مذاق الدمع. وفي حلقها غصّة السؤال الذي يخاف الجواب.. فرحت أطمئنها. أخبرتها أنني كنت تحت قيادته وأنه الآن في منطقة الحدود وأن صحته جيدة ولكنه لا يستطيع الحضور هذه الأيام، لصعوبة الأوضاع ولمسؤولياته الكثيرة.
لم أخبرها أن المعارك تشتد كل يوم، وأن العدو قرر أن يطرق المناطق الجبلية، ويحرق كل الغابات، حتى تتمكن طائراته من مراقبة تحركاتنا.. وأنه تم إلقاء القبض على مصطفى بن بولعيد، ومعه مجموعة من كبار القادة والمجاهدين، وأن ثلاثين منهم قد صدر في حقهم الحكم بالإعدام، وأنني أتيت للعلاج مع مجموعة من الجرحى والمشوهين الذين مات اثنان منهم قبل أن يصلا..
لقد قال لها منظري أكثر مما تتحمله امرأة في سنها، فرحت أغيّر مجرى الحديث.. أمددتها بتلك الأوراق النقدية التي أرسلها معي سي الطاهر، وطلبت منها حسب وصيته أن تشتري لك بها هدية، ووعدتها أن أعود قريباً لتسجيلك، بذلك الاسم الذي اختاره لك، والذي رددته أمّا الزهرة بصعوبة، وبشي من الدهشة، ولكن دون تعليق. فقد كان لما يقوله سي الطاهر بالنسبة لها صفة القداسة.
وكأنك انتبهت فجأة أن الحديث يع...، فتسلّقت ركبتي وجئت فجأة لتجلسي في حجري بتلقائية طفولية، ولم أتمالك لحظتها احتضانك بيدي الوحيدة.. ضممتك إليّ، وكأنني أضمّ الحلم الذي أضعت من أجله ذراعي الثانية؛ كأنني أخاف أن يهرب مني وتهرب معه أحلام ذلك الرجل الذي لم يسعد بعد باحتضانك.
رحت أقبلك وسط دموعي وفرحتي وألمي وكلّ تناقضي، نيابة عن سي طاهر وعن رفاق لم يروا أولادهم منذ التحقوا بالجبهة، ونيابة عن آخرين، ماتوا وهم يحلمون بلحظة بسيطة كهذه، يحتضنون فيها بدل البنادق، أطفالهم الذين ولدوا وكبروا في غفلة منهم.
نسيت يومها أن أقبِّلك نيابة عني.. وأن أبكي أمامك نيابة عني. نيابة عن الرجل الذي سأتحول إليه على يدك بعد ربع قرن. نسيت أن أسجّل جوار اسمك اسمي مسبقاً.. وأن أطلب ذاكرتك مسبقاً.. وأعوامك القادمة مسبقاً.. أن أحجز عمرك، وأوقف عدّاد السنوات الذي كان يركض بي نحو السابعة والعشرين.. وأنت تدخلين شهرك السابع!
نسيت أن أستبقيك هكذا على حجري إلى الأبد، تلعبين وتعبثين وبأشيائي، وتقولين لي كلاماً لا أفهمه.. ولا تفهمينه.
لم تقاطعيني مرة واحدة، وأنا أقصّ عليك تلك القصة بإيجاز متعمّد، وأترك تفاصيلها المتشعبة لي.
توقفت فقط عند ذلك اليوم 15 أيلول 1957 الذي وقفت فيه لأكتب على سجلّ رسمي اسمك النهائي.
لم تسأليني أيّ سؤال توضيحي، ولا علَّقت يومها بكلمة واحدة، على قصّة لم يقصها عليك أحد قبلي. ربما لأن لا أحد وجد في تلك القصة ما يستحق التوقف.
استمعت إليَّ بذهول، وبصمت مخيف. وراحت غيوم مكابرة تحجب نظرتك عني.. كنت تبكين أمامي لأول مرة، أنت التي ضحكت معي في ذلك المكان نفسه كثيراً.
ترانا أدركنا لحظتها، أننا كنا نضحك لنتحايل على الحقيقة الموجعة، على شيء ما كنا نبحث عنه، ونؤجّله في الوقت نفسه؟
نظرت إليك خلف ضباب الدمع.. كنت أودُّ لحظتها، لو احتضنتك بذراعي الوحيدة، كما لم أحضن امرأة، كما لم أحضن حلماً. ولكنني بقيت في مكاني، وبقيت في مكانك، متقابلين هكذا.. جبلين مكابرين، بينهما جسر سرّي من الحنين والشوق.. وكثير من الغيوم التي لم تمطر.
استوقفتني كلمة جسر، وتذكّرت تلك اللوحة، وكأنني تذكرت الفصل الأهم من قصة، كنت أرويها لك وربما أرويها لنفسي أيضاً، عساني أصدّق غرابتها. وقفت وقلت:
- تعالي سأريك شيئاً.
تبعتني دون سؤال.
وقفت أمام تلك اللوحة. قلت لك وأنت تنتظرين مدهوشة ما سأقوله:
- أتدرين.. يوم رأيتك تقفين أمام هذه اللوحة، في ذلك اليوم الأول، سرت قشعريرة في جسدي. شعرت أن بينك وبين هذه اللوحة قرابة ما أجهلها. ولكنني كنت متأكداً منها، ولذا أتيت لأسلّم عليك عساني أكتشف خطأ حدسي.. أو صوابه.
قلت متعجبة:
- وهل كنت مصيباً في حدسك؟
قلت:
- ألم تلاحظي التاريخ المكتوب على هذه اللوحة؟
أجبت وأنت تبحثين عنه أسفلها..
- لا..
قلت:
_ إنه قريب من تاريخ ميلادك الرسمي. أنت تكبرين هذه اللوحة بأسبوعين فقط. إنها توأمك إذا شئتِ!
قلت مدهوشة:
- عجيب.. عجيب كل هذا!
نظرت إلى اللوحة وكأنك تبحثين فيها عن نفسك، فقلت:
- أليست هذه قنطرة الحبال؟
أجبتك:
- إنها أكثر من قنطرة.. إنها قسنطينة. وهذه هي القرابة الأخرى التي تربطك بهذه اللوحة.
- يوم دخلت هذه القاعة، دخلت قسنطينة معك..
- دَخَلَت في طلّتك.. في مشيتك.. في لهجتك.. وفي سوار كنت تلبسينه.
- فكرت قليلاً ثم قلت:
- - آ.. تعني "المقياس".. يحدث أحياناً أن ألبسه في بعض المناسبات.. ولكنه ثقيل يوجع معصمي.
قلت:
- لأن الذاكرة ثقيلة دائماً. لقد لبسته "أمّا" عدة سنوات متتالية،ولم تشك من ثقله. ماتت وهو في معصمها.. إنها العادة فقط!
لم أعتب عليك. كان في صوتي حسرة، ولكن لم أقل لك شيئاً. كنت تنتمين لجيل يثقل عليه حمل أي شيء. ولذا اختصر الأثواب العربية القديمة بأثواب عصرية من قطعة أو قطعتين. واختصر الصيغة والحليّ القديمة، بحلي خفيفة تلبس وتخلع على عجل. واختصر التاريخ والذاكرة كلها بصفحة أو صفحتين في كتب مدرسيّة، واسم أو اسمين في الشعر العربي..
لن أعتب عليك، نحن ننتمي لأوطان لا تلبس ذاكرتها إلا في المناسبات، بين نشرة أخبار وأخرى. وسرعان ما تخلعها عندما تطفأ الأضواء، وينسحب المصوّرون، كما تخلع امرأة أثواب زينتها.
قلت وكأنك تعتذرين عن خطأ لم تتعمديه:
- إذا شئت سألبس ذلك السوار من أجلك.. أيسعدك هذا؟
فاجأني كلامك. كان الموقف جزيناً شيئاً ما، رغم تلقائيته، وربما كان مضحكاً بحزن.
كنت هنا أعرض عليك أبوتي، وكنت تعرضين عليّ أمومتك. أنت الفتاة التي كان يمكن أن تكون ابنتي، والتي أصبحت دون أن تدري.. أمّي!
وكان يمكن أن أجيبك لحظتها بكلمة واحدة، أختصر فيها كل تناقضات موقفنا ذلك، وأختصر فيها كل ما أشعر به تجاهك من عواطف متطرفة.. وجامحة. ولكنني قلت شيئاً آخر.
قلت:
- يسعدني ذلك، ويسعدني أيضاً أن تلبسيه من أجلك أنت.
لا بد أن تعي أنك لن تفهمي شيئاً من الماضي الذي تبحثين عنه، ولا من ذاكرة أب لم تعرفيه، إذا لم تفهمي قسنطينة بعاداتها وتلتحمي بها. إننا لا نكتشف ذاكرتنا ونحن نت... على بطاقة بريدية.. أو لوحة زيتية كهذه.
نحن نكتشفها عندما نلمسها، عندما نلبسها ونعيش بها.
هذا السوار مثلاً، لقد أصبحت علاقتي به فجأة علاقة عاطفية. لقد كان في ذاكرتي رمزاً للأمومة دون أن أدري. اكتشفت هذا يوم رأيتك تلبسينه، وكان يمكن ألا تلبسيه. وتظل كل تلك الأحاسيس التي فجرها داخلي نائمة في دهاليز النسيان. هل تفهمين الآن.. أن الذاكرة أيضاً في حاجة إلى أن نوقظها أحياناً؟
كم كنت أحمق.. كنت دون أن أدري، أوقظ داخلي مارداً كان نائماً منذ سنين. وكنت أحوّلك في حمّى جنوني من فتاة إلى مدينة. وكنت تستمعين لي بانبهار تلميذة، وتتلقّين كلماتي كما يتلقّى شخص في جلسة تنويم مغنطيسي، تعاليمه وأوامره من منوم يفعل به ما يشاء.
اكتشفت يومها قدرتي على ترويضك، وعلى السيطرة على نارك المحرقة.
وقرَّرت في سرّي أن أحولك إلى مدينة شاهقة.. شامخة، عريقة.. عميقة، لن يطأها الأقزام ولا القراصنة.
حكمت عليك أن تكوني قسنطينة ما..
وكنت أحكم على نفسي بالجنون.
قضينا معاً وقتاً أطول ذلك اليوم.. وافترقنا مثقلين بالهزّات النفسية، مشحونين بالانفعالات المتطرّفة، التي عشناها خلال أربع ساعات من الحديث المستمرّ. قلنا الكثير، وسط دموعنا المكابرة أحياناً، ووسط صمتنا المخيف أحياناً أخرى.
كنت سعيداً ربما لأنني رأيتك تبكين لأول مرة. كنت أحتقر الناس الذين لا دموع لهم، فهم إما جبابرة.. أو منافقون. وفي الحالتين هم لا يستحقون الاحترام.
كنت المرأة التي كنت أريد أن أضحك وأبكي معها.
وكان هذا أروع ما اكتشفته ذلك اليوم.
تذكّرت لقاءنا الأول، الذي بدأناه دون تخطيط بالتعليقات الساخرة. يومها تذكّرت مثلاً فرنسياً يقوم: "أقصر طريق لأن تربح امرأة هو أن تضحكها"، وقلت ها أنذا ربحتها دون جهد..
اليوم اكتشفت حماقة ذلك المثل الذي يشجّع على الربح السريع، وعلى المغامرات العابرة التي لا يهمّ أن تبكي بعدها المرأة التي قد ضحكت في البداية.
لم أربحك بعد نوبة ضحك..
ربحتك يوم بكيت أمامي وأنت تستمعين إلى قصّتك التي كانت قصّتي أيضاً. ثمَّ في تلك اللحظة التي تأملت فيها تلك اللوحة بتأثر واضح. وكنت ربّما على وشك أن تضعي قبلة على خدّي، أو تحضنيني في لحظة حنان مفاجئ.. ولكنَّك لم تفعلي.
وافترقنا مثل العادة، ونحن نتصافح، وكأننا نخاف أن تتحول تلك القبلة العابرة على الخدّ، إلى فتيلة تشعل البراكين النائمة.
كنّا نفهم بعضنا بصمت متواطئ. كان حضورك يوقظ رجولتي. كان عطرك يستفزّني ويستدرجني إلى الجنون. وعيناك كانت تجرّدانني من سلاحي حتى عندما تمطران حزناً.
وصوتك.. آه صوتك كم كنت أحبه.. من أين جئت به؟ أيّ لغة كانت لغتك؟ أيّ موسيقى كانت موسيقاك..
كنت دهشتي الدائمة، وهزيمتي المؤكدة، فهل كان يمكن أن تكوني ابنتي، أنت التي لم يكن يمكن في المنطق أن تكوني شيئاً آخر غير ذاك بالنسبة لي.
ورحت أقاومك بحواجز وهمية أضعها بيننا كلّ مرة، كما توضع حواجز في ساحة سباق، ولكنك كنت فرساً خلقت للتحدي وربح الرهان. كنت تقفزين عليها جميعاً مرة واحدة، بنظرة واحدة.
كانت نظراتك تتسكع فوقي، تتوقف أحياناً هنا.. وأحياناً هناك، لتنتهي عند عينيّ أو زرّ قميصي المفتوح كالعادة.
قلت مرة وأنت تتأملينني أكثر:
- فيك شيء من زوربا. شيء من قامته.. من سمرته.. وشعره الفوضوي المنسّق. ربما كنت فقط أكثر وسامة منه.
أجبتك:
- يمكن أن تضيفي كذلك، أنني في سنه، وفي جنونه وتطرفه، وأنّ في أعماقي شيئاً من وحدته.. من حزنه ومن انتصاراته التي تتحول دائماً إلى هزائم.
قلت متعجبة:
- أتعرف عنه كل ها... أتحبه؟
أجبت:
- ربما..
قلت:
- أتدري أنه الرجل الذي أثّر أكثر في حياتي؟
أدهشني اعترافك. فكَّرت إما أنك لم تعرفي كثيراً من الرجال.. أو لم تقرئي كثيراً من الكتب. وقبل أن أقول شيئاً واصلت بحماسة:
- يعجبني جنونه وتصرّفاته غير المتوقعة.. علاقته العجيبة بتلك المرأة.. فلسفته في الحب والزواج.. في الحرب والعبادة، وتعجبني أكثر طريقته في أن يصل بأحاسيسه إلى ضدّها. أتذكّر قصة الكرز، يوم كان يحبّ الكرز كثيراً وقرر أن يُشفى من ولعه به بأن يأكل منه كثيراً.. كيراً حتى يتقيّأه. بعد ذلك أصبح يعامله كفاكهة عادية. كانت تلك طريقته في أن يشفى من الأشياء التي يشعر أنها تستعبده.
قلت:
- لا أذكر هذه القصة..
قلت:
- وهل تذكر رقصته تلك وسط ما يسميه بالخراب الجميل؟ إنه شيء مدهش أن يصل الإنسان بخيبته وفجائعه حدّ الرقص. إنه تميّز في الهزائم أيضاً، فليست كلّ الهزائم في متناول الجميع. فلا بد أن تكون لك أحلام فوق العادة، وأفراح وطموحات فوق العادة، لتصل بعواطفك تلك إلى ضدّها بهذه الطريقة..
كنت أستمع إليك بانبهار وبمتعة. وبدل أن أجد في ذلك "الخراب الجميل" الذي كنت تصفينه لي بحماسة، ما يمكن أن يثير مخاوفي من نزعة سادية، أو مازوشية ما قد تسكنك، رحت أنقاد لجمال فكرتك فقط، وأقول دون كثير من التفكير:
- صحيح.. جميل ما تقولين. _ ثم أضفت_ لم أكن أدري أنك تحبين زوربا إلى هذا الحد!
قلت ضاحكة:
- سأعترف لك بشيء.. لقد أربكتني هذه القصة كثيراً. يوم قرأتها شعرت بشيء من الغبطة والحزن معاً. كنت أريد أن أحبّ رجلاً كهذا.. أو أكتب رواية كهذه، ولم يكن ذلك ممكناً، ولهذا ستطاردني هذه القصة حتى أشفى منها بطريقة أو بأخرى.
قلت ساخراً:
- يسعدني إذن أن تجدي شيئاً من الشبه بيني وبينه، فقد تحققين الأمنيتين معاً..
تأملتني بشيء من الشيطة المحبّبة وقلت:
- معك أريد أن أحقق إحدى الأمنيتين فقط.
وأضفت قبل أن أسألك أيّهما:
- لن أكتب عنك شيئاً.
- آ.. لماذا..؟
- لأني لا أريدقتلك، أنا سعيدة بك.. نحن نكتب الروايات لنقتل الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئاً علينا.. نحن نكتب لننتهي منهم..
يومها ناقشتك طويلاً في نظرتك "الإجرامية" للأدب وقلت لك ونحن نفترق:
- أيمكنني أخيراً أن أطّلع على روايتكم الأولى.. أو "جريمتك الأولى"؟!
ضحكت وأجبت:
- طبعاً.. شرط ألا تتحول إلى محقِّق جنائي أو طرفٍ في تلك القصّة!
- تراك كنت تتنبئين بما ينتظرني، وتدرين مسبقاً أنني لن أكون معك قاراً محايداً بعد الآن.
في اليوم التالي أحضرت لي تلك الرواية. قلت وأنت تمدّين نحوي الكتاب:
- أتمنى أن تجد شيئاً من المتعة في قراءتها..
قلت مازحاً:
- وأتمنى ألا يفسد عدد ضحاياك متعتي!
أجبت باللهجة نفسها:
- لا.. اطمئن.. فأنا أكره المقابر الجماعية!
كيف نسيت هذه الجملة الأخيرة..
عندما أتذكرها الآن، أقتنع أن قصّتك الجديدة هذه، التي تروج لها المجلات والجرائد، لن تكون سوى ضريح فردي لبطل واحد ربَّما كان زياد.. وربما كان أنا.. فمن ترى المحظوظ منَّا بميتة كهذه؟!
وحده كتابك قد يحمل جواباً على هذا السؤال، وعلى أسئلة أخرى تطاردني.
ولكن.. لماذا يثير كلّ ما تكتبيه لديّ أكثر من سؤال؟ ولماذا أشعر أنني طرف في كل قصصك الواقعية والوهمية، حتى تلك التي كتبتها قبلي؟
ترى لأنني أتوهم أن لي حقاً تاريخياً عليك، أو لأنك يوم أهديتني كتابك الأول ذاك، لم تضعي عليه أيّ إهداء، وقلت ذلك التعليق المدهش الذي لم أنسه:
"إننا نخطّ إهداءً للغرباء فقط.. وأمّا الذين نحبهم فمكانهم ليس في الصفحة البيضاء الأولى، وإنما في صفحات الكتاب..".
يومها أسرعت إلى ذلك الكتاب ألتهمه في سهرتين. رحت أركض لاهثاً من صفحة إلى أخرى، وكأنني أبحث عن شيء ما غير الذي أقرأه. عن شيء قد تكونين كتبته لي مسبقاً مثلاً حتى قبل أن نلتقي. عن شيء ما قد يكون يربطنا من خلال قصة لم تكن قصتنا.
أدري أنَّ ذلك كان جنوناً، ولكن أليس في الحياة مصادفات مدهشة كتلك اللوحة التي رسمتها ذات أيلول من سنة 1957، وبقيت تنتظرك ربع قرن دون أن أنها كانت لك.. بل إنها كانت أنتِ؟
وكان ذلك محض أوهام.. لم تخبّئي لي في كتابك ذاك، سوى مرارة وألم وغيرة حمقاء، ذقت نارها لأول مرّة. غيرة جنونية من رجل من ورق، قد يكون مرّ بحياتك حقاً.. وقد يكون مخلوقاً خيالياً، أثَّثت به فراغ أيامك وبياض الصفحات فقط.
ولكن أين هو الحد الفاصل بين الوهم والواقع؟ لم تجيبيني مرة واحدة عن ذلك السؤال.. رحتِ تعمّقين حيرتي بأجوبة أكثر غموضاً.. قلت:
- إنّ المهمّ في كل ما نكتبه.. هو ما نكتبه لا غير، فوحدها الكتابة هي الأدب.. وهي التي ستبقى، وأمّا الذين كتبنا عنهم فهم حادثة سير.. أناس توقفنا أمامهم ذات يوم لسببٍ أو لآخر.. ثم واصلنا الطريق معهم أو بدونهم.
قلت:
- ولكن لا يمكن أن تكون علاقة الكاتب بملهمه مبسّطة إلى هذا الحد. إن الكاتب لا شيء دون من يلهمه.. إنه مدين له بشيء..
قاطعتني..
- مدين له بماذا..؟.. إن ما كتبه "أراغون" عن عيون "إلزا" هو أجمل من عيون "إلزا" التي ستشيخ وتذبل.. وما كتبه نزار قباني عن ضفائر "بلقيس" أجمل بالتأكيد من شعر غزير كان محكوماً عليه أن يبيضّ ويتساقط.. وما رسمه ليونارد ديفانشي في ابتسامة واحدة للجوكاندا، أخذ قيمته ليس في ابتسامة ساذجة للمونوليزا، وإنما في قدرة ذلك الفنان المذهلة على نقل أحاسيس متناقضة، وابتسامة غامضة تجمع بين الحزن والفرح في آن واحد.. فمن هو المدين للآخر بالمجد إذن
كان حديثنا يأخذ منحى آخر ربما أردته أنت في محاولة للهرب من الحقيقة. فأعدت عليك السؤال بصيغة أكثر مباشرة:
- هل مرّ هذا الرجل بحياتك.. أم لا؟
ضحكت.. وقلت:
- عجيب.. إن في روايات "أغاتا كريستي" أكثر من 60 جريمة. وفي روايات كاتبات أخريات أكثر من هذا العدد من القتلى. ولم يرفع أيّ مرة قارئ صوته ليحاكمهن على كل تلك الجرائم، أو يطالب بسجنهنَّ. ويكفي كاتبةً أن تكتب قصة حب واحدة، لتتجه كل أصابع الاتهام نحوها، وليجد أكثر من محقق جنائي أكثر من دليل على أنها قصتها. أعتقد أنه لا بد للنقاد من أن يحسموا يوماً هذه القضية نهائياً، فإما أن يعترفوا أن للمرأة خيالاً يفوق خيال الرجال، وإما أن يحاكمونا جميعاً!
ضحكت لحجتك التي أدهشتني ولم تقنعني. قلت:
- في انتظار أن يحسم النقاد هذه القضية، دعيني أكرر عليك سؤالاً لم تجيبيني عنه.. هل مرّ هذا الرجل بحياتك حقاً؟
قلت وأنت تعبثين بأعصابي:
- المهم أنه مات بعد هذا الكتاب..
- آ.. لأنك قادرة على أن تقتلي الماضي هكذا بجرة قلم؟
قلت وأنت تواصلين مراوغتك:
- أيّ ماضٍ؟.. نحن قد نكتب أيضاً لنصنع أضرحة لأحلامنا لا غير..
كان في أعماقي شعور ما بأن تلك القصة كانت قصتك، وأن ذلك الرجل قد مرّ بحياتك.. وربما بجسدك أيضاً.
كنت أكاد أشمّ بين السطور رائحة تبغه. أكاد أكتشف أشياءه مبعثرة بين صفحات كتابك. في كلّ فقرة شيء منه.. من سمرته.. من مذاق قبلته.. من ضحكته.. من أنفاسه.. ومن اشتهائك الفاضح له..
تراه أبدع في حبّك حقاً.. أم أنت التي أبدعت في وصفه؟ أم تراه محض اختراع نسائي، كسته لغتك رجولة وأحلاماً، صنعت لها بعد ذلك ضريحاً جميلاً.. على مقاسه. وأنا، بأيّ منطق رحت أطالع ذلك الكتاب، في زيّ عاشق متنكر ببدلة شرطي أخلاق. وإذا بي أنقّب بين الكلمات وأبحث بين الفواصل، عساني أكتشفك متلبسة بقبلة ما.. هنا، أو أكتشف الأحرف الأولى من اسمه هناك.
ذهب تفكيري بعيداً.. تذكّرت أنك في باريس من أربع سنوات، وأنك تقطنين عند عمك منذ عُيّن في باريس، أي منذ سنتين فقط. فماذا تراك فعلت قبل ذلك في كلّ الفترة التي كنت فيها بمفردك؟
أرهقني كتابك ذاك، كان ممتعاً ومتعباً مثلك.. اعترفت لك في ما بعد، أن علاقتي بك قد تغيّرت منذ قرأتك وأنني أشكّ في أن أكون قادراً على الصمود بعد اليوم.. فأنا لم أكن مهيأً لسلاح الكلمات.
قلتِ فقط وكأنَّ الأمر لا يع... تماماً:
- كان عليك ألا تقرأني إذن!
أجبتك بحماقة:
- ولكنني أحب أن أقرأك. ثم أنا لا أملك طريقة أخرى لفهمك..
أجبت:
- مخطئ.. أنت لن تفهم شيئاً هكذا.. الكاتب إنسان يعيش على حافة الحقيقة، ولكنه لا يحترفها بالضرورة. ذلك اختصاص المؤرّخين لا غير.. إنه في الحقيقة يحترف الحلم.. أي يحترف نوعاً من الكذب المهذّب. والروائي الناجح هو رجل يكذب بصدق مدهش، أو هو كاذب يقول أشياء حقيقيّة.
ثمّ أضفتِ بعد شيء من التفكير.. أعذب الكذب كان كذبك، وأكثره ألماً كذلك. قررت يومها ألا أنقّب بعد ذلك في ذاكرتك. أنت لن تبوحي لي بشيء. ربما لأنك أنثى تحترف المراوغة. وربما لأنه ليس هناك من شي يستحقّ الاعتراف.
كنت تريدين فقط أن توهميني أنك لم تعودي تلك الطفلة التي عرفتها. في الواقع.. كنت فارغة، وكان كذبك في مساحة فراغك. وإلا ما سرّ تعلّقك بي، ولماذا كنت تطاردين ذاكرتي بالأسئلة، وتسدرجينها للحديث عن كلّ شيء؟ لماذا كلّ تلك الشراهة للمعرفة، كلّ تلك الرغبة في مقاسمتي ذاكرتي وكلّ ما أحببت وما كرهت من أشياء.. أكانت الذاكرة عقدتك؟

***
لا بد لمعرضي أن ينتهي، لننتبه أننا نعرف بعضنا من أسبوعين فقط، وليس منذ أشهر كما كان يبدو لنا. فكيف فرغنا من ذاكرتنا في بضعة أيام؟ كيف تعلَّمنا في بضع ساعات قضيناها معاً، أن نحزن ونفرح ونحلم بتوقيت واحد؟
كيف أصبحنا نسخة من بعضنا.. وكيف يمكن لنا أن نغادر هذا المكان، الذي أصبح جزءاً من ذاكرتنا؟ كيف..؟ وهو الذي وضعنا لعدة أيام، خارج حدود الزمان والمكان، في قاعة شاسعة، يسكنها الصمت ويؤثثها الفن، وربع قرن من المعاناة والجنون؟
كنّا لوجة وسط عدة لوحات أخرى.
كنا لوحة متقلّبة الأطوار، متعدّدة الألوان، رسمتها المصادفة يوماً ثم واصلت رسمها يد الأقدار. وكنت أتلذذ بوضعي الجديد ذاك وأنا أتحول من صاحب ذلك المعرض، إلى لوحة من لوحاته لا أكثر.
لم يحدث، مثل تلك المرة، أن شعرت بحزن وأنا أرفع تلك اللوحات المعلّقة على الجدران، لوحة بعد أخرى، وأجمعها في الصناديق لأترك القاعة فارغة لرسَّام آخر، سيأتي بلوحاته.. بحزنه وبفرحه وبقصص أخرى لا تشبه قصّتي.
كنت أشعر أنني أجمع أيامي معك.
فجأة، توقفت يدي وهي على وشك أن ترفع تلك اللوحة التي تركتها للآخر.
تأملتها مرة أخرى، شعرت أنها ناقصة. لم يكن على مساحتها سوى جسر يعبرها من طرف إلى آخر، معلّق نحو الأعلى بحبال من طرفيه كأرجوحة حزن.
وتحت الأرجوحة الحديدية هوّة صخرية ضاربة في العمق تعلن تناقضها الصارخ مع المزاج الصافي لسماء استفزازية الهدوء والزرقة.
لم أشعر، قبل تلك اللحظة، أن هذه اللوحة في حاجة إلى تفاصيل جديدة تكسر هذا التضاد، وتؤثث عري اللونين اللذين ينفردان بها.
في الواقع، لم تكن "حنين" لوحة، كانت رؤوس أقلام ومشاريع أحلام تجاوزتها الأحداث بخمس عشرة سنة من الحنين والدهشة وليس فقط بربع قرن من الزمن.
حملتها تحت إبطي، وكأنني أميّزها عن الأخريات. كنت فجأة على عجل. أريد أن أجلس أمامها بعد كل تلك السنوات، محملاً بفرشاة وألوان أخرى، لأنفخ الحياة والضجيج فيها، وأنقل إليها أخيراً حجارة "قنطرة الحبال" حجراً.. حجراً. ولكن كان في ذهني المبعثر لحظتها هاجس آخر يطغى على كلّ شيء: كيف يمكن أن نلتقي بعد الآن... وأين؟
انتهت عطلتك الجامعية مع نهاية معرضي تقريباً. وها نحن محاصران بكل مستحيلات الزمان والمكان. ملاحقان بكل العيون التي قد تسرق سرنا. بكل أولئك الذين لا نعرفهم.. ويعرفوننا. أيّ جنون.. وأيّ قدر كان قدري معك! ولماذا وحدي تفضحني عاهتي؟ ولماذا كل هذا الحذر.. ولماذا أنت بالذات؟ كان مجرد احتمال لقائي بسي الشريف ذات يوم وأنا بصحبتك، يجعلني أعدل عن هذه الفكرة، وأشعر فجأة بحرج الموقف، وبذلك الارتباك الذي سيفضحني لا محالة.
...قنا على أن تطلبيني ه...ياً، وأن نتفق على برنامج جديد.
كان ذلك هو الحل الوحيد. فلم يكن ممكناً أ، أزورك في حيّك الجامعي. فقد كانت ابنة عمك تتابع دراستها معك في الجامعة نفسها.
أكان يمكن لنا أن نجد ظروفاً أكثر تعقيداً من هذه؟.

فداء
12-08-2007, 02:44 AM
أطول نهاية أسبوع على الإطلاق، كانت تلك التي قضيتها في انتظار ه...ك صباح الاثنين.
يوم الأحد دقّ اله....
أسرعت إليه وأنا أراهن أنّك أنت. فربما نجحت في سرقة لحظات تحدّثينني فيها.. ولو قليلاً. كانت كاترين على الخطّ. أخفيت عنها خيبتي. ورحت أستمع لها وهي تثرثر حول مشاغلها اليومية، ومشروع سفرها القادم إلى لندن.. ثم سألتني عن أخبار المعرض وقالت وهي تنتقل من موضوع إلى آخر:
- لقد قرأت مقالاً جيداً عن معرضك في مجلة أسبوعية.. من المؤكد أنك اطلعت عليه.. إنه بقلم روجيه نقَّاش، يبدو أنه يعرفك.. أو يعرف لوحاتك جيداً.
لم أكن أشعر برغبة في الحديث.. قلت لها باقتضاب:
- نعم، إنه صديق قديم..
تخلّصت منها بلباقة.
لم أكن أشعر بأية رغبة في لقائها ذلك اليوم. ربما كانت حاجتي للرسم يومها، ...ق حاجاتي الجسدية الأخرى.. وربما كنت فقط ممتلئاً بكِ.
عدت إلى مرسمي مثقل الخطى.
كنت شرعت في إعداد تشكيلة من الألوان، لأبدأ في وضع لمسات على تلك اللوحة.
ولكنني ارتبكت. تحولت أمامها إلى ذلك الرسام المبتدئ الذي كنته منذ خمس وعشرين سنة.
ترى قرابتها الجديدة لك، هي التي أضفت عليها هذه الصبغة المربكة؟
أم تراني كنت مرتبكاً لأنني كنت أجلس أمام الماضي لا غير.. لأضفي على الذاكرة_ وليس على لوحة_ بعض "الرتوشات"؟
كنت أشعر أنني على وشك أن أرتكب حماقة. وأدري_رغم رغبتي المضادة للمنطق_ أنه لا ينبغي أبداً العبث بالماضي، وأن أية محاولة لتجميله، ليست سوى محاولة لتشويهه.
كنت أدرك هذا.. ولكن هذه اللوحة أصبحت تضايقني فجأة هكذا.. كان كلّ شيء فيها مبسّطاً حدّ السذاجة، فلماذا لا أواصل رسمها اليوم، ولماذا لا أعاملها بمنطق فنّي لا أكثر؟
ألم يقضِ ( شاغال) خمس عشرة سنة في رسم إحدى لوحاته؟ كان يعود إليها دائماً بين لوحة وأخرى ليضيف شيئاً أو وجهاً جديداً علها، بعدما أصرَّ على أن يجمع فيها كلّ الوجوه والأشياء التي أحبها منذ طفولته؟
أليس من حقي أيضاً أن أعود إلى هذه اللوحة، أن أضع على هذا الجسر بعض خطى العابرين، وأرشّ على جانبيه بعض البيوت المعلّقة فوق الصخور، وأسفله شيئاً من ذلك النهر الذي يشق المدينة، بخيلاً أحياناً، ورقراقاً زبديّاً أحياناً أخرى.. ألم يعد ضرورياً أن أضع عليها بصمات ذاكرتي الأولى، التي كنت عاجزاً عن نقلها في السابق، يوم كنت رساماً مبتدئاً وهاوياً لا غير؟
لا أدري كيف تذكّرت لحظتها روجيه نقّاش، صديق طفولتي.. وصديق غربتي.
ذكرت ولعه بقسنطينة، وتعلقه بذكراها، هو الذي لم يعد إليها أبداً منذ غادرها سنة 1959 مع أهله، ومع فوج من الجالية اليهودية التي كانت تريد أن تبني لها مستقبلاً آمناً في بلد آخر.
لك يحدث أن زرته مرة في بيته، دون أن يصرّ على أن يسمعني شريطاً جديداً للمطربة اليهودية "سيمون تمّار" وهي تغني المالوف والموشَّحات القسنطينية بأداء وبصوت مدهش، مرتدية ذلك الثوب القسنطيني الفاخر، الذي أهدوها إياه في أول عودة لها هناك.. والذي يزيّن غلاف شريطها.
منذ بضعة أشهر أخبرني روجيه أن سيمن ماتت مقتولة على يد زوجها في إحدى نوبات غيرته، فقد كان يتهمها بحبّ رجل عربي.
سألته إن كان ذلك حقاً.. أجابني.. "لا أدري.." ثم أضاف بمرارة ما.. " أدري أنها كانت تحب قسنطينة".
وروجيه أيضاً كان يحبها.. وكان حلمه السري أن يعود إليها ولو مرة واحدة، أو يأتيه أحد على الأقل بثمرة واحدة من شجرة التين التي كانت تطال نافذة غرفته والتي كانت في حديقة بيته منذ أجيال..
وكنت أشعر بمزيج من السعادة والإحراج معاً وأنا أستمع إليه، يقصّ عليّ بلهجته القسنطينية المحببة التي لم يطمس ربع قرن من البعد أيّ نبرة فيها، شوقه إلى تلك المدينة.. لقاتلة!
وكان يزيد إحراجي كل ما قام به روجيه لمساعدتي منذ سنوات، عندما وصلت إلى باريس لأستقر فيها. فقد كان له من الصداقات والوساطات، ما يمكن أن يسهّل عليّ_دون أن أطلب منه_ كثيراً من المعاملات والمشكلات التي تواجه رجلاً في وضعي.
ذات مرة سألته "لماذا لم تعد ولو مرة واحدة لزيارة قسنطينة؟ أنا لا أفهم خوفك، إن الناس مازالوا يعرفون أهلك في ذلك الحيّ ويذكرونها بالخير.." أذكر وقتها أنه قال لي "ما يخيفني ليس ألا يعرفني الناس هناك، بل ألا أعرف أنا تلك المدينة.. وتلك الأزقّة.. وذلك البيت الذي لم يعد بيتي منذ عشرات السنين..".
ثم أضاف: "دعني أتوهم أن تلك الشجرة مازالت هناك.. وأنها تعطي تيناً كل سنة، وأن ذلك الشباك مازال يطلّ على ناس كنت أحبهم.. وذلك الزقاق الضيق مازال يؤدي إلى أماكن كنت أعرفها.. أتدري.. إن أصعب شيء على الإطلاق هو مواجهة الذاكرة بواقع مناقض لها.."
كان في عينيه يومها لمعة دموع مكابرة، فأضاف بشيء من المزاح "لو حدث وغيرت رأيي، سأعود إلى تلك المدينة معك، أخاف أن أواجه ذاكرتي وحدي.."
اليوم، وبعد عدة سنوات، أذكر كلامه فجأة_ هو الذي لم يطرح معي ذلك الموضوع بعد ذلك أبداً_
تراه نجح حقاً في التحايل على ذاكرته؟
وماذا لو كان على حق؟ يجب أن نحتفظ بذكرياتنا في قالبها الأول وصورتها الأولى ولا نبحث لها عن مواجهة اصطدامية مع الواقع يتحطم بعدها كل شيء داخلنا كواجهة زجاجية.. المهم في هذه الحالات إنقاذ الذاكرة.
أقنعني ذلك المنطق، وشعرت أن ه... كاترين أنقذني بطريقة غير مباشرة من حماقة كنت على وشك ارتكابها.
لن يكون لتلك اللوحة أية قيمة تأريخية بعد اليوم، إذا أضفت إليها شيئاً هنا، أو طمست فيها شيئاً هناك.. ستصبح لوحة لقيطة لذاكرة مزوّرة.. وهل يهم عندئذٍ أن نكون أجمل؟
نظرت إلى خشبة الألوان التي كانت بيدي. فكّرت أنه رغم ذلك لا بد أن أفعل شيئاً بهذه الألوان.. وبهذه الفرشاة العصبية التي كانت تترقّب مثلي لحظة الخلق الحاسمة.
وفجأة وجدت الحلّ في فكرة بسيطة ومنطقيّة لم تخطر ببالي.
رفعت تلك اللوحة عن خشبات الرسم، ووضعت أمامها لوحة بيضاء جديدة، ورحت أرسم دون تفكير، قنطرة أخرى، بسماء أخرى، بوادٍ آخر وبيوت وعابرين.
رحت هذه المرة، أتوقف عند كل التفاصيل وأكاد أبدأ بها، وكأن أمر الجسر لم يعد يعنيني في النهاية، بقدر ما تعنيني الحجارة والصخور التي يقف عليها. وتلك النباتات التي تبعثرت أسفله، مستفيدة من رطوبة (أو عفونة) الأعماق. وتلك الممرات السرية التي حفرتها خطى الإنسان وسط المسالك الصخرية. منذ أيام (ماسينيسا) وحتى اليوم، في غفلة من الجسر العجوز الذي لا يمكن له في شموخه الشاهق، أن يرى ما يحدث على علو 700 متر من أقدامه!
أليس التحايل على الجسور هو الهدف الأزلي الأول للإنسان الذي يولد بين المنحدرات.. والقمم؟
أدهشتني هذه الفكرة التي ولدت في ذهني مصادفة؛ وأدهشني أكثر، كون هذه التفاصيل التي تشغلني اليوم بإلحاح، لم تكن تلفت انتباهي منذ ربع قرن، يوم رسمت هذا الجسر نفسه لأول مرة.
ترى لأنني كنت في بدايتي الأولى، محكوماً بالخطوط العريضة للأشياء كأيّ مبتدئ، وأن طموحي آنذاك، لم يكن يتجاوز رغبتي في إدهاش ذلك الدكتور_ أو إدهاش نفسي_ ورفع أثقال التحدي بيدٍ واحدة؟
وإنني اليوم بعد ذلك العمر.. لم يعد يعنيني أن أثبت شيئاً لأحد. أريد فقط أن أعيش أحلامي السرية، وأن أنفق ما بقي لي من وقت في طرح أسئلة.. كان الجواب عليها في الماضي ترفاً.. ليس في متناول الشباب. ولا في متناول.. ذلك المناضل أو المجاهد المعطوب الذي كُنتُه..
ربما لأن الوقت آنذاك لم يكن للتفاصيل، بل كانت وقتاً جماعياً نعيشه بالجملة، وننفقه بالجملة.
كان وقتاً للقضايا الكبرى.. والشعارات الكبرى.. والتضحيات الكبرى. ولم يكن لأحد الرغبة في مناقشة الهوامش أو الوقوف عند التفاصيل الصغيرة.
تراها حماقة الشباب.. أم حماقة الثورات!
أخذت مني تلك اللوحة، كل أمسية الأحد، وقسماً كبيراً من الليل. ولكنني كنت سعيداً وأنا أرسم، وكأنني كنت أسمع صوت الدكتور "كابوتسكي" يعود ليقول لي بعد ذلك العمر "ارسم أحبّ شيء إلى نفسك".
وها أنا أطيعه وأرسم اللوحة نفسيها، بالارتباك نفسه.
ولكن ما رسمته هذه المرة، لم يكن تمريناً في الرسم. كان تمريناً في الحبّ.
كنت أشعر أنني أرسمك أنتِ لا غير. أنت بكل تناقضك. أرسم نسخة أخرى عنك أكثر نضجاً.. أكثر تعاريج. نسخة أخرى من لوحة كبرت معك.
كنت أرسم تلك اللوحة بشهية مدهشة للرسم. بل وربَّما بشهوة ورغبة سرية ما..
فهل بدأت شهوتك تتسلّل يومها إلى فرشاتي، دون أن أدري؟!

***
في اليوم التالي، جاءني صوتك في الساعة التاسعة تماماً.
جاء شلال فرح، وشجرة ياسمين تساقطت أزهارها على وسادتي.
كنت أكتشف صوتك على اله...، وأنا في فراشي بعد ليلة مرهقة من العمل. شعرت أنه يشرع نوافذ غرفتي، ويقبّلني قبلة صباحية.
- هل أيقظتك.؟
- لا أنت لم توقظيني.. أنت منعتني البارحة من النوم لا أكثر!
قلتِ بلهجة جزائرية بين المزاح والجدّ:
- علاش.. إن شاء الله خير..
قلت:
- لأنني رسمت حتى ساعة متأخرة من الليل..
- وما ذنبي أنا؟
- لا ذنب لك سوى ذنب الملهم.. يا ملهمتي!
صحت فجأة بالفرنسية كعادتك عندما تفقدين السيطرة على أعصابك:
- ah.. non!
ثم أضفتِ:
- أتمنى أنك لم ترسمني.. يا لها من كارثة معك!
- وأين هي الكارثة إن كنت قد رسمتك؟
واصلت بصوت عصبي:
- أأنت مجنون؟ تريد أن تحولني إلى لوحة تدور بها القاعات من مدينة إلى أخرى، يتفرّج عليها كل من يعرفني؟!
كنت أشعر برغبة صباحية في مشاكستك، ربما من فرط سعادتي، وربما لأنني مجنون حقاً، ولا أعرف كيف أكون سعيداً مثل الآخرين.
قلت لك:
- أما قلتِ مرّة.. إن الناس الذين بلهموننا هم أناس توقفنا أمامهم ذات يوم لسبب أو لآخر، وأنهم ليسوا سوى حادثة سير. فإن أكون رسمتك لا يعني شياً، سوى أنني صادفتك يوماً في طريقي لا غير!
صحت:
- أأنتَ أحمق؟. تريد أن تقنع عمي وتقنع الآخرين أنك رسمتني بعدما صادفتني مرة على رصيف، واقفة مثلاً أمام ضوء أحمر.. إننا لا نرسم سوى ما يثيرنا.. أو ما نحبه.. هذا معروف!
تراك كنت تستدرجينني إلى ذلك الاعتراف، وتدورين حوله، أم كنت من الحماقة لتصدّقي زعمي بأنني لا أدري ذلك. لكنني وجدت في تلك الفرصة الصباحية، وفي ذلك الخيط اله...ي الذي كان يفصلني ويقرّبني منك في آن واحد.. مناسبة لمصارحتك.
قلت:
- لنفترض إذن أنني أحبّك.!
كنت أنتظر وقع الكلمات عليك، وأتوقع عدة أجوبة لكلامي. ولكنك قلت بعد لحظة صمت:
- ولنفترض إذن.. أنني لم أسمع!
أدهشتني..
لم أفهم تماماً إذا كنت تجيدين ذلك "التصريح" أقل أو أكثر مما توقعت، أم أنك كعادتك تتلاعبين بالكلمات بمتعة مدهشة، وأنت تدرين أنك تلعبين بأعصابي لا غير، وتقذفينني من سؤال.. إلى تساؤل آخر.
- أين نلتقي؟
كان هذا هو السؤال الأهم الذي قررنا أن نجيب عليه بجدية.
تناقشنا طويلاً في عنوان مكان آمن يمكن أن نشرب فيه قهوة، أو نتناول فيه وجبة الغداء معاً.
ولكن باريس ضاقت بنا.
كنت لا تعرفين غير الأماكن التي يرتادها الطلبة. وكنت لا أرتاد غير المقاهي القريبة من حييّ. قررنا أن نلتقي في أحد المقاهي المجاورة لبيتي والتي تقدم وجبات غداء.
وكنت أقترف إحدى حماقاتي الكبرى.
لم أكن أعرف وقتها أنني أختار عنواناً لذاكرتي مجاوراً تماماً لعنوان بيتي، وأنني بذلك سأمنح الذكريات حق مطاردتي.
لم أعد أذكر الآن، كيف أصبح ذلك المقهى العنوان الدائم لجنوننا. وكيف أصبح تدريجياً يشبهنا، بعدما تعوّد أن يختار لنا زاوية جديدة كلّ مرة، تتلاءم مع مزاجنا المتقلّب، خلال شهرين من السعادة المسروقة..
كنا نلتقي هناك في أوقات مختلفة من النهار، وحسب ساعات دراستك وبرنامج أعمالي.
تعودت أن تطلبيني ه...ياً كل صباح في الساعة التاسعة، وأنت في طريقك إلى الجامعة. ونتّفق كل صباح على برنامج لك اليوم الذي لم بعد لنا فيه في النهاية من برنامج سوانا.
كنت أتدحرج يوماً بعد آخر نحو هاوية حبّك، أصطدم بالحجارة والصخور، وكل ما في طرقي من مستحيلات. ولكنني كنت أحبك. ولا أنتبه إلى آثار الجراح على قدمي، ولا إلى آثار الخدوش على ضميري الذي كان قبلك إناء بلّور لا يقبل الخدش. وكنت أواصل نزولي معك بسرعة مذهلة نحو أبعد نقطة في العشق الجنوني.
وكنت أشعر أنني غير مذنب في حبّك. على الأقل حتى تلك الفترة التي كنت مكتفياً فيها بحبك، بعدما أقنعت نفسي أنني لا أسيء إلى أحد بهذا الحب.
وقتها لم أكن أجرؤ على أن أحلم بأكثر من هذا. كانت تكفيني تلك العاطفة الجارفة التي تعبرني لأول مرة، بسعادتها المتطرفة أحياناً, وحزناه المتطرف أحياناً أخرى..
كان يكفيني الحب.
متى بدأ جنوني بك؟
يحدث أن أبحث عن ذلك التاريخ وأتساءل.. ترى أفي ذلك اليوم الذي رأيتك فيه لأول مرة؟ أم في ذلك اليوم الذي انفردت بك فيه لأول مرّة؟ أم في ذلك اليوم الذي قرأتك فيه لأول مرة؟.
أم ترى يوم وقفت فيه بعد عمر من الغربة، لأرسم فيه قسنطينة.. كأول مرة!
ترى يوم ضحكتِ أم يوم بكيت.
أعندما تحدَّثتِ.. أم عندما صمتِّ.
أعندما أصبحتِ ابنتي.. أم لحظة توهَّمت أنك أمي؟!
أيّ امرأة فيك هي التي أوقعتني؟.
كنت معك في دهشة دائمة. فقد كنت شبيهة بتلك الدمية الروسية الخشبية التي تخفي داخلها دمية أخرى. وهذه تخفي دمية أصغر، وهكذا تكون سبع دمى داخل واحدة!
كنت كلّ مرة أفاجأ بامرأة أخرى داخلك. وإذا بكِ تأخذين في بضعة أيام ملامح كل النساء. وإذا بي محاط بأكثر من امرأة، يتناوبن عليّ في حضورك وفي غيابك، فأقع في حبّهن جميعاً.
أكان يمكن لي إذن أن أحبّك بطريقة واحدة؟
لم تكوني امرأة.. كنت مدينة.
مدينة بنساء متناقضات. مختلفات في أعمارهنَّ وفي ملامحهن؛ في ثيابهنَّ وفي عطرهنَّ؛ في خجلهنَّ وفي جرأتهنَّ؛ نساء من قبل جيل أمي إلى أيامك أنتِ.
نساء كلهن أنتِ.
عرفت ذلك بعد فوات الأوان. بعدما ابتلعتني كما تبتلع المدن المغلقة أولادها.
كنت أشهد تحولك التدريجي إلى مدينة تسكنني منذ الأزل..
كنت أشهد تغيرك المفاجئ، وأنت تأخذين يوماً بعد يوم ملامح قسنطينة، تلبسين تضاريسها، تسكنين كهوفها وذاكرتها ومغاراتها السرية، تزورين أولياءها، تتعطرين ببخورها، ترتدين قندورة عنّابي من القطيفة، في لون ثياب "أمّا"، تمشين وتعودين على جسورها، فأكاد أسمع وقع خلخالك الذهبي يرنّ في كهوف الذاكرة.
أكاد ألمح آثار الحناء على كعب قدميك المهيأتين للأعياد.
وكنت أنا أستعيد لهجتي القديمة معك. كنت ألفظ التا "تساء" على الطريقة القسنطينية.
كنت أناديك مدلّلاً "يالا" كما لم يعد الرجال ينادون النساء في قسنطينة.
كنت أناديك بحنين "يا أميمة" بذلك النداء الذي ورثته قسنطينة دون غيرها، عن أهل قريش من عصور.
وكنت، كنت عندما يجرّدني عشقك من سلاحي الأخير، أعترف لك مهزوماً على طريقة عشاقنا "نِشتيك.. يعن بُو زَيْنِك!".
تلك الكلمة التي كان أصلها "أشتهيك" والتي اختصروها منذ زمان لتخفي معناها الأصلي، وتتحول إلى كلمة ودّ لا غير.
فقسنطينة مدينة منافقة، لا تعترف بالشهوة ولا تجيز الشوق؛ إنما تأخذ خلسة كل شيء، حرصاً على صيتها، كما تفعل المدن العريقة.
ولذا فهي تبارك مع أوليائها الصالحين.. الزانين أيضاً.. والسرّاق!
ولم أكن سارقاً، ولا كنت وليّاً، ولا شيخاً يدّعي البركات، لتباركني قسنطينة.
كنت فقط، رجلاً عاشقاً، أحبك بجنون رسّام؛ بتطرف وحماقة رسام، خلقك هكذا كما يخلق الجاهليون آلهتهم بيدهم، ثم يجلسون لعبادتها، وتقديم القرابين لها.
وربما كان هذا، أكثر ما كنت تحبّينه في حبّي!
ذات يوم قلت لي:
كنت أحلم أن يحبّني رسّام. قرأت عن الرسامين قصصاً مدهشة. إنهم الأكثر جنوناً بين كلّ المبدعين. إنّ جنونهم متطرف.. مفاجئ ومخيف. لا يشبه في شيء ما يُقال عن الشعراء مثلاً أو عن الموسيقيين. لقد قرأت حياة فان غوغ.. دولاكروا.. غوغان... دالي.. سيزان.. بيكاسو وآخرين كثيرين لم يبلغوا هذه الشهرة. أنا لا أتعب من قراءة سيرة الرسّامين.
في الواقع شهرتهم لا تعنيني بقدر ما يعنيني تقلّبهم وتطرّفهم. تهمني تلك اللحظة الفاصلة بين الإبداع والجنون. عندما يعلنون فجأة خروجهم عن المنطق واحتقارهم له. وحدها تلك اللحظة تستحقّ التأمل والانبهار أحياناً، فهم يفعلون ذلك لمجرد تحدّينا وتعجيزنا بلوحة ليست سوى حياتهم.
هنالك مبدعون، يك...ن بوضع عبقريَّتهم في إنتاجهم. وهنالك آخرون، يصرّون على توقيع حياتهم أيضاً، بنفس العبقرية، فيتركون لنا سيرة فريدة، غير قابلة للتكرار أو التزوير..
أعتقد أن مثل هذا الجنون ينفرد به الرسامون. ولا أظن أن شاعراً يمكن أن يصل إلى ما وصل إليه فان غوغ مثلاً في لحظة يأس واحتقار للعالم، عندما قطع أذنه ليهديها إلى غانية..
أو ما فعله ذلك الرسام المجهول الذي لم أعد أذكر اسمه، والي شنق نفسه، بعدما علَّق في سقف غرفته، لوحة المرأة التي أحبها والتي قضى أياماً في رسمها. وهكذا توحّد معها على طريقته.. ووقّع لوحته وحياته معاً مرة واحدة.
قلتُ:
- إن ما يعجبك في النهاية، هو قدرة الرسامين الخارقة على تعذيب أنفسهم، أو على التمثيل بها.. أليس كذلك؟.
أجبتِ:
- لا.. ولكن هنالك لعنة ما تلاحق الرسامين دون غيرهم؛ وهنالك جدلية لا تنطبق إلا عليهم. فكلّما زاد عذابهم وجوعهم وجنونهم، زاد ثمن لوحاتهم. حتى إن موتهم يوصلها إلى أسعار خيالية، وكأن عليهم أن ينسحبوا لتحلّ هي مكانهم.
لم أناقشك في رأيك.
رحت أستمع إليك وأنت ترددّين كلاماً أعرفه، ولكن فاجأني منك
لم أتساءل يومها، إن كنت تحبينني لاحتمال جنوني، أو لشيء آخر. ولا أن تكون نيّتك اللاشعورية تحويلي إلى لوحة ثمينة أدفع ثمنها من حطامي.
هل سيزيد عذابي حقاً، من قيمة أية لوحة سأرسمها كيفما كان، تحت تأثير جوعي أو نوبة جنوني؟
اكتفيت بالتساؤل.. أين يبدأ الفنّ ترى؟.. وأين تبدأ النزعة السادية عند الآخرين؟
كنت أعتقد أن هذه الجدلية لا علاقة لها بالإبداع ولا بالفن، وإنما بطبع الإنسان لا أكثر.
نحن ساديون بفطرتنا. يحلو لنا أن نسمع عذابات الآخرين، ونعتقد، عن أنانية، أن الفنان مسيح آخر جاء ليصلب مكاننا.
عذابه يحزننا و يسعدنا في آن واحد. قصّته قد تبكينا، ولكنها لن تمنعنا من النوم، ولن تدفعنا إلى إطعام فنان آخر، يموت جوعاً أو قهراً أمامنا. بل إننا نجد من الطبيعي أن تتحول جراح الآخرين إلى قصيدة نغنيها، أو لوحة نحتفظ بها، وقد نتاجر بها، للسبب نفسه.
فهل الجنون قُصر حقاً على الرسامين دون غيرهم؟
أليس هو قاسماً مشتركاً بين كلِّ المبدعين، وكل المسكونين بهذه الرغبة المرضيّة في الخلق؟
فالذي لا يمكن بحكم منطق الإبداع نفسه، أن يكون إنساناً عادياً، بأطوار عادية وبحزن وفرح عاديّ. بمقاييس عادية للكسب والخسارة.. للسعادة والتعاسة.
إنه إنسان متقلّب، مفاجئ، لن يفهمه أحد ولن يجد أحد مبرراً لسلوكه.
كان ذلك أول يوم حدّثتك فيه عن زياد.
قلت:
- لقد عرفت شاعراً فلسطينياً كان يدرس في الجزائر. كان سعيداً بحزنه وبوحدته؛ مكتفياً بدخله البسيط كأستاذ للأدب العربي، وبغرفته الجامعية الصغيرة، وبديوانين شعريّين. حتى ذلك اليوم الذي تحسّنت أحواله المادية، وحصل على شقة وكان على وشك الزواج من إحدى طالباته التي أحبّها بجنون، والتي قبل أهلها أخيراً تزويجها منه.
عندما قرّر فجأة أن يتخلى عن كل شيء، ويعود إلى بيروت ليلتحق بالعمل الفدائي..
عبثاً حاولت إقناعه بالبقاء. لم أكن أفهم حماقته تلك، وإصراره على الرحيل عندما أوشك أخيراً أن يحقق أحلامه. وكان يجيب ساخراً "أيّ أحلام.. أنا لا أريد أن أقتل داخلي ذلك الفلسطيني المشرّد.. فعندها لن يكون لأيّ شيء أمتلكه من قيمة..".
ويضيف وهو ينفث دخانه على مهل وكأنه يختفي خلفه كي يبوح لي بسرٍّ: "ثم.. لا أريد أن أنتمي لامرأة.. أو إذا شئت لا أريد أن أقيم فيها.. أخاف السعادة عندما تصبح جبرية. هنالك سجون لم تخلق للشعراء..".
وكانت الفتاة التي أحبّته تزورني راجية أن أقنعه بالبقاء، وأنه مجنون ذاهب إلى الموت وإلى حتفه المؤكد. ولكن عبثاً، لم تكن هناك حجة واحدة لإغرائه بالبقاء.. بل إنه في تطرفه المفاجئ، أصبح يجد في حججي ما يزيده إغراءً بالرحيل.
أذكر أنه قال لي يومها بشيء من السخرية، وكأنه يعطيني درساً في الحياة:
"هناك عظمة ما، في أن نغادر المكان ونحن في قمة نجاحنا. إنه الفرق بين عامة الناس.. والرجال الاستثنائيين!".
سألتك إن كنت تعتقدين أنّ شاعراً كهذا، هو أقلّ جنوناً من رسام قطع أذنه؟
لقد استبدل براحته شقاءً لم يكن مرغماً عليه. واستبدل بحياته موتاً، دون أن يكون مجبراً عليه.
لقد أراد أن يذهب إلى الموت مكابراً وليس مهزوماً ومكرهاً. إنها طريقته في أن يهزم مسبقاً شيئاً لا يُهزم، وهو الموت.
سألتني بلهفة:
- هل مات؟
قلت لك:
- لا.. إنه لم يمت.. أو على الأقل مازال على قيد الحياة حتى تاريخ بطاقته الأخيرة التي بعث إليّ بها في رأس السنة، أي منذ ستة أشهر تقريباً.
ساد بيننا شيء من الصمت، وكأن أفكارنا معاً ذهبت إليه..
قلت لك:
- أتدرين أنه كان سبباً غير مباشر في مغادرتي الجزائر؟ معه تعلّمت أنه لا يمكن أن نتصالح مع كل الأشخاص الذين يسكنوننا، وأنه لا بد أن نضّحي بأحدهم ليعيش الآخر. وأمام هذا الاختبار فقط نكتشف طينتنا الأولى، لأننا ننحاز تلقائياً إلى ما نعتقد أنه الأهم.. وأنه نحن لا غير.
قلت وأنت تقاطعينني:
- صحيح.. نسيت أن أسألك لماذا جئت إلى فرنسا؟
أجبتك وتنهيدة تسبقني، وكأنها تفتح أبواب صدر أوصدته الخيبات:
- قد لا تقنعك أسبابي.. ولكنني مثل ذلك الصديق، أكره الجلوس على القمم التي يسهل السقوط منها. وأكره خاصة أن يحولني مجرد كرسي أجلس عليه إلى شخص آخر لا يشبهني

فداء
12-08-2007, 02:46 AM
لقد كنت بعد الاستقلال أهرب من المناصب السياسية التي عرضت عليّ، والتي كان الجميع يلهثون للوصول إليها.
كنت أحلم بمنصب في الظل يمكن أن أقوم فيه بشيء من التغيرات دون كثير من الضجيج ودون كثير من المتاعب. ولذا عندما عيّنت كمسؤول عن النشر والمطبوعات في الجزائر، شعرت أنني خلقت لذلك المنصب. فقد قضيت كلّ سنوات إقامتي في تونس في تعلّم العربية والتعمق فيها، وتجاوز عقدتي القديمة كجزائري لا يتقن بالدرجة الأولى سوى الفرنسية. وأصبحت، في بضع سنوات، مزدوج الثقافة، لا أنام قبل أن أبتلع وجبتي من القراءة بإحدى اللغتين.
كنت أعيش بالكتب ومع الكتب. حتى إنني كدت في فترة ما أنتقل من الرسم إلى الكتابة، خاصة أن الرسم، كان في نظر البعض آنذاك، شبيهاً بالشذوذ الثقافي، وعلامة من علامات الترف الفني، التي لا علاقة لها بظروف التحرير.
عندما عدت إلى الجزائر بعدها، كنت ممتلئاً بالكلمات.
ولأن الكلمات ليست محايدة، فقد كنت ممتلئاً كذلك بالمثل والقيم، ورغبة في تغيّر العقليات والقيام بثورة داخل العقل الجزائري الذي لم تغير فيه الهزات التاريخية شيئاً.
ولم يكن الوقت مناسباً لحلمي الكبير الذي لا أريد أن أسمّيه "الثورة الثقافية". بعدها لم تعد هاتان الكلمتان مجتمعتين أو متفرقتين تعنيان شيئاً عندنا.
كانت هناك أخطاء كبرى تُرتكب عن حسن نية. فلقد بدأت التغيرات بالمصانع، والقرى الفلاحية والمباني والمنشآت الضخمة، وترك الإنسان إلى الأخير.
فكيف يمكن لإنسان بائس فارغ، وغارق في مشكلات يومية ....ة، ذي عقلية متخلفة عن العالم بعشرات السنين، أن يبني وطناً، أو يقوم بأية ثورة صناعية أو زراعية، أو أية ثورة أخرى؟
لقد بدأت كلّ الثورات الصناعية في العالم من الإنسان نفسه، ولذا أصبح اليابان (ياباناً) وأصبحت أوربا ما هي عليه اليوم.
وحدهم العرب راحوا يبنون المباني ويسمّون الجدران ثورة. ويأخذون الأرض من هذا ويعطونها لذاك، ويسمّون هذا ثورة.
الثورة عندما لا نكون في حاجة إلى أن نستورد حتى أكلنا من الخارج.. الثورة عندما يصل المواطن إلى مستوى الآلة التي يسيّرها.
كان صوتي يأخذ فجأة نبرة جديدة، فيها كثير من المرارة والخيبة التي تراكمت منذ سنين. وكنت تنظرين إليّ بشيء من الدهشة وربما من الإعجاب الصامت، وأنا أحدثك لأول مرة عن شجوني السياسية.
سألتني:
- ألهذا جئت إلى فرنسا إذن؟
قلت:
- لا.. ولكنني جئت ربما بسبب أوضاع هي نتيجة أخطاءٍ كهذه، لأنني ذات يوم قرّرت أن أخرج من الرداءة، من تلك الكتب الساذجة التي كنت مضطراً إلى قراءتها ونشرها باسم الأدب والثقافة، ليلتهمها شعب جائع إلى العلم.
كنت أشعر أنني أبيعه معلّبات فاسدة مرّ وقت استهلاكها. كنت أشعر أنني مسؤول بطريقة أو بأخرى عن تدهور صحته الفكرية، وأنا ألقّنه الأكاذيب بعدما تحوّلت من مثقف إلى شرطي ....، يتجسّس على الحروف والنقاط، ليحذف كلمة هنا وأخرى هناك.. فقد كنت أتحمل وحدي مسؤولية ما يكتبه الآخرون.
كنت أشعر بالخجل وأنا أدعو أحدهم إلى مكتبي لإقناعه بحذف فكرة أو رأي كنت أشاركه فيه.
ذات يوم، زارني زياد.. ذلك الشاعر الفلسطيني الذي حدّثتك عنه، والذي لم أكن التقيت به من قبل.
وكنت اتصلت به لأطلب منه حذف أو تغيير بعض الكلمات التي جاءت في ديوانه، والتي كانت تبدو لي قاسية تجاه بعض الأنظمة.. وبعض الحكام العرب بالذات، والذين كان يشير إليهم بتلميح واضح، ناعتاً إياهم بكل الألقاب.
لم أنسَ أبداً نظرته ذلك اليوم.
توقّفت عيناه عند ذراعي المبتورة لحظة، ثم رفع عينيه نحوي في نظرة مهينة وقال:
" لا تبتر قصائدي سيّدي.. ردّ لي ديواني، سأنشره في بيروت".
شعرت أن الدم الجزائري يستيقظ في عروقي، وأنني على وشك أن أنهض من مكاني لأصفعه. ثم هدأت من روعي، وحاولت أن أتجاهل نظرته وكلماته الاستفزازية.
ما الذي شفع له عندي في تلك اللحظة؟
ترى هويّته الفلسطينية، أو تلك الشجاعة التي لم يواجهني بها كاتب قبله، أم ترى عبقريّته الشعرية؟ فقد كان ديوانه أروع ما قرأت من الشعر في ذلك الزمن الرديء. وكنت أؤمن في أعماقي أن الشعراء كالأنبياء هم دائماً على حق.
تلقَّيت كلماته كصفعة أعادتني إلى الواقع، وأيقظتني بخجل. لقد كان ذلك الشاعر على حق، كيف لم أكتشف أنني لم أكن أفعل شيئاً من سنوات سوى تحويل ما يوضع أمامي من إنتاج إلى نسخة مبتورة مشوّهة مثلي؟
قلت له متحدياً، وأنا ألقي نظرة غائبة على غلاف تلك المخطوطة: "سأنشره لك حرفياً".
كان في موقفي شيء من "الرجولة"، تلك الرجولة أو الشجاعة التي كان لا يمكن لموظف مهما كان منصبه أن يتحلى بها، دون أن يغامر بوظيفته، لأن الموظّف في النهاية هو رجل استبدل برجولته كرسيّاً!
سبب لي ديوانه عند صدوره بعض المتاعب. شعرت أن هناك شيئاً من الزيف الذي لم أتحمّله.
ما الذي يمنعني من فضح أنظمة دموية قذرة، مازلنا باسم الصمود ووحدة الصفّ، نصمت على جرائمها؟ ولماذا من حقّنا أن ننتقد أنظمة دون أخرى حسب النشرات الجوية، والرياح التي يركبها قبطان بواخرنا؟
بدأ شيء من اليأس والمرارة يملأني تدريجياً. هل أغير وظيفتي لأستبدل بمشكلاتي مشاكل أخرى، وأصبح هذه المرة طرفاً في لعبة أخرى؟
ماذا أفعل بكل ما كدّست وجمعت من أحلام طوال سنوات غربتي ونضالي، وماذا أفعل بسنواتي الأربعين، وبذراعي المبتورة، وبذراعي الأخرى؟
ماذا أفعل بهذا الرجل المكابر العنيد الذي يسكنني، ويرفض أن يساوم على حريته، وبذلك الرجل الآخر الذي لا بد أن يعيش ويتعلم الجلوس على المبادئ.. ويتأقلم مع كل كرسي.
كان لا بد أن أقتل أحدهما ليحيا الآخر... وقد اخترت.
كان لقائي بزياد منعطفاً في حياتي.
اكتشفت بعدها أن قصص الصداقة القوية، كقصص الحب العنيفة، كثيراً ما تبدأ بالمواجهة والاستفزاز واختبار القوى.
فلا يمكن لرجلين يتمتع كلاهما بشخصية قوية وبذكاء وحساسية مفرطة، رجلين حملا السلاح في فترات من حياتهما.. وتعودّا على لغة العنف والمواجهة، أن يلتقيا دون تصادم.
وكان لا بد لنا من ذلك الاصطدام الأول.. وذلك التحدي المتبادل لنفهم أننا من طينة واحدة.
بعدها أصبح زياد تدريجياً صديقي الوحيد الذي أرتاح إليه حقاً.
كان نلتقي عدة مرات في الأسبوع، نسهر ونسكر معاً، نتحدث طويلاً عن السياسة، وكثيراً عن الفنّ، نشتم الجميع ونفترق سعيدين بجنوننا.
كنا في سنة 1973. كان عمره ثلاثين سنة، وديوانين، ما يقارب الستِّين قصيدة، وما يعادلها من الأحلام المبعثرة.
وكان عمري بعض اللوحات، قليلاً من الفرح وكثيراً من الخيبات، وكرسيين أو ثلاثاً، تنقّلت بينها منذ الاستقلال، بشيء من الوجاهة، بسائق وسيارة.. وبمذاق غامض للمرارة.
ذات يوم، رحل زياد بعد حرب أكتوبر بشهرين أو ثلاثة. عاد إلى بيروت لينضمّ إلى الجبهة الشعبية التي كان منخرطاً فيها قبل قدومه إلى الجزائر.
ترك لي كلّ كتبه المفضّلة والتي كان ينقلها من بلد إلى آخر. ترك لي فلسفته في الحياة، وشيئاً من الذكريات، وتلك الصديقة التي كانت تزورني أحياناً لتسأل عن أخباره، تلك التي كان يرفض أن يكتب لها، وكانت ترفض أن تنساه.
قلت وأنت تخرجين من صمتك الطويل:
- ولماذا لم يكتب لها؟
قلت:
- ربما لأنه كان يكره التحرش بالماضي.. وربما كان يريد أن تنساه وتتزوج بسرعة، كان يريد لها قدراً آخر غير قدره.
سألتني:
- وهل تزوجت؟
قلت:
- لا أدري.. لقد فقدت أخبارها منذ عدة سنوات، ومن الأرجح أن تكون تزوجت. لقد كانت على قدر كبير من الجمال. ولكن لا أعتقد أن تكون قد نسيته، من الصعب على امرأة عرفت رجلاً مثل زياد أن تنساه..
شعرت في تلك اللحظة، أنك ذهبت بعيداً في أفكارك.
تراك كنت قد بدأت تحلمين به؟
تراني قد بدأت يومها باقتراف حماقاتي، الواحدة تلو الأخرى، وأنا أردّ بعد ذلك على أسئلتك الكثيرة حوله، بأجوبة تثير فيك فضول الأنثى والكاتبة في آن واحد؟
حدّثتك عن قصائده كثيراً، وعن ديوانه الأخير، الذي كتب قصائده كما يطلق بعضهم الرصاص في الأعراس والمآتم ليشيّعوا حبيباً أو قريباً.
كان هو يشيّع صديقاً قديماً اسمه الشعر، ويقسم أنه لن يكتب بعد اليوم سوى بسلاحه.
في الواقع، لم يكن ذلك الرجل يكتب. كان فقط يفرغ رشاشه المحشو غضباً وثورة في وجه الكلمات.
كان يطلق الرصاص على كل شيء حوله.. بعدما لم يعد يثق في شيء!
آخ.. كم كان زياد مدهشاً!
لا بد أن أعترف اليوم أنه كان مدهشاً حقاً، وأنني كنت أحمق. كان لا بد أن أحدثك عنه وأنا أتوهم أن الجبال لا تلتقي..
لماذا كنت أحدثك عنه بتلك الحماسة، وبتلك الشاعرية؟
أكنت أريد التقرب إليك به، وأقنعك من خلاله أن لي قرابة سابقة بالكتاب والشعراء، فأكبر بذلك في عي...؟
أم كنت أصفه لك في صورته الأجمل، لأنني كنت أعتقد حتى ذلك اليوم أنني أشبهه، وأنني كنت أصف لك نفسي لا غير..
ربما كان كل هذا حقاً.. ولكن..
كنت أريد أيضاً، أن تكتشفي العروبة في رجال استثنائيين، كما لم تنجب هذه الأمة.
رجال ولدوا في مدن عربية مختلفة، ينتمون إلى أجيال مختلفة، واتجاهات سياسية مختلفة، ولكنهم جميعاً لهم قرابة ما بأبيك.. بوفائه وشهامته، بكبريائه وعروبته..
جميعهم ماتوا أو سيموتون من أجل هذه الأمة.
كنت لا أريد أن تنغلقي في قوقعة الوطن الصغير، وأن تتحولي إلى منقّبة للآثار والذكريات، في مساحة مدينة واحدة.
فكل مدينة عربية اسمها قسنطينة. وكل عربي ترك خلفه كل شيء وذهب ليموت من أجل قضية، كان يمكن أن يكون اسمه الطاهر..
وكان يمكن أن تكون لك قرابة به.
كنت أريد أن تملأي رواياتك بأبطال آخرين أكثر واقعية، أبطال تخرجين معهم من مراهقتك السياسية، ومراهقتك العاطفية.
ألم أقل لك ذلك اليوم _بحماقة_ "لو عرفتِ رجالاً مثل زياد.. لما أحببت بعد اليوم "زوربا" ولما كنت في حاجة إلى خلق أبطال وهميين. هنالك في هذه الأمة أبطال جاهزون بفوقون خيال الكتّاب..".
لم أكن أتوقع يومها أن يحصل كل الذي حصل، وأن أكون أنا الذي سيتحوّل ذات يوم إلى منقب يبحث بين سطورك عن آثار زياد، ويتساءل من منّا أحببت أكثر، ولمن بنيت ضريحك الأخير، وروايتك الأخيرة..
ألي.. أم له
في ذلك اليوم، وضعتِ فجأة قبلة على خدّي. وقلت بلهجة جزائرية ونحن على وشك أن ننهض للذهاب:
" خالد.. انحبك.."
توقف كل شيء لحظتها حولي، وتوقف عمري على شفتيك. وكان يمكن وقتها أن أحتضنك، أو أقبّلك.. أو أردّ عليك بألف.. ألف أحبك أخرى.
ولكنني جلست من دهشتي، وطلبت من النادل قهوة أخرى، وقلت لك أول جملة خطرت آنذاك في ذهني:
" لماذا اليوم بالذات؟"
أجبتني بصوت خافت:
- لأنني اليوم أحترمك أكثر. إنها أول مرة منذ ثلاثة أشهر تحدثني فيها عن نفسك. اكتشفت اليوم أشياء مدهشة. لم أكن أتصور أنك حضرت إلى باريس لهذه الأسباب. عادة يأتي الفنانون هنا بحثاً عن الشهرة أو الكسب لا أكثر. لم أتوقع أن تكون تخليت عن كل شيء هناك، لكي تبدأ من الصفر هنا..
قاطعتكِ مصحِّحاً لكلامك:
- لم أبدأ من الصفر.. نحن لا نبدأ من الصفر أبداً عندما نسلك طريقاً جديداً. إننا نبدأ من أنفسنا فقط. أنا بدأت من قناعاتي.
شعرت يومها أننا ندخل مرحلة أخرى من علاقتنا، وأنك عجينة تأخذ فجأة كل قناعاتي، وشكل طموحاتي وأحلامي القادمة.
تذكّرت جملة قرأتها يوماً في كتاب عن الرسم لأحد النقّاد تقول:
"إنّ الرسام لا يقدم لنا من خلال لوحته صورة شخصيّة عن نفسه. إنه يقدم لنا فقط مشروعاً عن نفسه ويكشف لنا الخطوط العريضة لملامحه القادمة".
وكنتِ أنتِ مشروعي القادم.
كنت ملامحي القادمة، ومدينتي القادمة. كنت أريدك الأجمل، أريدك الأروع.
كنت أريد لك وجهاً آخر، ليس وجهي تماماً، وقلباً آخر، ليس قلبي، وبصمات أخرى، لا علاقة لها بما تركه الزمن على جسدي وروحي من بصمات زرقاء.
يومها عرضت عليك بعد شيء من التردّد، أن تزوري ذات يوم مرسمي، لأريك ما رسمته في الأيام الأخيرة.
وكنت سعيداً أن تقبلي عرضي دون تردد أو خوف. فقد كنت أحرص على ألا تسيئي الظنّ بي. وكنت قررت أن ألغي ذلك العرض نهائياً إذا ما ضايقك.
ولكنك فاجأتني وأنت تصيحين بفرح طفلة عُرض عليها زيارة مدينة للألعاب:
- أو... رائع يسعدني حقاً أن أزوره!

فداء
12-08-2007, 02:47 AM
في اليوم التالي، طلبتني ه...ياً لتخبريني أن عندك ساعتين وقت الظهر، يمكنك أن تزوريني خلالهما.
وضعت السماعة.. ورحت أحلم، أسبق الساعات، وأسبق الزمن.
أنت في بيتي.. أحقاً سيحدث هذا؟
أحقاً ستدقّين جرس هذا الباب، ستجلسين على هذه الأريكة، ستمشين هنا أمامي.
أنتِ.. أخيراً أنتِ؟
أخيراً سأجلس إلى جوارك، وليس مقابلاً لك. أخيراً لن يلاحقنا نادل بطلباته وخدماته. لن تلاحقنا عيون روّاد المقهى، ولا عيون الغرباء من المارة.
أخيراً يمكننا أن نتحدث، أن نحزن ونفرح، دون أن يكون من شاهد على تقلباتنا النفسية.
رحت من فرحي أشرع الباب لك مسبقاً، وأنا أجهل أنني أشرع قلبي للعواطف والزوابع.
أيّ جنون كان.. أن آتي بك إلى هنا، أن أفتح لك عالمي السريّ الآخر، أن أحوّلك إلى جزء من هذا البيت.
هذا البيت الذي أصبح جنّتي في انتظارك، والذي قد يصبح جحيمي بعدك.
أكنت عندئذٍ أعي كلّّ هذا؟ أم كنت سعيداً وأحمق كأيّ عاشقٍ لا يرى أبعد من موعده القادم؟
تساءلت بعدها.. إن كنت حقاً لا أريد غير إطلاعك على لوحتي الأخيرة.. وعلى حديقتي السرّيّة للجنون.
تذكّرت كاترين، وتلك اللوحة التي رسمتها لها اعتذارا لأنني ذات يوم، كنت عاجزاً عن أن أرسم شيئاً آخر غير وجهها، بينما كان الآخرون يتسابقون في رسم جسدها العاري، المعروض للوحي في قاعة للفنون الجميلة.
تذكّرت يوم عرضت عليها أن تزورني لأريها تلك اللوحة..
لم أتوقع أن تكون تلك اللوحة البريئة، سبباً بعد ذلك في علاقة غير بريئة دامت سنين.
أليس في دعوتي لك لزيارة مرسمي، شيء من قلّة التعقّل، ورغبة سرية لاستدراج الظروف لأشياء أخرى؟
تراني كنت أفعل ذلك، وأنا أستعيد جملة كاترين، وهي تستسلم لي في ذلك المرسم، وسط فوضى اللوحات المرسومة، واللوحات البيضاء المتّكئة على الجدران، وتقول لي بإشارة متعمدة:
- هذا مكان يغري بالحب..
فأجبتها بشيء من الواقعية:
- لم أكن أعرف هذا قبل اليوم..
فهل كان مرسمي يغري بالحب؟ أم أن في كل مكان للخلق جاذبية ما تغري بالجنون
ولكن، ورغم هذا كنت أدري أنك لم تكوني كاترين.. ولن تكونيها. فبيننا من الحواجز ما لن يحطمه أيّ جنون..
اليوم، بعد ستّ سنوات على تلك الزيارة، أستعيد ذلك اليوم، وكأنني أعيشه مرة أخرى، بكل هزّاته النفسية المتقلبة.
ها أنت تدخلين في فستان أبيض (لماذا أبيض؟)، يسبقك عطرك إلى الطابق العاشر. يسبقك القلب إلى المصعد ويهرول أمامك.
ها أنا أكاد أضع قبلة على خدك.. وإذا بي أصافحك (لماذا أصافحك؟).
أسألك هل وجدت البيت بسهولة فتأتي الكلمات بالفرنسية (لماذا أيضاً بالفرنسية؟) تراني كنت أبحث عن حرّيّة أو جرأة أكثر، داخل تلك اللغة الغريبة عن تقاليدي وحواجزي النفسية؟
على تلك الأريكة جلستِ.
قلت وأنت تلقين نظرة عامة على غرفة الجلوس:
- لم أكن أتصور بيتك هكذا. إنه رائع ومؤثث بكثير من الذوق!
سألتك:
- كيف كنت تتصورينه إذن؟
أجبتني:
- بفوضى.. وبأشياء أكثر.
قلت لك ضاحكاً:
- لست في حاجة إلى أن أسكن شقة مغبّرة، بأشياء كثيرة مبعثرة لأكون فنّاناً. إنها فكرة أخرى خاطئة عن الرسّامين. أنا مسكون بالفوضى، ولكنني لا أسكنها بالضرورة. إنها طريقتي الوحيدة، في وضع شيء من الترتيب داخلي.
لقد اخترت هذه الشقة الشاهقة، لأن الضوء يؤثثها وهو كل ما يلزم للرسام، فاللوحة مساحة لا تؤثث بالفوضى وإنما بالضوء ولعبة الظل والألوان.
فتحت نافذتي الزجاجية الكبيرة، ودعوتك للخروج إلى الشرفة.
قلت:
- انظري هذه النافذة، إنها الجسر الذي يربطني بهذه المدينة. من هنا، من شرفتي أتعامل مع سماء باريس المتقلّبة.
كل صباح تقدم لي باريس نشرتها النفسية، فأجلس هنا في الشرفة لأت... عليها وهي تنقلب من طور إلى آخر.
يحدث كثيراً أن أرسم أمام هذه النافذة، ويحدث أن أجلس في الخارج لأت... على نهر السين، وهو يتحول إلى إناء يطفح بدموع مدينة تحترف البكاء.
يحلو لي الجلوس هنا على حافّة المطر قريباً ومحمياً منه في آن واحد. منظر المطر يستدرجني لأحاسيس متطرفة.
" إن الإنسان ليشعر أنه في عنفوان الشباب عند نزول المطر"
عندئذٍ، نظرت إلى السماء وكأنك تصلين لتمطر، وقلت بالعربية:
- إن المطر يغريني بالكتابة.. وأنت؟
وكنت على وشك أن أجيبك " وأنا يغريني بالحب".
نظرت طويلاً إلى السماء. كانت صافية زرقاء ***اء حزيران.
كان زرقتها تضايقني فجأة، ربما لأنني تعودت أن أراها رمادية.
وربما لأنني تمنيت في سرّي، لو أمطرت لحظتها؛ لو تواطأت معي ورمتك إلى صدري عصفورة مبللة.
ولم أقل لك شيئاً من كل هذا.
نقلت نظرتي من السماء إلى عي....
كنت أراهما لأول مرة في الضوء. شعرت أنني أتعرف عليهما.
ارتبكت أمامهما كأول مرة. كانتا أفتح من العادة، وربما أجمل من العادة.
كان فيهما شيء من العمق والسكون في آن واحد. شيء من البراءة، والمؤامرة العشقية..
تراني أطلت النظر إليك؟ سألتني بطريقة من يعرف الجواب مسبقاً:
- لماذا تنظر إليّ هكذا؟
كان صوتك بالعربية يأتي كموسيقى عزف منفرد.
وجدت الجواب في قصيدة، حفظت مطلعها ذات يوم:
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
سألتني مدهوشة:
- أتعرف شعر السياب أيضاً؟. عجيب!
قلت في جواب مزدوج:
- أعرف "أنشودة المطر".
عرت أنك ربما أحببتني أكثر تلك اللحظة بالذات، وكأنني أصبحت في نظرك السيّاب أيضاً.
وككل مرة أفاجئك فيها ببيت شعر، أو بمقولة ما باللغة العربية، سألتني:
- متى قرأت هذا؟
أجبتك هذه المرة:
- أنا لم أفعل شيئاً عزيزتي سوى القراءة. ثروة الآخرين تعدّ بالأوراق النقدية، وثروتي بعناوين الكتب. أنا رجل ثري كما ترين.. قرأت كلّ ما وقعت عليه يدي.. تماماً كما نهبوا كل ما وقعت عليه يدهم!
بعدها قلت وأنت تحدقين في ذلك الجسر الحجري الرمادي، الذي يجري تحته نهر السين بزرقة صيفية استثنائية:
- أنت محظوظ بهذا المنظر، جميل أن تطلّ شرفتك على نهر السين، ما اسم هذا الجسر؟
قلت:
- إنه جسر ميرابو. اكتشفت أخيراً أن " أبولينير" قد خلّد هذا الجسر في قصائده، عثرت على بعضها منذ أيام في ديوان له. يبدو أنه كان مولعاً به. إن الشعراء مثل الرسامين لهم عادة لا تقاوم في تخليد كل مكان سكنوه أو عبروه بحب. بعضهم خلّد ضيعة مجهولة، وآخر مقهى كتب فيه يوماً، وثالث مدينة عبرها مصادفة، وإذا به يقع في حبها إلى الأبد.
سألتني:
- وهل رسمت أنت هذا الجسر؟
- أجبتك متنهداً:
- لا.. لأننا لا نرسم بالضرورة ما نرى.. وإنما ما رأيناه يوماً ونخاف ألا نراه بعد ذلك أبداً. وهكذا قضى (دولاكروا) عمره في رسم مدن مغربية لم يسكنها سوى أيام، وقضى (أطلان) عمره في رسم مدينة واحدة.. هي قسنطينة.
لم أكن أعي هذه الحقيقة قبل أن أقف منذ شهرين في هذه الغرفة مقابلاً لهذه النافذة، لأرسم بشيء من التوتر الاستثنائي لوحتي الأخيرة.
كانت عيناي تريان جسر ميرابو ونهر السين. ويدي ترسم جسراً آخر ووادياً آخر لمدينة أخرى.
وعندما انتهيت، كنت رسمت قنطرة سيدي راشد ووادي الرمال.. لا غير. وأدركت أننا في النهاية لا نرسم ما نسكنه.. وإنما ما يسكننا.
سألتني بلهفة:
- هل يمكن أن أرى هذه اللوحة؟
قلت وأنا أقودك إلى مرسمي:
- طبعاً.
وقفت أمام تلك الغرفة الشاسعة الملأى باللوحات. رحت تنظرين إلى الجدران، وإلى ما اتكأ من اللوحات أرضاً بدهشة طفل في مدينة سحرية. ثم قلت بالانبهار نفسه:
- كم هو رائع كلّ هذا.. أتدري؟ لم يحدث أن زرت مرسماً قبل اليوم..
كنت أودّ أن أقول لك " ولم يحدث أن زارته امرأة قبلك، قبل اليوم".
ولكن لوحة كاترين المستندة على الجدار ذكّرتني بمرور امرأة أخرى من هنا. ذهب فكري عندها بعض الوقت عندما قلتِ فجأة:
- وأين هي اللوحة التي حدّثتني عنها؟
أخذتك إلى الطرف الآخر للقاعة، كانت اللوحة ما تزال منتصبة على خشبات الرسم، وكأنها تلغي بوضعها المميز ذاك، كل اللوحات الأخرى المبعثرة حولها.
هنالك علاقة عشقية ما بين أيّ رسام ولوحته الأخيرة. هنالك تواطؤ عاطفي صامت، لن يكسره سوى دخول لوحة عذرا أخرى إلى دائرة الضوء.
فالرسام مثل الكاتب لا يعرف كيف يقاوم النداء الموجع للّون الأبيض، واستدراجه إياه للجنون الإبداعي كلما وقف أمام مساحة بيضاء.
كيف إذن، ما زلت أقاوم منذ شهرين تحدي اللون الأبيض وإغراء كل اللوحات التي أشهرت في وجهي بياضها؟
ولماذا، رفضت أن أرسم شيئاً بعد لوحتي هذه، وفضّلت أن أبقيها هكذا على الخشبات نفسها، لأشهد لها أنها كانت سيدتي، وسيدة كل ما حولي من لوحات، وكأنني أرفض أن أحيلها إلى ركن أو جدار كما تحال عشيقة عابرة.
أيمكن ذلك.. وهي التي أعطتني من النشوة، ما لم تعطنيه حتى النساء؟
ربما.. لأنه لم يحدث قبلها أن مارست الحب رسماً.. مع الوطن!
قلت وأنت تتأملينها:
- إنها مشابهة للوحتك الأولى "حنين" ولكنها تختلف عنها، في الكثير من التفاصيل.. وخاصة في الألوان الترابية الخام التي استعملتها، إنها تعطيها نضجاً.. وحياة أكثر.
قلت وأنا أنقل نظري منها إليك:
- لقد بعثت فيها الحياة.. إنها أنتِ.
- أنا؟
- أتذكرين يوم قلت لك على اله...، لقد سهرت البارحة حتى ساعة متأخرة من الليل لأرسمك. اتّهمتني يومها بالجنون وخفت أن أكون قد فضحت ملامحك. لا تخافي، لن أرسمك أبداً ولن يعرف أحد أنك عبرت حياتي ذات يوم. إن للفرشاة شهامة أيضاً.
وأضفت:
أنت مدينة.. ولست امرأة، وكلما رسمت قسنطينة رسمتك أنت، ووحدك ستعرفين هذا..
قلت فجأة وأنت تشيرين بنظرة من عي... إلى لوحة كاترين:
- وهي؟
كان في سؤالك شيء من عناد الأطفال وأنانيتهم، وشيء من عناد النساء وغيرتهنّ.
قلت وأنا أرفع تلك اللوحة من الأرض:
- هل تزعجك هذه اللوحة حقاً؟.
أجب بشيء من الكذب الواضح:
- لا..
واصلت وأنا أشعر أنني قادر في تلك اللحظة على أن أرتكب أي جنون:
- إذا شئت سأتلفها أمامك..
صحت:
- لا، أأنت مجنون!
قلت بهدوء:
- لست مجنوناً.. وهذه اللوحة لا تعني شيئاً بالنسبة لي. إنها امرأة عابرة، في مدينة عابرة.
قلتِ بابتسامة مربكة وأنت تتأملينها:
- إنها مدينتك الأخرى.. أليس كذلك؟
من أين جئت بتلك الرصاصة الأخيرة، لتطلقيها على تلك اللوحة؟
اعترفت لك بتلميح واضح:
- لا.. ليست مدينتي، إنها وسادتي الأخرى.. أو إذا شئت سريري الآخر فقط!
شعرت أن شيئاً من الحمرة قد علا وجنتيك، وأن عواطف وأحاسيس متناقضة قد عبرتك، وتركت آثارها على ملامحك التي تغيّرت في لحظات.
ثم تمتمت بهدوء وكأنك تتحدثين إلى نفسك:
-... لا يهم!
قلت لك وأنا أمسكك من ذراعك:
- لا تغاري من هذه اللوحة. هنالك امرأة واحدة تستحق أن تغاري منها في هذا البيت، هي هذه..
نظرت نحو المكان الذي أشرت إليه. كان ثمّة تمثال ينتصب على الأرض في حجم امرأة.
قلت بتعجّب
- هذه.. لماذا هذه؟
قلت:
- لأنها المرأة الوحيدة التي ارتحت لها حتى الآن، والتي قاسمتني معظم سنوات غربتي. كنت في السابق أملك منها نسخة مصغرة. وقررت منذ سنتين أن أهدي نفسي تمثالها في حجمه الأكبر.
كانت تلك إحدى نوبات جنوني. ولكنني لم أندم على اقتنائها، إنها تشبهني كثيراً. أنا بذراع واحدة وهي بلا ذراعين. لقد فقدنا أطرافنا في أزمنة مختلفة، لأسباب مختلفة. ولكننا صامدان معاً، لن تمنعنا عاهتنا من الخلود.
لم تعلّقي على كلامي.
يبدو أنك لم تصدقي ذلك. أن يعيش رجل مع تمثال لامرأة، ضرب من الجنون أليس كذلك؟ حتى لو كان الرجل رسّاماً، وكانت المرأة فينوس لا غير!
المشكلة معك.. أنك كنت مأخوذة بالعبقرية التي تلامس الجنون. ولكنك كنت أعقل من أن تكشفيها. ولذا كلما أردت أن أعطيك دليلاً على جنوني، لم تكوني تصدقيني تماماً

فداء
12-08-2007, 02:49 AM
رحتِ فقط بحماقة أنثى، تسترقين النظر إلى لوحة كاترين، وكأنها وحدها تع.... ورحت أنا أحاول فهمك.
ما الذي كان يزعجك في تلك اللوحة؟ هل وجودها في تلك اللحظة بيننا بحضورها الصامت الذي يذكّرك بمرور امرأة أخرى في حياتي؟ أم شقرة تلك المرأة، والإغراء الاستفزازي لشفتيها وعينيها المختفيتين خلف خصلات شعر فوضوي؟
أكنت تغارين من اللوحة أم من صاحبتها؟ وكيف يكون من حقك أن تعاتبيني على لوحة واحدة رسمتها لامرأة، دون أن يكون لي الحق في أن أحاسبك على كل ما كتبته قبلي، وعلى ذلك الرجل الذي عذّبتني به صدقاً أم كذباً؟
عادت عيناك إلى اللوحة الأخيرة. تأملتها قليلاً ثم قلت:
- إذن هذه.. أنا!
قلت:
- ربما لم تكوني أنت، ولكن هكذا أراك، فيك شيء من تعاريج هذه المدينة؛ من استدارة جسورها، من شموخها، من مخاطرها، من مغارات وديانها، من هذا النهر الزبديّ الذي يشطر جسدها، من أنوثتها وإغرائها السري ودوارها.
قاطعتني مبتسمة:
- أنت تحلم.. كيف يمكن لك أن تجد قرابة بيني وبين هذا الجسر؟
كيف خطرت فكرة كهذه بذهنك؟! أتدري أنني لا أحب سوى الجسور الخشبية الصغيرة تلك التي نراها في بطاقات نهاية السنة، مرشوشة بالثلج والفضة، تعبرها العربات الخرافية. وأما جسور قسنطينة الجديدة المعلّقة في الفضاء، فهي جسور مخيفة.. حزينة. لا أكر أنني عبرتها مرة واحدة راجلة، أو حاولت مرة واحدة النظر منها إلى أسفل.. إلا شعرت بالفزع والدوار.
قلت:
- ولكن الدوار هو العشق؛ هو الوقوف على حافة السقوط الذي لا يقاوم؛ هو الت... على العالم من نقطة شاهقة للخوف؛ هو شحنة من الانفعالات والأحاسيس المتناقضة، التي تجذبك للأسفل والأعلى في وقت واحد، لأن السقوط دائماً أسهل من الوقوف على قدمين خائفتين! أن أرسم لك جسراً شامخاً كهذا، يعني أن أعترف لك أنك دواري. إنه ما لم يقله لك رجلٌ قبلي.
أنا لا أفهم أن تحبّي قسنطينة وتكرهي الجسور؛ وتبحثي عن الإبداع، وأنت تخافين الداور. لولا الجسور لما كانت هذه المدينة. ولولا شهقة الدوار، لما أحبّ أحد.. أو أبدع.
كنت تستمعين إليّ، وكأنك تكتشفين شيئاً لم تنتبهي له من قبل برغم بساطته.
غير أنك قلت:
- ربما كنت في النهاية على حق، ولكنني كنت أفضل لو رسمتني أنا وليس هذا الجسر. إن أي امرأة تتعرف على رسام، تحلم في سرّها أن يخلّدها، أن يرسمها هي.. لا أن يرسم مدينتها؛ تماماً كما أنّ أيّ رجل يتعرف على كاتبة، يتمنى أن تكتب عنه شيئاً، وليس عن شيء آخر له علاقة به. إنها النرجسية.. أو الغرور أو أشياء أخرى لا تفسير لها.
فاجأني اعترافك. شعرت بشيء من الخيبة.
هل رسمت نسخة مزوّرة عنك إذن؟ أحقّ أنه ليس بينك وبين هذا الجسر من قرابة؟ أكانت هذه اللوحة نسخة طبق الأصل عن ذاكرتي.. وأن حلمك في النهاية، أن تصبحي نسخة أخرى عن كاترين لا غير، أن تتحولي إلى لوحة عادية، مفضوحة المزاج، ووجه بكثير من المساحيق، يشبه وجهه؟
ترانا لم نَشْفَ من هذه العقدة؟
قلت لك بشيء من اليأس:
- إذا كان هذا ما تريدين.. سأرسمك.
أجبتني بصوت فيه خجل ما:
- أعترف أنني منذ البداية، كنت أحلم أن ترسمني أنا.. وأن أحتفظ بهذه اللوحة عندي كذكرى، شرط ألا تضع عليها توقيك إذا أمكن..
شعرت برغبة في الضحك، أو على الأرجح برغبة في الحزن، وأنا أكتشف ذلك المنطق العجيب للأشياء.
كان من حقي إذن أن أوقع الرموز واللوحات التي ليس بينها وبينك من شبه. وأما أنت فليس في وسعي أن أضع أسفل رسمك توقيعي. أنت المرأة الوحيدة التي أحببتها، لن يقترن اسمي بك ولو مرة واحدة، حتى في أسفل لوحة؟
هناك إذن الذين يشترون توقيعي فقط، وليس لوحاتي. وهناك أنت التي تريدين لوحتي دون توقيع.
وهنالك أنا.. المجنون العنيد الذي يرفض هذا المنطق الجديد للأشياء، ويرفض باسم الحبّ أن يحولك إلى لوحة لقيطة، لا نسب لها ولا صاحب. يمكن أن تتبنّاها أية ريشة وأي رسام.
حيّرك صمتي.. قلت شبه معتذرة:
- هل يزعجك أن ترسمني؟
قلت ساخراً:
- لا.. كنت أكتشف فقط مرة أخرى، أنك نسخة طبق الأصل عن وطن ما، وطن رسمت ملامحه ذات يوم. ولكن آخرين وضعوا إمضائهم أسفل انتصاراتي. هنالك إمضاءات جاهزة دائماً لمثل هذه المناسبات. فمن الأزل، كان هنالك دائماً من يكتب التاريخ، وهنالك من يوقّعه، ولذا أنا أكره اللوحات الجاهزة للتزوير.
تراك فهمت كل ما قلته لك لحظتها؟
بدأت أشكّ فجأة في وعيك السياسي. لقد كان كلّ ما يهمّك في النهاية، هو موضوع لوحتك لا غير.
قلت وأنت تغادرين المرسم:
- أتدري أننا لن نلتقي لمدة شهرين؟ سأسافر الأسبوع القادم إلى الجزائر..
صحت وأنا أستوقفك في الممر:
- أحقٌ ما تقولين؟
قلت:
- طبعاً أنا أقضي دائماً عطلتي الصيفية مع والدتي في الجزائر. ولا بدّ أن أعود الأسبوع القادم مع عمي وعائلته.. لن يبقى أحد هنا في باريس.
وقفت مذهولاً وسط الممشى. أمسكت بذراعك وكأنني أمنعك من الرحيل، وسألتك بحزن:
- وأنا..؟
- أنت.. سأشتاق إليك كثيراً. أعتقد أننا سنتعذّب بعض الشيء.. إنه فراقنا الأول. ولكن سنحتال على الوقت ليمرّ بسرعة.
ثم أضفتِ بلهجة من يريد أن يحل مشكلة، أو ينتهي منها بسرعة:
- لا تحزن.. يمكنك أن تكتب لي أو تطلبني ه...ياً.. سنبقى على اتصال.
كنت على حافة البكاء.
كطفل أخبرته أمه أنها ستسافر دونه. وكنت أنت تزفّين لي ذلك الخبر، بشي من السادية التي أدهشتني. وكأن عذابي يغريك بشيء ما.
هل أمسك بأطراف ثوبك كطفل وأجهش بالبكاء؟
هل أتحدث إليك ساعات، لأقنعك أنني لن أقدر بعد اليوم على العيش بدونك، وأن الزمن بعدك لا يقاس بالساعات ولا بالأيام، وأنني أدمنتك؟
كيف أقنعك أنني أصبحت عبداً لصوتك عندما يأتي على اله...؟ عبداً لضحكتك، لطلتك، لحضورك الأنثوي الشهيّ، لتناقضك التلقائيّ في كل شي وفي كل لحظة. عبدٌ لمدينة أصبحت أنت، لذاكرة أصبحت أنت، لكل شي لمسته أو عبرته يوماً.
كان الحزن يهجم عليّ فجأة، وأنا واقف هكذا في ذلك الممر أتأملك بذهول من لا يصدق.
وكنت قريبة مني حد الالتصاق، كما لم يحدث أن كنته يوماً. بحثت في ملامحك عن شيء يفضح لي في تلك اللحظة عواطفك؛ لكنني لم أفهم شيئاً.
أتراه عطرك الذي كان يخترق حواسي ويشلّ عقلي، هو الذي جعلني عندئذٍ لا أتعمّق في البحث؟ كنت أعي فقط أنك بعد لحظات ستكونين بعيدة، بقدر ما كنت ساعتها قريبة.
رفعت وجهك نحوي.
كنت أريد أن أقول لك شيئاً لم أعد أذكره. ولكن قبل أن أقول أيّة كلمة، كانت شفتاي قد سبقتاني وراحتا تلتهمان شفتيك في قبلة محمومة مفاجئة. وكانت ذراعي الوحيدة تحيط بك كحزام، وتحولك في ضمة واحدة إلى قطعة مني.
انتفضت قليلاً بين يدي ***كة خرجت لتوّها من البحر، ثم استسلمت إليّ.
كان شعرك الطويل الحالك، ينفرط فجأة على كتفيك شالاً غجرياً أسود، ويوقظ رغبة قديمة لإمساكك منه، بشراسة العشق الممنوع. بينما راحت شفتاي تبحثان عن طريقة تتركان بها توقيعي على شفتيك المرسومتين مسبقاً للحب.
كان لا بدّ أن يحدث هذا..
أنت التي تضعين الظلال على عي...، والحمى على شفتيك بدل أحمر الشفاه، أكان يمكن أن أصمد طويلاً في وجه أنوثتك؟ ها هي سنواتي الخمسون تلتهم شفتيك، وها هي الحمّى تنتقل إليّ، وها أنا أذوب أخيراً في قبلة قسنطينية المذاق، جزائرية الارتباك.
لا أجمل من حرائقك.. باردةٌ قُبل الغربة لو تدرين. باردةٌ تلك الشفاه الكثيرة الحمرة والقليلة الدفء. باردٌ ذلك السرير الذي لا ذاكرة له.
دعيني أتزود منك لسنوات الصقيع. دعيني أخبّئ رأسي في عنقك. أختبئ طفلاً حزيناً في حضنك.
دعيني أسرق من العمر الهارب لحظة واحدة، وأحلم أن كل هذه المساحات المحرقة.. لي.
فاحرقيني عشقاً، قسنطينة!
شهيّتين شفتاك كانتا، كحبّات توت نضجت على مهل. عبقاً جسدك كان، كشجرة ياسمين تفتحت على عجل.
جائع أنا إليك.. عمر من الظمأ والانتظار. عمر من العقد والحواجز والتناقضات. عمر من الرغبة ومن الخجل، من القيم الموروثة، ومن الرغبات المكبوتة. عمر من الارتباك والنفاق.
على شفتيك رحت ألملم شتات عمري.
في قبلة منك اجتمعت كلّ أضدادي وتناقضاتي. واستيقظ الرجل الذي قتلته طويلاً مراعاة لرجل آخر، كان يوماً رفيق أبيك.
رجلٌ كاد يكون أباك.
على شفتيك وُلدتُ ومتُّ في وقتٍ واحد. قتلت رجلاً وأحييت آخر.
هل توقّف الزمن لحظتها؟
هل سوّى أخيراً بين عمرينا، هل ألغى ذاكرتنا بعض الوقت؟
لا أدري..
كلّ الذي كنت أدريه، أنك كنت لي، وأنني كنت أريد أن أصرخ لحظتها كما في إحدى صرخات "غوته" على لسان فاوست "قف أيها الزمن.. ما أجملك!".
ولكن الزمن لم يتوقف. كان يتربص بي كالعادة. يتآمر عليّ كالعادة. وكنت بعد لحظات تتأملين ساعتك في محاولة لإخفاء ارتباكك، وتذكيري بضرورة عودتك إلى الجامعة.
عرضت عليك فنجان قهوة في محاولة أخيرة لاستبقاك.
قلت وأنت أمام المرآة تضعين شيئاً من الترتيب في مظهرك، وتصففين شعرك وتعيدين جمعه:
- أفضل شيئاً بارداًً إذا أمكن..
تركتك في الصالون وذهبت إلى المطبخ. تعمدت ألا أستعجل في العودة، وكأنني فجأة أخجل من آثار قبلي على شفتيك.
وعندما عدت بعدها، كنت أمام المكتبة تلقين نظرة على عناوين الكتب، وتقلّبين بعضها. ثم سحبت من أحد الرفوف كتاباً صغيراً، سألتني وأنت تنظرين إلى غلافه:
- أليس هذا الديوان لصديقك الشاعر الذي حدّثتني عنه؟
أجبتك بسعادة وأنا أجد أخيراً في ذلك الموضوع مخرجاً لارتباكي:
- نعم.. هناك ديوان آخر له أيضاً تجدينه على الرفّ نفسه.
قلت:
- هل اسمه زياد الخليل؟ لقد سمعت هذا الاسم قبل اليوم.
قلبتِ الكتاب. رأيتك تتأملين طويلاً صورته على ظهر الكتاب. تقرئين بعض السطور.. ثم قلت:
- أيمكن لي أن أستعير منك هذين الديوانين؟. أفضّل أن أقرأهما على مهل هذا الصيف، فليس لي ما أطالعه.
أجبتك بحماسة، أو بحماقة:
- طبعا، إنها فكرة جيدة.. أنا واثق أن هذين الديوانين سيتركان تأثيرهما على كتاباتك. ستجدين أشياء رائعة خاصة في الديوان الأخير "مشاريع للحبّ القادم". إنه أجمل ما كتب زياد.
رحت بسعادة تخفين الكتابين في حقيبة يدك. كنت وقتها في سعادة طفلة تعود إلى بيتها بلعبٍ أحبّتها.
طبعاً، لم أكن أعي في ذلك الحين، أنني سأكون بعد ذلك لعبتك الأخرى، وأن هذين الكتابين سيتركان تأثيرهما أيضاً على مجرى قصتنا.
كنت تستعيدين تدريجياً وجهك العادي وملامحك الطبيعية.
وكأن زوبعة حبّي لم تمرّ بك. فهل كان ذلك تمثيلاً أم حقيقة؟
حاولت أن أنسى خيبتي معك، أمام تلك اللوحة التي كانت السبب الأول في زيارتك. حاولت أيضاً أن أخفّف من خيبتك.
قلت:
- سأرسمك، ستكون لوحتك تسليتي في هذا الصيف..
ثم أضفت دون أية نية خاصة:
- يجب أن تزوريني مرة أخرى لتجلسي أمامي، حتى أتمكن من رسمك. أو تعطيني صورة لك أنقل عنها ملامحك.
قلتِ وكأن الجواب كان جاهزاً لديك:
- لم يبقَ أمامي متّسع من الوقت لأعود إليك هذه الأيام، وليس في حوزتي أية صورة. يمكنك أن تستعين بصورتي الموجودة على ظهر كتابي، في انتظار أن أعود.
أعترف أنني لم أفهم في ذلك الحين أيضاً، إذا كان في جوابك شيء من التلميح لي بأنك لن تعودي إلى هذا البيت، أم أنك كنت تجيبيني بتلقائية بريئة لا أكثر؟
ألست أنت التي كنت تلحّين عليّ أن أرسمك؟
فلماذا حوّلت هذه اللوحة إلى قضية شخصية أنا وحدي معنيّ بها؟
لم أناقشك كثيرا. كنت أدري أنني في جميع الحالات سأرسمك. ربما لأنني لا أعرف كيف أرفض لك طلباً، وربما لأنني لا أعرف كيف سأقضي الصيف دون استحضارك ولو رسماً.
ذهبت ذلك اليوم بعدما وضعت قبلتين على خدّي، ووعدتني بلقاء قريب. لم يعد ممكناً بعد قبلتنا أن نتصافح..
كنت أعي أنّ شيئاً ما قد تغيّر في علاقتنا، ولم يعد ممكناً بعد اليوم لذلك المارد الذي انطلق فجأة من أعماقنا، أن يعود إلى قلب الزجاجة التي أغلقناها عليه لأسابيع كاملة.
كنت أعي أنني أنتقل معك في بضع لحظات من الحب إلى العشق. من العاطفة البريئة إلى الشهوة، وأنه سيكون من الصعب، بعد اليوم، أن أنسى مذاق قبلتك، وحرارة جسدك الملتصق بي للحظات.
كم دامت قبلتنا تلك.. دقيقتين؟ ثلاثاً؟ أم خمس دقائق للجنون لا غير؟
أيمكن أن تفعل تلك الدقائق القليلة كل الذي حلّ بي بعد ذلك؟
أيمكن أن تلغي خمس دقائق، خمسين سنة من عمري؟
وكيف لم أشعر بعدها بأيّ إحساس بالندم، بأيّ خجل تجاه ذكرى سي الطاهر؟ أنا الذي كنت أقترف يومها أول خيانة بالمفهوم الأخلاقي للخيانة.
لا.. لم يكن في قلبي سوى الحب.
كنت ممتلئاً بالعشق، بالشهوة، بالجنون. كنت أخيراً سعيداً. فلماذا أفسد سعادتي بالندم، بالتساؤلات التي ستوصلني إلى التعاسة؟
لا أذكر من قال " الندم هو الخطأ الثاني الذي نقترفه.." ولم يكن في القلب مساحة أخرى ولو صغيرة، يمكن أن يتسلل منها شيء آخر غير؟ الحبّ.
ألم يكن كلّ ذلك جنوناً.
كيف سمحت لنفسي أن أكون سعيداً إلى ذلك الحدّ، وأنا أدري أنني لم أمتلك منك شيئاً في النهاية، سوى بضع دقائق للفرح المسروق، وأن أمامي متسعاً من العمر.. للعذاب؟

فداء
12-08-2007, 02:51 AM
الفصل الرابع
كان لرحيلك مذاق الفجيعة الأولى. والوحدة التي أحالتني في أيام إلى مرتبة لوحة يتيمة على جدار، تحضرني جملة تبدأ بها رواية أحببتها يوماً..
"ما أعظم الله! فهو عظيم بقدر ما أنا وحيد. إني لأرى المؤلف فيبدو لي كلوحة.."
وكنت أنا في عزلتي ووحدتي، ذلك المؤلف وتلك اللوحة معاً. فما أكبر وأبرد ذلك الكون الذي كنت معلّقاً على جداره، في انتظارك!
كنت أدخل بعدك منحدرات الخيبات النفسية والعاطفية في الوقت نفسه. وأعيش ذلك القلق الغامض، الذي يسبق ويلي دائماً كل معرض لي. وكنت أقوم تلقائياً بجردة لأفراحي وخيباتي.
انتهى معرضي إذاً. لم تهتم به غير صحافة فرنسية مختصّة كالعادة. وبعض المجلات العربية المهاجرة.
ولكن يمكن أن أقول إنه حصل على تغطية إعلامية كافية، وأن الذين كتبوا عنه أجمعوا على أنه حدث فني عربي في باريس.
وحدها الصحافة الجزائرية تجاهلته، عن إهمال لا غير، كالعادة. جريدة ومجلة أسبوعية واحدة، كتبتا عنه بطريقة مقتضبة. وكأنهما تعانيان فعلاً من قلة الصفحات، وليس من قلة المواد الصحافية.
بينما لم يحضر ذلك الصديق الصحافي، الذي وعدني بالحضور إلى باريس لقضايا شخصية، ولإجراء مقابلة مطوّلة معي بالمناسبة نفسها. ورغم أنني رجل غير مولع بالأضواء، والجلوس لعدة ساعات إلى صحافي للحديث عن نفسي، فإنني كنت أتمنى أن تتم تلك المقابلة، لأتمكن أخيراً من الحديث مطوّلاً إلى الشخص الوحيد الذي كان يعنيني حقاً.. القارئ الجزائري.
عبد القادر طلبني ليخبرني أنه اضطر للبقاء في الجزائر، لتغطية مهرجان ما من أحد المهرجانات التي ازدهرت هذه الأيام، لأسباب غامضة يعلمها الله.. وآخرون.
ولم أعتب عليه.. ليس هناك من مقارنة بين مهرجان أو ملتقى رسمي، يتم إعداده والإنفاق عليه بالعملة الصعبة وبين أي معرض مهما كان اسم صاحبه، والسنوات التي أخذتها منه تلك اللوحات.
في النهاية لا يمكن حتى أن أعتب على الصحافة الجزائرية.
ماذا يمكن أن يقدم معرض للوحات الفنية من متعة أو ترفيه للمواطن الجزائري الذي يعيش على وشك الانفجار، بل الانتحار، ولا وقت له للتأمل أو التذوق، والذي يفضّل على ذلك مهرجاناً لأغنية (الراي). يمكن أن يرقص.. ويصرخ.. ويغني فيها حتى الفجر، منفقاً على تلك الأغاني الشعبية المشبوهة، ما تجمّع في جيبه من دينارات، وما تراكم في جسده من "ليبيدو"؟
تلك "الثروة" الوحيدة التي يملكها شبابنا حقاً، والتي كعملتنا يدري أين ينفقها خارج الأسواق السوداء.. للبؤس.
بعضهم أدرك هذا قبل غيره.
سنة 1969، وفي عزّ الفراغ والبؤس الثقافي الذي كان يعيشه الوطن، اخترع أحدهم في بضعة أيام، أكبر مهرجان عرفته الجزائر وإفريقيا، كان اسمه "المهرجان الإفريقي الأول"، دعيت إليه قارة وقبائل إفريقية بأكملها لتغني وترقص _عارية أحياناً_ في شوارع الجزائر لمدة أسبوع كامل على شرف الثورة!
كم من ملايين أنفقت وقتها، على مهرجان للفرح ظلّ الأول والأخير. وكانت أهم إنجازاته التعتيم على محاكمة قائد تاريخي كان أثناء ذلك، يستجوب ويعذّب رجاله في الجلسات المغلقة.. باسم الثورة نفسها.
ودون أن تكون لي صداقة ما بذلك القائد، الذي كان اسمه الطاهر أيضاً، ولا أيّ عداء خاص لذلك الحاكم الذي كان يوماً مجاهداً وقائداً أيضاً، بدأت أعي لعبة السلطة، وشراهة الحكم. وأصبحت أحذر الأنظمة التي تكثر من المهرجانات والمؤتمرات.. إنها دائماً تخفي شيئاً ما!.
فهل هي مصادفة أن تبدأ مشكلاتي من ذلك الحين، ويولد أول مذاق للمرارة في حلقي يومها؟
عندما التقيت بذلك الصديق بعد أشهر، اعتذر لي بأسف صادق، ووعدني ألا يفوّت معرضي القادم.
ربّتّ على كتفه ضاحكاً وقلت:
- لا يهم.. بعد أيام لن يذكر أحد اسم ذلك المهرجان. ولكن التاريخ سيذكر اسمي لا محالة ولو بعد قرن!
قال لي بمزاحٍ لا يخلو من الجد:
- أتدري أنك مغرور؟
أجبته:
- أنا مغرور لكي لا أكون "محقوراً" فنحن لا نملك الخيار يا صاحبي. إننا ننتمي إلى أمة لا تحترم مبدعيها وإذا فقدنا غرورنا وكبريائنا، ستدوسنا أقدام الأميين والجهلة!
تساءلت بعدها أأكون مغروراً حقاً؟
اكتشفت بعد شيء من التفكير، أنني لا أكون مغروراً إلا لحظة أقف أمام لوحة بيضاء وأنا ممسك بفرشاة. كم بلزمني من الغرور لحظتها لأهزم بياضها وأفضّ بكارتها، وأتحايل على ارتباكي بفائض رجولتي، وعنفوان فرشاتي؟
ولكن..
ما أكاد أنتهي منها، وأمسح يدي من كل ما علق بها من ألوان حتى أرتمي على الأريكة المجاورة، وأتأملها مدهوشاً، وأنا أكتشف أنني الوحيد الذي كان يعرق وينزف أمامها..
وأنها أنثى عربية تتلقى ثورتي ببرود وراثي مخيف!
.. ولذا، حدث في لحظات انهياراتي وخيباتي الكبرى أن مزّقت إحداهنّ وألقيت بها في سلة المهملات، بعدما أصبح وجودها يضايقني.
هنالك لوحات هي من السذاجة والبرودة بحيث تخلق عندك عقدة رجولة.. وليس فقط عقدة إبداع!
ورغم ذلك، لن يعرف أحد هذا. وربما لن يتوقع ضعفي وهزائمي السرية أحدٌ.
فالآخرون لن يروا غير انتصاراتي، معلّقة على الجدران في إطار جميل. وأما سلال المهملات، فستبقى دائماً في ركن من مرسمي وقلبي، بعيدة عن الأضواء.
فالذي يجلس أمام مساحة بيضاء للخلق، لا بدّ أن يكون إلهاً أو عليه أن يغّير مهنته.
أأكون إلهاً؟ أنا الذي حولني حبك إلى مدينة إغريقية، لم يبق منها قائماً غير الأعمدة الشاهقة المتآكلة الأطراف؟
هل يفيد شموخي، وملح حبك يفتت أجزائي من الداخل كل يوم؟ شهران.. ولا شي سوى رقم ه...ي مستحيل.. وكلمات تركتها لي تجفّ لها الفرشاة.
وإذا بالصمت يصبح لوني المفضل.
كنت أدرى جدلية الرسم والكتابة كما أردتها أنت.
كنت تفرغين من الأشياء كلما كتبتِ عنها، وكأنك تقتلينها بالكلمات. وكنت كلما رسمت امتلأت بها أكثر، وكأنني أبعث الحياة في تفاصيلها المنسية. وإذا بي أزداد تعلقاً بها، وأنا أعلقها من جديد على جدران الذاكرة.
أن أرسمك، أليس يعني أن أسكنك غرف بيتي أيضاً، بعدما أسكنتك قلبي؟
حماقة قرّرت في البدء ألا أرتكبها. ولكنني اكتشفت ليلا بعد آخر عبثية قراري.
لماذا كان الليل هزيمتي؟
ألأنني كلما خلوت بنفسي خلوت بك، أم لأن للفن طقوس الشهوة السرية التي تولد غالباً ليلاً في ذلك الزمان الخارج عن الزمن..
والخارج عن القانون؟
على حافة العقل والجنون.. في ذلك الحد الذي تلغيه العتمة والفاصل بين الممكن والمستحيل..
كنت أقترفك..
كنت أرسم بشفتي حدود جسدك.
أرسم برجولتي حدود أنوثتك.
أرسم بأصابعي كل ما لا تصله الفرشاة..
بيد واحدة كنت أحتضنك.. وأزرعك وأقطفك.. وأعرّيك وألبسك وأغيّر تضاريس جسدك لتصبح على مقاييسي.
يا امرأة على شاكلة وطن..
امنحيني فرصة بطولة أخرى. دعيني بيدِ واحدة أغير مقاييسك للرجولة ومقاييسك للحب.. ومقاييسك للذّة! كم من الأيدي احتضنتك دون دفء! كم من الأيدي تتالت عليك.. وتركت أظافرها على عنقك، وإمضاءها أسفل جرحك. وأحبتك خطأ.. وآلمتك خطأ.
أحبك السراق والقراصنة.. وقاطعوا الطرق. ولم تقطع أيديهم.
ووحدهم الذين أحبوك دون مقابل، أصبحوا ذوي عاهات.
لهم كل شيء، ولا شيء غيرك لي.
أنت لي الليلة ككل ليلة. فمن سيأخذ طيفك مني؟ من سيصادر جسدك من سريري؟ من سيسرق عطرك من حواسي؟ ومن سيمنعني من استعادتك بيدي الثانية؟
أنت لذّتي السرية، وجنوني السري، ومحاولتي السرية للانقلاب على المنطق.
كلّ ليلة تسقط قلاعك في يدي، ويستسلم حراسك لي، وتأتين في ثياب نومك لتتمددي إلى جواري، فأمرر يدي على شعرك الأسود الطويل المبعثر على وسادتي، فترتعشين كطائر بلّله القطر. ثم يستجيب جسدك النائم لي.
كيف حدث هذا.. وما الذي أوصلني إلى هذا الجنون؟
ترى صوتك الذي تعودت عليه حد الإدمان، صوتك الذي كان يأتي شلال حبّ وموسيقى، فيتدحرج قطرات لذة عليّ؟
حبك ه... يسأل "واشك؟"
يدثرني ليلاً بلحاف من القبل. يترك جواري عينيه قنديل شوق، عندما تنطفئ الأضواء.
يخاف عليّ من العتمة، يخاف عليّ من وحدتي ومن شيخوختي. فيعيدني إلى الطفولة دون استشارتي. يقصّ عليّ قصصاً يصدّقها الأطفال. يغنّي لي أغنيات ينام لسماعها الأطفال.
تُرى أكان يكذب؟ هل تكذب الأمهات أيضاً؟
هذا ما لا يصدقه الأطفال!
ما الذي أوصلني إلى جنوني؟
ترى قبلتك المسروقة من المستحيل. وهل تفعل القبل كلّ هذا؟.
أذكر أنني قرأت عن قُبل غيرت عمراً ولم أصدّق..
كيف يمكن لنيتشه فبلسوف القوة والرجل الذي نظر طويلاً للجبروت وال...ق أن يقع صريع قبلة واحدة، سرقها مصادفة في زيارة سياحية إلى معبد، صحبة " Lou" المرأة التي أحبها أكثر من كاتب وشاعر في عصرها. كان أحدهم " أبولينير" الذي تغزّل فيها طويلاً وبكاها أمام هذا الجسر نفسه، واجداً في اسمها المطابق بالفرنسية تماماً لاسم الذئب " Loup" دليلاً قاطعا على قدره معها؟
أما (نيتشه) القائل "عندما تزور امرأة لا تنس أن تصحب معك العصا" فقد كان أمامها رجلاً محطما، ضعيفاً، وبدون إرادة. حتى إن أمه قالت يوماً "لم تترك هذه المرأة أمام ابني سوى اختيار من بين ثلاثة: إما أن يتزوجها.. أو ينتحر.. أو يصبح مجنوناً!".
كان هذا حال "نيتشه" يوم أحب. فهل أخجل من ضعفي معك، وأنا لست فيلسوفاً للقوة، ولست شمشون الذي فقد شعره وقوته الأسطورية بسبب قبلة؟
هل أخجل من قبلتك، وهل أندم عليها، أنا الذي بدأ عمري على شفتيك؟
لا أدري كيف شفي "نيتشه" من امرأة لم يتزوجها. هل انتحر أم أصبح مجنوناً؟
أدري فقط، أنني قضيت شهرين وسط تقلّبات نفسية متناقضة، كدت ألامس فيها شيئاً يشبه الجنون، ذلك الجنون الذي كان يغريك، وكنت تتغزّلين لي به كثيراً، وتعتبرينه الصك الوحيد الذي يشهد للفنان بالعبقرية.
فليكن.. سأعترف لك اليوم، بعد كل تلك السنوات، أنني وصلت معك يوماً إلى ذلك الحد المخيف من اللاعقل.
أكان عشقاً فقط، أم لأهديك لا شعورياً اللعبة التي لم تكوني قد حصلت عليها بعد: ذلك الرجل المجنون الذي تحلمين به.
حدث كثيراً وقتها، أن استعدت قصتي معك فصلا فصلا.
كنت كل مرة أقع على استنتاجات متناقضة. مرة يبدو لي حبك قصة أسطورية أكبر منك ومني. شيئاً ربما كان مقدراً مسبقاً منذ قرون، منذ.. كانت قسنطينة مدينة تدعى (سيرتا).
ومرة أتساءل، ماذا لو كنت رجلاً استوقفتك ذاكرته وأغراك جنونه بقصة ما؟
ماذا لو كنت مجرد ضحية لجريمة أدبية ما، تحلمين بارتكابها في كتاب قادم؟
ثم فجأة تطغى طفولتك على الجانب "الإجرامي" فيك، فأذكر أنني كنت أيضاً نسخة عن والدك. وأنني بسبب قبلة حمقاء نسفت إلى الأبد ذاك الجسر السري الذي كان يجمعنا.
آنذاك، كنت أقرر الاعتذار منك. وأستيقظ من نومي وأتجه إلى مرسمي. أجلس طويلاً أمام لوحتك البيضاء وأتساءل: من أين أبدأك؟
أتأمل طويلاً صورتك، على ظهر روايتك التي أهديتنيها دون إهداء. أكتشف أن وجهك لا علاقة له بالصورة. فكيف أضع عمراً لوجهك الجديد والقديم معاً. كيف أنقل عنك نسخة دون أن أخونك؟
أتذكر وسط ارتباكي ( ليوناردو دافنشي)، ذلك الرسام العجيب الذي كان قادراً على أن يرسم بيده اليمنى ويده اليسرى بالإتقان نفسه. بأي يد تراه رسم (الجوكندا) ليمنحها الخلود والشهرة؟ وبأي يد يجب أن أرسمك أنا؟
ماذا لو كنت المرأة التي لا ترسم إلا باليد اليسرى، تلك التي لم تعد يدي؟
خطر ببالي مرة أن أرسمك بالمقلوب. وأجلس لأت... عليك عساني أكتشف أخيراً سرك. فربما كانت هذه الطريقة الوحيدة لفهمك.
فكرت حتى في إمكانية عرض تلك للوحة مقلوبة في معرض. سيكون اسمها "أنت".
سيتوقف أمامها الكثيرون. وقد يعجبون بها، دون أن يتعرف أحدهم تماما عليك.
أليس هذا ما تريدين في النهاية؟!
**
مرّ أكثر من أسبوع، وأكثر من نشرة جوية قبل أن يأتي صوتك ذات صباح دون مقدمات:
- كيف أنت؟
اندهش القلب الذي لم يتوقع هدية صباحية كتلك. وارتبك الكلام:
- وينك؟
كان صوتك يبدو قريباً أو هكذا خيّل لي. ولكنك أجبتني بضحكة أعرف مراوغتها:
- حاول أن تحزر!
أجبتك كمن يحلم:
- هل عدتِ إلى باريس؟
ضحكت وقلت:
- أي باريس.. أنا في قسنطينة. جئت هنا منذ أسبوع لأحضر زواج إحدى القريبات.. وقلت لا بد أن أطلبك من هنا. طمّني عنك ماذا تفعل في هذا الصيف.. ألم تسافر إلى أيّ مكان؟
اختصرت عذابي في بضع كلمات قلت:
- إنني متعب.. جدّ متعب.. كيف لم تتصلي بي حتى الآن؟
فقلت وكأنك طبيب سيكتب وصفة لمريض، أو شيخ يطلب منه كتابة حجاب أو تعاويذ سحرية:
- سأكتب لك.. والله سأكتب لك قريباً.. يجب أن تعذرني. أنت لا تدري كم الحياة هنا مزعجة وصعبة. إن الواحد لا يخلو لنفسه في هذه المدينة ولو لحظة. حتى الكلام على اله... مغامرة بوليسية..
- وماذا تفعلين؟
- لا شيء.. أنتقل من بيت إلى آخر، ومن دعوة إلى أخرى. حتى المدينة لم أتجول فيها على قدمي، لقد عبرتها بالسيارة فقط..
ثم أضفت وكأنك تذكرت فجأة شيئاً هاماً:
- أتدري.. أنت على حق. إن أجمل ما في قسنطينة، جسورها لا غير. لقد ذكرتك وأنا أعبرها..
كنت أود تلك اللحظة لو سألتك "هل تحبينني؟" ولكنني سألتك بحمافة:
- هل تحبينها؟.
أجبتني بعد شيء من الصمت، وكأنني طرحت عليك سؤالاً يستدعي التفكير:
- ربما بدأت أحبها..
قلت:
- شكراً..
ضحكت.. قلت وأنت تنهين المكالمة:
- أيها الأحمق.. لن تتغير!
**
المرء يفتح شباكه لينظر إلى الخارج.. ويفتح عينيه لينظر إلى الباطن.. وما النظر سوى تسلقك الجدار الفاصل بينك وبين الحرية..".
في ذلك الصباح، أشعلت سيجارة صباحية على غير عادتي. وجلست على شرفتي أمام فنجان قهوة، أتأمل نهر السين، وهو يتحرك ببطء تحت جسر ميرابو.
كانت زرقته الصيفية الجميلة، تستفزّني ذلك الصباح دون مبرر. تذكرني فجأة بالعيون الزرق التي لا أحبها.
أترى لأنه لا نهر في قسنطينة.. أعلنت العداء على هذا النهر؟
نهضت دون أن أكمل سيجارتي. كنت فجأة على عجل.
فليكن.. عفوك أيها النهر الحضاري. عفوك أيها الجسر التاريخي. عفوك صديقي (أبولينير). هذه المرة أيضاً سأرسم جسراً آخر غير هذا.
كنت هذه المرة ممتلئاً بك، بصوتك القادم من هناك، ليوقظ من جديد تلك المدينة داخلي.
ألم أكن قد لمست الفرشاة من ثلاثة أشهر. وكان داخلي شيء ما على وشك أن ينفجر بطريقة أو بأخرى. كل تلك الأحاسيس والعواطف المتضاربة، التي عشتها قبل رحيلك وبعده، والتي تراكمت داخلي كقنبلة موقوتة.
وكان لا بد أن أرسم لأرتاح أخيراً.
أرسم ملء يدي.. ملء أصابعي. أرسم بيدي الموجودة وبتلك المفقودة. أرسم بكل تقلباتي، بتناقضي وجنوني وعقلي، بذاكرتي ونسياني. حتى لا أموت قهرا ذات صيف، في مدينة فارغة إلا من السواح والحمام.
وهكذا بدأت ذلك الصباح لوحة لقنطرة جديدة، قنطرة سيدي راشد.
لم أكن أتوقع يومها وأنا أبدأها، أنني أبدأ أغرب تجربة رسم في حياتي، وأنها ستكون البداية لعشر لوحات أخرى، سأرسمها في شهر ونصف دون توقف، إلا لسرقة ساعات قليلة من النوم، أنهض منها غالباً مخطوفاً بشهية جنونية للرسم.
كانت الألوان تأخذ فجأة لون ذاكرتي، وتصبح نزيفاً يصعب إيقافه.
ما كنت أنتهي من لوحة حتى تولد أخرى، وما أنتهي من حيّ حتى يستيقظ آخر، وما أكاد أنتهي من قنطرة، حتى تصعد من داخلي أخرى..
كنت أريد أن أرضي قسنطينة حجراً.. حجراً، جسراً.. جسراً.. حياً.. حياً، كما يرضي عاشق جسد امرأة لم تعد له.
كنت أعبرها ذهاباً وإياباً بفرشاتي، وكأنني أعبرها بشفاهي. أقبّل ترابها.. وأحجارها وأشجارها ووديانها. أوزّع عشقي على مساحتها قُبلاً ملونة. أرشها بها شوقاً.. وجنوناً.. وحباً حتى العرق.
وكنت أسعد وذلك القميص يلتصق بي، بعد ساعات من الالتحام بها.
العرق دموع الجسد. ونحن في ممارسة الحب كما في ممارسة الرسم، لا نبكي جسدنا من أجل أية امرأة. ولا من أجل أية لوحة. الجسد يختار لمن يعرق.
وكنت سعيداً أن تكون قسنطينة، هي اللوحة التي بكى لها جسدي.
في ذلك الشهر الأخير من الصيف، كنت ما أزال أتوقع رسالة منك، تعطيني شيئاً من القوة والحماسة اللتين افتقدتهما خلال الشهرين الماضيين لغيابك. عندما فاجأتني رسالة من زياد.
كانت رسائله القادمة من بيروت تدهشني دائماً حتى قبل أن أفتحها.
كنت أتساءل كل مرة، كيف وصلت هذه الرسالة إلى هنا؟ من أي مخيم أو من أية جبهة، تحت أي سقف مدمر يكون قد كتبها؟ أي صندوق أودعها، وكم من ساعي بريد تناوب عليها حتى تصل هنا، داخل صندوق بريدي.. بالحي السادس عشر بباريس؟
كنت أعاملها دائماً بحب خاص. كانت تذكرني بزمن حرب التحرير، يوم كنا نبعث الرسائل لأهلنا مهربة تحت الثياب.
كم من الرسائل لم تصل، وماتت مع أصحابها! وكم من الرسائل وصلت بعد فوات الأوان. هنالك قصص تصلح لأكثر من رواية.
آخر رسالة لزياد كانت تعود لما يقارب السنة.
كان يحدث أن يكتب لي هكذا دون مناسبة، رسائل مطوّلة أحياناً، وموجزة أحياناً أخرى، كان يسمّيها "إشعار بالحياة".
في البدء ضحكت لهذه التسمية التي يريد أن يخبرني بها فقط أنه مازال على قيد الحياة.
بعدها أصبحت أخاف صمته الطويل، وانقطاع رسائله. فقد كان يحمل لي احتمال إشعار بشيء آخر.
هذه المرة، كان يريد أن يخبرني أنه قد يحضر إلى باريس في بداية أيلول. وأنه ينتظر جواباً سريعاً مني ليتأكد من وجودي في باريس في هذه الفترة.
فاجأتني رسالته.. وأسعدتني وأدهشتني.
ذهب تفكيري إليك وقلت "طويل عمر هذا الرجل.. ما كدت أذكره معكِ حتى حضر". ثم تساءلت تراك قرأت أشعاره؟ وهل أعجبتك؟ وماذا سيكون رد فعلك إذا قلت لك إنه سيحضر إلى باريس، أنت التي خفت أن يكون قد مات، وأبديت اهتماماَ بقصته؟
كان الصيف ينسحب تدريجياً. وكنت أستعيد توازني تدريجياً كذلك.
لقد أنقذتني تلك اللوحات من الانهيار. كان لا بد أن أرسمها لأخرج من تلك المطبات الجنونية التي وضعت عليها قدميّ معك.
كنت قد فقدت كثيراً من وزني. ولكن لم يكن ذلك يعنيني. أو ربما لم أكن وقتها لأنتبه له، بعدما أصبحت أنظر إلى اللوحات، وأنسى أن أنظر إلى نفسي في مرآة.
كنت أعتقد أن الذي خسرته من وزن في أيام، هو الذي ربحته من مجد إلى الأبد. ولذا كان يحلو لي أن أتأمل نزيفي وجنوني معلّقاً أمامي: إحدى عشرة لوحة لم تعد تكفيها جدران البيت.
وربما جاء تعلّقي بها، كذلك، لكوني كنت أدري وأنا أضع فرشاتي لآخر مرة وأنا أنتهي منها، أنه قد تمر عدة أشهر قبل أن أشعر برغبة جديدة في الرسم.
فقد كنت فرغت مرة واحدة من ذاكرتي.. وارتحت.
كنا على أبواب أيلول. وكنت سعيدا أو ربما في حالة ترقّب للسعادة.
ستعودين أخيراً.. كنت أنتظر الخريف كما لم أنتظره من قبل. كانت الثياب الشتوية المعروضة في الواجهات تعلن عودتك. اللوازم المدرسية التي تملأ رفوف المحلات، تعلن عودتك.
والريح، والسماء البرتقالية.. والتقلبات الجوية.. كلها كانت تحمل حقائبك.
ستعودين..
مع النوء الخريفي، مع الأشجار المحمرة، مع المحافظ المدرسية.
ستعودين..
مع الأطفال العائدين إلى المدارس، مع زحمة السيارات، مع مواسم الإضرابات، مع عودة باريس إلى ضوضائها.
مع الحزن الغامض.. مع المطر.
مع بدايات الشتاء.. مع نهايات الجنون.
ستعودين لي.. يا معطفي الشتوي.. يا طمأنينة العمر المتعب.. يا أحطاب الليالي الثلجية.
أكنت أحلم؟. كيف نسيت تلك المقولة الرائعة لأندريه جيد "لا تهيئ أفراحك!" كيف نسيت نصيحة كهذه؟
كنتِ في الواقع امرأة زوبعة. تأتي وترحل وسط الأعاصير والدمار. كنتِ معطفاً لغيري وبرداً لي.
كنتِ الأحطاب التي أحرقتني بدل أن تدفئني.
كنت أنتِ.
وكنت أنتظر أيلول إذن..
أنتظر عودتك لنتحدث أخيراً بصدق مطلق. ماذا تريدين مني بالتحديد. ومن أكون أنا بالنسبة إليك.. وما اسم قصتنا هذه؟
أخطأت مرة أخرى.
لم يكن الوقت للسؤال ولا للجواب. كان وقتا لجنون آخر.
كنت أنتظر الأمان. وجئت، زوبعة صادفت زوبعة أخرى، اسمها زياد..
وكانت الأعاصير.
لم يتغير زياد منذ آخر مرة رأيته فيها، منذ خمس سنوات بباريس. ربما أصبح فقط أكثر امتلاءً، أكثر رجولة مع العمر، من ذلك الوقت الذي زارني فيه لأول مرة في الجزائر سنة 1972 في مكتبي. يوم كان شاباً فارعاً بوزن أقل، وربما بهموم أقل أيضاً.
مازال شعره مرتباً بفوضوية مهذبة. وقميصه المتمرد الذي لم يتعود يوماً على ربطة عنق، مفتوحاً دائماً بزرٍ أو زرين. وصوته المميز دفئاً وحزناً، يوهمك أنه يقرأ شعراً، حتى عندما يقول أشياء عادية. فيبدو وكأنه شاعر أضاع طريقه وأنه يوجد خطأ حيث هو.
في كل مدينة قابلته فيها، شعرت أنه لم يصل بعد إلى وجهته النهائية، وأنه يعيش على أهبة سفر.
كان حتى عندما يجلس على كرسي يبدو جالساً على حقائبه. لم يكن يوماً مرتاحاً حيث كان، وكأن المدن التي يسكنها محطات ينتظر فيها قطاراً لا يدري متى يأتي.
ها هوذا.. كما تركته، محاطاً بأشيائه الصغيرة ومحملاً بالذاكرة، ومرتدياً سروال الجينز نفسه، كأنه هويته الأخرى.
كان زياد يشبه المدن التي مر بها. فيه شيء من غزّة، من عمان.. ومن بيروت وموسكو.. ومن الجزائر وأثينا.
كان يشبه كلّ من أحب. فيه شيء من بوشكين، من السيّاب.. من الحلاج، من ميشيما.. من غسان كنفاني.. ومن لوركا وتيودوراكيس.
ولأنني كثيراً ما قاسمت زياد ذاكرته، حدث أن أحببت كل ما أحب ومن أحب، دون أن أدري.
كنت في حاجة إليه في تلك الأيام.
شعرت وأنا أستقبله، أنني افتقدته طوال هذه السنوات دون أن أدري، وأنني بعده لم ألتقِ بشخصٍ يمكن أن أدعوه صديقاً.
ها هو زياد. باعدتنا الأيام وباعدتنا القارات. ووحدها قناعاتنا القديمة ظلّت تجمعنا.
ولذلك لم تزل في القلب مكانته الأولى. فلم يحدث لزياد أن فقد احترامي لسبب أو لآخر خلال كل هذه السنوات.
أليس هذا أمراً نادراً هذه الأيام؟
جاء زياد..
واستيقظ البيت الذي ظلّ مغلقاً لشهرين في وجه الآخرين،حتى في وجه كاترين نفسها.
راح زياد يملأه بحضوره، بأشيائه وفوضاه، بضحكته العالية أحياناً، وبحضوره السري الغامض دائماً. فأكاد أشكره فقط، لأنه أشرع نوافذ هذا البيت، واحتل غرفة من غرفه.. وربما احتلّه كله.
عُدنا تلقائياً إلى عاداتنا القديمة التي تعود إلى خمس سنوات، عندما زارني لأول مرة في باريس.
رحنا من جديد إلى المطاعم نفسها تقريباً. جلسنا وتحدثنا في الموضوعات نفسها تقريباً، فلا شي تغيّر منذ ذلك الحين. لم يسقط نظامٌ عربي واحد من تلك الأنظمة التي كان زياد يراهن على سقوطها منذ عرفته. لم يحدث أيّ زلزال سياسي هنا أو هناك، ليغيّر خريطة هذه الأمة.
وحده لبنان أصبح وطناً للزلازل والرمال المتحركة. ولكن من تراه سيبتلع في النهاية؟
كان هذا هو السؤال الذي حاولنا أن نتنبأ به بأكثر من جواب. وكان النقاش يصبّ في النهاية دائماً في القضية الفلسطينية، وفي خلافات فصائلها، والمعارك التي حدثت بين عناصرها في لبنان، والتصفيات الجسدية التي راح ضحيتها أكثر من اسم فلسطيني في الخارج.
كان حديث زياد ينتهي كالعادة بشتم تلك الأنظمة التي تشتري مجدها بالدم الفلسطيني، تحت أسماء مستعارة كالرفض والصمود.. والمواجهة. فينعتها في فورة غضبه بكل النعوت الشرقية البذيئة، التي أضحك لها وأنا أكتشف بعضها لأول مرة.
وأكتشف أيضاً أن لكل ثوّار قاموسهم الخاص، الذي تفرزه ثورتهم ومعايشتهم الخاصة، فأستعيد بحنين، مفردات أخرى لزمنٍ آخر وثورة أخرى.
ربما كان هذا الأسبوع هو أجمل الأيام التي قضيتها مع زياد، والتي حاولت بعد ذلك ولعدة سنوات ألا أذكر غيرها، حتى لا أشعر بالمرارة ولا بالحسرة على كل ما عشته بعدها عن خطأ أو عن صواب.
كل ما مرّ بي من ألم.. من غيرة ومن صدمات، وأنا أضعكما ذات يوم هكذا وجهاً لوجه، دون أية مقدمات أو توضيحات خاصة..
له قلت: "سنتغدّى غدا مع صديقة كاتبة.. لا بد أن أعرفك عليها..".
لم يبد عليه اهتمام خاص بكلامي. قال على طريقته الخاصة وهو يعود لقراءة جريدته: " أنا أكره النساء عندما يحاولن ممارسة الأدب تعويضاً عن ممارسات أخرى.. أتمنى ألا تكون صديقتك هذه عانساً، أو امرأة في سن اليأس.. فأنا لا صبر لي على هذا النوع من النساء!"
لم أجبه. رحت أتعمق في فكرته.. وأبتسم!
على اله... قلت لك: "تعالي غداً للغداء في ذلك المطعم نفسه.. فأنا أحمل لك مفاجأة لا تتوقعينها.."
قلتِ:
"إنها لوحتي.. أليس كذلك؟"
أجبتك بعد شيء من التردد: "لا.. إنها شاعر!"
***
التقيتما إذن..
ويمكن أن أقول هذه المرة أيضاً:
"الذين قالوا وحدها الجبال لا تلتقي أخطأوا. والذين بنوا بينها جسوراً لتتصافح دون أن تنحني، لا يفهمون شيئاً في قوانين الطبيعة.
الجبال لا تلتقي إلا في الزلازل والهزات الأرضية الكبرى. وعندها لا تتصافح، بل تتحول إلى تراب واحد".
التقيتما إذن.. وكان كلاكما بركاناً.. فأين العجب، إذا كنت هذه المرة أيضاً أنا الضحية!
مازلت أذكر ذلك اليوم..
وصلتِ متأخرة بعض الشيء، وكنت مع زياد قد طلبنا مشروباً في انتظارك..
ودخلتِ..
كان زياد يحدّثني عن شيء ما عندما صمت فجأة، وتوقفت عيناه عليك وهو يراك تجتازين باب المطعم.
فاستدرت بدوري نحو الباب.. ورأيتك تتقدّمين نحونا في ثوبٍ أخضر.. أنيقة، مغرية، كما لم تكوني يوماً
وقف زياد ليسلّم عليك وأنت تقتربين منّا. وبقيت أنا من دهشتي جالساً. كان من الواضح أنه لم يتوقّعك هكذا.
ها أنت ذي أخيراً..
أحسست أن شيئاً ما يسمّرني إلى ذلك الكرسي، وكأن تعب كلّ الأسابيع الماضية، وكلّ عذابي بعدك قد نزل عليّ فجأة، ومنع رجليّ من الوقوف.
ها أنت ذي أخيراً.. أهذه أنت حقاً!؟
وقبل أن أفكر في تعريفكما ببعض، كنتِ قد قدّمت نفسك لزياد، وكان هو بدوره على وشك أن يعرّفك بنفسه عندما قاطعته قائلة:
- دعني أحزر.. ألست زياد خليل؟
ووقف زياد مدهوشاً قبل أن يسألك:
- كيف عرفتِ؟
استدرتِ نحوي عندئذٍ وكأنك تكتشفين وجودي هناك، فوضعت قبلتين على خدّي وقلت وأنت توجّهين الحديث إليه:
- أنت تملك شبكة إعلان قوية في شخص هذا الرجل..
ثم سألتني وأنت تتفحّصين ملامحي:
- لقد تغيرت بعض الشيء.. ما الذي حدث لك في هذه العطلة؟
تدخّل زياد ليقول ساخراً:
- لقد رسم إحدى عشرة لوحة في شهر ونصف.. إنه لم يفعل شيئاً غير هذا. نسي حتى أن يأكل ونسي أن ينام.. أعتقد أنني لو لم أحضر إلى باريس لمات هذا الرجل الذي أمامك جوعاً وإعياءً وسط لوحاته.. كما لم يعد الرسامون يموتون اليوم!
وبدل أن تسأليني سألت زياد بشيء من الذعر، وكأنك كنت تخافين أن أكون قد رسمت إحدى عشرة نسخة من صورتك:
- ماذا رسم؟
أجابك زياد بابتسامة وجّهها إليّ:
- لقد رسم قسنطينة.. لا شيء سوى قسنطينة.. وكثيراً من الجسور..
صحتِ وأنت تسحبين كرسياً وتجلسين:
- لا.. أرجوكم لا تحدثوني عن قسنطينة مرة أخرى.. إنني عائدة تواً منها. إنها مدينة لا تطاق.. إنها الوصفة المثالية لكي ينتحر المرء أو يصبح مجنوناً!
ثم وجّهتِ كلامك إليّ:
- متى تشفى أنت من هذه المدينة؟
كان يمكن أن أقول لك لو كنا على انفراد "يوم أشفى منك!"
ولكن زياد أجاب ربما نيابة عني:
- نحن لا نشفى من ذاكرتنا يا آنستي.. ولهذا نحن نرسم.. ولهذا نحن نكتب.. ولهذا يموت بعضنا أيضاً..
رائع زياد.. كان مدهشاً وشاعراً في كل شيء.
كان يقول شعراً دون جهد. ويحب ويكره دون جهد. ويغري دون جهد.
كنت أنظر إليه وهو يسألك "أنتِ جزائرية إذن؟". ولا أستمع لما تقولينه له.
بدا لي في تلك اللحظة أن الحديث كان يدور بينكما فقط، وأنني لم أقل كلمة واحدة منذ قدومك.
كنت طرفاً فقط في تلك الجلسة الغريبة للقدر.
كنت أنظر إليك.. وأبحث في تفاصيلك عن شرح لما حلّ بي.
سألتك يوماً: "ما هو أجمل شيء فيك؟"
ابتسمت بإيماء غامض ولم تجيبي.
لم تكوني الأجمل، كنت الأشهى. فهل هناك من تفسيرٍ للرغبة!
ربما كان زياد يشبهك أيضاً..
اكتشفت ذلك مع مرور الأيام، وأنا أنظر إليكما وأنتما تتحدثان أمامي كلّ مرة.
كان أيضاً شي من السحر الغامض فيه.. من الجاذبية التي لا علاقة لها بالجمال. وكانت فكرة تشابهكما أو تطابقكما هذه تزعجني.. بل وأزعجتني ربما من اللحظة الأولى. عندما نبّهتني إلى تدهور صحتي وشحوب لوني، بينما كنت أراكما أمامي في صحّة وتألق مثير للغيرة.
ترى بدأت الغيرة تتسلل إلي اللحظة.. وأنا أكتشف أنني لست سوى شبح بينكما، ووجه حشر خطأ في لوحتكما الثنائية؟
لم تَتَنَبّهي يومها أنني وصلت إلى تلك الحالة بسببك. ولذا لم تعتذري لي، بل وأكثر من ذلك كنت تتحدثين قليلاً إليّ.. وكثيراً إليه.
قلتِ له:
- لقد أحببت ديوانك الأخير "مشاريع للحب القادم"؛ لقد ساعدني شيئاً ما على تحمل هذه العطلة البائسة. هنالك مقاطع منه حفظتها لفرط ما أعدت قراءتها..
ورحت تقرأين أمام دهشة زياد:
"تربّص بي الحزن لا تتركيني لحزن المساء
سأرحل سيدتي
أشرعي اليوم بابك قبل البكاء
فهذي المنافي تغرّر بي للبقاء
وهذي المطارات عاهرة في انتظار
تراودني للرحيل الأخير..."
كنت أستمع إليك تقرئين شعراً لأول مرة.
كان في صوتك موسيقى لآلة لم تخلق بعد أتعرف عليها لأول مرة في حزن نبرتك التي خلقت في البدء للفرح.. فإذا بها عزف لشيء آخر.
وكان زياد يستمع إليك بشيء من الذهول، وكأنه فجأة يجلس خارج الزمن وخارج الذاكرة.
كأنه أخيراً قرر أن يجلس على شيء آخر غير حقائبه ليستمع إليك.
وعندما سكتِّ.. راح يقرأ بقية تلك القصيدة وكأنه يقرأ لك طالعه لا غير:
"ومالي سواكِ وطن
وتذكرة للتراب.. رصاصة عشق بلون كفن
ولا شيء غيرك عندي
مشاريع حبّ.. لعمر قصير!"
في تلك اللحظة.. شعرت أن شحنة من الحزن المكهرب وربما الحب المكهرب أيضاً قد سرت بيننا، واخترقتنا نحن الثلاثة.
كنت أحب زياد.. كنت مبهوراً به. كنت أشعر أنه يسرق مني كلمات الحزن، وكلمات الوطن، وكلمات الحب أيضاً..
كان زياد لساني، وكنت أنا يده كما كان يحلو له أن يقول.
وكنت أشعر في تلك اللحظة.. أنك أصبحت قلبنا.. معاً!

فداء
12-08-2007, 02:53 AM
كان يجب أن أتوقع كل الذي حدث.
فهل كان يمكن أن أوقف انجرافكما بعد ذلك؟
كنت شبيهاً بذلك العالم الفيزيائي الذي يخترع وحشاً، ثم يصبح عاجزاً عن السيطرة عليه.
كنت أكتشف بحماقة أنني صنعت قصتكما بيدي. بل وكتبتها فصلاً فصلاً بغباء مثالي، وأنني عاجز عن التحكم في أبطالي.
كيف يمكن أن أضع أمامك رجلاً يصغرني باثنتي عشرة سنة، ويفوقني حضوراً وإغراءً، وأحاول أن أقيس نفسي به أمامك؟
كيف يمكن أن أفكّ صلة الكلمة التي كانت تجمعكما بتواطؤ، وأمنع كاتبة أن تحبّ شاعراً تحفظ أشعاره عن ظهر قلب؟
وكيف أقنعه هو الذي ربما لم يشفَ بعد من حبه الجزائري السابق، ألا يحبك أنت التي جئت لتوقظي الذاكرة، وتشرعي نوافذ النسيان؟
كيف حدث هذا.. وكيف أتيت بكما لأضعكما أمام قدركما.. الذي كان أيضاً قدري!
قال لي ذلك المساء:
- إنها رائعة هذه الفتاة.. لا أذكر أنني قرأت لها شيئاً، فربما بدأت الكتابة بعدما غادرت الجزائر حسب ما فهمت. ولكنني أعرف هذا الاسم.. لقد سبق أن قرأته في مكان ما.. إنه ليس غريباً عليّ.
قلت له وقتها:
- أنت لم تقرأ هذا الاسم وإنما سمعته فقط. إنه اسم لشارع في الجزائر يحمل اسم أبيها (الطاهر عبد المولى) الذي استشهد أثناء الثورة.
وضع زياد جريدته ونظر إليّ دون أن يقول شيئاً.
أحسسته ذهب بعيداً في تفكيره.
تراه بدأ أيضاً يكشف كل الهوامش المثيرة للقائكما في تلك الظروف.. وكل التفاصيل العجيبة التي لا يمكن أن يبقى محايداً أمامها؟
شعرت برغبة في الكلام عنك أكثر.
كنت على وشك أن أحدثه عن سي الطاهر. كدت أخبره أنك ابنة قائدي وصديقي. كدت أقصّ عليه حتى قصّتي العجيبة معك. أنت التي كان يمكن أن تكوني ابنتي، قبل أن تصبحي فجأة بعد ربع قرن حبيبتي!
كدت أحكي له قصة لوحتي الأولى (حنين) وتصادفها مع ميلادك. وقصة لوحاتي الأخيرة وعلاقتها بك.. وسبب تدهور صحتي وجنوني الأخير..
كدت أشرح له سر قسنطينة.
أصَمتُّ لأحتفظ بسرّك لي كما نحتفظ بسر كبير نتلذّذ بحمله وحدنا؟ أكان لحبك نكهة العمل السري ومتعته القاتلة؟.
أنم تراني كنت أخجل أن أعترف له دون أن أدري أنك حبيبتي، هو الذي لم أخجل منه يوماً والذي تقاسمت معه كل شيء؟
ألأنك حبّ لم يُخلق ليُقتسم، قررت منذ البدء أن تكوني لأحدنا.. فقط؟
أعن صداقة أو حماقة، كنت أريد أن أمنحه فرصة حبك الذي قد يكون حبّه الأخير، وأياماً من السعادة المسروقة من الموت المحتمل الذي كان يتربص به في كل حين.. وفي كل مدينة؟
ماذا جاء زياد يفعل في باريس؟ من الواضح أنه لم يأت في زيارة سياحية. ربما جاء ليقوم ببعض الاتصالات السرية، يلتقي ببعض الجهات.. يتلقى أو يعطي تعليمات لا أدري..
ولكنه كان قلقاً شيئاً ما. كان يتحاشى أخذ مواعيده على اله...، وكان لا يغادر البيت بمفرده إلا نادراً.
ولم أطرح عليه يوماً أي سؤال حول سبب زيارته لباريس. كان هناك شيء من بقايا فترة كفاحية في حياتي، تجعلني أحترم أسرار الآخرين عندما يتعلق ذلك بقضايا نضالية.
كنت أحترم سره، وكان يحترم صمتي. ولهذا نقلنا سرنا وصمتنا حتى قصتنا المشتركة معك.
أكان بحدسه المفرط يتوقع شيئاً ما بيني وبينك؟
أم تراه أمام تظاهري باللامبالاة، لم يتوقع وجود حبّ ملتهب كهذا في أحشائي.
وكيف يمكن أن يتوقع ذلك، وأنا أنسحب تدريجياً على رؤوس الأصابع، لأترك له المجال تدريجياً لمزيد من التوسّع؟
كنت أدعه يجيب على اله... نيابة عني. يتحدث إليك ويدعوك إلى البيت نيابة عني.
وكنت تأتين، وأحاول ألا أسأل نفسي لمن جئت.. ولمن تراك تجمّلتِ؟
ربما كان أكثر الأيام وجعاً يوم زرت البيت بعد ذلك لأول مرة.
كان لا بد أن ينبهك زياد للوحاتي لتنتبهي إليها. رحت تنتقلين من غرفة إلى أخرى وكأنك تعبرين غرف بيتك. لم يستوقفك ذلك الممر، ولا ذكرى قبلة قلَبت حياتي رأساً على عقب.
أكانت تلك اللحظة هي الأكثر ألماً، أم عندما فتحت (خطأ؟) باباً، فقلت لك موضّحاً "هذه غرفة زياد". فوقفت أمام ذلك الباب نصف المفتوح، لحظات بدت لي أطول مما قضيته من وقت أمام كل لوحاتي مجتمعة.
قلت وأنت تعودين إلى الصالون وتجلسين على تلك الأريكة نفسها:
- لا أفهم أن تكون رسمت كل هذه الجسور.. جنون هذا.. كان يكفي لوحة أو اثنتان..
أعن قناعة أم عن لياقة تطوع زياد ليجيبك نيابة عني، بعدما لاحظ وقع كلماتك عليّ، ولاحظ تلك الخيبة التي أفقدتني صوتي:
- أنت لم تتأملي هذه اللوحات.. لقد حكمت عليها من النظرة الأولى.. وفي الرسم، اللوحات لا تتطابق وإن تشابهت. هنالك أرقام سرية تفتح لغز كل لوحة.. شيء شبيه بـ (الكود) لا بد من البحث عنه للوصول إلى ذلك الإشعار بشيء ما يريد أن يوصله إلينا صاحبها..
لو مررت بنفس هذه السرعة أمام لوحة (لاعبي الورق) الشهيرة، لما لاحظت سوى لاعبين جالسين أمام طاولة، ولما انتبهت إلى كونهما يمسكان بأوراق بيضاء يخفيانها على بعض. إن ما أراد أن ينقله لنا "سيزان" ليس مشهداً للعبة الورق بل مشهد من التزوير المتّفق عليه.. وربما المتوارث مادام أحد اللاعبين أكبر من الثاني سناً.
وقبل أن يواصل زياد كلامه قاطعته قائلة:
- من أين تعرف كل هذا.. هل أنت خبير أيضاً في الرسم.. أم أن عدوى خالد انتقلت إليك؟
ضحك زياد واقترب منك بعض الشيء وقال:
- ليس هذا ميدان خبرتي على الإطلاق.. إنه ترف ليس في متناول رجل مثلي.. بل إن جهلي في الفن سبفاجئك. أنا لا أعرف غير قلة قليلة من الرسامين اكتشفت أعمالهم عن طريق المصادفة.. وفي الكتب المختصة غالباً.. ولكنني أحب بعض المدارس الحديثة التي تطرح أسئلة من خلال أعمالها..
الفن للفن لا يقنعني، والجوكندة المحترمة لا تهزّني. أحب الفن الذي يضعني في مواجهة وجودية مع نفسي، ولهذا أعجبت بلوحات خالد الأخيرة.. إنها أول مرة يدهشني فيها حقاً.
لقد توحّد مع هذا الجسر لوحة بعد أخرى في فرحٍ ثم في حزن متدرج حتى العتمة، وكأنه عاش يتوقيته يوماً أو عمراً كاملاً..
في اللوحة الأخيرة لا يظل بادياً من الجسر سوى شبحه البعيد تحت خيط من الضوء. كل شيء حوله يختفي تحت الباب فيبدو الجسر مضيئاً، علامة استفهام معلّقة إلى السماء. لا ركائز تشدّ أعمدته إلى أسفل، لا شيء يحدّه على يمينه ولا على يساره، وكأنه فقد فجأة وظيفته الأولى كجسر!
أترى بداية الصبح عندئذ أم بداية الليل؟ أتراه يحتضر أم يولد مع خيط الفجر؟ إنه السؤال الذي يبقى معلّقاً كالجسر لوحة بعد أخرى، مطارداً بلعبة الظلّ والضوء المستمر، بالموت والبعث المستمر، لأن أي شيء معلّق بين السماء والأرض هو شيء يحمل موته معه.
كنت أسمتع إلى زياد مدهوشاً، وربما اكتشفت شيئاً لم يخطر ببالي لحظة رسم كل هذه اللوحات.
أحقٌّ ما قاله؟
من المؤكد أن زياد كان يتحدث عن لوحاتي خيراً مني. مثل كل النقاد الذين يعطونك شروحاً مدهشة لأعمال فنية قمت بها أنت بكل بساطة، دون أية تساؤلات فلسفية، فيضحكونك إذا كنت فناناً صادقاً وبسيطاً لا تهمّك الرموز والنظريات المعقّدة في الفن. وقد يملأونك غروراً وجنوناً، إذا كنت مثل الكثيرين الذين يأخذون أنفسهم مأخذ الجد، ويبدأون عندئذٍ بالتنظير بمدرسة فنية جديدة!
كان في تحليل زياد حقيقة هامة أدهشتني ولم أنتبه لها من قبل.
لقد كنت أعتقد وأنا أرسم تلك الجسور أنني أرسمك، ولم أكن في الواقع أرسم سوى نفسي. كان الجسر تعبيراً عن وضعي المعلّق دائماً ومنذ الأزل. كنت أعكس عليه قلقي ومخاوفي ودواري دون أن أدري.
ولهذا ربما كان الجسر هو أول ما رسمت يوم فقدت ذراعي.
فهل تعني كل هذه الجسور، أن لا شيء تغيّر في حياتي منذ ذلك الحين؟
ربما كان هذا هو الأصح.. ولكن ليس هذا كل شيء. وقد كان يمكن لزياد أن يفلسف أيضاً رمز الجسر بأكثر من طريقة.. ولكن من المؤكد أنه لن يذهب أبعد من الرموز المعروفة، لأن رموزنا تأخذ بعدها من حياتنا فقط، وزياد في النهاية لم يكن يعرف كلّ ثنايا ذاكرتي.
ولم يكن زار تلك المدينة التي تعرف وحدها سرّ الجسور!
تذكّرت حين ذاك رساماً يابانيا معاصراً، قرأت عنه أنه قضى عدة سنوات وهو لا يرسم سوى الأعشاب. وعندما سُئل مرة لماذا الأعشاب دائماً.. قال: "يوم رسمت العشب فهمت الحقل.. ويوم فهمت الحقل أدركت سر العالم..".
وكان على حق. لكلٍ مفتاحه الذي يفتح به لغز العالم.. عالمه.
همنغواي فهم العالم يوم فهم البحر. وألبرتو مورافيا يوم فهم الرغبة، والحلاج يوم فهم الله، وهنري ميلر يوم فهم الجنس، وبودلير يوم فهم اللعنة والخطيئة.
وفان غوغ.. تراه فهم حقارة العالم وساديّته، عندما كان يجلس محموماً معصوب الرأس أمام تلك النافذة التي لم يكن يرى منها.. غير حقول عبّاد الشمس الشاسعة فلا يملك أمام إرهاقه إلا أن يرسم أكثر من لوحة للمنظر نفسه؟
لأن يده المحمومة لم تكن تقدر على رسم أكثر من تلك الزهور البسيطة الساذجة.
ولكنه.. كان يواصل الرسم برغم ذلك، لا ليعيش من لوحاته وإنما لينتقم لها ولو بعد قرن.
ألم يقل لأخيه تلك النبوءة التي حطّمت بعدها كلّ الأرقام القياسية في ثمن لوحة (عباد الشمس): "سيأتي يوم يفوق فيه ثمن لوحاتي.. ثمن حياتي".
تساءلت وأنا أصل إلى هذه الفكرة: هل الرسامون أنبياء أيضاً؟.
ثم رحت أربط هذه الفكرة بتعليق زياد "كل شيء معلّق يحمل موته معه.."
وإذا بي أسأل نفسي، أيّة نبوءة تحمل كلّ اللوحات التي رسمتها في درجة متقدمة من اللاوعي والجنون؟ أمَوْت أم ميلاد تلك المدينة؟ أصمود جسورها المعلقة منذ قرون في وجه أكثر من نشرة جوية وأكثر من ريح مضادّة؟ أم سقوطها جميعاً في دمار هائل مفاجئ، في تلك اللحظة التي لا يفصل فيها بين الليل والنهار سوى خيط باهت للغفلة.. غفلة التاريخ!
كنت تحت تأثير تلك الرؤية المذهلة، عندما جاء صوتك لينتزعني من هواجسي.
قلتِ وأنت توجّهين حديثك إليّ:
- أتدري خالد.. إن من حسن حظك أنك لم تزر قسنطينة منذ عدة سنوات.. وإلا لما رسمت من وحيها أشياء جميلة كهذه. يوم تريد أن تشفى منها عليك أن تزورها فقط.. ستكفّ عن الحلم!
طبعاً، لم أكن أدري آنذاك، أنك ذات يوم ستتكلّفين شخصياً بقتل ذلك الحلم، وتوصليني في ما بعد حتى أعتاب قسنطينة مكرهاً.
تدخّل زياد ليقول كلاماً جاء هذه المرة أيضاً سابقاً لوقته.. كالنبوءة.
قال بشيء من العتاب المهذّب:
- لماذا تصرين على قتل حلم هذا الرجل؟. هنالك أحلام نموت على يدها، دعيه سعيداً ولو بوهمه..
لم تعلّقي على كلامه، وكأن أحلامي لم تعد تهمك بالدرجة الأولى. سألته فقط:
- وأنت.. ما هو حلمك؟
قال:
- ربما مدينة ما أيضاً..
- هل اسمها الخليل؟
قال مبتسماً:
- لا.. نحن لا نحمل دائماً أسماء أحلامنا.. ولا ننتسب لها
اسمي الخليل ومدينتي اسمها غزة.
- ومنذ متى لم تزرها؟
- منذ حرب حزيران.. أي منذ خمس عشرة سنة تماماً..
ثم أضاف:
- يضحكني الذي يحدث لخالد اليوم، كان يقنعني في الماضي يوم كنّا في الجزائر بالزواج والعيش هناك نهائياً. لم يكن يفهم أن تطاردني تلك المدينة إلى درجة إخراجي من كل المدن. وها هو الآن يصل إلى كلامي من تلقاء نفسه، ويصبح بدوره مسكوناً بمدينة، مطارداً بها.
العجيب أنه لم يحدّثني عنها أي مرة.. وكأنه لم يكن يوليها اهتماماً من قبل. هنالك أشياء شبيهة بالسعادة لا ننتبه لوجودها إلا بعدما نفتقدها!
ربما كان ذلك ما حدث لي.. فقد كنت أعي تدريجياً أنني كنت سعيداً معك قبل تلك العطلة الصيفية.. وقبل مجيء زياد.. وقبل أن يتحول حبنا من عشق ثنائي عنيف إلى حب مثلث الأطراف كل زواياه متساوية، ومن لعبة شطرنج يحكمها لاعبان متقابلان، ويملأ الحب فيها كل المربعات السوداء والبيضاء، بقانون المد والجزر العشقي، إلى لعبة طاولة، نجلس حولها نحن الثلاثة، بأوراقنا المقلوبة، وأحزاننا المقلوبة، بنبضات قلبنا المشتركة، بذاكرتنا المشتركة، نتربّص ببعضنا ونخلق قوانين جديدة للحب.. نزوّر الأوراق التي نملك النسخ نفسها منها، نحتال على منطق الأشياء لا ليربح أحدنا الجولة، وإنما لكي لا يكون بيننا من خاسر، وحتى تكون نهايتنا أقلّ وجعاً من البداية.
كان واضحاً أن زياد كان يشعر أنني أحبك بطريقة أو بأخرى. ولكنه لم يكن يعي جذور ذلك الحب ومداه. ولذا كان ينساق إلى حبك دون تفكير ودون شعور بالذنب.
لم يكن لأحدنا وعي كامل لينتبه إلى أن العشق اسم ثنائي لا مكان فيه لطرف ثالث. ولذا عندما حوّلناه إلى مثلث، ابتلعنا كما يبتلع مثلث "برمودا" كل البواخر التي تعبره خطأ؟
كيف وصلنا إلى هنا.
أيّ ريح حملتنا إلى هذه الديار الغريبة عن طقوسنا؟ أيّ قدر بعثرنا ثم أعاد جمع أقدارنا المتناقضة المبعثرة، وأعمارنا وتواريخنا المتفاوتة، ومعاركنا وأحلامنا المتباعدة، وأوقفنا هنا، أطرافاً في معركة نخوضها مع بعضنا ضد بعضنا دون وعي؟
بعد أشهر قرأت بين أوراق زياد خاطرة، أدهشتني بتطابقها مع أحاسيسي هذه، كتب فيها:
"عشقنا جولة أخرى خسرناها في زمن المعارك الفاشلة، فأيّ الهزائم أكثر إيلاماً إذن؟
مقدراً كان كلّ الذي حصل.
شعبين كنا لأرض واحدة.
ونبيين لمدينة واحدة.
وها نحن قلبان لامرأة واحدة.
كل شيء كان معدّاً للألم. (هل يسعنا العالم معاً؟).
ها نحن نتقاسم كبرياءنا رغيفاً عربياً مستديراً كجرحنا. رصاصة مستديرة الرأس.. أطلقوها على مربع أحمر، يتدرب فيه القدر على إطلاق الرصاص على دوائر سوداء تصغر تدريجياً كالدوّار.. حتى تصل مركز الموت..
حيث الرصاصة لا تخطئ.
حيث الرصاصة لا ترحم.
وحيث سيكون قلب أحدنا.."
كان زياد في تلك الأمسيات الشتائية، يسهر أحياناً في غرفته ليكتب. وكنت أرى في ذلك علامة لا تخطئ..
لا بد أن يكون عاشقاً ليعود إلى الكتابة بهذه الشراهة، هو الذي لم يكتب شيئاً منذ عدة سنوات.
كنت أبتسم أحياناً، وصوت موسيقى خافتة ينبعث من غرفته حتى ساعة متأخرة من الليل.
كأن زياد كان يريد أن يملأ رئتيه بالحياة، أو كأنه لم يكن يثق بها تماماً. ويخاف إن هو نام أن تسرق منه شياً.
كان يستمع دائماً إلى الأشرطة نفسها التي لا أدري من أين أحضرها، والتي لم أكن مولعاً بها أنا على وجه التحديد، كالموسيقى الكلاسيكية.. وشريط لفيفالدي وآخر لتيودوراكيس.
وكنت أقول لنفسي وأنا أقضي أحياناً سهرة كاملة بمفردي أمام التلفزيون:
" إنه يعيش جنونه أيضاً. هنالك جنون الصيف.. وهنالك جنون الشتاء. انتهى جنوني وبدأ جنونه!".
ولكن.. كيف يمكن لي أن أعرف درجات جنونه هذا؟ من أين آتي بمقياس للزلزال، أعرف منه ما يحدث في أعماقه بالتحديد؟
كيف يمكن ذلك، ونوباته كتابات سرية لا يدري بها غير الورق. بينما يعلّق جنوني على الجدران إحدى عشرة لوحة تشهد ضدي.. وتفضحني.
فهل انتهى جنوني حقاً؟
لا.. أصبح فقط جنوناً داخلياً لا علاقة له بالإبداع. أصبح أحاسيس مرضيّة أبذّرها هباءً في الغيرة واليأس.
كان إذا غيّر زياد بدلته، شعرت أنه يتوقع قدومك، وإذا جلس ليكتب فهو يكتب لك، وإذا ترك البيت فهو على موعد معك..
نسيت في زحمة غيرتي، حتى الأسباب التي جاء من أجلها زياد إلى باريس، ولقاءاته.. وهواجسه الأخرى.
.. ثم جاء ذلك السفر الذي كدت أنساه.
ربما كانت تلك أكثر تجاربي ألماً على الإطلاق. فقد كان عليّ أن أترككما عشرة أيام كاملة معاً في مدينة واحدة. وربما غالباً في بيتٍ واحد هو بيتي.. نظراً لصعوبة لقائكما خارج البيت.
سافرت يومها وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنها فرصة لنا جميعاً، لنضع شيئاً من الترتيب في علاقتنا، وأنه كان لابد لأحدنا أن يتغيّب لتحسم هذه الأمور الغامضة بيننا نهائياً.
طبعاً، لم أكن مقتنعاً في أعماقي بهذا المنطق، أو على الأقل بهذا القدر العنيد الذي جعل القرعة تقع عليّ.
فمن الواضح أن القدر كان منحازاً لكما. وكان ذلك يؤلمني كثيراً. ولكن ما الذي كان أشدّ إيلاماً لي:
أن أدري أنك مع رجل آخر، أم أن يكون ذلك الرجل هو زياد لا سواه، أم أن تتم خيانتي في بيتي في غرف لم أتمتع بك فيها؟
إلى أيّ حدّ ستذهبين معه.. وإلى أي حدّ سيذهب هو معك؟ وهل ستوقفه ذاكرتنا المشتركة.. وكل ما جمعنا يوماً من قيم؟
قلت لكِ الكثير عن زياد.. ولم أقل لك الأهم.
كان زياد يوماً خليّتي السرية، أوراق انتمائي السرية.
كان هزائمي وانتصاراتي، حججي وقناعاتي، كان عمراً سرّياً لعمرٍ آخر. فهل سيخونني زياد؟
كنت قد بدأت أعتب عليه، وربما أحقد عليه مسبقاً.
نسيت في جنون غيرتي، أنني لم أفعل شيئاً غير ذلك معك، أنا الذي تنكّرت أيضاً لسي الطاهر، لرجلٍ كان يوماً قائدي، وكان يوماً صديقي.. لرجل أودعك عندي وصيّة ذات يوم ومات شهيداً.
من منا الأكثر خيانة إذن؟
هو الذي قد يضع أحلامه ورغباته حيّز التنفيذ.. أم أنا الذي لم أنفّذها لأنني لم أجد فرصة لذلك؟
أنا الذي أنام وأصحو معك من شهور، وأغتصبك حتّى في غفوتي.. أم هو الذي ستكونين له بإرادتك؟
هنالك مدن كالنساء، تهزمك أسماؤها مسبقاً. تغريك وتربكك، تملأك وتفرغك، وتجرّدك ذاكرتها من كل مشاريعك، ليصبح الحب كل برنامجك.
هنالك مدن.. لم تخلق لتزورها بمفردك. لتتجول وتنام وتقوم فيها.. وتتناول فطور الصباح وحيداً.
هنالك مدن جميلة كذكرى، قريبة كدمعة، موجعة كحسرة..
هنالك مدن.. كم تشبهك!
فهل يمكن أن أنساك في مدينة اسمها.. غرناطة؟
كان حبك يأتي مع المنازل البيضاء الواطئة، بسقوفها القرميدية الحمراء.. مع عرائش العنب.. مع أشجار الياسمين الثقيلة.. مع الجداول التي تعبر غرناطة.. مع المياه.. مع الشمس.. مع ذاكرة العرب.
كان حبك يأتي مع العطور والأصوات والوجوه، مع سمرة الأندلسيات وشعرهن الحالك.
مع فساتين الفرح.. مع قيثارة محمومة كجسدك.. مع قصائد لوركا الذي تحبينه.. مع حزن أبي فراس الحمداني الذي أحبه.
كنت أشعر أنك جزء من تلك المدينة أيضاً.. فهل كل المدن العربية أنت.. وكل ذاكرة عربية أنت؟
مر الزمان وأنت مازلت كمياه غرناطة، رقراقة الحنين.. تحملين طعماً مميزاً لا علاقة له بالمياه القادمة من الأنابيب والحنفيات.
مر الزمن، وصوتك مازال يأتي كصدى نوافير المياه وقت السّحر، في ذاكرة القصور العربية المهجورة، عندما يفاجئ المساء غرناطة، وتفاجئ غرناطة نفسها عاشقة لملك عربي غادرها لتوه..
كان اسمه "أبا عبد الله". وكان آخر عاشق عربي قبّلها!
تراني كنت ذلك الملك الذي لم يعرف كيف يحافظ على عرشه؟
تراني أضعتك بحماقة أبي عبد الله، وسأبكيك يوماً مثله؟
كانت أمه قد قالت له يوماً وغرناظة تسقط في غفلة منه: "ابك مثل النساء مُلكاً مُضاعاً، لم تحافظ عليه مثل الرجال.."
فهل حقاً لم أحافظ عليك؟. وعلى من أُعلن الحرب.. أسألك؟
على مَنْ.. وأنتما ذاكرتي وأحبّتي.
على مَنْ.. وأنت مدينتي وقلعتي.
فلِمَ الخجل؟
هل هناك ملك عربي واحد.. حاكم عربي واحد، لم يبكِ منذ أبي عبد الله مدينة ما؟
فاسقطي قسنطينة.. هذا زمن السقوط السريع!
هل سقطت حقاً يومها.. هذا ما لن أعرفه أبداً.
ولكن أعرف فقط تاريخ سقوطك الأخير، سقوطك النهائي الذي كنت شاهداً عليه بعد ذلك.
فأيّ جنون كان أن تزيد المسافات من حبّك، وأن تأخذي ملامح تلك المدينة أيضاً. وإذا بي كمجنون أجلس كلّ ليلة لأكتب لك رسائل كانت تولد من دهشتي وشوقي وغيرتي عليك. كنت أقصّ لك فيها تفاصيل يومي وانطباعاتي في مدينة تشبهك حد الدهشة.
كتبت لك مرة:
"أريد أن أحبك هنا. في بيتٍ كجسدك، مرسوم على طراز أندلسي.
أريد أن أهرب بك من المدن المعلّبة، وأُسكن حبّك بيتاً يشبهك في تعاريج أنوثتك العربية.
بيتاً تختفي وراء أقواسه ونقوشه واستداراته ذاكرتي الأولى. تظلّل حديقة شجرة ليمون كبيرة، كتلك التي يزرعها العرب في حدائق بيوتهم بالأندلس.
أريد أن أجلس إلى جوارك، كما أجلس هنا على حافة بركة ماء تسبح فيها سمكات حمراء، وأتأملك مدهوشاً.
أستنشق جسدك، كما أستنشق رائحة
أيتها الفاكهة المحرّمة.. أمام كلّ شجرة أمرّ بها، أشتهيك.."
كم من الرسائل كتبت لك.. هل يمكن لكاتبة أن تقاوم الكلمات؟ كنت أريد أن أطوقك بالحروف، أن أستعيدك بها، أن أدخل معكما حلقة الكلمات المغلقة في وجهي بتهمة الرسم فقط، فرحت أخترع من أجلك رسائل لم تكتب قبلك لامرأة. رسائل انفجرت في ذهني فجأة بعد خمسين سنة من الصمت.
تراني بدأت يومها أكتب كتابي هذا دون أن أدري، بعد أن انتقل عشقي لك إلى هذه اللغة التي كنت أكتب بها رسائل لأول مرة. قبلك كتبت لنساء عبرن حياتي أيام الشباب والمراهقة.
لم أكن أجهد نفسي آنذاك في البحث عن الكلمات.
كانت اللغة الفرنسية تستدرجني تلقائياً بحريتها للقول دون عقد.. ولا خجل.
معك رحت أكتشف العربية من جديد. أتعلم التحايل على هيبتها، أستسلم لإغرائها السري، لإيحاءاتها.
رحت أنحاز للحروف التي تشبهك.. لتاء الأنوثة.. لحاء الحرقة.. لهاء النشوة.. لألف الكبرياء.. للنقاط المبعثرة على جسدها خال أسمر..
هل اللغة أنثى أيضاً؟ امرأة ننحاز إليها دون غيرها، نتعلم البكاء والضحك.. والحب على طريقتها. وعندما تهجرنا نشعر بالبرد وباليتم دونها؟
تراك قرأت تلك الرسائل؟. هل شعرت بعقدة يتمي وخوفي من مواسم الصقيع؟
أأدهشتك أم تراها جاءت في غير وقتها؟
كان لا بد أن أكتبها لك قبل أن يتسلل زياد إليك من كل المسام، ويصبح لغتك.
فهل تفيد رسائل الحب عندما تأتي متأخرة عن الحب؟
ألم يحب سلفادور دالي وبول إيلوار المرأة نفسها؟
وعبثاً راح بول إيلوار يكتب لها أجمل الرسائل.. وأروع الأشعار.. ليستعيدها من دالي الذي خطفها منه. ولكنها فضّلت جنون دالي المجهول آنذاك.. على قوافي بول إيلوار. وظلّت حتى موتها منحازة لريشة دالي فقط الذي تزوجها أكثر من مرة بأكثر من طقس، ولم يرسم امرأة غيرها طوال حياته.
الواقع أن الحب لا يكرر نفسه كل مرة، وأن الرسامين لا يهزمون الشعراء دائماً.. حتى عندما يحاولون التنكّر في ثياب الكلمات.

فداء
12-08-2007, 02:54 AM
عندما عدت بعد ذلك إلى باريس، كان في الحلق غصّة لازمتني طوال تلك الأيام، وأفسدت عليّ متعة نجاح ذلك المعرض. واللقاءات الجميلة أو المفيدة التي تمّت لي أثناءه.
كان هناك شيء داخلي ينزف دون توقّف. عاطفة جديدة للغيرة والحقد الغامض الذي لا يفارقني ويذكّرني كلّ لحظة أن شيئاً ما يحدث هناك.
استقبلني زياد بشوق. (أكان حقاً سعيداً بعودتي؟). أمدّني بالبريد الذي وصل أثناء غيابي وبورقة سجّل عليها أسماء الذين طلبوني ه...ياً خلال تلك الأيام.
أمسكتها دون أن ألقي عليها نظرة. كنت أدري أنني لن أجد اسمك فيها.
ثم راح يسألني عن المعرض.. عن سفرتي وأخباري العامة، ويحدثني عن آخر التطورات السياسية بشيء من القلق، الذي فسّرته بارتباكه لحظتها أمامي لسبب أو لآخر.
كنت أستمع إليه وأنا أتفقد بحواسي ذلك البيت كما في خرافة الغول الذي كان كلما عاد إلى بيته، راح يتشمّم الأجواء بحثاً عن إنسان قد يكون تسلّل إلى مغارته أثناء غيابه..
كنت أشعر أنك مررت بهذا البيت. إحساس غامض كان يؤكد لي ذلك، دون أن أجد في الواقع حجة تثبت لي شكوكي.
ولكن هل تهم الحجّّة؟.. هل يعقل أن تمر عشرة أيام دون أن تلتقيا.. وأين يمكن أن تلتقيا في مكان غير هذا؟ وإذا التقيتما هل ستكتفيان بالحديث؟
كنتِ منجماً للكبريت.. وكان زياد عاشقاً مجوسياً يعبد اللّهب!
فهل كان يمكن أن يصمد طويلاً في وجه نيرانك.. أنت المرأة التي يحلم الرجال أن يحترقوا بها ولو وهماً؟
رحت أبحث في ملامح زياد عن فرحٍ ما، عن سعادةٍ ما أجد فيها الحجة القاطعة على أنك كنت له.
ولكن لم يبدُ على وجهه أي شعور خاص، غير القلق.
فجأة حدثني عنك قال:
- لقد طلبت منها أن تأتي غداً لنتناول معاً غداءنا الأخير..
صحت بشيء من الدهشة:
- لماذا الأخير؟
قال:
- لأنني سأسافر الأحد..
- ولماذا الأحد؟
قلتها وأنا أشعر بشيء من الحزن والفرح معاً.
أجاب زياد:
- لأنني يجب أن أعود.. كنت أنتظر فقط عودتك لأسافر. لم يكن مقرراً أن أبقى هنا أكثر من أسبوعين. لقد قضيت شهراً كاملاً ولا بدّ أن أعود..
ثم أضاف بشيء من السخرية:
- قبل أن أتعود على الحياة الباريسية.
تراك أنتِ الحياة الباريسية التي كان يخاف أن يتعود عليها؟ تراه كان يهرب مرة أخرى من حبٍ آخر أم أن مهمته قد انتهت أخيراً فلم يعد أمامه غير الرحيل؟
مر يوم السبت وسط مشاغل عودتي، وانشغال زياد بترتيب تفاصيل سفره.
حاولت أن أتحاشى الجلوس إليه ذلك المساء. ولكن كان يوم الأحد يتربص بنا ويضعنا أخيراً وجهاً لوجه نحن الثلاثة في ذلك الغداء الحاسم.
يومها قابلتني بحرارة لم أتوقعها. فسّرتها على طريقتي بأنها شعور بالذنب، (أو ربما بالامتنان). ألم أقدم لك حباً على طبق من شعر على طاولة هي.. بيتي؟!
ثم شكرتني على رسائلي، وأبديت إعجابك بأسلوبي.. وكأنك أستاذة قدم لها تلميذ نصّاً إنشائياً.
أزعجني شكرك العلني، وشعرت أنك حدّثت زياد عنها وربما أريته إياها أيضاً.
كنت على وشك أن أقول شيئاً عندما واصلت:
- تمنيت لو كنت معك هناك.. هل غرناطة جميلة حقاً إلى هذا الحد؟ وهل زرت حقاً بيت غارسيا لوركا في (خوانتا فاكيروس).. أليس هذا اسم ضيعته كما قلت؟ حدّثني عنه..
وجدت في طريقتك في بدء الحديث معي من الهوامش، شيئاً مثيراً للدهشة، وربما للتفكير أيضاً.
أهذا كل ما وجدت قوله بعد كل الزوابع التي مرّت بنا، وبعد عشرة أيام من الجحيم الذي عشته وحدي؟
لا أدري كيف خطر عندئذٍ في ذهني شهد لفيلم شاهدته يوماً عن حياة لوركا..
قلت لك:
- أتدرين كيف مات لوركا؟
قلتِ:
-بالإعدام..
قلت:
- لا.. وضعوه أمام سهل شاسع وقالوا له امشِ.. وكان يمشي عندما أطلقوا خلفه الرصاص، فسقط ميتاً دون أن يفهم تماماً ما الذي حدث له.
إنه أحزن ما في موته. فلم يكن لوركا يخاف الموت، كان يتوقّعه، ويذهب إليه مشياً على الأقدام كما نذهب لموعدٍ مع صديق.. ولكن كان يكره فقط أن تأتيه الرصاصة من الظهر!
شعرت آنذاك أن زياد تلقي كلماتي كرصاصة في الصدر. رفع عينيه نحوي، أحسسته على وشك أن يقول شيئاً ولكنه صمت.
كنا نفهم بعضنا دون كثير من الكلام.
ندمت بعدها على إيلامي المتعمد له. فقد كان إيلامه يعزّ عليّ أكثر من ألمك. ولكن كان هذا أقل ما يمكن أن أقوله له بعد كل ما عشته من عذاب بسببه.
وربما كان أكثره أيضاً.
تحول غداؤنا فجأة إلى وجبة صمت مربك تتخلله أحيانا أحاديث مفتعلة، كنتِ تخترعينها أنتِ بفطرةٍ نسائية لترطيب الجو.. وربما للمراوغة. ولكن عبثاً.
كان هناك شيء من البلّور قد انكسر بيننا. ولم يعد هناك من أمل لترميمه.
سألتكِ بعدها:
- هل ستأتين معي لنرافق زياد إلى المطار؟
أجبتِ:
-لا.. لا يمكن أن أذهب إلى المطار.. قد ألتقي بعمي هناك، إذ أنه يحدث أن يمر بمكتب الخطوط الجوية الجزائرية. ثم إنني أكره المطارات.. وأكره مراسيم الوداع. الذين نحبهم لا نودعهم، لأننا في الحقيقة لا نفارقهم. لقد خلق الوداع للغرباء.. وليس للأحبة.
كانت تلك إحدى طلعاتك العجيبة المدهشة كقولك السابق مثلاً "نحن لا نكتب إهداءً سوى للغرباء وأما الذين نحبهم فهم جزء من الكتاب وليسوا في حاجة إلى توقيع في الصفحة الأولى.."
ولماذا الوداع؟
هل هناك من ضرورة لوداع آخر؟
كنت أراك طوال وجبة الغداء تلتهمينه بنظراتك ولا تأكلين شياً سواه.
كانت عيناك تودّعان جسده قطعة قطعة. تتوقّفان طويلاً عند كلّ شيء فيه، وكأنك تختزنين منه صوراً عدة.. لزمن لن يبقى لك فيه سوى الصور.
وكان هو يتحاشى نظراتك، ربما مراعاة لي، أو لأن كلماتي الموجعة أفقدته رغبة الحب.. ورغبة الأكل كذلك. وجعلته يحوّل نظراته الحزينة إلى أعماقه وإلى ما بعد السفر.
وكنت أنا لا أقل حزناً عنكما، ولكن حزني كان فريداً وفرديّاً كخيبتي. متشعّب الأسباب غامضاً كموقفي من قصّتكما العجيبة.
وربما زاده رفضك مرافقتي إلى المطار توتراً. فقد كنت أطمع في عودتك معي على انفراد لأخلو أخيراً بك. لأفهم منك دون كثير من الأسئلة، إلى أيّ مدى كنت قادرة على محو تلك الأيام من ذاكرتك، والعودة إليّ دون جروح أو خدوش..
كنت أدري أن قلبك قد أصبح منحازاً إليه. وربما جسدك أيضاً. ولكنني كنت أثق بمنطق الأيام. وأعتقد أنك في النهاية ستعودين إليّ، لأنه لن يكون هناك سواي.. ولأنني ذاكرتك الأولى.. وحنينك الأول لأبوة كنت أنا نسخة أخرى عنها.
فرحت أراهن على المنطق وأنتظرك.
رحل زياد..
ورحت أستعيد تدريجياً بيتي وعاداتي الأولى قبله.
كنت سعيداً ولكن بمرارة غامضة. فقد كنت تعوّدت على وجوده معي، وكنت أشعر بشيء من الوحدة المفاجئة وهو يتركني وحدي لموسم الشتاء؛ لتلك الأيام الرمادية، والسهرات الطويلة المدهشة.
رحل زياد.. وفرغ البيت منه فجأة كما امتلأ به.
لم يبق سوى تلك الحقيبة التي قد تشهد على مروره من هنا، والتي تركها أسفل الخزانة بعدما جمع فيها أوراقه وأشياءه، والتي رأيت في بقائها عندي مشروع عودة محتملة، قد تكونين أنت أحد أسبابها.
ولكن لابد أن أعترف أن سعادتي كانت ...ق حزني، وأنني كنت أشعر أنني أستعيدك وأنا أستعيد ذلك البيت الفارغ منه.
كنت أشعر أن هذا البيت سيمتلئ أخيراً بحضورك بطريقة أو بأخرى، وأنني سأخلو فيه بك وأنا أخلو لنفسي.
سأعيدك إليه تدريجياً. ألم تعترفي مراراً أنك تحبينه.. تحبين طريقة ترتيبه.. تحبين ضوءه.. منظر نهر السين الذي يطلّ عليه؟
أن ترى كنت تحبين فقط زياد، وحضوره الذي كان يؤثث كل شيء.. ويجعل الأشياء أحلى!
في البدء.. كنت أتوقع ه...ك. كنت أتمسك به، أستنجد به، ولكن صوتك كان ينسحب أيضاً تدريجياً أمام دهشتي.
كان ه...ك يأتي مرة كل أسبوع، ثم كلّ أسبوعين، ثم نادراً، قبل أن ينقطع نهائياً.
كان يأتي شحيحاً كقطرات الدواء. وكنت أشعر أحياناً أنك تطلبينني مجاملة فقط، أو عن ضجر، أو ربما بنية غير معلنة لمعرفة أخبار زياد.
وكنت أنا أثناء ذلك، أتساءل "تراه كان يكتب إليك مباشرة بعنوان البيت، ولهذا لم تكوني في حاجة إلى أن تسأليني مرة عن أخباره؟
أم أنه كعادته أخبرك مسبقاً أنه لن يكتب إليك، وأن عليك مثله أن تتعلمي النسيان. فرحت تطبّقين تلك العقوبة عليّ أيضاً!.
كان زياد يكره أنصاف الحلول في كل شيء.
كان متطرفاً كأي رجل يحمل بندقية. ولذا كان يكره أيضاً ما كان يسمّيه سابقاً "أنصاف الملذات" أو "أنصاف العقوبات"!
كان رجل الاختيارات الحاسمة. فإما أن يحب ويتخلى عندئذٍ عن كل شيء ليبقى مع من يحب، أو يرحل لأن الذي ينتظره هناك أهم. وعندها لن يكون من مبرر لتعذيب النفس بالأشواق والذكرى.
تساءلت طويلاً بعد ذلك، ماذا عساه اختار؟
تراه تصرّف هذه المرة أيضاً كما تصرف منذ سنوات في الجزائر مع تلك الفتاة التي كان على وشك الزواج منها..
أم أنه تغيّر هذه المرة، ربما بحكم العمر.. وربما فقط لأنك أنت، ولأن الذي حدث بينكما لم يكن قصة عادية تحدث بين شخصين عاديين.
كنت أحاول أحياناً استدراجك للحديث عنه، عساني أصل إلى نتيجة تساعدني على تحديد القواعد الجديدة للعبة.. والتأقلم معها.
وكنت تراوغينني كعادتك. كان من الواضح أنك تحبّين أن أحدثك عنه، ولكن دون أن تبوحي لي بشيء.
كنت تناقضين نفسك كل لحظة. تمزجين بين الجد والمزاح، وبين الحقيقة والكذب، في محاولة للهروب من شيء ما..
كان كلامك كذباً أبيض أستمع إليه بفرشاتي، وألوّن جمله بألوان أكثر تناسباً مع كل ما أعرفه عنك.
تعودت أن أكسو ما تقولينه لي بالبنفسجي، بالأزرق.. والرمادي، بالقلق الذي يخيم على كل ما تقولينه.
تعودت أن أجمع حصيلة ما قلته لي، وأصنع منها حواراً لرسوم متتالية على ورق، أضع عليها أنا التعليقات المناسبة لحوار آخر وكلام لم نقله.
لعلني وقتها بدأت أكتشف تدريجياً تلك العلاقة الغامضة التي بدأت تربطك في ذاكرتي بذلك اللون الأبيض.
لم يكن كلامك وحده كذباً أبيض.
كنت امرأة تملك قدرة خارقة على استحضار ذلك اللون في كل أشكاله وأضداده. أو لعلني وقتها أيضاً بدأت دون أن أدري وبحدس غامض أخرج هذا اللون نهائياً من ألوان لوحاتي، وأحاول الاستغناء عنه، في محاولة مجنونة لإلغائك.
كان لوناً متواطئاً معك. منذ ذلك اليوم الذي رأيتك فيه طفلة تحبو بينما أثوابها الطفولية البيضاء تجفّ فوق خشبات منصوبة فوق كانون. غمزة مسبقة للقدر الذي كان يُهيّأ لي معك على نارٍ باردة، أكثر من ثوب أبيض.
كان الأبيض لوناً مثلك يدخل في تركيب كلّ الألوان وكل الأشياء. فكم من الأشياء يجب أن أدمّر قبل أن أنتهي منه! وكم من اللوحات سألغي إن أنا قاطعته!
كنت أحاول بكل الأشكال (والألوان.. ) أن أنتهي منك. ولكني كنت في الحقيقة أزداد تورّطاً في حبك.
اعترفت لك مرة على اله..... في لحظة يأس:
أتدرين.. حبك صحراء من الرمال المتحركة، لم أعد أدري أين أقف فيها..
أجبتني بسخريتكِ الموجعة:
- قف حيث أنت.. المهم ألا تتحرك. فكل محاولة للخلاص في هذه الحالات، ستجعل الرمال تسحبك أكثر نحو العمق. إنها النصيحة التي يوجهها أهل الصحراء لكل من يقع في بالوعة الرمال المتحركة.. كيف لا تعرف هذا؟!
يومها كان لا بد أن أحزن.. ولكنني ضحكت. ربما لأنني أحب سخريتك الذكية حتى عندما تكون موجعة، فنحن قلما نلتقي بامرأة تعذّبنا بذكاء.
وربما لأنك كنتِ تزفّين لي احتمال موت كنت أراه جميلاً بقدر ما هو حتمي..
تذكّرت مثلاً شعبياً رائعاً، لم أكن قد تنبّهت له من قبل" "الطير الحر ما ينحكمش، وإذا انحكم.. ما يتخبّطش!".
وكنت أشعر آنذاك أنني ذلك الطائر المكابر الذي ينتسب إلى سلالة الصقور والنسور التي لا يسهل اصطيادها، والتي عندما تُصطاد، تصبح شهامتها في أن تستسلم بكبرياء، دون أن تقاوم أو تتخبّط كما يفعل طائر صغير وقع في فخّ.
عندما أجبتك يومها بذلك المثل الشعبي، صحتِ دهشة:
- ما أجمله.. لم أكن أعرفه!
أجبتك وسط تنهيدة:
- لأنك لم تعرفي الرجال.. ليس هذا زمناً للصقور ولا للنسور.. إنه زمن للطيور المدجّنة التي تنتظر في الحدائق العمومية!
ست سنوات مرّت على ذلك الحديث. وها أنا أذكره اليوم مصادفة، وأستعيد نصيحتك الأخيرة:
"قف حيث أنت.. المهم ألا تتحرك!".
كيف صدّقت يومها أنك كنت تخافين عليّ من العواصف والزوابع.. والرمال المتحركة. أنت التي أوقفتني هنا في مهب الجرح عدة سنوات، ورحت تنفخين حولي العواصف وتحركين أمواج الرمال تحت قدميّ.. وتحرّضين القدر عليّ.
لم أتحرك أنا..
ظللت واقفاً بحماقة عند عتبات قلبك لسنوات عدة.
كنت اجهل أنك تبتلعينني بصمت، أنك تسحبين الأرض من تحت قدمي وأنني أنزلق نحو العمق.
كنت أجهل أن زوابعك ستعود كل مرة، وحتى بعد غيابك بسنوات لتغتالني.
واليوم.. وسط الأعاصير المتأخرة يأتي كتابك ليثير داخلي زوبعة من الأحاسيس المتطرّفة والمتناقضة معاً.
"منعطف النسيان" قلتِ..
من أين يأتي النسيان..أسألك؟
**
مازلت أذكر ذلك اليوم من فبراير، عندما جاء صوت سي الشريف على اله...، ليدعوني إلى العشاء في منزله.
فوجئت بدعوته، ولم أسأله حتى عن مناسبتها. فهمت منه فقط أنه دعا آخرين للعشاء، وأننا لن نكون بمفردنا.
أعترف أنني كنت سعيداً ومرتبكاً بفرحي.
خجلت من نفسي لأنني منذ لقائنا الأخير لم أطلبه سوى مرة واحدة بمناسبة العيد، برغم إلحاحه عليّ أن أزوره ولو مرة في المكتب، لنأخذ قهوة معاً.
فجأة، أخذت قراراً ربما كان أحمق.
قررت أن آخذ إحدى لوحاتي لأهديها إياه.
ألم يهدني اليوم تلك الفرحة التي لم أعد أتوقعها؟
سأثبت له دون كلام، أن لوحاتي لا تتداول إلا بعملة القلب وليس بالعملات المشبوهة.
بعد ذلك وجدت لهذه الفكرة حسنة أخرى.
سأكون حاضراً في ذلك البيت الذي تسكنينه ولو معلّقاً على جدار.
في اليوم التالي، حملت لوحتي وذهبت إلى ذلك العشاء.
كان القلب يركض بي، يسبقني في ذلك الحي الراقي بحثاً عن تلك البناية. حتى أنني لم أعد أذكر من اهتدى إلى بيتك أولاً: عيناي.. أم قلبي.
عندما دخلتها شعرت أن عطرك كان يتربص بي عند المدخل..وفي المصعد.. وأنك كنت هنا تقودين وجهتي بعطرك فقط.
استقبلني سي الشريف عند الباب. رحبّ بي بعناق حار، زادت حرارته رؤية تلك اللوحة الكبيرة التي كنت أحملها بصعوبة.
بدا لي في تلك اللحظة أنه لم يصدق تماماً أن تكون هدية له. تردد قبل أن يأخذها مني، لكنني استوقفته لأقول له: "هذه لوحة مني.. إنها هدية لك.."
رأيت فجأة على وجهه فرحاً وغبطة نادرة. وراح ينزع عنها الغلاف على عجل، بفضول من ربح شيئاً في اليانصيب.
ثم صاح وهو يرى منظر تلك القنطرة معلّقة وسط الضباب إلى السماء:
- هذي قنطرة الجبال!
وقبل أن أقول شيئاً عانقني وقال وهو يربت على كتفي:
- يعطيك الصحة.. تعيش آ حبيبي.. تعيش!
لم أتمالك نفسي من تقبيله بالحرارة نفسها، لأنه أهداني شيئاً ربما لم ينتبه لثمنه عندي.
رافقني سي الشريف إلى الصالون وهو يمسك ذراعي بيد، ويمسك لوحتي باليد الأخرى. واتجه بي نحو ذلك المجلس ليقدّمني إلى ضيوفه، كأنه يريد أن يشهد الجميع على امتنانه لي. أو ربما على علاقتنا وصداقتنا ا****دة، التي كان شائعاً عني أنني لا أجود بها في هذا الزمن المبتذل.. إلا على القلّة.
لفظ أمامي عدة أسماء لعدة وجوه، صافحت أصحابها وأنا أتساءل من يكون معظمهم.
لم أكن أعرف منهم غير واحد أو اثنين، وأما البقية فكانوا ما أسمّيه النبتات الطفيلية.. أو "النبتات السيئة". كما يسمي الفرنسيون تلك النبتة التي تنمو من اللاشيء، في أي حوض أو أية تربة، وإذا بها تمد جذورها فجأة وتضاعف أوراقها وفروعها، حتى تطغى وحدها ذات يوم على كل التربة.

فداء
12-08-2007, 02:56 AM
لا أدري لماذا كنت دائماً أملك الحاسة القوية التي تجعلني أتعرّف على هذا النوع من المخلوقات أينما كانوا. فهم على اختلاف أشكالهم وهيآتهم ومناصبهم يمتلكون مظهراً مشتركاً يفضحهم، بذلك الزيف والرياء المفرط وبمظاهر الغنى والوجاهة الحديثة التي لبسوها على عجل.. وبذلك القاموس المشترك في الحديث الذي يوهمك أنهم أهم مما تتوقع.
نظرة خاطفة واحدة، وبعض الجمل المتبادلة فقط، كانت كافية لأستنتج نوعية ذلك المجلس "الراقي" الذي يضم نخبة من وجهاء المهجر، الذين يحترفون الشعارات العلنية.. والصفقات السرية.
من الواضح أنني كنت في كوكب ليس كوكبي..
راح سي الشريف يطلع ضيوفه على تلك اللوحة بشيء من الفخر والمودة معاً..
والتفت إليّ ليقول لي:
_ أتدري خالد.. لقد حققت لي اليوم أمنية عزيزة عليّ. كنت للذكرى أريد أن يكون في بيتي شيء لك. لا تنس أنك صديق طفولتي وابن حيّي "كوشة الزيات".. أتذكر ذلك الحيّ؟
كنت أحب سي الشريف. كان فيه شي من هيبة قسنطينة وحضورها، شيء من الجزائر العريقة وذاكرتها، شيء من سي الطاهر، من صوته وطلّته..
وكان في أعماقه شيء نقيّ لم يلوّث بعد برغم كل شيء. ولكن حتى متى..
كنت أشعر أنه محاط بالذباب وبقذارة المرحلة. وكنت أخاف أن يتسلل إليه العفن حتى العمق ذات يوم.
أخاف عليه، وقد أخاف على ذلك الاسم الكبير الذي يحمله إرثاً من سي الطاهر من التدنيس.
ترى أكان شعوري ذلك حدساً، أم استنتاجاً منطقياً لذلك الواقع الموجع الذي كنت أراه محاطاً به؟
فهل سينجو سي الشريف من هذه العدوى؟ وماذا عساه أن يختار؟ في أية بحيرة سيسبح.. مع أي تيار وضد أي تيار.. ولا حياة للأسماك الصغيرة المعزولة في هذه المياه العكرة التي تحكمها أسماك القرش؟
كان الجواب أمامي ولم أنتبه في تلك السهرة، أنّ سي الشريف قد اختار بحيرته العكرة وانتهى الأمر.
قال جاري الأنيق خلف سيجاره الكوبي:
- لقد كنت دائماً معجباً برسومك.. وطلبت أن يتصلوا بك لتساهم في بعض مشاريعنا.. ولكنني لا أذكر أنني شاهدت لك أي لوحات عندنا.
لم أكن أدري آنذاك من هو محدثي.. ولا عن أية مشاريع كان يحدثني. ولكن كان يكفي أن يتحدث عن نفسه بصيغة الجمع، لأفهم أنه شخصية فوق العادة.
وكأن سي الشريف تنبّه إلى أنني أجهل هوية محدّثي فتدخل موضحاً:
- إن (سي..) مولع بالفن، وهو مشرف على مشاريع كبرى ستغيّر الوجه الثقافي للجزائر.
ثم أضاف وكأنه تنبّه إلى شيء:
- .. ولكنك لم تزر الجزائر منذ عدة سنوات. صحيح أنك لم ترَ بعد تلك المركّبات الثقافية والتجارية الجديدة.. لا بد أن تتعرف عليها..
ولم أجبه..
كنت أراه يتدحرج أمامي من سلّم القيم، غباءً أو تواطؤاً لا أدري. فاحتفظت لنفسي بما سمعته عن تلك.. "المنشآت" وكل ما جاورها من معالم وطنية بُنيت حجراًً حجراً على العمولات والصفقات، وتناوب عليها السرّاق كباراً وصغاراً.. على مرأى من الشهداء الذين شاء لهم حظهم أن يكون مقامهم مقابلاً.. لتلك الخيانة.
ها هو إذن (سي...) يبدو طيباً و رجلاً شبه بسيط، لولا بدلته الأنيقة جداً.. وحديثه الذي لا يتوقف عن مشاريعه القريبة والبعيدة، التي تمر جميعها بباريس وبأسماء أجنبية مشبوهة، تبدو مخجلة في فم ضابط سابق.
ها هو إذن.. تراه ظاهرة ثقافية في عالم العسكر.. أم ظاهرة عسكرية في عالم الثقافة..
أم أن "الزواج المنافي للطبيعة" أصبح رمزاً طبيعياً مذ شاع وباؤه "رسمياً" في أكثر من قيادة أركان عربية!
كان الجميع يتملقونه، ويجاملونه، عساهم يلحسون شيئاً من ذلك العسل الذي كان يتدفق بين يديه نهراً من العملة الصعبة، في زمن القحط والجفاف..
وكنت أتساءل طوال تلك السهرة، ماذا كنت أفعل وسط ذلك المجلس العجيب؟
كنت أتوقع أن تكون تلك الدعوة، أو على الأقل موعداً نادراً لي مع الوطن، أستعيد فيه مع سي الشريف ذكرياتنا البعيدة.
ولكن الوطن كان غائباً من تلك السهرة. ناب عنه جرحه، ووجهه الجديد المشوه.
كانت سهرة في فرنسا.. نتحدث فيها بالفرنسية.. عن مشاريع سيتم معظمها عن طريق جهات أجنبية.. بتمويل من الجزائر.. فهل حصلنا على استقلالنا حقاً؟!
انتهت تلك السهرة في حدود منتصف الليل. فقط كان (سي...) متعباً وله ارتباطات ومواعيد صباحية.. وربما ليلية أيضاً.
إن المال السريع الكسب، يعجّل في فتح شهيتنا لأكثر من ملذّات.
وكان يمكن أن أكون سعيداً ذلك المساء. لقد كنت في الواقع محطّ اهتمام الجميع لأسباب لم أشأ التعمق فيها..
بل ربما كنت النجم الثاني في تلك السهرة مع (سي...) الذي فهمت أن الدعوة كانت على شرفه، وأنني دعيت لها، لأنه كان يحب أن يكون محاطاً في سهراته بالفنانين دليلاً على ولعه بالإبداع.. وذوقه غير العسكري!
والواقع أنه كان لطيفاً ومجاملاً.. وأنه حدثني يومها عن آرائه الفنية في مجالات مختلفة، وحبه لبعض الرسامين الجزائريين بالذات. بل وقال مازحاً، إنه يحسد سي الشريف على تلك اللوحة، وأنني إذا كنت آخذ معي لوحة حيث أذهب، فسيدعوني إلى بيته عند زيارتي للجزائر..
ضحكت من مزاحه.
ولكنني كنت حزيناً بما فيه الكفاية بعد ذلك لأكون على حافة البكاء، وأنا أنفرد بنفسي ذلك المساء في سريري، وأتساءل أي حماقة أوصلتني إلى ذلك البيت؟
بيت كنت أتوقعه بيتك، وإذا بي أدخله وأغادره دون أن ألمح حتى طرف ثوبك، وهو يعبر ذلك الممر الذي كان يفصلني.. عن عالمك.
في صباح اليوم التالي، دقّ اله.... توقعتك أنت، وكانت كاترين.. قالت:
- قبلات صباحية.. وأجمل الأماني لك..
وقبل أن أسأل عن المناسبة أضافت:
- .. اليوم عيد (السان فالنتان) القديس الذي يبارك العشاق.
فكّرت أن أطلبك بدل أن أبعث إليك بطاقة.. ماذا تريد أن أتمنى لك في عيد الحب؟
وأمام دهشتي.. أو تردّدي أضافت بلهجة ساخرة أحبها:
- اطلب أيها الأحمق.. فالدعوات تستجاب اليوم!
ضحكت..
كدت أقول لها أطلب شيئاً من النسيان فقط. ولكنني قلت شيئاً مشابهاً لذلك:
- أريد أن أحال إلى التقاعد العاطفي.. أيمكنك أن تبلّغي قديسك طلبي هذا!
قالت:
- با لك من مجنون.. أتمنى ألا يسمعك فيحرمك من بركاته إلى الأبد.. هل أتعبك موعدنا الأخير إلى هذا الحد؟
يومها ضحكت مع كاترين. ثم وضعت تلك السماعة لأبكي معك.
كنت أكتشف لأول مرة ألم ذلك العيد الذي لم أكن سمعت به من قبل.
لم يأت ه...ك حتى ليشكرني على تلك اللوحة، أو حتى على تلك الزيارة، وذلك الموعد المتعمد الذي حضرته وتغيّبت عنه.
جاء عيد الحب إذن..
فيا عيدي وفجيعتي، وحبي وكراهيتي، ونسياني وذاكرتي، كلّ عيد وأنت كلّ هذا..
للحب عيد إذن.. يحتفل به المحبّون والعشّاق، ويتبادلون فيه البطاقات والأشواق، فأين عيد النسيان سيّدتي؟
هم الذين أعدّوا لنا مسبقاً تقويماً بأعياد السنة، في بلد يحتفل كلّ يوم بقديس جديد على مدار السنة.. أليس بين قدّيسيهم الثلاثمائة والخمسة والستين.. قديس واحد يصلح للنسيان؟
مادام الفراق هو الوجه الآخر للحب، والخيبة هي الوجه الآخر للعشق، لماذا لا يكون هناك عيد للنسيان يضرب فيه سُعاة البريد عن العمل، وتتوقف فيه الخطوط اله...ية، وتُمنع فيه الإذاعات من بثّ الأغاني العاطفية.. ونكفّ فيه عن كتابة شعر الحب!
منذ قرنين كتب "فيكتور هوغو" لحبيبته جوليات دروي يقول: "كم هو الحب عقيم، إنه لا يكف عن تكرار كلمة واحدة "أحبك" وكم هو خصب لا ينضب: هنالك ألف طريقة يمكنه أن يقول بها الكلمة نفسها"..
دعيني أدهشك في عيد الحب.. وأجرّب معك ألف طريقة لقول الكلمة الواحدة نفسها في الحب..
دعيني أسلك إليك الطرق المتشعّبة الألف، وأعشقك بالعواطف المتناقضة الألف، وأنساك وأذكرك، بتطرّف النسيان والذاكرة.
وأخضع لك وأتبرأ منك، بتطرّف الحرية والعبودية.. بتناقض العشق والكراهية.
دعيني في عيد الحب.. أكرهك.. بشيء من الحبّ.
تراني بدأت أكرهك يومها؟
ومتى ولدت داخلي تلك العاطفة بالتحديد، وراحت تنمو بسرعة مدهشة، وأصبحت تجاور الحب بعنفه؟
ترى إثر خيباتي المتكررة معك، بعد كل تلك الأعياد التي أخلفتها مروراً بذكرى لقائنا، أم بسبب ذلك التوتر الغامض الذي كان يسكنني، ذلك الجوع الدائم إليك، الذي كان يجعلني لا أشتهي امرأة سواك.
كنت أريدك أنت لا غير، وعبثاً كنت أتحايل على جسدي. عبثاً كنت أقدّم له امرأة أخرى غيرك. كنتِ شهوته الفريدة.. ومطلبه الوحيد.
الأكثر إيلاماً ربما، عندما كنت في لحظة حبّ أمرر يدي على شعر كاترين. وإذا بيدي تصطدم بشعيراتها القصيرة الشقراء، فأفقد فجأة شهيّة حبّي وأنا أتذكر شعرك الغجري الطويل الحالك، الذي كان يمكن أن يفرش بمفرده سريري.
كان نحولها يذكّرني بامتلائك، وخطوط جسدها المستقيمة المسطّحة تذكرني بتعاريجك وتضاريس جسدك.
وكان عطرك يأتي بغيابه حتى حواسي ليلغي عطرها، ويذكّرني كطفلٍ يتصرف بحواسه الأولى، أن ذلك العطر لم يكن العطر السري لأمي!
كنت تتسللين إلى جسدي كلّ صباح وتطردينها من سريري.
يوقظني ألمك السري، وشهوتك المتراكمة في الجسد قنبلة موقوتة، ورغبة ليلية مؤجّلة يوماً بعد آخر.
هل تستيقظ الرجولة باكراً حقاً، أم الشوق هو الذي لا ينام؟
أجيبيني أيتها الأنثى التي تنام ملء جفونها كل ليلة..
أَوَحدهم الرجال لا ينامون؟
ولماذا يرتبك الجسد، وأكاد أجهش على صدر غيرك بالبكاء، أكاد أعترف لها أنني عاشق امرأة أخرى، وأنني عاجز أمامها لأن رجولتي لم تعد ملكي، وإنما تتلقى أوامرها منك فقط!
متى بدأت أكرهك!
ترى في ذلك اليوم الذي لبست فيه كاترين ثيابها، مدّعية بمجاملة كاذبة موعداً ما لتتركني وحدي في ذلك السرير الذي لم يعد يشبع نهمها.
يوم اكتشفت وأنا أذرف دمعة رجالية مكابرة: أنه يحدث للرجولة أيضاً أن تنكّس أعلامها، وترفض حتى لعبة المجاملة.. أو منطق الكبرياء الرجالي.. وأننا في النهاية لسنا أسياد أجسادنا كما نعتقد.
يومها تساءلت بشيء من السخرية المرة، إن كان ذلك القديس (السان فالنتان) قد استجاب لدعوتي بهذه السرعة.. وحوّلني حقاً إلى عاشق متقاعد!
أذكر أنني لعنتك.. وحقدت عليك آنذاك، وشعرت بشيء من المرارة المجاورة للبكاء.. أنا الذي لم أبك حتى يوم بترت ذراعي، كان يمكن أن أبكي يومها وأنت تسرقين منّي آخر ما أملك.
تسرقين رجولتي!
ذات يوم سألتك "هل تحبينني؟..".
قلتِ:
- لا أدري.. حبك يزيد وينقص كالإيمان!
يمكن أن أقول اليوم، إن حقدي عليك كان يزيد وينقص أيضاً كإيمانك..
يومها أضفت بسذاجة عاشق:
- وهل أنتِ مؤمنة؟
صحتِ:
- طبعاً.. أنا أمارس كل شعائر الإسلام.. وفرائضه
- وهل تصومين؟
- طبعاً أصوم.. إنها طريقتي في تحدّي هذه المدينة.. في التواصل مع الوطن.. ومع الذاكرة.
تعجّبت لكلامك. لا أدري لماذا لم أكن أتوقّعك هكذا. كان في مظهرك شيء ما يوهم بتحررك من كل الرواسب.
عندما أبديت لك دهشتي قلتِ:
- كيف تسمّي الدين رواسب، إنه قناعة؛ وهو ككل قناعاتنا قضية لا تخصّ سوانا..
لا تصدق المظاهر أبداً في هذه القضايا. الإيمان كالحب عاطفة سرية نعيشها وحدنا في خلوتنا الدائمة إلى أنفسنا. إنها طمأنينتنا السرية، درعنا السرية.. وهروبنا السري إلى العمق لتجديد بطرياتنا عند الحاجة.
أما الذين يبدو عليهم فائض من الإيمان، فهم غالباً ما يكونون قد أفرغوا أنفسهم من الداخل ليعرضوا كل إيمانهم في الواجهة، لأسباب لا علاقة لها بالله!
ما كان أجمل كلامك يومها!
كان يأتي ليقلب ثنايا الذاكرة، ويوقظ داخلي صوت المآذن في صباحات قسنطينة.
كان يأتي مع الصلوات، مع التراتيل، مع صوت (المؤدّب) في كتاتيب قسنطينة القديمة. فأعود إلى الحصير نفسه أجلس عليه بالارتباك الطفولي نفسه، أردّد مع أولاد آخرين تلك الآيات التي لم نكن نفهمها بعد، ولكننا كنّا ننسخها على ذلك اللوح ونحفظها كيف ما كان، خوفاً من "الفالاقة". وتلك العصا الطويلة التي كانت تتربص بأقدامنا لتدميها عند أول غلطة.
كان يأتي ليصالحني مع الله، أنا الذي لم أصم من سنين.
كان يصالحني مع الوطن، ويحرّضني ضد هذه المدينة التي تسرق منّي كلّ يوم مساحة صغيرة من الإيمان.. ومن الذاكرة.
كنتِ يومها المرأة التي أيقظت ملائكتي وشياطيني في الوقت نفسه.
ثم راحت تت... عليّ بعدما حوّلتني إلى ساحة يتصارع الخير والشر فيها.. دون رحمة!
**
في ذلك العام.. كان النصر للملائكة.
قررت أن أصوم وقتها ربما بتأثير كلامك، وربما أيضا للهروب منك إلى الله. أما قلت "العبادة درعنا السرية".
قلت سأحتمي من سهامك بالإيمان إذن..
رحت أحاول أن أنساك وأنسى قطيعتك.. وأنسى حتى وجودك معي في المدينة نفسها.
كم من الأيام قضيتها في تلك الغيبوبة الدينية. بين الرهبة والذهول.. أحاول بترويض جسدي على الجوع أن أروّضه على الحرمان منك أيضاً.
كنت أريد أن أستعيد سلطتي على حواسي التي تسللت إليها، وأصبحت تتلقي أوامرها منك وحدك.
كنت أريد أن أعيد لذلك الرجل الذي كان يوماً أنا، مكانته الأولى قبلك. هيبته.. حرمته.. مبادئه.. وقيمه التي أعلنت عليها الحرب.
أعترف أنني نجحت في ذلك بعض الشيء ولكنني لم أنجح في نسيانك أبداً.
كنت أقع في فخّ آخر لحبك. وأنا أكتشف أنني كنت أثناء ذلك أعيش بتوقيتك لا غير.
كنت أجلس إلى طاولة الإفطار معك. وأصوم وأفطر معك.
أتسحّر وأمسك عن الأكل معك، أتناول نفس أطباقك الرمضانية، وأتسحّر بك.. لا غير.
لم أكن أفعل شيئاً سوى التوحّد معك في كلّ شي دون علمي.
كنت في النهاية كالوطن. كان كلّ شيء يؤدي إليك إذن..
مثله كان حبّك متواصلاً حتى بصدّه وبصمته.
مثله كان حبك حاضراً بإيمانه وبفكره.
فهل العبادة تواصل أيضاً؟
انتهى رمضان. وها أنا أنزل من طوابق سموّي العابر، وأتدحرج فجأة نحو حزيران. ذلك الشهر الذي كنت أملك أكثر من مبرر للتشاؤم منه.
فقد كان في ذاكرتي ما عدا حزيران 67، ذكريات موجعة أخرى ارتبطت بهذا الشهر، آخرها حزيران 71 الذي قضيت بعضه في سجن للتحقيق والتأديب، يستضاف فيه بعض الذين لم يبتلعوا ألسنتهم بعد..
أما أول ذكرى مؤلمة ارتبطت بهذا الشهر فكانت تعود إلى سجن (الكدية) الذي دخلته يوماً في قسنطينة مع مئات المساجين إثر مظاهرات ماي 1945 حيث تمّت محاكمتنا في بداية حزيران أمام محكمة عسكرية.
أيّ حزيران كان الأكثر ظلماً، وأية تجربة كانت الأكثر ألماً؟
أصبحت أتحاشى طرح هذه الأسئلة، منذ اليوم الذي أوصلتني أجوبتي إلى جمع حقائبي ومغادرة الوطن.
الوطن الذي أصبح سجناً لا عنوان معروفاً لزنزانته؛ لا اسم رسمياً لسجنه؛ ولا تهمة واضحة لمساجينه، والذي أصبحت أُقاد إليه فجراً، معصوب العينين محاطاً بمجهولين، يقودانني إلى وجهة مجهولة أيضاً. شرف ليس في متناول حتى كبار المجرمين عندنا.
هل توقعت يوم كنت شاباً بحماسه وعنفوانه وتطرف أحلامه أنه سيأتي بعد ربع قرن، يوم عجيب كهذا، يجرّدني فيه جزائري مثلي من ثيابي.. وحتى من ساعتي وأشيائي، ليزجّ بي في زنزانة (فردية هذه المرة) زنزانة أدخلها باسم الثورة هذه المرّة..
الثورة التي سبق أن جرّدتني من ذراعي!
أكثر من سبب وأكثر من ذكرى كانت تجعلني أتطيّر من ذلك الشهر الذي قضم الكثير من سعادتي على مرّ السنوات.
تراني في ذلك العام تحرّشت بالقدر أكثر، ليردّ على تشاؤمي بكل تلك الفجائع المذهلة التي حلّت بي في شهر واحد؟
أم فقط، كان ذلك هو قانون الفجائع والكوارث التي لا تأتي سوى دفعة واحدة "كي تجِي تيجبها شعرة.. وكي تروح تقطّع السلاسل".
كانت تلك عبثيّة الحياة، التي يكفي لمصادفة رفيعة كشعرة أن تأتيك بالسعادة والحب والحظّ الذي لم تكن تتوقّعه.
ولكن.. عندما تنقطع تلك الشعرة الرفيعة، فهي تكسر معها كلّ السلاسل التي كنت مشدوداً إليها، معتقداً أنها أقوى من أن تكسرها شعرة!
قبلها لم أنتبه إلى أن لقاءك ذات يوم، بعد ربع قرن من النسيان، كان تلك المصادفة الرفيعة كشعرة التي عندما جاءت جرت معها سعادة العالم بأكمله، وعندما رحلت قطعت كل سلاسل الأحلام، وسحبت من تحتي سجاد الأمان.
تلك الشعرة التي ها هي ذي وبعد ستّ سنوات، تعود اليوم لتكسر آخر أعمدة بيتي، وتهدّ السقف عليّ، بعدما اعتقدت أنني في حزيران 82 دفعت ما يكفي من الضريبة لينساني القدر بعض الوقت، بعدما لم يبق شيء واحد قائم في حياتي، يمكن أن أخاف عليه من السقوط..
كنت أجهل حين ذاك المادة الأولى في قانون الحياة:
"إن مصير الإنسان إنما هو خلاصة تسلسلات حمقاء.. لا غير".
***
كان لبداية صيف 82 طعم المرارة الغامضة، ومذاق اليأس القاتل، عندما يجمع بين الخيبات الذاتية القومية مرّة واحدة.
وكنت أعيش بين خبريْن: خبر صمتك المتواصل، وخبر الفجائع العربية.
كان قدري يتربّص بي هذه المرة من طريق آخر. فقد جاء اجتياح إسرائيل المفاجئ لبيروت في ذلك الصيف، وإقامتها في عاصمة عربية لعدة أسابيع.. على مرأى من أكثر من حاكم.. وأكثر من مليون عربي.. جاء ينزل بي عدّة طوابق في سلّم اليأس.
أذكر أن خبراً صغيراً انفرد بي وقتها وغطّى على بقية الأخبار. فقد مات الشاعر اللبناني خليل حاوي منتحراً بطلقات ناريّة، احتجاجاً على اجتياح إسرائيل للجنوب الذي كان جنوبه وحده، والذي رفض أن يتقاسم هواءه مع إسرائيل..
كان لموت ذلك الرجل الذي لم أكن قد سمعت به من قبل، ألم مميّز فريد المرارة.
فعندما لا يجد شاعر شيئاً يحتجّ به سوى موته.. ولا يجد ورقاً يكتب عليه سوى جسده.. عندها يكون قد أطلق النار أيضاً علينا.
ذهب قلبي طوال تلك الأيام عند زياد..
كان قديماً يقول: "الشعراء فراشات تموت في الصيف". كان وقتها مولعاً بالروائي الياباني "ميشيما" الذي مات منتحراً أيضاً بطريقة أخرى احتجاجاً على خيبة أخرى..
تراه قالها يومها من وحي أحد عناوين ميشيما: "الموت في الصيف"، أم أنها فكرة مسبقة مادام يدافع عنها بسرد قائمة بأسماء الشعراء الذين اختاروا هذا الموسم ليرحلوا؟
كنت أستمع إليه آنذاك، وأحاول أن أقابل نظرته التشاؤمية للصيف بشيء من السخرية، خشية أن ينقل عدواه إليّ. فأقول له مازحاً: "يمكنني أن أسرد عليك أيضاً عشرات الأسماء لشعراء لم يموتوا في الصيف!".
فيضحك ويردّ: "طبعاً.. هناك أيضاً من يموتون بين صيفينْ! " فلا أملك إلا أن أجيبه: "يا لعناد الشعراء.. وحماقتهم!".
عاد زياد إلى الذاكرة. ورحت أتساءل فجأة أين يمكن أن يكون في هذه الأيام؟
في أية مدينة.. في أية جبهة.. في أي شارع، وكل الشوارع مطوقة، وكل المدن مقابر جاهزة للموت؟
منذ رحل لم تصلني منه سوى رسالة واحدة قصيرة، يشكرني فيها على ضيافتي. كان ذلك منذ رحيله.. منذ ثمانية أشهر. فماذا تراه أصبح منذ ذلك الحين؟
لم أكن قلقاً عليه حتى الآن. فقد عاش دائماً وسط المعارك والكمائن، والقصف العشوائي. كان رجلاً يخافه الموت أو يحترمه، فلم يشأ أن يأخذه بالجملة.
وبرغم ذلك كانت عاطفة غامضة ما توقظ مخاوفي. ورحت أتشاءم وأنا أتذكّر كلامه عن الصيف.. وموت ذلك الشاعر منتحراً.
ماذا لو كان الشعراء يقلّدون بعضهم في الموت أيضاً؟ ماذا لو لم يكونوا فراشات فقط؟ لو كانوا مثل حيتان البالين الضخمة يحبّون الموت جماعياً في المواسم نفسها.. على الشطآن ذاتها؟
لقد انتحر (همنغواي) أيضاً صيف 1961 تاركاً خلفه مسودّة روايته الأخيرة "الصيف الخطر".
فأية علاقة بين الصيف وبين كلّ هؤلاء الروائيين والشعراء الذين لم يتلاقوا؟
كان لا بد ألا أتعمّق كثيراً في تلك الفكرة، وكأنني أستدرج بها القدر أو أتحداه، فيعطيني في ذلك الصيف تلك الصفعة التي لم أنهض منها بعد، برغم مرور السنوات

فداء
12-08-2007, 02:57 AM
مات زياد..
وها هو خبر نعيه يقفز مصادفة من مربع صغير في جريدة إلى العين.. ثم إلى القلب.. فيتوقّف الزمن. يتكوّر النبأ غصّة في حلقي، فلا أصرخ.. ولا أبكي.
أصاب بشلل الذهول فقط، وصاعقة الفجيعة.
كيف حدث هذا؟. وكيف لم أتوقع موته ونظراته الأخيرة لي كانت تحمل أكثر من وداع؟
مازالت حقيبته هنا، في خزانة غرفتي تفاجئني عدة مرات في اليوم وأنا أبحث عن أشيائي.
لقد عاد هناك دون أمتعة. أكان يعرف أنه لن يحتاج إلى كثير من الزاد لرحلته الأخيرة، أم كان يفكر في العودة ليستقرّ هنا ويعيش إلى جوارك كما كنت أتوهم تحت تأثير غيرتي؟
لم أسأله يومها عن قراره الأخير. لقد سكن الصمت بيننا في الأيام الأخيرة. وأصبحت أتحاشى الجلوس إليه. وكأنني أخاف أن يعترف لي بأمر أخشاه أو بقرار أتوقعه.
لم يقل شيئاً وهو يسافر محمّلاً بحقيبة يد صغيرة. قال لي معتذراً فقط: "ألا يزعجك أن أترك هذه الأيام الحقيبة عندك.. أنت تدري أن مضايقات المطارات كثيرة هذه الأيام، ولا أريد أن أنقل أشيائي مرة أخرى من مطار إلى آخر.."
ثم أضاف بما يشبه السخرية: "خاصة أن لا شيء ينتظرني في المطار الأخير!".
لم يخطئ حدسه إذن.. لم يكن في انتظاره سوى رصاصة الموت.
مازلت أذكر قوله مرة: "لنا في كل وطن مقبرة.. على يد الجميع متنا.. باسم كل الثورات وباسم كلّ الكتب.."
ولم تقتله قناعاته هذه المرة.. قتلته هويته فقط!
نخب ضحكته سكرت ذلك المساء.
نخب حزنه المكابر أيضاً.. ذلك الذي لا يعادله حزن.
نخب رحيله الجميل.. نخب رحيله الأخير.
بكيته ذلك المساء..
ذلك البكاء الموجع المكابر الذي نسرقه سراً من رجولتنا.
وتساءلت أي رجل فيه كنت أبكي الأكثر.
ولِمَ البكاء؟
لقد مات شاعراً كما أراد.. ذات صيف كما أراد. مقاتلاً في معركة ما كما أراد أيضاً.
لقد هزمني حتى بموته.
تذكّرت وقتها تلك المقولة الرائعة للشاعر والرسام "جان كوكتو" الذي كتب يوماً سيناريو فيلم يتصور فيه موته مسبقاً، فتوجه إلى بيكاسو وإلى أصدقائه القلائل الذين وقفوا يبكونه، ليقول لهم بتلك السخرية الموجعة التي كان يتقنها:
"لا تبكوا هكذا.. تظاهروا فقط بالبكاء.. فالشعراء لا يموتون. إنهم يتظاهرون بالموت فقط!".
وماذا لو كان زياد يتظاهر بالموت فقط؟ لو فعل ذلك عن عناد.. ليقنعني أن الشعراء يموتون حقاً في الصيف ويبعثون في كل الفصول؟
وأنتِ..
تراك تدرين؟ هل أتاك خبر موته؟ أم سيأتيك ذات يوم وسط قصة أخرى وأبطال آخرين؟
وماذا ستفعلين يومها؟ أستبكينه.. أم تجلسين لتبني له ضريحاً من الكلمات، وتدفنيه بين دفّتي كتاب، كما تعودت أن تدفني على عجل كلّ من أحببت وقررت قتلهم يوماً؟
هو الذي كان يكره الرثاء، كراهيته لربطات العنق والبدلات الفاخرة، بأية لغة سترثينه؟
في الواقع.. لقد هزمك زياد كما هزمني.
وضعك أمام الحد الفاصل بين لعبة الموت.. والموت. فليس كل الأبطال قابلين للموت على الورق.
هنالك من يختارون موتهم وحدهم.. ولا يمكننا قتلهم لمجرد رواية.
وكان يكذب.. كبطل جاهز لرواية.
كان يكابر ويدّعي أن فلسطين وحدها أمّه. ويعترف أحياناً فقط بعد أكثر من كأس، أن لا قبر لأمه، تلك التي دفنت في مقابر جماعية لمذبحة أولى كان اسمها (تلّ الزعتر).
وإنهم أخذوا صوراً تذكارية، ورفعوا علامات النصر ووقفوا بأحذيتهم على جثث.. قد تكون بينها جثّتها.
ولحظتها فقط كان يبدو لي أنه يبكي.
فَلِمَ البكاء زياد؟
في كل معركة كانت لك جثّة. في كلّ مذبحة تركت قبراً مجهولاً. وها أنت ذا تواصل بموتك منطق الأشياء. فلا شي كان في انتظارك غير قطار الموت.
هنالك من أخذ قطار تلّ الزعتر، وهنالك من أخذ قطار (بيروت 82) أو قطار صبرا وشاتيلا..
وهناك من هنا أو هناك، مازال ينتظر رحلته الأخيرة، في مخيّم أو في بقايا بيت، أو في بلد عربي ما..
وبين كلّ قطار وقطار.. قطار.
بين كلّ موت وموت.. موت.
فما أسعد الذين أخذوا القطار صديقي. ما أسعدهم وما أتعسنا أمام كلّ نشرة أخبار!
بعدهم كثرت "وكالات السفريات" و "الرحلات الجماعية". أصبحت ظاهرة عربية يحترفها كلّ نظام على طريقته..
بعدهم أصبح الوطن مجرد محطة. وأصبحت في أعماق كلّ منّا سكّة حديدية تنتظر قطاراً ما.. يحزننا أن نأخذه.. ويحزننا أن يسافر دوننا.
رحل زياد إذن..
وإذا بحقيبته السوداء المنسيّة في ركن خزانته، منذ عدة شهور، تغطّي فجأة على كل أثاث البيت، وتصبح أثاثي الوحيد، حتى أنني لا أرى غيرها.
عندما أعود إلى البيت. أشعر أنها تنتظرني وأنني على موعد معه. عندما أترك بيتي، أشعر أنني أهرب منها وأنها كانت بلغزها جاثمة على صدري، دون أن أدري.
ولكن كيف الهروب منها وهي تتربص بي كل مساء، عندما أطفئ جهاز التلفزيون، وأجلس وحيداً لأدخن سيجارة قبل النوم فيبدأ العذاب..
وأعود إلى السؤال نفسه: ماذا داخل هذه الحقيبة.. وماذا أفعل بها؟
أحاول أن أتذكّر ماذا يفعل الناس عادة بأشياء الموتى. بثيابهم مثلاً وحاجاتهم الخاصة. فتعود (أمّأ) إلى الذاكرة ومعها تلك الأيام المؤلمة التي سبقت وتلت وفاتها.
أتذكّر ثيابها وأشياءها، أتذكر (كندورتها) العنابي التي لم تكن أجمل أثوابها، ولكنها كانت أحب أثوابها إليّ. فقد تعودت أن أراها تلبسها في كل المناسبات.
كانت الثوب الذي يحمل الأكثر عطرها ورائحتها المميزة، رائحة فيها شيء من العنبر، شيء من عرقها، وشيء شبيه بالياسمين المعتّق. مزيج من عطور طبيعية بدائية، كنت أستنشق معها الأمومة.
سألت عن تلك (الكندورة) بعد أيام من وفاة (أمّا) فقيل لي بشيء من الاستغراب إنها أعطيت مع أشياء أخرى للنساء الفقيرات، اللاتي حضرن لإعداد الطعام في ذلك اليوم.
صرخت: "إنها لي.. كنت أريدها.." ولكن خالتي الكبرى قالت: "إن أشياء الميت يجب أن تخرج من البيت قبل خروجه منه.. ما عدا بعض الأشياء الثمينة التي يحتفظ بها للذكرى أو للبركة".
ومقياس (أمّا).. ذلك السوار الذي لم يفارق معصمها يوماً وكأنها ولدت به، ماذا تراهم فعلوا به؟
لم أجرؤ على السؤال.
كان أخي حسّان الذي لم يكن يتجاوز السنوات العشر، لا يعي شيئاً مما يحدث حوله سوى وفاة (أمّا) وغيابها النهائي.
وكنت محاطاً بحشد من النساء اللاتي كن يقرّرن كل شيء. كأن ذلك البيت أصبح فجأة لهن:
أين (مقياس) أمّا؟ من الأرجح أن يكون قد أصبح من نصيب إحدى الخالات، أو ربما استحوذ عليه أبي مع بقية صيغتها ليقدّمها هدية لعروسه الجديدة.
كلما عدت إلى هذه الذكرى وتفاصيلها، ازدادت علاقتي بهذه الحقيبة تعقيداً.
فقد كان لبعض الأشياء على بساطتها، قيمة لا علاقة لها بمقاييس الآخرين للتركة والمخلفات. فماذا أفعل بحقيبة تركها صاحبها منذ ثمانية أشهر دون أية وصية أو توضيح خاص.. ومات؟
هل أتصدق بها على الفقراء، مادامت أشياء الموتى يجب أن تلحق بهم، أم أحتفظ بها كذكرى من صديق مادمنا لا نحتفظ إلا بالأشياء الثمينة؟
أهي عبء.. أم أمانة؟
وإذا كانت عبئا.. لماذا أخذتها منه دون مناقشة، لماذا لم أقنعه بحملها معه، بحجة أنني قد أترك باريس مثلاً؟
وإذا كانت أمانة.. ألم تتحول بموت صاحبها إلى وصية. فهل نتصدّق بوصايا الشهداء.. هل نضعها عند بابنا هدية لأول عابر سبيل؟
وكنت أدري خلال تلك الأيام التي عشتها مسكوناً بهاجس تلك الحقيبة أنني أرهق نفسي هباءً، وأن محتواها وحده يمكن أن يحدد قيمتها وصفتها، ويحدد بالتالي ما يمكن أن أفعله بها. ولذا بدأت أخافها فجأة، أنا الذي لم أكن أعيرها اهتماماً من قبل.
ترى أكان موت زياد هو الذي أضفى عليها ذلك الطابع المربك، أم أنني في الحقيقة، كنت أخاف أن تحمل لي سرّك، تحمل شيئا عنك كنت أخاف أن أعرفه؟
***
كان لا بد أن أفتح تلك الحقيبة.. لأغلق أبواب الشكّ.
أخذت ذلك القرار ذات ليلة سبت، بعد مرور أسبوع على قراءتي خبر استشهاد زياد.
كان هناك احتمال آخر فقط، لا يخلو من الحماقة، كأن آخذها إلى مقر المنظمة وأسلّمها لأحدهم هناك، ليتكفّل بإرسالها إلى أقرباء زياد في لبنان أو في مكان آخر..
ولكنني عدلت عن هذه الفكرة الساذجة وأنا أتذكّر أنه لم يعد لزياد من أهل في لبنان. فلمن سيسلّمها هؤلاء.. وعند أية قبيلة وأية فصيلة سينتهي مصيرها؟
من سيكون "أبوها".. وهنالك أكثر من "أبو" يعتقد أنه ينفرد وحده بأبوّة القضية الفلسطينية، وأنه الوريث الشرعي الوحيد للشهداء.. وأن الآخرين خونة؟
ومن أدراني على يد من مات زياد؟
على يد المجرمين "الإخوة".. أم على يد المجرمين الأعداء؟ أما كان يقول: "لقد حوّلوا "القضية" إلى قضايا.. حتى يمكنهم قتلنا تحت تسمية أخرى غير الجريمة.."
فبأية رصاصة مات زياد.. وخيرة الشباب الفلسطيني قتل برصاص فلسطيني.. أو عربي لا غير؟
في ذلك المساء.. ارتجفت يدي وأنا أفك أقفال تلك الحقيبة.
شيء ما جعلني أتذكّر أنني أملك يداّ واحدة.
لم تكن الحقيبة مغلقة بمفتاح ولا بأقفال جانبية. وكأنه تعمّد أن يتركها لي شبه مفتوحة كما يترك أحد الباب موارباً، في دعوة صامتة للدخول.
شعرت بشيء من الارتياح لهذه "الالتفاتة"، ولهذا الإذن السابق أو المتأخر عن أوانه، الذي منحه لي زياد لدخول عالمه الخاص دون إحراج..
تراه فعل ذلك لأنه كان يكره الأقفال المخلوعة، والأبواب المفتوحة عنوة كراهيته للمخبرين ولأقدام العسكر؟
أم لأنه كان يتوقّع يوماً كهذا؟
كل هذه الافتراضات لم تمنع قشعريرة من أن تسري في جسدي، وفكرة أخرى تعبرني..
لقد كان يعرف مسبقاً أنه ذاهب إلى الموت. وهذه الحقيبة كانت معدّة لي منذ البداية. وكان بإمكاني أن أفتحها منذ عدة شهور. فهي لم تعد موجودة بالنسبة إليه منذ أن غادر هذا البيت.
إنها طريقته في قطع جذور الذاكرة.. كالعادة.
رفعت النصف الفوقي للحقيبة، بعد أن وضعتها على طرف السرير.. وألقيت نظرة أولى على ما فيها.
وإذا بالموت والحياة يهجمان عليّ معاً، وأنا أرى ثيابه أمامي، ألمس كنزته الصوفية الرمادية، وجاكيته الجلدي الأسود الذي تعوّدت أن أراه به..
ها أنا أملك حجة حضوره، وحجة موته.. وحجة حياته. وها هي رائحة الحياة والموت تنبعثان معاً وبالقوة نفسها من ثنايا تلك الحقيبة.
ها أنا معه ودونه.. أمام بقاياه.
ثياب.. ثياب.. أغلفه خارجية لكتاب بشريّ.
واجهة قماشية لمسكن من زجاج.
انكسر المسكن وظلّت الواجهة، ذاكرة مثنية في حقيبة، فلماذا ترك لي الواجهة؟.
بين الثياب قميص حريري سماوي اللون، مازال في غلافه اللامع الشفاف.. لم يفتح بعد. أستنتج دون جهد أنه هدية منك.
ثم ثلاثة أشرطة موسيقية، أحدها لتيودوركيس، والأخرى مقطوعات كلاسيكية أضعها جانباً وأنا أتذكر أن زياد كلما سافر ترك لي أشرطة وكتباً.. وثياباً.. وحبّاً معلّقاً أيضاً.
ولكن هذه هي المرة الأولى التي يترك أشياءه مجموعة في حقيبة، مرتبة بعناية وكأنه أعدها لنفسه وجمع فيها مل ما يحب استعداداً لسفر ما. كأنه أراد أن يأخذها معه حيث سيذهب وحيث كان يريد أن يرتدي جاكيته الأسود المفضّل.. ويستمع إلى موسيقى تيودوركيس!
وفجأة تقع يدي على روايتك أسفل الحقيبة. فأصاب بهزّة أولى. ترتعش يدي، تتوقف لحظات قبل أن تمسك بالكتاب. أجلس على طرف السرير قبل أن أفتحه. وكأنني سأفتح طرداً ملغوماً.
أتصفح الكتاب بسرعة. وكأنني لا أعرفه.
ثم أتذكّر شيئاً.. وأركض إلى الصفحة الأولى بحثاً عن الإهداء، فتقابلني ورقة بيضاء.. دون كلمة واحدة. دون توقيع أو إهداء. فأشعر بنوبة حزن تشلّ يدي، وبرغبة غامضة للبكاء.
لمن منّا أهديت نسختك المزوّرة؟ وكلانا يملك نسخة دون توقيع؟
من منا أوهمته أنه يسكن الصفحات الداخلية للكتاب_ كما يسكن قلبك_ وأنه ليس في حاجة إلى إهداء؟
وهل صدّقك زياد.. هل صدّقك _هو أيضاً_ لدرجة أنه قرّر أن يأخذ معه هذه الرواية ليعيد قراءتها، حيث سيذهب.. هناك!
كانت تلك الصفحة البيضاء كافية لإدانتك. كانت تقول بالكلمات التي لم تكتب، أكثر مما كان يمكن أن تكتبي.. فهل كان مهماً بعد ذلك ألا أجد أية رسالة لك في تلك الحقيبة؟

فداء
12-08-2007, 02:58 AM
لقد كنتِ امرأة تتقن الكتابة على بياض.. ووحدي كنت أعرف ذلك.
ما عدا روايتك لم أجد سوى مفكرة سوداء متوسطة الحجم موضوعة أسفل الحقيبة_أيضاً_ كسرّ عميق.
ما كدت أرفعها حتى وقعت منها "البطاقة البرتقالية" التي كان يستعملها زياد للتنقلّ بالميترو. داخلها قصاصة بتاريخ (أكتوبر) الشهر الأخير الذي رحل فيه.
أنظر على تلك البطاقة على عجل، وأنا لا أفكر إلا في الإطلاع على تلك المفكرة. ولكن صورته تستوقفني..
مربكة صور الموتى..
ومربكة أكثر صور الشهداء. موجعة دائماً. فجأة يصبحون أكثر حزناً وأكثر غموضاً من صورتهم.
فجأة.. يصبحون أجمل بلغزهم، ونصبح أبشع منهم.
فجأة.. نخاف أن نطيل النظر إليهم.
فجأة.. نخاف من صورنا القادمة ونحن نتأمّلهم!
كَمْ كان وسيماً ذاك الرجل.
تلك الوسامة الغامضة المخفيّة التي لا تفسير لها. ها هو حتى في صورة سريعة تلتقط له في ثلاث دقائق، بخمسة فرنكات، يمكنه أن يكون مميزا.
يمكنه أن يكون حتى بعد موته مغرياً، بذلك الحزن الغامض الساخر. وكأنه يسخر من لحظة كهذه.
وأفهم مرة أخرى أن تكوني أحببته. لقد أحببته قبلك بطريقة أخرى. كما نحب شخصاً نعجب به ونريد أن نشبهه، لسبب أو لآخر. فنكثر من الجلوس إليه والخروج برفقته والظهور معه. وكأننا نعتقد في أعماقنا أن الجمال والجنون والموهبة والصفات التي تبهرنا فيه قد تكون قابلة للعدوى والانتقال إلينا عن طريق المعاشرة.
أية فكرة حمقاء كانت تلك! لم أكتف أنها كانت سبب كارثتي إلا مؤخراً. عندما قرأت قولاً رائعاً لكاتب فرنسي (رسام أيضاً..) "لا تبحث عن الجمال..لأنك عندما تجده، تكون قد شوّهت نفسك!"
ولم أكن فعلت شيئاً غير هذه الحماقة.
أعدت بطاقته وصورته إلى الحقيبة، ورحت أقلّب تلك المفكرة..
كنت أشعر أنها تحمل شيئاً قد يفاجئني، قد يعكر مزاجي ويشرع الباب للعواصف المتأخرة عن مواسمها. فماذا تراه كتب في هذا الدفتر؟
كنت أدري أن الحقيقة تولد صغيرة دائماً. وكنت أشعر أن الحقيقة هنا كانت صغيرة في حجم مفكرة جيب. فخفت المفكرة..
بحثت عن سيجارة أشعلها. واستلقيت على ذلك السرير لأتصفح جرحي على مهل..
كانت الصفحات تتالى مليئة بالمقاطع الشعرية المبعثرة بين تاريخ وآخر. بالكتابات الهامشية.. ثم بقصائد أخرى تشغل وحدها أحياناً صفحتين أو ثلاثاً. ثم خواطر قصيرة من بضعة سطور مكتوبة وسط الصفحة بلون أحمر دائماً.. وكأنه كان يريد أن يميزها عن بقية ما كتب.
ربما لأنها لم تكن شعراً وربما لأنها كانت أهم من الشعر.
من أين أبدأ هذه المفكرة؟.. من أي مدخل أدخل هذه الدهاليز السرية لزياد، التي حلمت دائماً بالتسلل إليها عساني أكتشفك فيها؟
كانت العناوين تستوقفني، فأبدأ في قراءة قصيدة. أحاول فك لغز الكلمات المتقاطعة.. أبحث عنك وسط الرموز تارة، ووسط التفاصيل الأكثر اعترافاً أحياناً أخرى.
ثم لا ألبث أن أتركها وألهث مسرعاً إلى صفحة أخرى، بحثاً عن حجج أخرى، عن إيضاحات أكثر، عن كلمات تقول لي بالأسود والأبيض.. ما الذي حدث.
ولكنني كنت في الواقع على درجة من الانفعال والأحاسيس المتطرفة المتناقضة التي كانت تكاد تشلّ تفكيري، وتجعلني عاجزا عن التمييز بين ما أقرأ وما أتوهم قراءته.
كان منظر تلك الحقيبة المفتوحة أمامي بأشيائها المبعثرة، وبذلك الدفتر الأسود الصغير الذي كنت ممسكاً به تجعلني أخجل من نفسي في تلك اللحظة. وكأنني بفتحها لم أفعل شيئاً غير تشريح جثّة زياد المبعثرة بأشيائها وأشلائها على سريري، لأخرج منها هذا الدفتر الذي هو قلبه لا غير.
قلب زياد الذي نبض يوماً لك، والذي هاهو اليوم حتى بعد موته بواصل نبضه بين يديّ على وقع الكلمات المشحونة حسرة وخوفاً.. حزناً.. وشهوة..
"على جسدي مررّي شفتيك
فما مرّروا غير تلك السيوف عليّ
أشعليني أيا امرأة من لهب
يقرّبنا الحب يوماً
يباعدنا الموت يوماً
ويحكمنا حفنة من تراب..
تقرّبنا شهوة للجسد
ثم يوماً
يباعدنا الجرح لمّا يصير بحجم جسد
توحدت فيك
أيا امرأة من تراب ومرمر
سقيتك ثم بكيت وقلت..
أميرة عشقي..
أميرة موتي
تعالي!؟
كم من مرة قرأت هذا المقطع. بأحاسيس جديدة كل مرة، بشكٍّ جديد كل مرة، وتساءلت بعجز من لا يحترف الشعر.. أين ينتهي الخيال.. وأين يبدأ الواقع؟
أين يقع الحد الفاصل بين الرمز والحقيقة؟
كانت كل جملة تلغي التي سبقتها. وكانت المرأة هنا جسداً ملتحماً بالأرض إلى حد لم يعد فيه الفصل أو التمييز بينهما ممكناً.
ولكن كانت هناك كلمات لا تخطئ بواقعيتها وبشهوتها المفضوحة:
"مرري على جسدي شفتيك"
"أشعليني أيا امرأة من لهب"
"تقربنا شهوة للجسد"
"توحدت فيك"
أكانت الثورة إذن حشواً من الكلمات لا أكثر برّأ بها زياد نفسه؟
كان يفضّل أن يهزمه الموت ولا تهزمه امرأة. قضيّة كبرياء.. مراوغة شخصية.. "أميرة موتي.. تعالي..".
ها هو الموت جاء أخيراً. وأنت تراك جئت في ذلك اليوم؟
هل انفرد بك حقاً.. أمرّرت على جسده شفتيك.. أأشعلته.. أتوحّد فيك.. وهل..؟
من الأرجح أن يكون ذلك قد حصل. فتاريخ هذه القصيدة يصادف تاريخ سفري إلى إسبانيا.
كان القلب قد بدأ يطفح بعاطفة غريبة لا علاقة لها بالغيرة.
نحن لا نشعر بالغيرة من الموات.. ولكننا لا يمكن أن نغيّر طعم المرارة في هذه الحالات.
فهل أمنع عيني اللتين يستوقفهما اللون الأحمر، من أن تقرأ هذه الخاطرة.. دون دموع.
"لم يبق من العمر الكثير
أيتها الواقفة في مفترق الأضداد
أدري..
ستكونين خطيئتي الأخيرة
أسألك.
حتى متى سأبقى خطيئتك الأولى
لك متّسع لأكثر من بداية
وقصيرة كل النهايات.
إني أنتهي الآن فيك
فمن يعطي للعمر عمراً يصلح لأكثر من نهاية!"
تستوقفني بعض الكلمات، وتستدرجني إلى الذهول..
ويأخذ الحبر الأحمر فجأة لوناً شبيهاً بدم وردي خجول يتدحرج على ورق.. ليصبح لون "خطيئتك الأولى..".
فأسرع بإغلاق تلك المفكرة وكأنني أخاف إن أنا واصلت قلب الصفحات، أن أفاجئكما في وضعٍ لم أتوقعه!
يحضرني كلام قاله زياد مرة في زمن بعيد.. بعيد.
قال: "أنا أكنّ احترماً كبيراً لآدم، لأنه يوم قرر أن يذوق التفاحة لم يكتف بقضمها، وإنما أكلها كلّها. ربما كان يدري أنه ليس هناك من أنصاف خطايا ولا أنصاف ملذّات.. ولذلك لا يوجد مكان ثالث بين الجنة والنار. وعلينا _تفادياً للحسابات الخاطئة_ أن ندخل إحداهما بجدارة!"
كنت آنذاك معجباً بفلسفة زياد في الحياة. فما الذي يؤلمني اليوم في أفكار شاطرته إياها؟
ترى كونه سرق تفاحته هذه المرة من حديقتي السرية؟ أم كونه راح يقضمها أمامي.. بشهية من حسم اختياره وارتاح؟
"لا تملك الأشجار إلا
أن تمارس الحب واقفة أيضاً
يا نخلة عشقي.. قفي
وحدي حملت حداد الغابات التي
أحرقوها
ليرغموا الشجر على الركوع
"واقفة تموت الأشجار"
تعالي للوقوف معي
أريد أن أشيّع فيك رجولتي
إلى مثواها الأخير.."
فجأة بدأت أشعر بحماقة فتح تلك المفكرة.
أتعبتني تأويلاتي الشخصية لكل كلمة أصادفها.
وبدأت أشعر بالندم. فأنا برغم كل شيء لا أريد أن أكره زياد اليوم. لا أستطيع ذلك.
لقد منحه الموت حصانة ضد كراهيتي وغيرتي. وها أنا صغير أمامه وأمام موته.
ها أنا لا أملك شيئاً لإدانته، سوى كلماته القابلة لأكثر من تأويل. فلماذا أصرّ على تأويلها الأسوأ؟
لماذا أطارده بكل هذه الشبهات، وأنا أدري أنه شاعر يحترف الاغتصاب اللغوي، نكاية في العالم الذي لم يخلق على قياسه، بل ربما خلق على حسابه. فهل أطلق النار عليه بتهمة الكلمات؟
لقد ولد هكذا واقفاً.. ولا قدر له سوى قدر الأشجار. فهل أحاسبه حتى على طريقة موته.. وعلى طريقة حبّه؟
وأذكر الآن أنني عرفته واقفاً.
أذكر ذلك اليوم الذي زارني فيه في مكتبي لأول مرة، عندما أبديت له بعض ملاحظاتي عن ديوانه، وطلبت منه أن يحذف بعض القصائد.
أذكر صمته، ثم نظرته التي توقفت بعض الوقت عند ذراعي المبتورة، قبل أن يقول تلك الجملة التي كانت بعد ذلك سبباً في تغيير مجرى حياتي. قال لي: "لا تبتر قصائدي..سيدي، ردّ لي ديواني. سأطبعه في بيروت.."
لماذا قبلت إهانته يومها، دون رد؟ لماذا لم أصفعه بيدي الثانية غير المبتورة وأرمي له بمخطوطه؟
ألأنني احترمت فيه شجاعة الأشجار ووحدتها، في زمن كانت فيه الأقلام سنابل تنحني أمام أول ريح؟
واقفاً عرفت زياد.. وواقفاً غادرني.
أما مخطوط تركني كأول مرة. ولكن دون أيّ تعليق هذه المرة.
لقد أصبح بيننا _منذ ذلك الحين_ تواطؤ الغابات... واليوم صمتها.
فجأة استيقظت داخلي بقايا مهنة سابقة. ورحت أقلّب ذلك الدفتر وأعدّ صفحاته وأتصفحها بعيني ناشر. وإذ بحماس مفاجئ يدبّ في قلبي ويغطّي على بقية الأحاسيس. وقرار جنوني يسكنني.
سأنشر هذه الكتابات في مجموعة شعرية، قد أسمّيها "الأشجار" أو "مسودات رجل أحبك".. أو عنواناً آخر قد أعثر عليه أثناء ذلك.
المهم.. أن تصدر هذه الخواطر الأخيرة لزياد. أن أمنحه عمراً آخر لا صيف فيه.. فهكذا ينتقم الشعراء دائماً من القدر الذي يطاردهم كما يطارد الصيف الفراشات..
إنهم يتحوّلون إلى دواوين شعر. فمن يقتل الكلمات؟
***
أنقذني دفتر زياد من اليأس دون أن أدري..
منحني مشاريع لأيام كانت فارغة من أي مشروع. فقد حدث في تلك الأيام أن قضيت ساعات بأكملها وأنا أنسخ قصيدة، أو أبحث عن عنوان لأخرى، وأحاول ترتيب فوضى تلك الخواطر والمقاطع المبعثرة، لوضعها في سياق صالحٍ للنشر.
كنت أشعر بلذّة ومرارة معاً..
لذّة الانحياز للفراشات، وبعث الحياة في كلماتٍ وحدي أملك حق وأدها في مفكرة، أو منحها الخلود في كتاب.
ومرارة أخرى..
مرارة التنقيب في أوراق شاعر مات، والتجول في دورته الدموية، في نبضه وحزنه ونشوته، ودخول عالمه المغلق السري دون تصريح ولا رخصة منه، والتصرف نيابة عنه في الاختيار وفي الإضافة والحذف.
أحقاً كنت أملك صلاحية كهذه..؟ ومن يمكن أن يدّعي أنه لسبب أو لآخر موكّل بمهمة كهذه؟
ولكن من يجرؤ أيضاً على الحكم بالموت على كلمات الآخرين، ويقرر الاستحواذ عليها وحده؟
كنت أدري في أعماقي، أنه إذا كان لموت الشعراء والكتّاب نكهة حزن إضافية، تميزهم عن موت الآخرين، فربما تُعزى لكونهم وحدهم عندما يموتون يتركون على طاولتهم ككل المبدعين، رؤوس أقلام.. رؤوس أحلام، ومسودات أشياء لم تكتمل.
ولذا فإن موتهم يحرجنا.. بقدر ما يحزننا.
أما الناس العاديون، فهم يحملون أحلامهم وهمومهم ومشاعرهم فوقهم. إنهم يلبسونها كل يوم مع ابتسامتهم، وكآبتهم، وضحكتهم، وأحاديثهم، فتموت أسرارهم معهم.
في البدء، كان سر زياد يحرجني، قبل أن يستدرجني إلى البوح، وإذا بكتاباته تخلق عندي رغبة لا تقاوم للكتابة.
رغبة كانت تزداد في تلك المرات التي كنت أشعر أن كلماته لا تطال أعماقي، وأنها أقصر من جرحي. ربما لأنه كان يجهل النصف الآخر للقصة، تلك التي كنت أعرفها وحدي.
متى ولدت فكرة هذا الكتاب؟
ترى في تلك الفترة التي قضيتها محاصراً بإرث زياد الشعريّ، في ذلك اللقاء غير المتوقع لي مع الأدب والمخطوطات التي انفصلت عنها منذ انفصالي عن وظيفتي.. منذ عدة سنوات في الجزائر؟
أم في لقائي غير المتوقع الآخر، مع مدينة حجز لي القدر نفسه موعداً متأخراً معها؟
أكان يمكن لي أن أجد نفسي وجهاً لوجه مع قسنطينة، دون سابق إنذار، دون أن تنفجر داخلي الدهشة، شلالات شوق وجنون وخيبة..
فتجرفني الكلمات.. إلى حيث أنا!

فداء
12-08-2007, 02:59 AM
الفصل الخامس

مازلت
أذكر ذلك السبت العجيب.. عندما رن اله... ذلك المساء بتوقيت نشرة الأخبار.
كان سي الشريف على الخط بحرارة وشوق أسعداني في البداية، وأخرجاني من رتابة صمتي الليلي ووحدته.
كان صوته عندي عيداً بحد ذاته والصلة الوحيدة التي ظلت تربطني بك، بعدما سدّت كل الطرق الموصلة إليك.
وكنت أستبشر خيراً به. إنه يحمل دائماً احتمال لقاءٍ بك بطريقة أو بأخرى.
ولكنه هذه المرة كان يحمل لي أكثر من هذا..
راح سي الشريف يعتذر أولاً عن انقطاعه عني منذ سهرتنا الأخيرة، بسبب مشاغله الكثيرة، وزيارات المسؤولين التي لا تتوقف إلى باريس.. قبل أن يضيف:
"إنني لم أنسك طوال هذه الفترة.. لقد علّقت لوحتك في الصالون وأصبحت أتقاسم معك البيت.. أتدري، لقد تركت التفاتتك تلك أثراً كبيراً في نفسي، وخلقت لي أكثر من حاسد.. وكل مرة لا بد أن أشرح للآخرين صداقتنا وعلاقتنا التي تعود إلى أيام الشباب".
كنت أستمع له وكان القلب قد ذهب بحماقة على عجل إليك..
كان يكفي أن أعرف أن تلك المكالمة تأتي من بيتٍ أنتِ فيه، لأعود عاشقاً مبتدئاً بكل انفعالات العشّاق وحماقاتهم.
ولكن صوته أعادني إلى الواقع عندما سألني:
- أتدري لماذا طلبتك الليلة؟ إنني قررت أن أصحبك معي إلى قسنطينة.. لقد أهديتني لوحة عن قسنطينة وأنا سأهديك سفرة إليها..
صحت متعجّباً:
- قسنطينة.. لماذا قسنطينة؟
قال وكأنه يزفّ لي بشرى:
- لحضور عرس ابنة أخي الطاهر..
ثم أضاف بعد شيء من التفكير.
- .. ربما تذكرها. لقد حضرت افتتاح معرضك منذ شهور مع ابنتي ناديا..
شعرت فجأة أن صوتي انفصل عن جسدي، وأنني عاجز عن أن أجيب بكلمة واحدة.
أيمكن للكلمات أن تنزل صاعقة على شخص بهذه الطريقة؟
أيمكن للجسد أن يصبح إثر كلمة، عاجزاً عن الإمساك بسماعة؟
يحدث في لحظات كهذه، أن أتذكر فجأة أنني أملك يداً واحدة..
سحبت بقدمي كرسياً مجاوراً وحلست عليه.
وربما لاحظ سي الشريف صمتي وحدوث شيء ما.. فقطع ذهولي قائلاً:
- يا خويا.. ما الذي يخيفك في سفرٍ كهذا؟ لقد جاء ذكرك منذ أيام في جلسة مع بعض الأصدقاء في الأمن، وأكدوا لي أنه لا توجد أية تعليمات في شأنك، وأن بإمكانك أن تزور الجزائر متى شئت. لقد تغيرت الأمور كثيراً منذ مجيئك، ولا بد أن تعود إلى الجزائر ولو في زيارة خاطفة.. إنني أتحمل مسؤولية عودتك.. ستسافر معي وعلى حسابي.. فما الذي يقلقك إلى هذا الحد؟
أجبته وأنا أبحث عن مخرج لتوتري:
- الحقيقة أنني لست مستعداً نفسياً بعد لزيارة كهذه.. وأفضّل أن تكون في ظروف أخرى..
قال:
- أنت لن تجد ظروفاً أحسن من هذه للعودة.. أنا واثق من أنني إذا لم أجرّك هكذا من يدك هذه المرة، فقد تمضي عدة سنوات أخرى قبل أن تعود إليها. هل ستقضي عمرك في رسم قسنطينة؟ ثم ألا يسعدك حضور زواج ابنة سي الطاهر؟ إنها ابنتك أيضاً، لقد عرفتها طفلة ويجب أن تحضر عرسها للبركة.. افعل هذا لوجه أبيها، يجب أن تقف معي في ذلك اليوم مكان سي الطاهر..
كان سي الشريف يعرف نقطة ضعفي، ويدري مكانة سي الطاهر عندي. فراح يحرّك ما تبقّى داخلي من وفاء لماضينا وذاكرتنا المشتركة.
كان في ذلك الموقف شيء من السريالية واللامعقول.
كنت أقف على الحد الفاصل بين العقل والجنون، بين الضحك والبكاء..
"لقد عرفتها طفلة.." لا يا صديقي! عرفتها أنثى أيضاً وهذه هي المشكلة. "إنها ابنتك أيضاً.." لا لم تكن ابنتي، كان يمكن فقط أن تكون زوجتي.. كان يمكن أن تكون لي.
سألته:
- لمن ستكون؟
قال:
- أعطيتها لـ (سي....) لقد سهرت معه المرة الماضية.. لا أدري ما رأيك فيه، ولكنني أعتقد أنه رجل طيب برغم ما يُقال عنه.
كان في جملته الأخيرة جواب مسبق على ردٍ كان يتوقعه.
(سي....) إذن ولا أحد غيره!
"رجل طيب.." هل الطيبة هي حقاً صفته المميزة الأولى؟ أعرف أنا أكثر من رجل طيب كان يمكن إذن أن يصبح زوجها.
ولكن (سي....) كان أكثر من ذلك. كان رجل الصفقات السرية والواجهات الأمامية. كان رجل العملة الصعبة والمهمات الصعبة. كان رجل العسكر.. ورجل المستقبل. فهل مهم بعد هذا أن يكون طيباً أو لا يكون؟
تجمعت في الحلق أكثر من غصة، منعتني من أن أبدي رأيي فعلاً في ذلك الشخص، وأسأل سي الشريف سؤالاً واحداً فقط: تراه يعتقد حقاً أن بإمكان رجل لا أخلاق له.. أن يكون طيباً؟
أم تراني صمتّ لأنني كنت بدأت لا أفرق كثيرا بينه وبين "صهره" وأنا أسأل نفسي سؤالاً آخر.. هل يمكن لشخص يتصاهر مع رجل قذر.. أن يكون نظيفاً حقاً؟
فقدت فجأة شهية الكلام. أخرستني الصدمات المتتالية في مكالمة واحدة. فاختصرت كل الكلام في جملة واحدة قابلة لأكثر من تفسير:
- كل شيء مبروك..
رد سي الشريف حسب التقاليد:
- الله يه..... ويبارك فيك..
ثم أضاف بسعادة من نجح في امتحان:
-إذن سنراك..راني نعوّل عليك.. سنسافر بعد عشرة أيام تقريباً فالزواج سيكون في 15 يوليو.. أطلبني ه...ياً كي نتّفق على تفاصيل سفرك.
انتهت المكالمة، وبدأت مرحلة جديدة من حياتي.
بدأ عمري الآخر الذي أعلنت يومها رسمياً خروجك منه. ولكن.. هل خرجت حقاً؟
أحسست أن رقعة الشطرنج أصبحت فارغة إلا مني. كانت كل المربعات بلون واحد لا غير.. وكل القطع أصبحت قطعة واحدة أمسكها وحدي.. بيدٍ واحدة!
فهل كنت الرابح أم الخاسر الوحيد.. كيف لي أن أعرف ذلك؟ لقد تقلصت الرقعة، ومعها مساحة الأمل والترقب، حسمها طرف آخر، كنا نلعب جميعاً منذ البدء نيابة عنه: إنه القدر!
كنت أحقد على ذلك القدر أحياناً، ولكن كنت كثيراً ما أستسلم له دون مقاومة. بلذّة غامضة وبفضول رجل يريد أن يعرف كلّ مرة، إلى أي حد يمكن لها القدر أن يكون أحمق، ولهذه الحياة أن تكون غير عادلة، وأن تكون عاهرة لا تهب نفسها سوى لذوي الثروات السريعة، ولأصحاب السلوك المشبوه الذين يغتصبونها على عجل..
وعندها كنت أجد سعادتي النادرة في مقارنة نفسي ب..... الآخرين. وأجد في هزائمي الذاتية، دليلاً على انتصارات أخرى ليست في متناول الجميع.
تراني في لحظة جنون كهذه قبلت أن أحضر عرسك، وأن أكون شاهداً على مأتمي، وعلى الحقارة التي يمكن أن يصلها البعض دون خجل؟
أم تراني ككل المبدعين، كنت مازوشيّاً ب...ق، وأصرّ في غياب السعادة المطلقة، أن أعيش حزني المطلق، وأن أذهب معك إلى أبعد نقطة في تعذيب النفس، فأمارس كيّ هذا القلب بنفسي ليشفى منك؟
كرهتك ذلك اليوم بشراسة لم أكن عرفتها من قبل.
انقلبت عواطفي مرة واحدة إلى عاطفة جديدة، فيها مزيج من المرارة والغيرة والحقد.. وربما الاحتقار أيضاً.
ما الذي أوصلك هنا؟
وهل النساء حقاً مثل الشعوب، يشعرن دائماً بإغراء.. وبضعف ما تجاه البدلات العسكرية.. حتى الباهتة منه؟!
ما زلت حتى اليوم أتساءل.. كيف قبلت يومها أن أذهب إلى قسنطينة لحضور عرسك؟
كنت أعرف مسبقاً أن دعوتي لم تكن مجرد نية حسنة، والتفاتة ود وصداقة لرجل تجمعني به أكثر من قرابة.
ولكن كانت قبل كلّ شيء، استغلالاً للذاكرة واستعمالاً سيئاً لاسم من الأسماء القليلة التي ظلّت نظيفة في زمن انتشر فيه وباء القذارة.
كان سي الشريف يدري أنه يسقوم بصفقة قذرة، وأنه يبيع بزواجه اسم أخيه، وأحد كبار شهدائنا مقابل منصب وصفقات أخرى..
وأنه يتصرف باسمه، بطريقة لم يكن ليقبلها لو كان حياً.
وكان يلزمه أنا.. ولا أحد غيري لأبارك اغتصابك، أنا صديق سي الطاهر الوحيد ورفيق سلاحه.
أنا الهيكل المفتت الأطراف الأخير، الذي بقي من ذلك الزمن الغابر.
كانت تلزمه مباركتي، ليُسكت بحضوري ضميره ويعتقد أن سي الطاهر سيغفر له، هو الذي عاش من اسمه طويلاً.
فلماذا قبلت الدخول في تلك اللعبة؟ لماذا قبلت دون نقاش أن أسلمك لأظافرهم؟
ألأنني أدري أن مباركتي قضية شكلية، لن تقدم ولن تؤخر في شيء، وأنه لو لم يزوّجك من (سي....) لكنت من نصيب (سي....) آخر من السادة الجدد.
فماذا يهم في النهاية، أي اسم من أسماء الأربعين لصاً ستحملين!
لماذا قبلت السفر.. ألكل هذا أم لأنني استسلمت لإغراء قسنطينة، ولندائها السرّي الذي كان يلاحقني ويطاردني من الأزل، كما يطارد نداء الحوريات في الجزر المسحورة أولئك البحارة الذين نزلت على بواخرهم لعنة الآلهة..
أم تراني كنت عاجزاً عن أن أخلف موعداً معك، حتى ولو كان ذلك مناسبة زواجك؟
هنالك قرارات وليدة ضدها، فكيف يمكن لي اليوم أن أفسّر قراراً أخذته خارج المنطق؟
كنت كعالم فيزيائي مجنون، يريد أن يجمع بين صيغتين متفجّرتين في الوقت نفسه: أنت.. وقسنطينة، صيغتين صنعتهما بنفسي في نوبة شوق وعشق وجنون، قست قدرتهما التدميرية كلا على انفراد، وأردت أن ....هما معاً كما تجرّب قنبلة ذرية في صحراء.
أردت أن أعيشهما معاً في انفجار داخلي واحد.. يهزّني وحدي.. يدمرني وحدي.. وأخرج بعده من وسط الحرائق والدمار، إما رجلاً آخر.. وأشلاء رجل.
ألم تقولي مرة إن هناك رغبة سرية تسكننا جميعاً اسمها "شهوة اللهب"؟
اكتشفت بعدها بنفسي التطابق بينك وبين تلك المدينة.
كان فيكما معاً، شيء من اللهيب الذي لم ينطفئ.. وقدرة خارقة على إشعال الحرائق..
ولكنكما معاً، كنتما تتظاهران بإعلان الحرب على المجوس. إنه زيف المدن العريقة المحترمة.. ونفاق بنات العائلات.. أليس كذلك؟
***
جاء صوتك يوم الاثنين هكذا دون مقدمات. دون أية نبرة حزن أو فرح مميزة.. دون ارتباك ولا أي خجل واضح.
ورحت تتحدّثين إليّ، وكأنك تواصلين حديثاً بدأناه البارحة، كأن صوتك لم يعبر هذا الخط اله...ي منذ أكثر من ستّة أشهر.
ما أغرب علاقتك بالزمن.. وما أغرب ذاكرتك!
- أهلاً خالد.. هل أيقظتك؟
كان يمكن أن أقول لا، وكان من الأصح أن أقول نعم. ولكنني قلت بصوت من يخرج من غيبوبة عشق:
- أنتِ..؟!
ضحكت.. تلك الضحكة الطفولية التي أسرتني يوماً وقلت:
- أعتقد أنني أنا.. هل نسيت صورتي؟!
ثم أضفت أمام صمتي:
- كيف أنت؟
- أحاول أن أصمد..
- تصمد في وجه من.؟
- في وجه الأيام..
قلت بعد شيء من الصمت.. وكأنك شعرت بذنبٍ ما:
- كلنا نحاول ذلك..
ثم أضفتِ:
- هل أخباري هي التي أزعجتك؟
عجيب سؤالك. عجيب كذاكرتك. كعلاقتك بمن تحبّين!
قلت:
- أخبارك ليست سوى جزء من تقلّبات الأيام.
أجبت ببراءة كاذبة:
- كنت أتوقع أن تستقبل خبر زواجي بطريقة أخرى. لقد سمعت عمي يتحدث إليك أمس على اله...، وتعجبت أن تكون قبلت المجيء إلى قسنطينة دون مناقشة أو تردد. لقد أسعدني ذلك كثيراً، وقررت أن أطلبك.. استنجت أنك لم تعد عاتباً عليّ.. فأنا أريد أن تحضر إلى هذا العرس.. من الضروري أن تحضر..
لا أدري لماذا أعادتني كلماتك إلى مكالمتي السابقة مع سي الشريف، وإلى ذلك الموقف العجيب، عندما كان يقنعني أنك ابنتي.
شعرت مرة أخرى أنني أقف على الحد الفاصل بين العقل واللاعقل، بين البكاء والضحك..
سألتك بشيء من المرارة الساخرة:
- أتمنى أن أفهم سر إصراركم جميعاً على حضوري..
قلتِ:
- سبب إصرار عمي على حضورك لا يهمني إطلاقاً. ولكنني أدري أنني سأكون تعيسة لو تغيّبت عن المجيء..
أجبتك بتهكم:
- هل السادية .. آخر هواياتك؟
قلتِ بنبرة فاجأتني:
- لقد أحببت هذه المدينة من أجلك.
أجبتك بتلك الطريقة نفسها التي أجبتني بها يوماً، وأنا أعترف لك "لقد أحببتك يوم قرأتك" فقلتِ "كان ينبغي ألا تقرأني..".
قلتُ:
- كان ينبغي ألا تحبّيها إذن..
وإذا بجوابك يدهشني.. يوقظني.. ويبثّ شحنة كهربائية في جسدي..
- ... ولكنني أحببتك!
ها هي الكلمة التي انتظرتها عاماً دون جدوى. فهل أشكرك أم أبكي. أم أسألك لماذا اليوم.. لماذا الآن.. ولماذا كلّ هذا العذاب إذن؟
سألتك فقط:
- وهو؟
أجبتني وكأنك تتحدّثين عن شيء لا يع... تماماً:
- إنه قدر جاهز.
قاطعتك:
- لكل شخص القدر الذي يستحقّه. كنت أتوقع قدراً غير هذا.. كيف قبلت أن ترتبطي به؟
قلتِ:
- أنا لا أرتبط به.. أنا أهرب إليه فقط من ذاكرة لم تعد تصلح للسكن، بعدما أثثتها بالأحلام المستحيلة والخيبات المتتالية..
- ولكن لماذا هو.. كيف يمكن أن تمرّغي اسم والدك في مزبلة كهذه.. أنت لست امرأة فقط، أنت وطن، أفلا يهمّك ما سيكتبه التاريخ يوماً؟
أجبتِ بشيء من السخرية المرة:
- وحدك تعتقد أن التاريخ جالس مثل ملائكة الشر والخير على جانبينا، ليسجّل انتصاراتنا الصغيرة المجهولة.. أو كبواتنا وسقوطنا المفاجئ نحو الأسفل. التاريخ لم يعد يكتب شيئاً. إنه يمحو فقط!
لم أسألك ما الذي تريدين محوه بالضبط. ولم أناقشك في نظرتك الخاطئة للقيم..
سألتك:
- ما الذي تريدينه مني على التحديد؟
قلتِ كأنك طفلة يسألونها عن أيّ حلوى تريد:
- أريدك..
خطر بذهني لحظتها أنك ربما كنت امرأة عاجزة عن حب رجل واحد، وأنه يلزمك دائماً رجلان. كانا في الماضي زياد وأنا. وأصبحا اليوم أنا.. والآخر.
عاد صوتك يقول:
- خالد.. أتدري أنني أحببتك.. إنه حدث أن أردتك واشتهيتك حدّ الجنون.. شيء فيك جرّدني من عقلي يوماً.. ولكنني قررت أن أشفى منك.. كانت علاقة حبّنا علاقة مرضيّة، أنت نفسك قلت هذا..
سألتكِ:
- لماذا عدت اليوم إذن؟
قلتِ:
- عدت لأقنعك بالمجيء إلى قسنطينة. أريد أن تباركنا تلك المدينة ولو مرة واحدة.. تباركنا ولو كذباً، لقد تواطأت معنا وأوصلتنا إلى جنوننا هذا.. أدري أننا لن نلتقي فيها.. قد لا نتحدث.. وقد لا نتصافح. ولكن سأكون لك ما دمنا فيها. سنتحداهم على مرأى منها.. ووحدها ستعرف أنني أمنحك ليلتي الأولى.. أيسعدك هذا؟
كم من ليلة أولى كنت تملكين؟ كم من ليلة وهمية أولى كنت قادرة على أن تهبي على بياض، كما وهبتِ روايتك الأولى.. نسختين مزوّرتين لي ولزياد.. موقّعتين على بياض.
لمن ستكونين بعد كل ليلة وهمية؟ ومع من بدأت كذبتك الأولى؟ لمن أهديت هديّتك الملغومة الأولى؟
عندما أذكر كلامك اليوم، أضحك وأنا أشبّه نفسي آنذاك بأثيوبي جائع يسردون عليه قائمة من الأطباق الشهية التي لن يذوقها، ويسألونه بعدها كيف وجدها.. وإذا كان ذلك يسعده..
ولكن وقتها لم أضحك، بل ربما بكيت وأنا أجيبك بحماقة عاشق.. "يسعدني..".
لم أنتبه إلى أنك كنت تمنحينني ليلةً وهمية، عليّ أن أتنازل عنها مباشرة لرجل آخر، سيستفيد منها فعلياً!
ولكن هل يهم ذلك.. مادمت أتنازل عن شيء ليس في جميع الحالات لي؟
هكذا التاريخ دائماً عزيزتي وهكذا الماضي.. ندعوه في المناسبات ليتكفّل بفتات الموائد.
نتحايل على الذاكرة، نرمي لها عظمة تتلهى بها، بينما تُنصب الموائد للآخرين.
وهكذا الشعوب أيضاً، نهبها كثيراً من الأوهام.. كثيراً من الأحلام المعلّبة، من السعادة المؤجلة، فتغضّ النظر عن الولائم التي لن تدعى إليها..
ولكن لم أعِ كل هذا إلا بعد فوات الأوان. بعدما رفعت الموائد، وانسحب الجميع لأبقى وحدي.. أمام فتات الذاكرة.
قلتُ:
- أريد أن أراكِ..
صحتِ:
- لا.. لم يعد لقاؤنا ممكناً الآن.. وربما كان هذا أفضل. يجب أن نبحث عن نهاية أقل وجعاً لقصّتنا. لتكن قسنطينة لقاءنا وفراقنا معاً.. فلا داعي لمزيد من العذاب.
هكذا إذن.. قررت قتلي حسب الأصول، بجرّة سكّين واحدة، ذهاباً وإياباً.. في لقاءٍ وفراقٍ واحد. فما أرأفك بي.. وما أغباني!
أكثر من سؤال ظلّ معلّقاً في الحلق، لم أطرحه عليك يومها.
أكثر من لوم.. أكثر من عتاب.. أكثر من رغبة..
ولكن ه...ك انتهى كما جاء خارج الزمان، وأنا بين الصحوة واليقظة ممدد بذهول في فراشي.
حتى أنني تساءلت بعدها: هل طلبتني حقاً في ذلك الصباح أم أنني حلمت.. فقط؟
ها نحن مثل أطفال إذن..
نمحو كل مرة آثار الطباشير على الأرض لنرسم قوانين لعبة جديدة.
نتحايل على كل شيء لنربح كل شيء. فتتّسخ ثيابنا ونصاب بخدوش ونحن نقفز على رِجْل واحدة من مربع مستحيل إلى آخر.
كل مربع فخّ نصب لنا، وفي كل مربع وقفنا وتركنا أرضاً شيئاً من الأحلام.
كان لا بد أن نعترف أننا تجاوزنا عمر النط على رِجْل واحدة، والقفز على الحبال، والإقامة في مربعات الطباشير الوهيمة.
أخطأنا حبيبتي..
الوطن لا يرسم بالطباشير، والحب لا يكتب بطلاء الأظافر.
أخطأنا.. التاريخ لا يكتب على سبورة، بيد تمسك طباشير وأخرى تمسك ممحاة..
والعشق ليس أرجوحة يتجاذبها الممكن والمستحيل.
دعينا نتوقف لحظة عن اللعب. لحظة عن الجري في كل الاتجاهات. نسينا في هذه اللعبة مَنْ مِنّا القط، ومَن الفأر.. ومن منا سيلتهم مَنْ.
نسينا أنهم سيلتهموننا معاً.
لم يعد أمامنا متّسع للكذب. لا شيء أمامنا سوى هذا المنعطف الأخير. لا شيء تحتنا غير هاوية الدمار.
فلنعترف أننا تحطّمنا معاً.
لستِ حبيبتي..
أنتِ مشروع حبي للزمن القادم. أنت مشروع قصّتي القادمة وفرحي القادم.. أنتِ مشروع عمري الآخر.
في انتظار ذلك.. أحبّي من شئتِ من الرجال، واكتبي ما شئتِ من القصص..
وحدي أعرف قصّتك التي لن تصدر يوماً في كتاب. وحدي أعرف أبطالك المنسيين وآخرين صنعتهم من ورق.
وحدي أعرف طريقتك ال...ة في الحب، طريقتك الفريدة في قتل من تحبين.. لتؤثثي كتبك فقط.
أنا الذي قتلتني لعدة أسباب غامضة، وأحببتك لأسباب غامضة أخرى.
أنا الرجل الذي حوّلك من امرأة إلى مدينة، وحولته من حجارة كريمة إلى حصى.
لا تتطاولي على حطامي كثيراً.
لم ينته زمن الزلازل، وما زال في عمق هذا الوطن حجارة لم تقذفها البراكين بعد.
دعينا نتوقف لحظة عن اللعب. كفاك كل ما قلته من كذب..
أعرف اليوم أنك لن تكوني لي.
دعيني إذن، أنحشر معك يوم الحشر حيث تكونين، لأكون نصفك الآخر.
دعيني أحجز مسبقاً مكاناً لي إلى جوارك، ما دامت كل الأماكن محجوزة حولك هنا، وما دامت مفكّرتك ملأى بالمواعيد حتى آخر أيامك..
يا امرأة على شاكلة وطن..
أيهمّ بعد اليوم أن نبقى معاً؟
حقيبة صغيرة فقط لملاقاة الوطن.
ولا شي سوى بدلة سوداء لحضور حفل زفافك. زجاجتيْ وسكي.. قمصان.. وشفرات حلاقة.
هنالك أوطان تنتج كل مبرّرات الموت، وتنسى أن تنتج شفرات حلاقة!
على أصابع الجرح أعود إلى الوطن.
دون أمتعة شخصية، دون زيادة في الوزن ولا زيادة في حساب.
وحدها الذاكرة أصبحت أثقل حملاً، ولكن من سيحاسبنا على ذاكرة نحملها بمفردنا؟
مشياً على جرحي الأخير أعود إليه على عجل.
عشر سنوات من الغياب، وها هوذا الرجوع المفاجئ. كنت أتوقع لقاءً غير هذا..
كنت سأحجز لي مكاناً في الدرجة الأولى مثلاً. فيحدث للذاكرة في مثل هذه المناسبات، أن ترفض الجلوس في الكراسي الخلفية.
ولكن، لا يهم سيدتي.. كانت كل الكراسي الأمامية محجوزة مسبقاً، لأولئك الذين حجزوا كراسي الوطن أيضاً بأمر..
فلأعد إليه كما جئت منه إذن، على كرسي جانبي للحزن.
نغادر الوطن، محمّلين بحقائب نحشر فيها ما في خزائننا من عمر. ما في أدراجنا من أوراق.
نحشر أبوم صورنا، كتباً أحببناها، وهدايا لها ذكرى..
نحشر وجوه من أحببنا.. عيون من أحبّونا.. رسائل كتبت لنا.. وأخرى كنّا كتبناها.
آخر نظرة لجارة عجوز قد لا نراها، قبلة على خد صغير سيكبر بعدنا، دمعة على وطن قد لا نعود إليه.
نحمل الوطن أثاثاً لغربتنا، ننسى عندما يضعنا الوطن عند بابه، عندما يغلق قلبه في وجهنا، دون أن يلقي نظرة على حقائبنا، دون أن يستوقفه دمعنا.. ننسى أن نسأله من سيؤثثه بعدنا.
وعندما نعود إليه.. نعود بحقائب الحنين.. وحفنة أحلام فقط.
نعود بأحلام وردية.. لا "بأكياس وردية"، فالحلم لا يستودر من محلات "تاتي" الرخيصة الثمن.
عارٌ أن نشتري الوطن ونبيعه حلماً في السوق السوداء. هنالك إهانات أصعب على الشهداء من ألف عملة صعبة!
ها أنذا.. بحقيبة يدٍ صغيرة، هنا في اللامكان.
في هذه النقطة المعلقة بين الأرض والسماء. والهاربة بي من ذاكرة إلى أخرى. أجلس على مقعد في الدرجة الثانية للنسيان.
أحلّق على تضاريس حبّك. على ارتفاع تصعب معه الرؤية، ويصعب معه النسيان. وأتساءل رغم فوات الأوان: تراني أرتكب آخر حماقات عمري، وأهرب منك إلى الوطن؟ أحاول أن أشفى منك به. أنا الذي لم أشف بك منه؟
ها هي اللوحة التي أحضرتها هدية لعرسك تشغل مكانك الفارغ إلى جواري.
ها نحن نسافر _ أخيراً معاً _ أنا وأنت..
نأخذ طائرة واحدة لأول مرة. ولكن ليس للرحلة نفسها.. ولا للاتجاه نفسه.

فداء
12-08-2007, 03:00 AM
ها هي قسنطينة..
ساعتان فقط ليعود القلب عمراً إلى الوراء.
تشرع مضيفةٌ باب الطائرة، ولا تتنبّه إلى أنها تشرع معه القلب على مصراعيه. فمن يوقف نزيف الذاكرة الآن؟
من سيقدر على إغلاق شبّاك الحنين، من سيقف في وجه الرياح المضادة، ليرفع الخمار عن وجه هذه المدينة.. وينظر إلى عينها دون بكاء.
ها هي قسنطينة إذن..
وها أنذا أحمل بيدي الوحيدة حقيبة يد، ولوحة تسافر معي سفرها الأخير، بعد خمس وعشرين سنة من الحياة المشتركة.
ها هي "حنين"، النسخة الناقصة عن قسنطينة، في لقاء ليليّ مع اللوحة الأصل..
تكاد مثلي تقع من على سلّم الطائرة تعباً.. ودهشة.. وارتباكاً.
تتقاذفنا النظرات الباردة المغلقة، تتقاذفنا العبارات التي تنهى وتأمر. وكل هذه الوجوه المغلقة، وكل هذه الجدران الرمادية الباهتة..
فهل هذا هو الوطن؟
قسنطينة..
كيف أنتِ يا اميمة.. واشك؟
أشرعي بابك واحضنيني.. موجعة تلك الغربة.. موجعة هذه العودة..
باردٌ مطارك الذي لم أعد أذكره. باردٌ ليلك الجبلي الذي لم يعد يذكرني.
دثّريني يا سيدة الدفء والبرد معاً.
أجلي بردك قليلاً.. أجّلي خيبتي قليلاً.
قادمٌ إليك أنا من سنوات الصقيع والخيبة، من مدن الثلج والوحدة.
فلا تتركيني واقفاًً في مهب الجرح.
كانت الإشارات المكتوبة بالعربية، وبعض الصور الرسمية، وكل تلك الوجوه المتشابهة السمراء، تؤكد لي أنني أخيراً أقف وجهاً لوجه مع الوطن. وتشعرني بغربة من نوع آخر تنفرد بها المطارات العربية.
وحده وجه حسّان ملأني دفئاً مفاجئاً عندما أطلّ، وأذاب جليد اللقاء الأول.. مع ذلك المطار.
وعندما احتضنني، وأخذ عني حمولة يدي، وقال بلهجة جزائرية مازحة وهو يحمل عني تلك اللوحة:
"واش.. مازلت تنقّل في الطابلوهات..؟" ثم أضاف "آ سيدي.. هذا نهار مبروك من هو اللي قال نشوفك هنا..!".
شعرت أن قسنطينة أخذت فجأة ملامحه، وأنها أخيرا جات ترحّب بي.
وهل كان حسان غير تلك المدينة نفسها. غير حجارتها.. قرميدها.. وجسورها ومدارسها.. وأزقّتها وذاكرتها؟
هنا ولد، وهنا تربّى ودرس، وهنا أصبح مدرّسا. لم يغادرها إلا نادراً في زيارات قصيرة إلى تونس أو إلى باريس.
كان يحضر لزيارتي من سنة إلى أخرى، لكي يطمئنّ عليّ وليشتري بالمناسبة بعض لوازم عائلته التي ما فتئت تكبر وتتضاعف. وكأن حسان قرر أن يتحمل بمفرده مسؤولية عدم اندثار اسم العائلة، بعدما يئس من تزويجي وأدرك بعد محاولات إغراء فاشلة، أنه لن يكون لي بنات و لا بنون.. ما عدا تلك اللوحات التي تنفرد بحمل اسمي.
أكتشف اليوم، أن هذا الرجل الفارع القامة، المهذّب المظهر، والذي يتحدث دائماً بحماسة الأساتذة وعنادهم وتكرارهم، وكأنه يواصل حديثه لتلاميذه وليس للآخرين، هو أخي.. لا غير.
أكنت أجهل هذا؟ لا!
ولكن في هذا اليوم الاستثنائي الألم والخيبة.. والفرحة! أشعر أن قرابته بي تصبح الأرض الصلبة الوحيدة التي يمكن أن أقف عليها وسط زلازلي الداخلية، والصدر الوحيد الذي كنت لولا الكبرياء، بكيت عليه في تلك اللحظة.
عشر سنوات.. حدث خلالها في بعض المرّات أن انتظرته أنا في مطار (أورلي الدولي).
كانت الأدوار مع...ة. كان هو القادم.. وأنا المنتظر. وكنت أشعر آنذاك أنني أقوم بواجب عائلي لستُ ملزماُ به، ولكن كنت أحرص عليه. فقد كانت تلك إحدى فرصي القليلة لألعب دور "الأخ الكبير" بكل مسؤولياته وواجباته. ذلك الدور الذي لم أوفّق دائماً في أدائه. فقد عشت في الواقع دائماً بعيداً عن حسّان، حسان الذي كنت أدرك جوعه للحنان ويتمه المبكّر.. وتعلقه العاطفي بي.
تُراه لهذا أيضاً تزوّج باكرا على عجل، وراح يكثر من الأولاد ليحيط نفسه أخيراً بتلك العائلة التي حرم منها دائماً في طفولته، والتي كنت عاجزاً عن أن أعوضها له بحضوري العابر.. وغيابي المتنقّل من منفى إلى آخر.
فلماذا يقلب لقائي بحسان اليوم كل مقاييسي السابقة، ويشعرني برغم فارق العمر، وبرغم أولاده الستة، أنني الأخ الأصغر وأنه في هذه اللحظة يكبرني بسبع سنوات، وربما بأكثر..
ترى لأنه هو الذي يحمل حقيبتي ويمشي أمامي، ويسألني عن تفاصيل سفري.. أم أن هذا المطار الذي يستفزّ رجولتي وكبريائي يجرّدني من وقار عمري. فأترك حسان يتصرف فيه نيابة عني، وكأن تجربته مع هذه المدينة ومعايشته لطباعها المتقلّبة، جعلته اليوم يبدو أكبر..
أم تراها قسنطينة.. تلك الأم المتطرفة العواطف، حباً وكراهية.. حنانا وقسوة، هي التي حوّلتني بوطأة قدم واحدة على ترابها، إلى ذلك الشاب المرتبك الخجول الذي كنته قبل ثلاثين سنة؟
نظرت إليها من زجاج سيارة كانت تنقلني من المطار إلى البيت، وتساءلت: أتراها تعرفني؟
هذه المدينة الوطن، التي تُدخل المخبرين وأصحاب الأكتاف العريضة والأيدي القذرة من أبوابها الشرفيّة.. وتدخلني مع طوابير الغرباء وتجّار الشنطة.. والبؤساء.
أتعرفني.. هي التي تتأمل جوازي بإمعان.. وتنسى أن تتأملني؟
سُئلت أعرابية يوماً: "من أحبّ أولادك إليك؟" قالت: "غائبهم حتى يعود.. ومريضهم حتى يشفى.. وصغيرهم حتى يكبر".
وكنت أنا غائبها الذي لم يعد.. ومريضها الذي لم يشف وصغيرها الذي لم يكبر..
ولكن قسنطينة لم تكن قد سمعت بقول تلك الأعرابية. فلم أعتب عليها. عتبت على ما قرأت من كتب التراث العربي!
لم أنم تلك الليلة..
أكان ذلك العشاء الذي أعدته عتيقة زوجة حسان، وكأنها تعدّ وليمة، والذي استسلمت له بشهية أكاد أقول تاريخية، هو الذي كان سبب قلقي، بعدما تناولت الكثير من أطباقه التي لم أذق معظمها من سنين؟
أم أن السبب هو صدمة لقائي العاطفي الآخر مع ذلك البيت، الذي ولدت فيه وتربّيت، والذي على جدرانه وأدراجه ونوافذه وغرفه وممراته، كثير من ذاكرتي، من أفراح ومآتم وأعياد.. وأيام عادية أخرى، تراكمت ذكراها في أعماقي لتطفو الآن فجأة.. كذكريات فوق العادة تلغي كل شيء عداها؟
ها أنا أسكن ذاكرتي وأنا أسكن هذا البيت، فكيف ينام من يتوسّد ذاكرته؟
مازال طيف الذين غادروه يعبر هذه الغرف أمامي. أكاد أرى ذيل كندورة (أمّا) العنابي يمر هنا، ويروح ويجيء بذلك الحضور السري للأمومة. وصوت أبي يطالب بالماء للوضوء، أو يصيح من أسفل الدرج "الطريق.. الطريق" لينبّه النساء في البيت أنه قادم صحبة رجل غريب، وأن عليهن أن يفسحن الطريق ويذهبن للاختباء في الغرف البعيدة.
أكاد أرى خلف الجدران الجديدة البياض آثار المسمار الذي علق عليه أبي يوماً شهادتي الابتدائية منذ أربعين سنة. ثم جوارها بعد سنوات شهادة أخرى..
وبعدها لا شيء..
توقّف اهتمامه بي ليبدأ اهتمامه بأشياء أخرى، ومشاريع أخرى، انتهت بموت (أما) وزواجه الذي كان جاهزاً للاستهلاك، ومعداً في ذهنه منذ مدة.
أكاد أرى جثمان (أما) يخرج مرة أخرى من ها الباب الضيق يليه حشد من قراء القرآن.. ونساء يحترفن البكاء في المآتم.
أكاد أرى موكباً آخر يعود بعد أسابيع، بعروس صغيرة هذه المرة.. ونساء يحترفن الزغاريد والمواويل.
ثم تلك الليلة التي قبّلت فيها حسان وودعته قبل أن ألتحق بالجبهة.
لم يسألني ليلتها إلى أين كنت ذاهباً. كان حسان وهو في عامه الخامس عشر، قد سبق عمره بسنوات.
كان مثلي جعله اليتم يكبر على عجل.. وعلّمه ذلّه أن يصمت ويحتفظ لنفسه بالأسئلة.
سألني:
- .. وأنا؟
وأجبته بالذهول نفسه:
- مازلت صغيراً يا حسان.. انتظرني..
فقال وكأنه يتقمّص فجأة صوت (أما) وخوفها المرضيّ عليّ:
- عندك على روحك.. آ خالد..
وأجهش بالبكاء.
ها هو الوطن الذي استبدلته بأمي يوماً.
كنت أعتقد أنه وحده قادر على شفائي من عقدة الطفولة، من يتمي ومن ذلّي.
اليوم.. بعد كل هذا العمر، بعد أكثر من صدمة وأكثر من جرح، أدري.. أن هناك يُتم الأوطان أيضاً. هنالك مذلّة الأوطان، ظلمها قسوتها، هنالك جبروتها وأنانيتها.
هنالك أوطان لا أمومة لها.. أوطان شبيهة بالآباء.
***
لم أنم ليلتها حتى ساعة متقدمة من الصباح.
كان للقائي الليلي مع تلك المدينة مذاق مسبق لمرارة ما. وما كدت أغفو حتى أيقظني من غفوتي أصغر أولاد حسان، الذي استيقظ باكراً وراح يبكي بكاء رضيع يطالب بحضن أمه، ووجبته الصباحية.
حسدت براءته وجرأته الطفولية.. وقدرته على قول ما يريد دون كلام.
في ذلك الصباح، وفي أول لقاء لي مع تلك المدينة، فقدت لغتي.
شعرت أن قسنطينة هزمتني حتى قبل أن نلتقي، وأنها جاءت بي إلى هنا، لتقنعني بذلك لا غير!
ولم أشعر برغبة في مقاومة قدري.
لقد هزمت من مرّوا قبلي، وصنعت من جنونهم بها أضرحة للعبرة.
وأنا آخر عشاقه المجانين..
أنا ذا العاهة الآخر الذي أحبها، أنا"أحدب نوتردام" الآخر، وأحمق قسنطينة الآخر.. ما الذي أوصلني إلى جنون كهذا؟ ما الذي أوقفني عند أبواب قلبها عمراً؟
وكانت تشبهك..
تحمل اسمين مثلك، وعدة تواريخ للميلاد. خارجة لتوّها من التاريخ، باسمين: واحد للتداول.. وآخر للتذكار.
كان اسمها يوماً "سيرتا". قاهرة كانت.. كمدينة أنثى.
وكانوا رجالاً.. في غرور العسكر!
من هنا مرّ صيفاكس.. ماسّينيسا.. ويوغررطة.. وقبلهم آخرون.
تركوا في كهوفها ذاكرتهم. نقشوا حبّهم وخوفهم وآلهتهم.
تركوا تماثيلهم وأدواتهم، وصكوكهم النقدية، أقواس نصرهم وجسوراً رومانية..
.. و رحلوا.
لم يصمد من الجسور سوى واحد. ولم يبق من أسمائها سوى اسم "قسنطينة" الذي منحه لها من ستة عشرة قرناً "قسطنطن".
أحسد ذلك الإمبراطور الروماني المغرور، الذي منح اسمه لمدينة لم تكن حبيبته بالدرجة الأولى.. وإنما اقترن بها لأسباب تاريخية محض.
وحدي منحتك اسما لم يكن اسمي.
وربما لذلك، يحدث أن أعاكس قانون الحماقات هذا. وأنادي تلك المدينة "سيرتا" لأعيدها إلى شرعيّتها الأولى.
تماما.. كما أناديك "حياة".
ككلّ الغزاة.. أخطأ قسطنطين.
المدن كالنساء.. نحن لا نمتلكها لمجرد أننا منحناها اسمنا.
لقد كانت "سيرتا" مدينة نذرت للحب والحروب، تمارس إغراء التاريخ، وتتربّص بكل فاتح سبق أن ابتسمت له يوماً من علوّ صخرتها.
كنسائها كانت تغري بالفتوحات الوهمية..
ولكن لم يعتبر من مقابرها أحد!
هنا أضرحة الرومان.. والوندال.. والبيزنطيين.. والفاطميين.. والحفصيين.. والعثمانيين.. وواحد وأربعين باياً تناوبوا علها قبل أن تسقط في يد الفرنسيين.
هنا وقفت جيوش فرنسا سبع سنوات بأكملها على أبواب قسنطينة.
فرنسا التي دخلت الجزائر سنة 1830، لم تفتح هذه المدينة الجالسة على صخرة، إلا سنة 1837، سالكة ممراً جبليا تركت فيه نصف جيشها، وتركت فيه قسنطينة خيرة رجالها.
منذ ذلك اليوم، ولد أكثر من جسر حول تلك المدينة، وكثرت الطرقات المؤدية إليها.
ولكن، كانت الصخرة دائماً أكبر من الجسور، لأنها تدري أن لا شيء تحت الجسور سوى الهاوية!
ها هي مدينة تتربص بكل فاتح.. تلف نفسها بملاءتها السوداء وتخفي سرّها عن كل سائح.
تحرسها الوهاد العميقة من كل جانب، تحرسها كهوفها السرية وأكثر من وليّ صالح، تبعثرت أضرحتهم على المنعرجات الخضراء تحت الجسور.
هنا القنطرة.. أقرب جسر لبيتي ولذاكرتي. أعبرها تلقائيا وكأنني أرسمها، مشياً على الأقدام، بين الدوار المبهم والتذكار وكأنني أعبر حياتي، أجتاز العمر من طرف إلى آخر.
كل شيء كان يبدو مسرعاً على هذا الجسر. السيارات والعابرون وحتى الطيور، وكأن شيئاً ما كان ينتظرهم على الطرف الآخر.
ربما كان بعضهم يجهل آنذاك أن الذي يبحث عنه، قد يكون تركه خلفه، وأنه في الحقيقة، لا فرق بين طرفي الجسر. الفرق الوحيد هو ما في فوقه.. وما تحته.
تلك الهاوية المخيفة التي يفصلك عنها حاجز حديدي لا أكثر، والتي لا يتوقف أحد لبنظر إليها، ربما لأن الإنسان بطبعه لا يحب أن يتأمل الموت.. كثيرا.
وحدي تستوقفني هذه الهاوية الموغلة في العمق.
ترى لأنني أتيتها بأفكار مسبقة وذاكرة متوارثة؟ أم سلكت هذا الطريق، لأنفرد بهذه المدينة على جسر؟
***
هنالك حماقات يجب عدم ارتكابها، كأن تأخذ موعداً مع ذاكرتك على جسر.
خاصة عندما تتذكر فجأة، تلك القصة التي نسيتها تماماً منذ سنين..
قصة جدك البعيد الذي رمى بنفسه يوماً من جسر ربما كان هذا.. بعدما توعده أحد البايات بالقتل.. عندما جاءه خبر خيانته وتآمره عليه مع بعض وجهاء قسنطينة للإطاحة به. هو الذي كان مبعوثه ورسوله الخاص.. ورجل ثقته.
كان جدّي يومها أضعف من أن يقف بمفرده في وجه ذلك الأمر القاطع بالقتل. وكان أيضاً أكبر من أن يُقاد ليقف بين يدي ذلك الباي ذليلاً..
ولذا عندما أرسل الباي من يحضره إليه.. كان جدي جثة في هوة سحيقة كهذه، أسفل وادي الرمال، فقد رفض أن يمنح الباي شرف قتله.
سمعت هذه القصة مرة واحدة من فم أبي، يوم سألته عن سر هذا الاسم الذي نحمله.
يبدو أنه كان لا يحب رواية هذه الحادثة. فقد كان الانتحار في حدّ ذاته عاراً وكفراً في مجتمع قسنطيني متدين. ولهذا هاجرت عائلتنا بعد ذلك إلى غرب الجزائر مستبدلة باسم نكرة اسمها الأول. ولم تعد إلى قسنطينة إلا بعد جيل وأكثر، باسمٍ لمدينة أخرى.
أعيد نظري إلى أسفل.
ماذا تراني جئت أبحث هنا، في هذا الجسر المعلّق على ارتفاع مئة وسبعين متراً من جوف الأرض، والذي تعبره أسراب الغربان على عجل؟
تراني أبحث عن بقايا جدّ ما، كان اسمه أحمد.. يقال إنه كان وسيماً وذا مالٍ وعلم كبير، وأنه رمى يوماً كل شيء من هنا.. ليترك حزنه وجرحه إرثاً لتلك العائلة.
هذه هي قسنطينة..
مدينة لا يهمها غير نظرة الآخرين لها، تحرص على صيتها خوفاً من القيل والقال الذي تمارسه ب...ق. وتشتري شرفها بالدم تارة.. والبُعد والهجرة تارة أخرى.
تراها تغيّرت؟
أذكر أنني سمعت وأنا شاب بعائلة غادرت قسنطينة فجأة إلى مدينة أخرى، بعدما شاع أن إحدى الأغاني التي ما يزال يغنّيها "الفرقاني" اليوم، قد نظمها أحدهم تغزّلاً في إحدى بناتها!
ويظل السؤال.. ما الذي جئت أفعل هنا فوق هذا الجسر؟
تراني على موعد مع ذاكرتي، أم فقط مع لوحتي في هذا الصباح؟
ها أنا أقف أمامها اليوم دون فرشاة ولا ألوان، وبلا قلق أو خوف من مربّع القماش الأبيض.
أنا لست خالقها في هذه اللحظة. لست رسّامها ولا مبدعها. أنا جزء منها. ويمكنني أن أصبح حتى جزءاً من تفاصيلها وتضاريسها.
يمكنني أن أجتاز هذا الحاجز الحديدي الذي يفصلني عنها، وكأنني أجتاز إطار لوحة.. كأنني أخترقها لأسكنها إلى الأبد.
أتدحرج نحو هذا الوادي الصخري العميق نقطة بشرية، قطرة للونٍ ما.. على لوحةٍ أبدية، لمنظر أردت أن أرسمه.. فرسمني.
أليست هذه أجمل نهاية لرسّام، أن يتوحد مع لوحته في مشهد واحد؟
كنت أدري في تلك اللحظة وأنا أنظر إلى الوهاد العميقة تحتي، إلى تلك الأنفاق الصخرية التي يشطرها نهر الرمال ببطء زبديّ، أن "الهاوية الأنثى" كانت تستدرجني إلى العمق، في موت شبقيّ أخير، ربما كان فرصتي الأخيرة للتوحد الجسديّ مع قسنطينة، ومع ذاكرة جدّ بدأت أشعر بتواطؤ غامض معه.
ترى شهوة السقوط والتحطم هي التي أشعرتني عندئذٍ بالدوار، وأنا معلّق على ذلك الجسر وحدي؟
وإذا بي أشعر فجأة بالخجل من هذه المدينة.. وأكاد أعتذر لها. وحدهم الغرباء هنا يشعرون بالدوار. فمتى بالتحديد وضعتني قسنطينة في خانتهم؟
ورغم ذلك أعترف، أنني لم أكن يومها مستعداً للموت.
ليس تمسكاً منيّ بالحياة. ولكن لأنني وصلت بذلك الحزن الجارف العميق الذي اجتاحني منذ وطئت هذه المدينة، إلى عاطفة غامضة متطرفة أخرى.
لقد وصلت بمرارتي وخيبتي حد الطمأنينة والسعادة المبهمة.
فلقد تعلّمت أن أسخر من استفزاز الأشياء لي، وأقابل تلك المواجهة مع الذاكرة بشيء من التهكم المرّ.
ألم آت هنا إثر قرارٍ جنوني، ربما بحثاً عن الجنون في مدينة تكاد تحترفه! ولذا بدأت أتلذّذ سراً بهذه اللعبة الموجعة، وأحرص على أن أعيش صدماتي بمازوشيّة متعمّدة. فربما كانت خيبتي اليوم مع هذه المدينة، هي منجم جنوني وعبقريتي القادمة.
وبرغم ذلك قررت فجأة أن أهرب من ذلك الجسر الذي كان بداية جنوني يوماً.
فجأة تطيّرت منه، أن الذي أولعت به طويلاً وحولته إلى ديكور لحياتي، بعدما أحطت نفسي بأكثر من نسخة منه.
أيكون ذلك الإحساس جاءني، وأنا ألمح من حيث كنت تلك السفوح الجبلية التي كانت يوماً مرشوشة بشقائق النعمان.. وأزهار النرجس المنثور بين الممرات الخضراء، والتي كان أهل قسنطينة يأتون إليها كل سنة لاستقبال الربيع.. محمّلين بما أعدّته النساء لتلك المناسبة من "براج" وحلويات وقهوة.. والتي تبدو اليوم حزينة، وكأن أزهارها غادرتها لسبب غامض؟
أم تراه منظر مزار (سيدي محمد الغراب) الذي يعود فجأة إلى الذاكرة. وإذا بي أستعيد ما قرأته عنه مؤخراً في كتاب تاريخي عن قسنطينة. فتعبرني قشعريرة غامضة.

فداء
12-08-2007, 03:02 AM
ماذا لو لاحقتني دون أن أدري اللعنة التي لاحقت صالح باي أكبر بايات قسنطينة على الإطلاق بسبب هذا الجسر؟ هو الذي كان يريد أن يختم إنجازاته المعمارية الهائلة، وإصلاحاته المختلفة التي وهبها لتلك المدينة، بإصلاح جسر القنطرة، اللسان الترابي الوحيد الذي كان يربط المدينة بالخارج، والجسر الوحيد الذي صمد من بين خمسة جسور رومانية.
تقول أسطورة شعبية، إن هذا الجسر كان أحد أسباب هلاك (صالح باي) ونهايته المفجعة..
فقد قتل فوقه (سيدي محمد)، أحد الأولياء الذين كانوا يتمتّعون بشعبية كبيرة. وعندما سقط رأس الرجل الولي على الأرض، تحول جسمه إلى غراب، وطار متوجهاً نحو دار صالح باي الريفية التي كانت على تلك السفوح. ولعنه واعداً إياه بنهاية لا تقل قسوة ولا ظلماً عن نهاية الولي الذي قتله.
فما كان من صالح باي إلا أن غادر بيته وأراضيه إلى الأبد، تطيّراً من ذلك الغراب، واكتفى بداره في المدينة.
هكذا أطلق الناس على ذلك المكان اسم "سيدي محمد الغراب"، ليبقى بعد قرنين مزار المسلمين واليهود في قسنطينة، يأتونه في نهايات الأسبوع وفي المواسم، لقضاء أسبوع كامل يرتدون خلاله ثياباً وردية، يؤدون بها طقوساً متوارثة جيلاً عن جيل، فيقدّمون له ذبائح الحمام، ويستحمّون في المياه الدافئة لبركته الصخرية حيث كانت تستحمّ السلاحف، ويعيشون على شرب "العروق" لا غير، والاستسلام لنوبات رقص بدائية، في حلقات جماعية يؤدونها في الهواء الطلق.. على وقع بندير "الفقيرات".
ولكن قسنطينة، لم تحقد على بايها الذي وهبها الكثير من الوجاهة والرفاهية.
سوّت فقط بطيبة أو بجنون.. بين القاتل والقتيل.
صنعت من (سيدي محمد الغراب) أشهر مزار وليّ قسنطيني على الإطلاق، في مدينة يحمل كل شارع فيها اسم وليّ.
وخلّدت من بين واحد وأربعين باياً حكمها، اسم صالح باي وحده، فكتبت فيه أجمل أشعارها، وغنّت فجيعة موته في أجمل أغنية رثاء. ومازالت تلبس حداده حتى اليوم مع ملاءات نسائها السوداء.. دون أن تدري!
هذه هي قسنطينة..
لا فرق بين لعنتها ورحمتها، لا حاجز بين حبّها وكراهيّتها، لا مقاييس معروفة لمنطقها.
تمنح الخلود لمن تشاء، وتنزل العقاب بمن تشاء.
فمن عساه يحاسبها على جنونها، ومن عساه يحسم موقفه منها، حباً أو كراهية.. إجراماً أو براءةً.. دون أن يعترف أنها تحمل في كل الحالات ضدّها؟
***
في كل يوم كنت أقضيه في تلك المدينة، كنت أتورط أكثر في ذاكرتها، فرحت أبحث في سهراتي مع حسان، وأحاديثنا الجانبية الطويلة، التي تمتد بنا أحياناً حتى ساعة متأخرة من الليل.. عن وصفة أخرى للنسيان.
أبحث في ذلك الجو العائلي الذي افتقدته طويلاً عن طمأنينة أخرى خارج فضائها.
كان لوجودي في ذلك البيت العائلي الذي أعرفه ويعرفني، تأثير على نفسيّتي في تلك الأيام. وربما كان سندي السريّ الذي لم أتوقّعه. لقد كنت أعود إليه كل ليلة، وكأنني أصعد نحو دهاليز طفولتي البعيدة، لأصبح جنيناً من جديد..
أختبئ في جوف أمٍ وهمية، مازال مكانها هنا فارغاً منذ ثلاثين سنة.
يحدث في تلك الليالي أن أذكر زياد، يوم أقام عندي لبضعة أشهر في الجزائر، عندما رفض مستأجره أن يجدّد له عقد إيجار البيت.
تعوّدت وقتها أن أترك له سريري، وأنام على فراش آخر وضعته على الأرض في غرفة أخرى.
وكان زياد يحتج ويشعر بشيء من الإحراج، معتقداً أنني أفعل ذلك مجاملة له.
وكنت أوكّد له كل مرة، أنني اكتشفت بفضله أنني أسعد أكثر بالنوم على الأرض. فقد كان ذلك الفراش الأرضي يذكّرني بطفولتي وبنومي إلى جوار أمي لعدة سنوات، على ذلك المطرح الصوفي الذي ما زلت أذكر لونه الأزرق. بل وتلك الأيام التي كانت تخصّصها (أمّا) كل خريف، لغسل الصوف وتجديد تلك المطارح الصوفية التي كانت الأثاث الأساسي لغرفة نومي.
تمنّيت لو طلبت من عتيقة أن تضع لي في المستقبل فراشاً على الأرض، تماماً كما تفعل مع أولادها الذين ينامون في الغرف الأخرى، على فراش أرضي مشترك يوحي بالدفء والرغبة بالانزلاق تحت أغطيته الصوفية الجميلة التي تثير غيرتي وحنيني لزمنٍ لم أعد أدري لبعده، إن كنت عشته حقاً.. أم تخيّلته.
ولكن أيعقل أن أطلب هذا الطلب من عتيقة؟ هي التي أعطتني أجمل غرف بيتها، غرفة نومها العصرية المعدّة لاستقبال الضيوف، أكثر منها لقضاء ليالٍ زوجية.. للحب؟
لو فعلت هذا فلربما أحرجتها، ولما وجدت تفسيراً لجنوني هذا. فقد كانت عتيقة تشارك أحياناً في سهرتنا، وتحاول أن تستنجد بي، بصفتي رجلاً متحضّراً قادماً من باريس، لأقنع أخي بالتخلي عن هذا البيت العربي القديم، وهذه الطريقة المتخلّفة في العيش. وتكاد تعتذر لي عن كل الأشياء التي كانت تبدو في نظري جميلة.. ونادرة.
ولأنني لم أكن أملك القدرة على إقناعها برأيي، ولا الجرأة على معاكسة رأيها، كنت أكتفي بالاستماع إلى نقاشها مع حسان، ذلك النقاش الذي يكاد يتحول أحياناً إلى شجار قبل أن تنسحب هي إلى النوم، ويعلّق حسان شبه معتذر:
"لا يمكن أن تقنع امرأة تشاهد مسلسل (دالاس) على التلفزيون، أن تسكن بيتاً كهذا وتحمد الله.. لا بد أن يوقفوا هذا المسلسل، ماداموا عاجزين عن منح الناس سكناً محترماً.. وحياة أفضل..".
كنت أحسد قناعة حسان. وأعجب بفلسفته في الحياة.
كان يقول: "لكي تكون سعيداً عليك أن تنظر إلى من تحتك. فإذا كان في يدك قطعة رغيف، ونظرت لمن ليس في يده شيء، ستسعد وتحمد الله. وأما إذا رفعت رأسك كثيراً ونظرت لمن في يدهم قطعة "كعك" فأنت لن تشبع، بل ستموت قهراً فقط.. وتتعس باكتشافك!".
وهكذا ففي نظر حسان أن العيش في بيت كهذا برغم كل سلبياته التي تبدو أحياناً مزعجة، بتفاصيلها الصغيرة التي تجاوزها العصر، يظل أفضل مما يعانيه آلاف الناس. بل وعشرات الآلاف الذين لم يجدوا بيتاً واسعاً كهذا يسكنونه بمفردهم مع أولادهم وزوجتهم. بل كثيراً ما يتقاسمون مع أهلهم وأقاربهم، الشقة الضيقة التي تكون بيتاً لعائلتين لعدة سنوات.
هكذا كان حسان..
"لقد كانت نظرته إلى الأشياء نظرة عمودية، فقد تعلم كل ما تعلمه في صباه على سبورة بالحائط..".
وكان سعيداً بتلك النظرة التي قد تعود أيضاً إلى عقليته كموظف محدود الدخل.. ومحدود الأحلام!
فَبِمَ يمكن أن يحلم أستاذ للعربية يقضي يومه في شرح النصوص الأدبية، وسرد سيرة الكتّاب والشعراء القدامى على تلاميذه.. وتصحيح أخطائهم النحوية والإنشائية، ولا يجد متسعاً من الوقت _أو الجرأة_ لشرح ما كان يحدث أمامه، وتصحيح أخطاء أكبر ترتكب على مرأى منه باسم كلمات خرجت فجأة من اللغة، لتدخل قاموس الشعارات والمزايدات؟.
كان في أعماق حسان مرارة غامضة تبدو على كل تفاصيل حياته. ولكنه كان يحتفظ بها لنفسه.
من الواضح أنه كان متعباً وغارقاً في مشكلات أولاده الستّة وزوجته الشابة التي تحلم بحياة أخرى غير حياة قسنطينة المغلقة. وأما هو فلم يكن يجرؤ على الحلم، أو بالأحرى كان يحلم آنذاك بالعثور على شخص يتوسط له ليحصل على ثلاجة جديدة.. لا غير!
عندما عرفت أمنيته البسيطة الصعبة، حزنت وأنا أكتشف أننا لم نكن متخلّفين عن أوربا وفرنسا فقط، كما كنت اعتقد، وإلا لهان الأمر.. وبدا منطقياً. لقد كنا متخلّفين عما كنّا عليه منذ نصف قرن وأكثر. يوم كنّا تحت الاستعمار.
يومها كانت أمنياتنا أجمل.. وأحلامنا أكبر.
يكفي أن تتأمل وجوه الناس اليوم وأن تسمع أحاديثهم وأن تلقي نظرة على واجهات المكتبات لتفهم ذلك.
يومها كنّا وطناً يصدّر الأحلام.. مع كل نشرة أخبار إلى كل شعوب العالم.
وكانت هذه المدينة بمفردها تصدّر من الجرائد والمجلات والكتب ما لا تصدّره اليوم المؤسسات الوطنية لا نوعاً.. ولا عداً.
يومها كان لنا من المفكرين والعلماء.. والشعراء والظرفاء والكتاب، ما يملأنا زهواً وغروراً بعروبتنا.
اليوم.. لم يعد أحد يشتري الجرائد ليحتفظ بها في خزانة، إذ لم يعد في الجرائد ما يستحق الحفظ.
ولم يعد أحد يجلس إلى كتاب ليتعلّم منه شيئاً. لقد أصبح البؤس الثقافي ظاهرة جماعية، وعدوى قد تنتقل إليك وأنت تتصفّح كتاباً. " لقد كانت الكتب دائماً على صواب في ذلك العهد، وكان الواحد منّا فصيحاً يتكلم كما تتكلم الكتب..".
واليوم أصبحت الكتب تكذب أيضاً.. مثلها مثل الجرائد. ولذا تقلّص صدقنا.. وماتت فصاحتنا، منذ أصبح حديثنا يدور فقط حول المواد الاستهلاكية المفقودة!
عندما قلت يومها هذا الكلام لحسان، ظل يتأملني بذهول وكأنه اكتشف شيئاً لم ينتبه له من قبل.. ثم قال بشيء من الحسرة:
- صحيح.. لقد خلقوا لنا أهدافاً صغيرة لا علاقة لها بقضايا العصر. وانتصارات فردية وهمية، قد تكون بالنسبة للبعض الحصول على شقة صغيرة بعد سنوات من الانتظار.. أو قد تكون الحصول على ثلاجة، أو التمكن من شراء سيارة.. أو حتى دواليبها فقط! ولا أحد عنده متسع من الوقت والأعصاب ليذهب أكثر من هذا، ويطالب بأكثر من هذا..
نحن متعبون.. أهلكتنا هموم الحياة اليومية المعقّدة التي تحتاج دائماً إلى وساطة لحل تفاصيلها العادية. فكيف تريد أن نفكّر في أشياء أخرى، عن أيّ حياة ثقافية تتحدث؟ نحن همّنا الحياة لا غير.. وما عدا هذا ترف.. لقد تحولنا إلى أمة من النمل، تبحث عن قوتها وجحر تختبئ فيه مع أولادها لا أكثر..
سألته بسذاجة:
- وماذا يفعل الناس؟
قال مازحاً:
- الناس..؟ لا شيء.. البعض ينتظر.. والبعض يسرق.. والبعض الآخر ينتحر، هذه مدينة تقدم لك الاختيارات الثلاثة بالمبررات نفسها.. والحجة نفسها!
يومها خفت على حسان من تلك المدينة.. وانتابتني فجأة قشعريرة مبهمة.
سألته دون تفكير.. وكأنني أسأله أي الوصفات الثلاثة أختار:
- وهل لك أصدقاء هنا تلتقي بهم.. وتخرج معهم؟
أجابني وكأنه يعجب لسؤالي، أو يسعد لاهتمامي المفاجئ بكل تفاصيل حياته:
- لي أصدقاء معظمهم مدرسون معي في الثانوية.. ما عدا هذا ليس لي أحد.. لقد فرغت قسنطينة من أهلها، ورحلت كل العائلات القديمة التي عرفناها.
وراح يسرد عليّ أسماء عائلات كبيرة هاجرت أو راحت تستقر في العاصمة أو في الخارج، لتترك تلك المدينة لآخرين.. جاء معظمهم من القرى و المدن الصغيرة المجاورة.
قبل أن يضيف تلك الجملة التي لم تستوقفني ساعتها، والتي أخذت بعد ست سنوات كل أبعاد القدر الأحمق، قال:
- لقد أصبح سكان هذه المدينة الأصليون، لا يزورونها سوى في الأعراس.. أو في المآتم!
وقبل أن أعلّق على كلامه، أضاف وكأنه تذكّر شيئاً:
- سأعرفك على ناصر ابن سي الطاهر.. من المؤكد أنه سيأتي بعد غدٍ لحضور زواج أخته. سترى.. لقد أصبح رجلاً بطولك وبضخامتك، وهو يتردد عليّ منذ بضعة أشهر، منذ قرّر أن يستقر في قسنطينة. إنه الوحيد الذي قام بهجرة معاكسة. لقد رفض حتى منحة إلى الخارج.. تصور! لا أحد يصدّق هذا.. عندما سألته لماذا لم يسافر مثل الآخرين ويهرب من هذا البلد، قال لي: "أخاف إن سافرت ألا أعود أبداً.. كل أصحابي الذين سافروا لم يعودوا..".
ضحكت وأنا أكتشف هذا التطرف الذي يذكّرني بك، وكأنه سمة عائلية. وشعرت برغبة في إطالة ذلك الحديث الذي كان يؤدي إليك بطريقة.. أو بأخرى..
سألته:
- وماذا يفعل الآن؟
- لقد أعطوه بصفته ابن شهيد محلاً تجارياً وشاحنة يعودان عليه بدخل كبير. ولكنه مازال ضائعاً متردداً، يفكر أحياناً في مواصلة دراسته، ثم أحياناً أخرى في التفرّغ للتجارة. والحقيقة أنني عاجز عن نصحه. فمن المؤسف أن ينقطع إنسان عن دراسته العليا، لأنه سيظل يشعر بذلك النقص طوال حياته.. ومن ناحية أخرى، لم تعد تفيد الشهادات اليوم في شيء حسب قوله، وهو يرى شباباً بشهادات عليا عاطلين عن العمل، وآخرين جهلة يتنقّلون في سيارات مرسيدس ويسكنون فيلات فخمة.. ليس هذا زمناً للعلم.. إنه زمن الشّطارة.. فكيف يمكن أن تقنع اليوم صديقك أو حتى تلميذك بالتفاني في المعرفة؟. لقد اختلت المقاييس نهائياً..
قلت لحسان:
المهم أن يعرف الإنسان ما هو هدفه الحقيقي في الحياة.. هل المال هو مشكلته الأولى.. أم المعرفة وتوازنه الداخلي؟
ردّ حسان مازحاً:
- توازن..؟ عن أي توازن تتحدث.. نحن شعب نصف مختلّ. لا أحد فينا يدري ما يريد بالضبط.. ولا ماذا ينتظر بالتحديد.. إن المشكل الحقيقي هو هذا الجو الذي يعيشه الناس، وهذا الإحباط العام لشعبٍ بأكمله. إنه يفقدك شهية المبادرة والحلم والتخطيط لأي مشروع. فلا المثقفون سعداء.. ولا الجاهلون ولا البسطاء ولا الأغنياء. قل لي يرحم والديك.. ماذا يمكن أن تفعل بعلمك إذا كنت ستنتهي موظفاً يعمل تحت إشراف مدير جاهل، وُجِد في منصبه مصادفة ليس لسعة معرفته، وإنما.. لكثرة معارفه وعرض أك.....! وماذا يمكن أن تفعل بأموالك في قسنطينة مثلاً.. سوى أن تدفعها عمولة لتحصل على شقة غير صالحة للسكن في معظم الأحيان.. أو تقيم عرساً بها يغنّي فيه "الفرقاني"؟ أما إذا كان كل ما تملكه لا يتجاوز العشرين ألف دينار.. فيبقى أمامك أن تدفعها "شراب قهوة" لمسؤول محليّ يختبئ خلف أيّ موظّف آخر، ليبيع جوازات سفر إلى الحجّ. وهكذا يمكنك أن تؤدي فريضتك وتحجز لك غرفة صغيرة في الآخرة.. بعدما ضاقت بك الدنيا!
صحت عجباً:
- واش.. أحقاً تقول.. هل يبيعون جوازات سفر إلى الحج بمليونين!؟
- طبعاً.. لأن الحكومة حددت عدد الحجاج كل عام بسبب تكاليفهم الباهظة بالعملة الصعبة، بعدما اكتشفت أن معظمهم يسافر عدة مرات لأسباب لا علاقة لها بالحج، وإنما لأغراض تجارية محض. وإلا كيف تفسر أن يكون بعضهم قد حج ست مرات أو سبعاً دون أن يكون ذلك واضحاً على سلوكه وأخلاقه؟ أنا أعرف حاجاً "سوكارجي" لا تفارق الخمرة بيته، وأعرف آخر متفرغاً للترافيك و"البزنيس".. وتغيير العملة الصعبة في الأسواق السوداء.. هؤلاء مازالوا يسافرون كل عام للحج. يمكنهم أن يحصلوا على عشرين ألف دينار بسهولة. وأما أنا فمن أين لي هذا المبلغ لأقوم بتأدية فريضتي، ودخلي لا يتجاوز الأربعة آلاف دينار في الشهر؟
قلت له وأنا أنتقل من دهشة إلى أخرى:
- علاش.. هل تنوي الحج؟
- طبعاً.. ولم لا.. ألست مسلماً؟ لقد عدت إلى الصلاة منذ سنتين ولولا إيماني لأصبحت مجنوناً. كيف يمكن أن تصمد أمام كل هذا المنكر وهذا الظلم دون إيمان؟ وحدها التقوى تعطيك القدرة على الصمود.. انظر حولك: لقد توصّل جميع الناس إلى هذه النتيجة وربما الشباب أكثر من غيرهم لأنهم الضحية الأولى في هذا الوطن.. وحتى ناصر نفسه أصبح يصلّي منذ عاد إلى قسنطينة، ربما لهذا السبب وربما لأن الدين كالكفر.. عدوى أيضاً! والله يا خالد.. لو رأيتهم يوم الجمعة يتجهون إلى المساجد بالآلاف حتى تضيق بهم جدرانها.. وتفيض بهم الشوارع.. لوقفت معهم تصلي دون أن تتساءل لماذا!
لم أجد شيئا أعلّق به على كلام حسان في تلك السهرة العجيبة، التي طالت بنا حتى الثانية صباحاً. فقد كان حسان سعيداً بوجودي، وسعيداً ببدء العطلة الصيفية التي تسمح له بالسهر والتحدث إليّ طويلاً بعد كل هذه السنوات التي باعدتنا.
فتركته يتحدث.. ويعري أمامي هذا الوطن الذي كنت كسوته حنيناً وعشقاً وجنوناً.
أكان يخاف عليّ من خيبتي،ويخشى أن يفقد فرحة عودتي إليه وإلى هذا الوطن مرة أخرى، عندما كان يتوقف أحياناً عن الحديث لينتقل بي إلى موضوع آخر؟ كأن يستدرجني مثلاً بطريقة غير مباشرة إلى الدين وإلى التقوى والإيمان. ويغريني بالتوبة، وكأن وجودي في فرنسا بحد ذاته قد أصبح ذنبا وكفراً.
أهذا هو حسان؟.
لم أمنع نفسي ساعتها من الابتسام وأنا أتذكر أنني أحضرت له معي زجاجتيْ ويسكي كالعادة..
تساءلت ليلتها وأنا في فراشي عن ذنوبي. حاولت أن ألخصها، أن أحصرها.. فلم أجدها أكبر من ذنوب غيري، بل وربما وجدتها أقل بدرجات..
لم أكن مجرماً.. ولا مقامراً.. ولا كافرا.. ولا كاذباً.. ولا سكّيراً.. ولا خائناً..
لم تكن لي زوجة ولا سرير شرعي استبدلت به آخر.
خمسون سنة من الوحدة. نصفها تماماً ما يمكن أن أسمّيه "السنوات المعطوبة" تلك التي قضيتها بذراعٍ واحدة، مشوّه الجسد والأحلام.
كم أحببت من النساء؟. لم أعد أذكر. منذ حبّي الأول لتلك الجارة اليهودية التي أغريتها. إلى تلك الممرضة التونسية التي أغرتني. إلى نساء أخريات.. لم أعد أذكر أسماءهن ولا ملامحهن، تناوبن على سريري لأسباب جسدية محض، وذهبن محملات بي لأبقى فارغاًً منهن..
وجئتِ أنتِ..
أكبر ذنوبي على الإطلاق كنت أنتِ. المرأة الوحيدة التي لم أمتلكها، والذنب الوحيد الذي لم أقترفه حقاً.
لقد كانت ذنوبي معك، هي ما يمكن أن أسميه "ذنوب اليد اليمنى".. اليد الوحيدة التي رسمتك بها.. واستحضرتك بها.. واغتصبتك بها.. وهما!
فهل سيعاقبني الله على ذنوب يدٍ لم يترك لي سواها!؟
لا أذكر من قال: "ليس الفضيلة تجنّب الرذيلة، الفضيلة في ألا تشتهيها!
وأعتقد أنني بهذا المفهوم فقط.. لم أكن رجلاً فاضلاً.
فقد كان لا بد ألا أشتهيك أنتِ.. وألا أبدأ رذيلتي معك. كان لحبك طعم المحرمات والمقدسات التي يجب تجنّبها، والتي كنت أنزلق نحوها دون تفكير.
لقد كان الأمر المدهش حقاً في قصتي معك، أن تكون المبررات التي جعلتني أحبك، هي التي كان يجب أن تجعلني أعدل عن حبك. ولهذا ربما كنت أحبك وأعدل عن حبك.. أكثر من مرة في اليوم. وبالتطرف نفسه كل مرة.
وأنا لا أفعل شيئاً في النهاية هنا، سوى البحث عن حدٍ لهذا المدّ والجزر العاطفي الذي أعيشه معك كل لحظة.
كنت أدري أن العاشق مثل المدمن، لا يمكن أن يقرر بمفرده الشفاء من دائه، وأنه مثله يشعر أنه ينزل تدريجياً كل يوم أكثر نحو الهاوية. ولكنه لا يمكن أن يقف على رجليه ويهرب، مادام لم يصل إلى أبعد نقطة في الجحيم، ويلامس بنفسه قعر الخيبة والمرارة القصوى.
وكنت سعيداً في تلك الليلة..
تلك السعادة الغامضة المرة، لأنني كنت أدري أن كل شي سوف يحسم في اليومين القادمين، وأنني بطريقة أو بأخرى سأنتهي منك.
كانت زوجة حسان في تلك السهرة منهمكة في إعداد نفسها للحدث الهام، ولمرافقة الموكب النسائي في الغد إلى الحمام، ثم إلى ليلة الحنة.
وكانت كثيرة الحركة ومشغولة عنا وعن أولادها بهمومها النسائية، وبما ستأخذه في حقيبتها من ثياب للحمام، حيث ستستعرض النساء مثل العادة كل شيء حتى ثيابهن الداخلية.. ليتظاهرن بغناهنّ الكاذب في معظم الأحيان.. أو ليقنعن أنفسهن فقط، أنهن مازلن برغم كل شيء قادرات على إغراء رجل، تماماً مثل تلك العروس التي يرافقنها.. والتي يتأمّلنها بحسد سريّ.
فليكن.. غداً تبدأ طقوس أفراحك.. وينتهي ذلك الزمن الذي سرقناه من الزمن.
أجمل الأحلام إذن سيدتي في انتظار غدك.
ولتصبح على خير.. أيها الحزن!
يوقظني الحب المضاد في هذا الصباح الصيفي.. ويرمي بي في الشوارع.
قررت حال استيقاظي أن أهرب من البيت، ومن حديث عتيقة الذي لا ينقطع عن مراسيم الحفل، وعن أسماء الشخصيات والعائلات الكبيرة التي جاءت خصيصاً لتحضر ذلك الحدث الذي لم تشهد قسنطينة مثله منذ سنوات.
ولكنها لحقت بي حتى الباب لتواصل حديثها:
- على بالك.. يقال إنهم حضروا كل شيء من فرنسا.. منذ شهر والطائرة تنقل لوازم العرس.. لو رأيت جهاز العروس وما لبسته البارحة.. يا حسرة.. قال لك "واحد عايش في الدنيا.. وواحد يوانس فيه..!"
أجبتها وأنا أغلق خلفي الباب، وكأنني أغلق بعنف أبواب قلبي:
- ما عليهش.. البلد لهم والطائرات أيضاً. ويمكنهم أن يجلبوا إليه كما أخذوا منه ما شاؤوا!
أين أهرب؟
ها أنا أوصدت الباب خلفي، وإذا لا شي أمامي.. سواي.
رميت بخطاي دون تفكير وسط أفواج المارة الذين يجوبون الشوارع هكذا كل يوم دون جهة محددة.
هنا.. أنت تملك الخيار بين أن تمشي، أو تتكئ على جدار، أو تجلس في مقهى لتتأمل الذين يمشون أو يتكئون أمامك.. على حائط الرصيف المقابل..
رحت أمشي..
شعرت في لحظة ما، أننا نطوف جميعاً حول هذه المدينة الصخرة، دون أن ندري تماماً.. ماذا يجب أن نفعل بغضبنا، ماذا يجب أن نفعل ببؤسنا.. وعلى من نرمي هذا الحصى الذي امتلأت به جيوبنا الفارغة.
من الأوْلى بالرّجم في هذا الوطن؟ من؟ ذلك الجالس فوق الجميع.. أم أولئك الجالسون فوقنا؟
حضرني لحظتها عنوان رواية لمالك حداد.. "الأصفار تدور حول نفسها".
تمنيت لو أنني قرأتها، عساني أجد تفسيراً لكل هذه الدوائر التي تحولنا إليها.
ثم قادتني أفكاري إلى مشهد شاهدته يوماً في تونس لجمل مغمض العينين، يدور دون توقف في ساحة (سيدي بوسعيد)، ليستخرج الماء من بئر أمام متعة السواح ودهشتهم.
استوقفني يومها عيناه اللتان وضعوا عليهما غمامة ليتوهم أنه يمشي إلى الأمام دائماً، ويموت دون أن يكتشف أنه كان يدور في حلقة مفرغة.. وأنه قضى عمره دائراً حول نفسه!
ترانا أصبحنا ذلك الجمل الذي لا يكاد ينتهي من دورة حتى يبدأ أخرى تدور به بطريقة أو بأخرى حول همومه الصغيرة اليومية؟
تُرى هذه الجرائد التي تحمل لنا أكياساً من الوعود بغدٍ أفضل، ليست سوى رباط عينين، يخفي عنا صدمة الواقع وفجيعة الفقر والبؤس الحتمي الذي أصبح لأول مرة يتربص بنصف هذا الشعب؟
وأنا.. تراني لم أعد أعرف المشي إلى الأمام في خط مستقيم لا يعود بي تلقائياً إلى الوراء.. إلى هذا الوطن الذاكرة؟
وهذا الوطن.. من أين له هذه القدرة الخارقة على لَيّ المستقيمات، وتحويلها إلى دائرة.. وأصفار!
ها هي الذاكرة سياج دائري يحيط بي من كل جانب.
تطوّقني أول ما أضع قدمي خارج البيت. وفي كل اتجاه أسلكه تمشي إلى جواري الذكريات البعيدة..
فأمشي نحو الماضي مغمض العينين.. أبحث عن المقاهي القديمة تلك التي كان لكل عالم أو وجيه مجلسه الخاص فيها، حيث كانت تعد القهوة على الوجاق الحجري وتقدم بالجزوة.. ويخجل نادل أن يلاحقك بطلباته. كان يكفيه شرف وجودك عنده.
في ذلك الزمن كان لابن باديس المقهى الذي كان يتوقف عنده، وهو في طريقه إلى المدرسة. كان اسمه (مقهى بن بامينة).
وكان هنالك (مقهى بو عرعور) حيث كان مجلس بلعطّار وباشتارزي وحيث كنت ألمح أبي أحياناً وأنا أمر بهذا الطريق.
أين ذلك المقهى لأحتسي فيه هذا الصباح فنجان قهوة نخب ذكراه؟
كيف أعثر على مقهى لم يكن كبيراً سوى بأسماء رواده؟ كيف أجده.. في هذا الزمن الذي كبرت فيه المقاهي وكثرت، لتسع بؤس المدينة. وإذا بها متشابهة وحزينة كوجوه الناس؟
لم يعد يميزها شيء. حتى تلك الهيبة التي كانت سمة أهل قسنطينة، وذلك الشاش والبرنس المتألق بياضاً، أصبح نادراًً وباهتاً اليوم.
ربما كان أول ما لفت نظري ذلك الصباح، ذلك الزيّ الموحّد لتلك المدينة التي تستيقظ كما تنام بحزن غامض. ذلك اللون القاتم المتدرج والمشترك بين الجنسين.
النساء ملفوفات بملاءاتهن السوداء التي لا يبدو منها شيء سوى عيونهن.
والرجال في بدلاتهم الرمادية أو البنية التي لا تختلف عن لون بشرتهم.. ولا لون شعرهم. والتي يبدون وكأنهم اشتروها جميعاً عند خياط واحد.
وقلما كان يبدو من بين الحشود نقطة ضوء، أو لون زاهٍ لفستانٍ أو لبدلةٍ صيفية.
تراني كنت أنظر ذلك الصباح إلى تلك المدينة، بعيون رسام لا تلفت نظره سوى الألوان، ويكاد لا يرى سواها في كل شيء. أم تراني كنت أراها فقط بعيون الماضي وخيبة الحاضر؟
رميت بنفسي وسط أمواج الرجال الضائعين مثلي في تلك المدينة. شعرت لأول مرة أنني بدأت أشبههم.
مثلهم أملك وقتاً ورجولة لا أدري ماذا أفعل بها. فلا أملك إلا أن أمشي ساعات في الشوارع كما يمشون.. محملاً ببؤسي الحضاري.. وبؤسي الجنسي الآخر.

فداء
12-08-2007, 03:03 AM
ها نحن نتشابه فجأة في كل شيء. في لون شعرنا ولون بدلتنا وجرّ أحذيتنا وخطانا الضائعة على الأرصفة.
نتشابه في كل شيء، وأنفرد وحدي بك. ولكن هل يغير ذلك شيئاً؟
حبك الذي استدرجني حتى هذه المدينة، أعادني إلى تخلّفي دون علمي. رمى بي وسط هذه الجموع الرجالية، التي تسير ببطء تحت الشمس الصيفية، دون وجهة محددة، ودون أن تدري ماذا تفعل بتلك الأشعة التي تختزنها الأجساد المحمومة في النهار، وتنفقها الأيدي البائسة سرّاً في الليل.. في الملذات الفردية.
تتوقف فجأة خطواتي أمام جدران بيت لا يشبه بيوتاً أخرى.
هنا كانت أكبر "دار مغلقة" يرتادها الرجال. وكان لها ثلاثة أبواب تؤدي إلى شوارع وأسواق مختلفة.
لقد كانت في الواقع داراً مغلقة مشرعة، مدروسة ليتسلل إليها الرجال من أية جهة، ويخرجوا منها من أية جهة أخرى.
كان الرجال يؤمونها من كل صوب، هرباً من المدن والقرى المجاورة، التي لا ملّذات فيها ولا نساء.
وكانت النساء الجميلات والبائسات، يأتين أيضاً من كل المدن المجاورة ليختفين خلف هذه الجدران المصفرة، التي لا يخرجن منها إلا عجائز لينفقن ثروتهن في الصدقات والحسنات، وتطهير الأيتام في موسم توبتهن الأخيرة.
هنا أنفق أبي ثروته ورجولته..!
أحاول ألا أتوقف عند ذلك البيت الاستثنائي، الذي كان لعدة سنوات سبب حزن أمي السري، وربما موتها قهراً.
وكان لعدة سنوات أيضاً سرّ نشوتي السرية، وأحلامي المكبوتة أيام صباي، يوم كنت أحلم به ولا أجرؤ على دخوله، ربما خوفاً من أن ألتقي بأبي هناك، وربما أيضاً لأنني كنت مكتفياً بمغامراتي العابرة المسروقة فوق السطح تارة، أو في غرف المؤونة التي قلما يفتحها أحد..
اليوم لم يعد أبي هناك ليمنعني احتمال وجوده في هذا "البيت" من الدخول.
لقد رحل بعدما ترك تاريخه بامتياز خلف هذه الجدران، تماماً كما يفعل أيّ فلسطيني ثري ومحترم على أيامه.
ألم تكن جدتي تقول وقتها لتعلم أمي الصبر، وتعودها على تقبّل تلك الخيانة بفخر: "إن ما يفعله الرجال.. طرّز على أك....م!".
وكان أبي يطرّز مغامراته جرحاً ووشماً على جسد (أمّا) دون أن يدري.
ماذا أصبح هذا "البيت" لست أدري..
يُقال إنهم أغلقوه وربما ظل له باب واحد فقط.. بعدما أغلقت أبوابه الأخرى، في إطار سياسة تقليص الملذات في هذه المدينة، أو احتراماً لعشرات المساجد التي نبتت على صدر هذه الصخرة، والتي يرتفع صوتها مجتمعة مرات في اليوم، ليذكّر الناس بمزايا الإيمان والتوبة..
وكنت في تلك اللحظة، كمعظم رجال هذه المدينة، أقف في الحد الفاصل بين شهوة الجسد وعفة الروح. يتجاذبني إلى أسفل النداء السري لتلك الغرف المظلمة الشبقية.. حيث تحلو الخطايا.. ويسمو بي إلى أعلى ذلك النداء الآخر، لتلك المآذن التي افتقدت طويلاً تكبيرها، ورهبة آذانها الذي كان يدعو إلى الصلاة، فيخترق بقوته دهاليز نفسي، ويهزني لأول مرة منذ سنوات.
لقد أصبحت في بضعة أيام رجلاً مزدوجاً كهذه المدينة، وبدأت أعي أن ليس في هذا العالم المسكون بالأضداد من مدن بريئة. ومدن فاجرة.
هنالك مدن منافقة.. وأخرى أقل نفاقاً فقط..
وليس هناك من مدن بوجه واحد.. وحرفة واحدة. وقسنطينة أكثر المدن وجوهاً.. وتناقضاً.
ها هي مدينة تستدرجك إلى الخطيئة. ثم تردعك بالقوة نفسها التي تستدرجك بها.
كل شيء هنا دعوة مكشوفة للجنس.. شيء ما في هذه المدينة يغري بالحب المسروق: قيلولاتها التي لا تنتهي.. صباحاتها الدافئة الكسلى.. وليليها الموحش المفاجئ. طرقاتها المعلّقة بين الصخور.. أنفاقها السرية الموبوءة الرطوبة.. منظر جبل الوحش وما حوله من ممرات متشعّبة.. غابات الغار والبلّوط.. وكل تلك المغارات والأنفاق المختبئة.
ولكن.. عليك أن تكتفي بالت... على عادات النفاق المتوارثة هنا من أجيال، وتتحاشى النظر إلى هذه المدينة في عينيها حتى لا تربكها.. وترتبك!
فالجميع هنا يعرفون أن خلف شوارعها الواسعة تختبئ الأزقّة الضيقة الملتوية، وقصص الحب غير الشرعية، واللذة التي تسرق على عجل خلف باب.. وتحت ملاءتها السوداء الوقور، تنام الرغبة المكبوتة من قرون. الرغبة التي تعطي نساءها تلك المشية القسنطينية المنفردة، وتمنح عيونهن تحت (العجار)، ذلك البريق النادر.
تعوّدت النساء هنا منذ قرون، على حمل رغبتهنّ كقنبلة موقوتة، مدفونة في اللاوعي. لا تنطلق من كبتها إلا في الأعراس، عندما تستسلم النساء لوقع البندير، فيبدأن الرقص وكأنهن يستسلمن للحب، بخجل ودلال في البداية. يحركن المحارم يمنة ويسرة على وقع "الزندالي".. فتستيقظ أنوثتهن المخنوقة تحت ثقل ثيابهن وصيغتهن.
يصبحن أجمل في إغرائهن المتوارث.
تهتز الصدور وتتمايل الأرداف، ويدفأ فجأة الجسد الفارغ من الحب.
تشبّ فيه فجأة الحمى التي لم يطفئها رجل. ويتواطأ البندير الذي تسخنه النساء مسبقاً مع الجسد المحموم، فتزيد الضربات فجأة قوة وسرعة. وتنفك ضفائر النساء، وتتطاير خصلات شعرهن، وينطلقن في حلبات الرقص كمخلوقات بدائية تتلوى وجعاً ولذة في حفلة جذب وتهويل، يفقدن خلالها كل علاقة بما حولهن، وكأنهن خرجن فجأة من أجسادهن، من ذاكرتهن وأعمارهن، ولم يعد يمكن أحدا أن يعيدهن إلى هدوئهن السابق.
وكما في طقوس اللذة.. وطقوس العذاب، يدري الجميع أنه لا يجب وقف ضربات البندير، ولا قطع وقعها المتزايد، قبل أن تصل النساء إلى ذروة لا شعورهن ولذتهن، ويقعن على الأرض مغمى عليهن، تمسكهن نساء من خصورهن، وترشهن أخريات بالريحة والعطر الجاهز لهذه المناسبات.. حتى يعدن تدريجياً إلى وعيهن.
هكذا تمارس النساء الحب.. وَهْماً في قسنطينة!
قسنطينة التي أغرتني.. بليلة حب وهمية، وقبلت صفقتها السرية، مقابل شيء من النسيان.
فأين النسيان قسنطينة.. وفي كل منعطف يتربص بي جرح؟
هل الحنين وعكة صحية؟
مريض أنا بك قسنطينة.
كان موعدنا وصفة جرّبتها للشفاء، فقتلتني الوصفة.
تراني تجاوزت معك جرعة الشوق المسموح بها في هذه الحالات؟
لم أشتركِ في صيدلية جاهزة في طريق، لأرفع دعوى على بائع الأقدار الذي وضعك في طريقي.
لقد صنعتك أنا بنفسي، وقست كل تفاصيلك على مقاييسي..
أنت مزيج من تناقضي، من اتّزاني وجنوني، من عبادتي وكفري..
أنت طهارتي وخطيئتي. وكل عقد عمري.
الفرق بينك وبين مدينة أخرى.. لا شيء.
لعلك كنت فقط المدينة التي قتلتني أكثر من مرة لسبب مناقض للأول.. كل مرة.
فأين الحد الفاصل بين جرعة الشفاء وجرعة الموت هذه المرة؟ وفي مواسم الخيبة، تصبح الذاكرة مشروباً مراً يُبتلع دفعة واحدة، بعدما كان حلماً مشتركاً يُحتسى على مهل؟
هنا تبدأ الذاكرة المشتركة، وشوارع يسكنها التاريخ وينفرد بها.
بعضها مشيتها مع سي الطاهر وأخرى مع آخرين.
هنا شارع يحمل اسمه.. وشوارع تذكر عبوره. وها أنذا أتوحد بخطاه وأواصل طريقاً لم نكمله معاً.
تمشي العروبة معي من حيّ إلى آخر. ويملؤني فجأة شعور غامض بالغرور.
لا يمكن أن تنتمي لهذه المدينة، دون أن تحمل عروبتها.
العروبة هنا.. زهو ووجاهة وقرون من التحدّي والعنفوان.
مازالت لحية (ابن باديس) وكلمته تحكم هذه المدينة حتى بعد موته.
مازال يتأملنا في صورته الشهيرة تلك. ملتحياً وقاره، متّكئاً على يده، يفكر في ما أُلنا إليه بعده.
ومازالت صرخته التاريخية تلك بعد نصف قرن. النشيد غير الرسمي الوحيد.. الذي نحفظه جميعاً.
شعب الجزائر مسلم *** وإلى العروبة ينتسبْ
من قال حاد عن أصله *** أو قال مات فقد كذبْ
أو رام إدماجاً له *** رام المحال من الطلبْ
صدقت نبوءتك لنا يا ابن باديس.. لم نمت.
فقط ماتت شهيّتنا للحياة. فماذا نفعل أيها العالم الفاضل؟
لا أحد توقّع لنا الموت يأساً. كيف يموت شعب يتضاعف كل عام؟
يا نشء أنت رجاؤنا *** وبك الصباح قد اقتربْ
ذلك النشء الذي تغنيت به.. لم يعد يترقب الصباح، مذ حجز الجالسون فوقنا.. الشمس أيضاً. إنه يترقب البواخر والطائرات.. ولا يفكر سوى بالهرب.
أمام كل القنصليات الأجنبية تقف طوابير موتانا، تطالب بتأشيرة حياة خارج الوطن.
دار التاريخ وانقلبت الأدوار. أصبحت فرنسا هي التي ترفضنا، وأصبح الحصول على "فيزا" إليها ولو لأيام.. هو "المحال من الطلب"!
لم نمت ظلماً.. متنا قهراً. فوحدها الإهانات تقتل الشعوب.
في زمن ما كنا نردد هذا النشيد في سجن قسنطينة. كان يكفي أن ينطلق من زنزانة واحدة، لتردده زنزانات أخرى، لم يكن مساجينها سياسيين.
كان لكلماته قدرة خارقة على توحيدنا. اكتشفنا مصادفة هناك صوتنا الواحد.
كنا شعباً واحداً ترتعد الجدران لصوته. قبل أن ترتعد أجسادنا تحت التعذيب.
هل بحّ صوتنا اليوم.. أم أصبح هناك صوت يعلو على الجميع. مذ أصبح هذا الوطن لبعضنا فقط؟
***
ولدت كل هذه الأفكار في ذهني وأنا أعبر ذلك الشارع، وألتقي بعد 37 سنة مع جدران سجن كنت يوماً أراها من الداخل.
ولكن هل يصبح السجن شيئاً آخر لمجرد أننا ننظر إليه من الخارج، وهل يمكن للعين أن تلغي الذاكرة اليوم، وهل يمكن لذاكرة أن تلغي أخرى؟
كان سجن "الكديا" جزءاً من ذاكرتي الأولى التي لن تمحوها الأيام.
وها هي الذاكرة تتوقف أمامه وترغم قدميّ على الوقوف، فأدخله من جديد كما دخلته ذات يوم من سنة 1945 مع خمسين ألف سجين ألقيّ عليهم القبض بعد مظاهرات 8 ماي الحزينة الذكر.
وكنت أكثر حظاً، قياساً إلى الذين لم يدخلوه يومها.
خمسة وأربعون ألف شهيد سقطوا في مظاهرة هزّت الشرق الجزائري كله بين قسنطينة وسطيف وقالمة وخرّاطة.
وكانوا أول دفعة رسمية لشهداء الجزائر. جاء استشهادهم سابقاً لحرب التحرير بسنوات.
هل أنساهم؟
أأنسى أولئك الذين دخلوه ولم يخرجوا منه، وظلّت جثثهم في غرف التعذيب؟ وأولئك الذين ماتوا بأكثر من طريقة للموت، رفاقنا الذين اختاروا موتهم وحدهم؟
هنالك إسماعيل شعلال. كان مجرد عامل في البناء. وكانت له مهمة حفظ وثائق "حزب الشعب" وأرشيفه السري. وكان أول من تلقّى زيارة الاستخبارات العامة الذين دقّوا باب غرفته الصغيرة الشاهقة صارخين "البوليس..افتح".
وبدل أن يفتح إسماعيل شعلال الباب.. فتح نافذته الوحيدة. ورمى بنفسه على وادي الرمال، ليموت هو وسرّه في وديان قسنطينة العميقة.
أيمكن اليوم، وحتى بعد نصف قرن، أن أذكر إسماعيل دون دموع، هو الذي مات حتى لا يبوح بأسمائنا تحت التعذيب؟
وهنالك صوت (عبد الكريم بن وطاف) الذي كانت صرخات تعذيبه تصل حتى زنزانتنا، خنجراً يخترق جسدنا أيضاً ويبعث فيه الشحنات الكهربائية نفسها. وصوته يشتم بالفرنسية معذّبيه ويصفهم بالكلاب والنازيّيين والقتلة.. فيأتي متقطّعاً بين صرخة وأخرى.
"criminels.. assassins.. salauds.. nazis"
فيرد عليه صوتنا بالأناشيد الحماسية والهتاف.
ويصمت صوت بن وطاف.
وهنالك (بلال حسين) أقرب صديق إلى سي الطاهر، أحد رجال التاريخ المجهولين، وأحد ضحاياه.
كان بلال نجّاراً. لم يكن رجل علم ولكن على يده تعلّم جيل بأكمل الوطنية. فقد كان محلّه القائم تحت جسر (سيجي راشد) مقرّ الاجتماعات السرية.
أذكر أنه كان يستوقفني وأنا أمرّ بمحلّه متجهاً إلى ثانوية قسنطينة، فيعرض عليّ قراءة جريدة "الأمة" أو منشوراً سرياً.
وكان خلال سنتين يهيؤني سياسياً للانخراط في "حزب الشعب". ويضعني أمام أكثر من امتحان ميداني، كان لا بد لكل عضو أن يمر به قبل أن يؤدي قسم الانخراط في الحزب. ويبدأ نشاطه في إحدى الخلايا التي كان يحددها بلال.
في ذلك المحل الذي لا أثر له اليوم، كان يلتقي القادة السياسيون. ويعطي (مصالح الحاج) تعليماته الأخيرة. وفيه نوقشت الشعارات التي رفعها المتظاهرون، وكُتبت ليلاً على اللافتات لتكون مفاجأة فرنسا.
وعندما انطلقت تلك المظاهرة من فوق جسر (سيدي راشد) كما خطط لها بلال لأسباب تكتيكية، يسهل معها تجمع المتظاهرين ثم تبعثرهم من كل الطرقات المؤدية للجسر. أدهشت القوات الفرنسية بدقتها ونظامها غير المتوقع. وكان بلال أول من أُلقي القبض عليه يومها.. ومن عذّب للعبرة.
ولم يمت بلال حسين كغيره. قضى سنتين في السجن والتعذيب. ترك فيهما جلده على آلات التعذيب.
أذكر أنه ظلّ لعدة أيام عاري الصدر، عاجزاً حتى أن يضع قميصاً على جلده، حتى لا يلتصق بجراحه المفتوحة، بعدما رفض طبيب المستشفى تحمل مسؤولية علاجه.
ثم خرج محكوماً عليه بالنفي والرقابة المشددة. وعاش بلال حسين مناضلاً في المعارك المجهولة، ملاحقاً مطارداً حتى الاستقلال. ولم يمت إلا مؤخراً في عامه الواحد والثمانين في 27 ماي 1988، في الشهر نفسه الذي مات فيه لأول مرة.
مات بائساً، وأعمى، ومحروماً من المال والبنين.
اعترف قبل موته ببضعة أشهر لصديقه الوحيد، أنهم عندما عذّبوه تعمدوا تشويه رجولته، وقضوا عليها إلى الأبد.
وأنه في الواقع مات منذ أربعين سنة..
يوم وفاته، جاء حفنة من أنصاف المسؤولين لمرافقته إلى مثواه الأخير. أولئك الذين لم يسألوه يوماً بماذا كان يعيش، ولا لماذا لا أهل له.
مشوا خلفه خطوات.. ثم عادوا إلى سياراتهم الرسمية، دون أدنى شعور بالذنب.
لم يكن أحد يعرف سره الذي احتفظ به أربعين سنة كاملة، بحياء رجل من جيله ومن طينته.
فهل كان يستحق ذلك السر، كل ذلك الكتمان؟
كان بلال حسين آخر الرجال في زمن الخصيان..
وكان المبصر في زمن عميت فيه البصائر..
فهل أنسى بلال حسين؟

فداء
12-08-2007, 03:04 AM
ها هوذا سجن (الكديا)..
أتأمله كما نتأمل جدران سجن أول، دخلناه كما ندخل حلماً مزعجاً لم نكن مهيأين له.
مرت سنوات كثيرة، قبل أن أدخل سجناًً آخر، كان جلادوه هذه المرة جزائريين لا غير. ولم يكن له من عنوان معروف، ليعرف طيف (أمّا) طريقه إليّ فيأتيني كما كانت تأتي لزيارتي هنا في الماضي، باكية متضرّعة لكل حارس..
ها هوذا سجن (الكديا).. كم من قصص مؤلمة، وأخرى مدهشة عرفها هذا السجن، الذي تناوب عليه أكثر من ثائر، لأكثر من ثورة.
سنة 1955.. أي عشر سنوات بالضبط بعد أحداث 8 ماي 1945. عاد هذا السجن للصدارة، بدفعة جديدة لسجناء استثنائيين كانت فرنسا تعدّ لهم عقاباً استثنائياً.
في الزنزانة رقم 8.. المعدة لانتظار الموت. كان ثلاثون من قادة الثورة ورجالها الأوائل، ينتظرون موثقين، تنفيذ الحكم بالإعدام عليهم، بينهم مصطفى بن بولعيد والطاهر الزبيري ومحمد لايفا وإبراهيم الطيب رفيق ديدوش مراد وباجي مختار وآخرون.
كان كل شيء معداً للموت يومها، حتى أن حلاق مساجين الحق العام، أخبر الشهيد القائد مصطفى بولعيد في الصباح، أنهم غسلوا المقصلة بالأمس، وأنه حلم أنهم "نفذوا".
وكانت هذه الكلمة تحمل معنييْن بالنسبة لمصطفى بن بولعيد، الذي كان يعدّ منذ أيام خطة للهرب من (الكديا).. وكان شرع مع رفاقه منذ عدة أيام، في حفر ممر سري تحت الأرض، أوصلهم في المرة الأولى إلى ساحة مغلقة داخل السجن. فأعادوا الحفر من جديد، ليصلوا بعد ذلك إلى خارج السجن.
يوم 10 نوفمبر 1955، بعد صلاة المغرب، وبين الساعة السابعة والثامنة مساءً بالتحديد، كان نصطفى بولعيد ومعه عشرة آخرون من رفاقه، قد هربوا من (الكديا)، وقاموا بأغرب عملية هروب من زنزانة لم يغادرها أحد ذلك اليوم.. سوى إلى المقصلة.
بعد ذلك سقط القائد مصطفى بولعيد وبعض من فرّوا معه، شهداء في معارك أخرى لا تقل شجاعة عن عملية فرارهم، فتصدّروا برحيلهم كتب التاريخ الجزائري، وأهم الشوارع والمنشآت الجزائرية.
بينما نُفِّذ حكم الإعدام، في من ظلّوا بالزنزانة، دون أن يتمكنوا من الهروب.
ولم يبق اليوم من السجناء الأحد عشر الذين هربوا من الكديا، سوى اثنين على قيد الحياة. ومات الرجال الثمانية والعشرون الذين جمعتهم الزنزانة رقم ثمانية يوماً، لقدرٍ كان مقرراً أن يكون.. واحداً.
كلما وقفت أمام الجدران العالية لهذا السجن تبعثرت ذاكرتي، وذهبت لأكثر من وجه، لأكثر من اسم، ولأكثر من جلاد. وشعرت برغبة في فتح أبواب سجون أخرى مازالت مغلقة على أسرارها، دون أن تجد كاتباً واحداً يردّ دين من مرّوا بها.
وقتها كنت أحسد ذلك الرفيق الذي جمعتني به زنزانة هنا لبضعة أسابيع.
كنا آنذاك.. أنا وهو، أصغر معتقلينْ سياسيينْ. وربما كان ياسين يصغرني ببضعة أشهر.
كان عمره ستة عشر عاماً فقط.
ورغم أنهم أطلقوا سراحي لصغر سنّي، فقد رفضوا أن يطلقوا سراح ياسين. وبقي في سجن (الكديا) أربعة عشر شهراً. يحلم بالحرية.. وبامرأة تكبره بعشر سنوات، كانت في السادسة والعشرين من عمرها.. وكان اسمها "نجمة"!
وبينما عدت أنا بعد ستة أشهر من السجن إلى الدراسة، راح ياسين يكتب بعد عدة سنوات رائعته "نجمة".
تلك الرواية الفجيعة، التي ولدت فكرتها الأولى هنا. في ذلك الليل الطويل، وفي مخاض المرارة والخيبة والأحلام الوطنية الكبرى.
أذكر أن ياسين كان مدهشاً دائماً. كان مسكوناً بالرفض وبرغبة في التحريض والمواجهة.
ولذا كان ينقل عدواه من سجين إلى آخر. وكنا نستمع إليه، ونجهل وقتها أننا أمام (لوركا) الجزائر، وأننا نشهد ميلاد شاعر سيكون يوماً، اكبر ما أنجب هذا الوطن من مواهب.
مرت عدة سنوات، قبل أن ألتقي بكاتب ياسين في منفاي الإجباري الآخر بتونس.
اكتشفت بفرح لا يخلو من الدهشة أنه لم يتغير.
مازال يتحدث بذلك الحماس نفسه، وبلغته الهجومية نفسها، معلناً الحرب على كل من يشتمّ فيهم رائحة الخضوع لفرنسا أو لغيرها.
لقد كانت له حساسية ضد الإهانات المهذبة، وضد قابلية البعض للانحناء.. الفطري!
كان يومها يلقي محاضرة في قاعة كبرى بتونس، عندما راح فجأة يهاجم السياسيين العرب، والسلطات التونسية بالتحديد.
ولم يستطع أحد يومها إسكات ياسين.
فقد ظل يخطب ويشتم حتى بعدما قطعوا عليه صوت الميكروفون، وأطفأوا الأضواء ليرغموا الناس على مغادرة القاعة.
يومها دفعت في جلسة تحقيق مع البوليس ثمن حضوري في الصف الأمامي وهتافي على ياسين "تعيش.. آ ياسين..".
لم ينتبه أحد وقتها إلى وجوه من صفّقوا. ولكن بعض من كان يعنيهم الأمر انتبهوا إلى يدي الوحيدة المرفوعة تأييداً.. وإعجاباً.
يومها اكتشفت البعد الآخر لليد الواحدة. فقدر صاحبها أن يكون معارضاً ورافضاً، لأنه في جميع الحالات.. عاجز عن التصفيق!
احتضنته بعدها وقلت: "ياسين.. لو رزقت ولداً سأسميه ياسين.."
وشعرت بشيء من العنفوان والمتعة، كأنني أقول له أجمل ما يمكن أن نقوله لصديق أو لكاتب.
فضحك ياسين وهو يربت على كتفي بيدٍ عصبية كعادته عندما يربكه اعتراف ما.
وقال بالفرنسية: "أنت أيضاً لم تتغير.. مازلت مجنوناً!"
وضحكنا لنفترق لعدة سنوات أخرى.
تراني كنت أريد أن أكون وفيّاً لذاكرتنا المشتركة، أم فقط، كنت أريد أن أعوّض بذلك عن عقدتي تجاه "نجمة"، الرواية التي لن أكتبها، والتي كنت أشعر أنها بطريقة أو بأخرى، كانت قصّتي أيضاً. بأحلامي وخيباتي، بملامح (أمّا) الواقفة على حافة اليأس والجنون، الراكضة بين السجن والأولياء الصالحين، تقدّم الذبائح لسيدي محمد الغراب، والعمولات لحارس السجن اليهودي، الذي كان جارنا.. حتى يأتيني بين الحين والآخر بقفّة الأكل الذي تعدّه لي. (أمّا) التي كدت لا أعرفها عندما غادرت السجن بعد ستة أشهر، والتي أمام انشغال أبي عني وعنها، بتجارته وعشيقاته، أصبحت لا تطلب من الله إلا عودتي لها. وكأنني الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبرر وجودها، والشاهد الوحيد على أمومتها وأنوثتها المسلوبة.
نعم كنا في النهاية جيلاً بقصة واحدة، بجنون الأمهات المتطرفات في الحب، بخيانة الآباء المتطرفين في القسوة، وبقصص حب وهمية، وخيبات عاطفية، يصنع منها البعض روائع عالمية في الأدب، ويتحول آخرون على يدها إلى مرضى نفسانيين.
تراني لا أفعل شيئاً بكتابة هذا الكتاب، سوى محاولة الهروب من صنف المرضى إلى صنف المبدعين؟
آه ياسين.. كم تغير العالم منذ ذلك اللقاء.. منذ ذلك الوداع..
أنت الذي أنهيت روايتك قائلاً على لسان ذلك البطل:
"وداعاً أيها الرفاق.. أيّ شباب عجيب ذاك الذي عشناه!."
لم تكن تتوقع وقتها، أن عمرنا سيكون أعجب من سنوات شبابنا بكثير!
غداً سيكون عرسكِ إذن..
وعبثاً أحاول أن أنسى ذلك، وأمشي في شوارع قسنطينة، يسلّمني زقاق إلى آخر.. وذاكرة إلى أخرى.
أما قلتِ إنك لي مادمنا في هذه المدينة؟
أين تكونين الآن إذن؟ في أي شارع.. في أي زقاق من هذه المدينة المتشعّبة الطرقات والأزقة كقلبك، والتي تذكّرني بحضورك وغيابك الدائم، وتشبهك حد الارتباك؟
لستِ لي..
أدري أنهم يعدّونك الآن لليلة حبك القادمة. يعدّون جسدك لرجل آخر ليس أنا. بينما أهيم أنا على جرحي لأنسى الذي يحدث هناك.
مليئاً كان يومك، كيوم عروس، وفارغاً كان يومي، كيوم موظّف متقاعد.
منذ زمان أخذ كلّ واحد منا طريقاً مخالفاً للآخر. وها نحن نعيش بمفّكرتين متناقضتينْ، إحداهما للفرح وأخرى للحزن. فكيف أنسى ذلك؟
كانت كل الطرق تؤدي إليك، حتى تلك التي سلكتها للنسيان، والتي كنت تتربّصين لي فيها.
كلّ المدارس والكتاتيب العتيقة.. كل المآذن.. كلّ "البيوت المغلقة".. كلّ السجون.. كل المقاهي.. كل الحمامات التي كانت تخرج منها النساء أمامي جاهزات للحب، كل الواجهات التي تعرض الصيغة والثياب الجاهزة للعرائس. وحتى.. تلك المقبرة التي ألقيت نفسي في سيارة أجرة، ورحت أبحث فيها عن قبر (أمّا)، وأستعين بسجلات حارسها لأتعرف على أرقام الممرات التي كانت توصل إليها.. أوصلتني إليك لا غير.
(أمّا).. لماذا قادتني قدماي إليها ذلك اليوم بالذات، في ليلة عرسك بالذات؟ أرحت أزورها فقط.. أم رحت أدفن جوارها امرأة أخرى توهمّتها يوماً أمي؟
عند قبرها الرخامي البسيط مثلها، البارد كقدرها.. والكثير الغبار كقلبي، تسمّرت قدماي، وتجمّدت تلك الدموع التي خبأتها لها منذ سنوات الصقيع والخيبة.
ها هي ذي (أمّا).. شبر من التراب، لوحة رخامية تخفي كل ما كنت أملك من كنوز. صدر الأمومة الممتلئ.. رائحتها.. خصلات شعرها المحنّاة.. طلّتها.. ضحكتها.. حزنها.. ووصاياها الدائمة.. "عندك يا خالد يا ابني..".
(أمّأ) عوّضتها بألف امرأة أخرى.. ولم أكبر.
عوّضت صدرها بألف صدر أجمل.. ولم أرتوِ. عوّضت حبها بأكثر من قصة حب.. ولم أشف.
كانت عطراً غير قابل للتكرار. لوحة غير قابلة للتقليد ولا للتزوير.
فلماذا في لحظة جنون تصوّرت أنك امرأة طبق الأصل عنها؟ لماذا رحت أطالبك بأشياء لا تفهمينها، وبدور لن تطاليه؟
هذا الحجر الرخاميّ الذي أقف عنده أرحم بي منك.
لو بكيت الآن أمامه.. لأجهش بدوره بالبكاء.
لو توسّدت .... البارد، لصعد من تحته ما يكفي من الدفء لمواساتي.
لو ناديته (يا أمّا..) لأجابني ترابه مفجوعاً "واش بيك آ ميمة..؟".
ولكن كنت أخاف حتى على تراب (أمّا) من العذاب، هي التي كانت حياتها مواسم للفجائع لا غير.
كنت أخاف عليها حتى بعد موتها من الألم، وأحاول كلّما زرتها أن اخفي عنها ذراعي المبتورة.
ماذا لو كان للموتى عيون أيضاً؟
ماذا لو كانت المقابر لا تنام.. كم كان يلزمني من الكلام وقتها لأشرح لها كل ما حلّ بي بعدها؟
لم أجهش ساعتها بالبكاء، وأنا أقف أمامها بعد كلّ ذلك العمر.
نحن نبكي دائماً فيما بعد.
مرّرت فقط يدي على ذلك الرخام، وكأنني أحاول أن أنزع عنه غبار السنين وأعتذر له عن كل ذلك الإهمال.
ثم رفعت يدي الوحيدة لأقرأ فاتحة على ذلك القبر..
بدا لي وقتها ذلك الموقف، وكأنه موقف سريالي. وبدت يدي الوحيدة الممدودة للفاتحة وكأنها تطلب الرحمة بدل أن تعطيها..
فتنهّدت.. وأخفيت يدي.
ألقيتها داخل جيب سترتي.. وألقيت بخطاي خارج مدينة التراب.. والرخام.

فداء
12-08-2007, 03:04 AM
كان ترقب حسان وزوجته للعرس، واستعداداتهما الدائمة له، للقاء كل الذين سيحضرونه من شخصيات وعائلات كبيرة، يجعلني أستمع لهما أحياناً، وكأنني أستمع إلى أطفال يتحدثون عن "سيرك"، سيحلّ بمدينة لم يزرها سيرك ولا مهرّجون من قبل.
وكنت لذلك أشفق عليهما.. وأعذرهما.
لقد كانت قسنطينة في النهاية، مدينة لا يحدث فيها شيء ما عدا الأعراس. فتركتهما لفرحتهما ينتظران "السيرك عمَّار"، واحتفظت لنفسي بخيبتي.
كان كل شيء استثنائياً في ذلك اليوم. وكنت أعرف مسبقاً برنامجه من أحاديث السهرة.
سيذهب حسان لقضاء حاجاته في الصباح، ثم يصلّي صلاة الظهر في المسجد، وبعدها سيمر بي صحبة (ناصر) لنذهب جميعاً إلى حضور العرس.
أما عتيقة فقد تأخذ الأولاد وتذهب منذ الصباح لترافق العروس إلى الحلاق. ثم تبقى هناك لتقوم مع نساء أخريات بخدمة الضيوف وإعداد الطاولات.
كنت أشعر برغبةٍ في البقاء في سريري في ذلك الصباح، وعدم مغادرته قبل الظهر، ربما بسبب متاعب البارحة، وربما استعداداً للسهر والمتاعب الأخرى التي تنتظرني في ذلك اليوم..
وربما فقط لأنني لم أعد أدري أين يمكنني أن أذهب، بعدما قضيت أسبوعاً وأنا أهيم على وجهي في تلك المدينة التي كانت تتربّص بذاكرتي في كل شارع. وكنتِ تختبئين لي فيها خلف كل منعطف..
وجدت بعد تفكير قصير، أن السرير هو المكان الوحيد الذي يمكن أن أهرب منك إليه. أو على الأقل ألتقي فيه معك بلذّة وليس بألم.
ولكن..
هل سأجرؤ حقاً على استحضارك اليوم.. في هذه اللحظة التي كنت أدري أنك تتجمّلين فيها استعداداً لرجل آخر؟
هل سأجرؤ على استحضارك في هذا الصباح.. وهل سيغفر لك جسدي حقاً في لحظة نزوة كلّ خياناتك السابقة واللاحقة؟ كان ذلك جنوناً في جنون!!
ولكن أليس هذا الذي كنت تريدينه في النهاية، عندما قلت: "سأكون لك في تلك الليلة..".
كنت أشعر برغبة في امتلاكك في ذلك الصباح.
وكأنني أريد أن أسرق منك كل شيء، قبل أن أفتقدك إلى الأبد. فبعد اليوم لن تكوني لي، وستنتهي هذه اللعبة الموجعة الحمقاء التي لم تكن هوايتي قبلك.
موجعاً كان لقائي معك ذلك الصباح.
فيه كثير من الشراسة والمرارة الغامضة.
فيه كثير من الحقد والشهوة الجنونية.
لو كنتِ لي..
آه لو كنتِ لي ذلك الصباح.. في ذلك السرير الكبير الفارغ البارد دونك. في ذلك البيت الشاسع بذكريات الطفولة المبتورة.. وشهوة الشباب المكبوت الذي مر على عجل.
لو كنت لي.. لامتلكتك كما لم أمتلك امرأة هنا. لاعتصرتك بيدي الوحيدة في لحظة جنون. لحوّلتك إلى قطع.. إلى مواد أولية.. إلى بقايا امرأة.. إلى عجينة تصلح لصنع امرأة.. إلى أي شيء غيرك أنت، أي شيء أقلّ غروراً وكبرياءً.. أقلّ ظلماً وجبروتاً منك.
أنا الذي لم أرفع يدي الوحيدة في وجه امرأة، ربما كنت ضربتك ذلك اليوم حدّ الألم، ثم أحببتك حد الأم، ثم جلست إلى جوار جسدك أعتذر له..
أقبّل كل شيء فيك، أمحو بشفتيّ حمرة أطرافك المخضّبة بالحناء، لأوشّمك بشراسة القُبَل، عساك عندما تستيقظين تكتشفينني مرسوماً على جسدك كالوشم، بذلك اللون الأخضر الوحيد الذي لا يرسم إلا على الجسد!
من أين جاءني كلّ ذلك الجنون؟ أكنت أريد أن أنفرد بك وأمتلكك قبله، أم كنت أدري يومها بحدسٍ أو بقرارٍ مسبق أنني أنفق معك آخر رعشات اللذّة، وأنني سأضعك خارج هذا السرير بعد اليوم إلى الأبد؟
لم تكن مشكلتي معك مجرد شهوة. لو كانت لحسمتها يومها بطريقة أو بأخرى.
هنالك أكثر من امرأة هنا يمكن أن يمتلكها رجل دون جهد.
هنالك أكثر من باب نصف مفتوح ينتظر أن يفتحه رجل.
هناك جارات تتقاطع خطواتي بهنّ مراراً في هذه البيوت العربية المشتركة، وأدري رغبتهن السرية في الحب.
تعلمت مع الزمن، أن أفكّ رموز نظرات النساء المحتشمات.. والمبالغات في اللياقة والمفردات المؤدبة.
ولكنني كنت أتجاهل نظرتهن ودعوتهن الصامتة إلى الخطيئة.
لم أعد أدري اليوم.. إن كنت أتصرف كذلك عن مبدأ.. أم عن حماقة وشعور غامض بالغثيان؟
كنت في الواقع أشفق عليهن.. وأحتقر أزواجهن الذين يسيرون كالديوك المغرورة دون مبرر..
سوى أنهم يمتلكون في البيت دجاجة ممتلئة متشحّمة لم يقربها أحد ربما عن قرف!
أو أخرى شهيّة ومدجّنة حسب التقاليد ولا يتوقع صاحبها أنّ جناحيها القصيرين.. مازالا يمارسان القفز.. فطرياً!
يا لحماقة الديوك!
إذا كانت كل النساء عفيفات هنا، وشرف كل الرجال مصوناً، فمع من يزني هؤلاء إذن؟ وكلهم دون استثناء يتبجّح في المجالس الرجالية بمغامراته؟
أليس كل واحد منهم يضحك على الآخر.. ولا يدري أن هناك من يضحك عليه؟!
كم أكره ذلك الجو الموبوء بالنفاق.. وتلك القذارة المتوارثة.. بنزاهة!
يحدث عندما تتقاطع نظراتي بهنّ، أن أستعيد قولك مرة، عندما أبديت لك دهشتي مما جاء في روايتك الأولى.. ورحت أستجوبك بحثاً عن ذاكرة مشبوهة.
قلتِ:
"لا تبحث كثيراً.. لا يوجد شيء تحت الكلمات. إن امرأة تكتب هي امرأة فوق كل الشبهات.. لأنها شفافة بطبعها. إن الكتابة تطهّر مما يعلق بنا منذ لحظة الولادة.. أبحث عن القذارة حيث لا يوجد الأدب!"
وكانت القذارة المتوارثة أمامي في كل مكان، في عيون معظم النساء الجائعات لأي رجل كان.
في عصبية الرجال الذين يحملون شهوتهم تراكماً قابلاً للانفجار.. أمام أول أنثى.
ولكن كان عليّ أن أقاوم رغبتي الحيوانية ذلك اليوم. وألا أترك تلك المدينة تستدرجني إلى الحضيض.
فهنالك مبادئ لا يمكنني التخلّي عنها مهما حدث. كأن أعاشر امرأة متزوجة، تحت أي مبرر كان.
وربما كان هذا سر حزني الآخر. فقد كنت أدري أن مستحيلاً آخر قد أضيف إلى مستحيلات أخرى يومها، وأنك لن تكوني لي أبداً بعد اليوم.
لم أكن خجولاً من يدي اليمنى ذلك اليوم.
شعرت بشيء من الارتياح، وأنا أكتشف أنني برغم كل ما حلّ بي مازلت أحترم جسدي.
المهم في هذه الحالات، ألا نفقد احترام جسدنا ونحن نمنحه لأول عابر سبيل.
فأين يمكن أن نسكن بعد ذلك إن نحن أهنّاه.. وإن رفض أن ينسى ذلك؟
رميت فجأة بالغطاء، واتّجهت نحو النافذة وأشرعتها وكأنني أفتحها ليخرج طيفك منها إلى الأبد، ويدخل النور إلى تلك الغرفة.
في هذه المدينة المسكونة بالجنّ والسحرة، ماذا لو كنت جنّية تتسلل إليّ مع العتمة، تنام إلى جواري، تقصّ عليّ قصصاً عجيبة، تعدني بألف حلّ سحري لمأساتي.. ثم تختفي مع أول شعاع وتتركني لهواجسي وظنّي؟
هل خرج طيفك حقاً يومها من سريري.. من غرفتي وذاكرتي. وهرب من تلك النافذة؟ لا أدري!
أدري فقط أن قسنطينة، دخلت من تلك النافذة نفسها، التي قلّما فتحتها.
وإذا بالأذان يفاجئني من أكثر من مئذنة في آن واحد، ويسمّرني في مكاني أمام الأقدام المسرعة في كل الاتجاهات.
وكان جسر (سيدي راشد) يبدو بدوره منهمكاً في حركة دائمة كامرأة تستعد لحدثٍ ما.. مأخوذاً بهمومه اليومية، وبحماس نهايات الأسبوع.
وجدت في انشغاله عن حزني ذلك الصباح بالذات شيئاً شبيهاً بالخيانة.. وعدم العرفان بالجميل.
قررت بدوري ألا أجامله.. فأغلقت في وجهه وجهي.. ورَدَدْت النافذة..
وفجأة.. انتابتني رغبة جارفة للرسم. زوبعة شهوة الألوان.. تكاد توازي رغبتي الجنسية السابقة وتساويها عنفاً وتطرّفاً.
لم أعد في حاجة إلى امرأة.. شفيت من جسدي وانتقل الألم إلى أطراف أصابعي..
في النهاية لم يكن السرير مساحة للذّتي ولا لطقوس جنوني. وحدها تلك المساحة البيضاء المشدودة إلى الخشب كانت قادرة على إفراغي من ذاتي.
فيها أريد أن أصبّ الآن لعنتي، أبصق مرارة عمرٍ من الخيبات.
أفرغ ذاكرة انحازت للون الأسود.. مذ انحزت لهذه المدينة الملتحفة _حماقة_ بالسواد منذ قرون، والتي تخفي وجهها _تناقضاً_ تحت مثلث أبيض للإغراء.
سلاماً أيها المثلث المستحيل.. سلاماً أيتها المدينة التي تعيش مغلقة وسط ثالوثها المحرم ( الدين – الجنس – السياسة).
كم تحت عباءتك السوداء.. ابتلعت من رجال. فلم يكن أحد يتوقّع أن تكون لك طقوس مثلث (برمودا) وشهيته للإغراق..
كانت الأفكار الرمادية تتوالد في ذهني في ذلك الصباح. والغيظ يملؤني تدريجياً كلما تقدّمت الساعة واقترب وقت قدوم حسان وناصر لمرافقتي إلى ذلك البيت، لأحضر عرسك.
وكان غيظي وخيبتي قد شلا يدي ومنعاني حتى من أن أحلق ذقني أو أستعد لذلك الفرح المأتم.
كنت أذهب وأجيء فجأة في تلك الغرفة بعصبية مدمن تنقصه رشفة أفيونه.
كيف لم أتوقع أن أشعر بهذه الحاجة المرضيّة اليوم لإمساك فرشاة، وبهذه الرغبة الجارفة للرسم؟ تلك الرغبة التي لا تقاوم، والتي تصبح ألماً في أطراف الأصابع، وتوتراً جسدياً ينتقل من عضو إلى آخر؟
كنت أريد أن أرسم.. وأرسم.. حتى أفرغ من كل شيء. وأقع ميتاً.. أو مغمى عليّ إرهاقاً ونشوة.
من الأرجح أنني هذه المرة لن أرسم جسوراً ولا قناطر. ربما رسمت نساءً بملاءات سوداء.. ومثلثات بيضاء.. وعيون كاذبات، واعدات بفرح ما. فاللون الأسود لون كاذب في معظم الأحيان.. تماماً مثل اللون الأبيض.
وقد لا أرسم شيئاً، وأموت هكذا واقفاً، عاجزاً أمام لوحة بيضاء.
فهل أروع من أن نوقّع مساحة بيضاء ببياض، وننسحب على رؤوس الأصابع، مادمنا لم نوقّع شيئاً في النهاية، ووحدها الأقدار توقّع حياتنا، وتفعل بنا ما تشاء؟
لماذا التحايل على الأشياء إذن.. لماذا المراوغة؟
أما كنتِ لوحتي؟ ما فائدة أن أكون رسمتك ألف مرة، مادام آخر سيضع توقيعه عليك اليوم، سيضع بصماته على جسدك، واسمه جوار أوراقك الثبوتية؟
وماذا تفيد عشرات المساحات التي غطيتها بك، أمام سرير سيحتوي جسدك.. ويخلّد أنوثتك الأبدية؟
أيّ جدوى لما أرسمه.. إذا كان هناك دائماً من سيضع توقيعه نيابة عني كالعادة؟
***
في تلك اللحظة المتقدمة من اليأس، دقّ فجأة اله...، وأخرجني للحظة من وحدتي وهواجسي. فرحت أسرع نحو الغرف البعيدة الأخرى، لأردّ عليه.
كان حسان على الخط. سألني دون مقدمات:
- واش راك تعمل..؟
أجبته بشيء من الصدق:
- كنت غافياً شيئاً ما..
قال:
- حسناً إذن.. توقعت أن تكون جاهزاً وتنتظرني منذ مدة. كنت أريد أن أخبرك أنني قد أتأخر بعض الوقت. هنالك مشكل صغير يجب أن أحلّه.
سألته متعجباً:
- أيّ مشكل؟
قال:
- تصور بماذا طلع لي ناصر اليوم؟ إنه لا يريد أن يحضر عرس أخته..
قلت وأنا أزداد فضولاً:
- لماذا؟
قال:
- إنه ضد هذا الزواج.. ولا يريد أن يلتقي بالضيوف ولا بالعريس.. ولا حتى بعمّه!
كدت أقاطعه "معه حق".. ولكنني سألته:
- وأين هو الآن؟
قال:
- لقد تركته في المسجد. قال لي إنه يفضّل أن يقضي يومه هناك بدل أن يقضيه مع هؤلاء "القوّا..."!
ولأول مرة ضحكت من قلبي. ولم أستطع أن أمنع نفسي من التعليق بصوت عالٍ:
- رائع ناصر.. والله "نستعرف بيه".!
ولكن حسان قاطعني بصوتٍ فيه شيء من العتاب والعجب:
- واش بيك هبلت إنت تاني.. عيب.. شفت واحد ما يروّحش لعرس أختو.. واش يقولوا الناس..
- الناس.. الناس.. يقولوا واش يحبوا.. خلينا يا راجل يرحم والديك..
وقبل أن أقول له شيئاً قال:
- ابق في البيت إذن.. سأمر عليم حال ما انتهي. سنتحدث في هذا الموضع فيما بعد، فأنا أحدثك من مقهى، وحولي كثير من الناس (... على بالك..!).
ثم أضاف:
- ستجد في المطبخ أكلاً أعدّته لك عتيقة..
وضعت السماعة. وعدت إلى غرفتي.

فداء
12-08-2007, 03:05 AM
لم أكن في حاجة إلى أكل. كنت فقط أشعر بشيء من الظمأ الصباحي، وبشيء من المرارة التي صار لها فجأة بعد ذلك اله...، مذاق السعادة الغامضة.
لقد ملأني موقف ناصر غبطة. شعرت أن هناك شخصاً آخر يشاركني حزني دون علمه، ويقف معي ضدّ هذا الزواج، ولكن على طريقته..
فحلٌ ناصر، جدير بأن يكون ابن سي الطاهر.
لم ألتقِ به بعد. ولكن أتوقع أن يكون (راسو خشين..) مثل أبيه. أن يكون عنيداً ومباشراً مثله.
وإذا كان فعلاً مثله فلن ينجح حسان أبداً في تغيير رأيه.
مازلت أذكر عناد سي الطاهر وقراراته النهائية دائماً، التي لا يمكن لأحد أن يزيحه عنها.
وقتها كنت أجد في تلك المواقف شيئاً من الدكتاتورية، وغرور القائد. ثم مع الزمن، أدركت أنه كان لا بد للثورة في أيامها الأولى من رجالٍ مثل سي الطاهر، بذلك العناد، وتلك الثقة المطلقة بالنفس، حتى يفرضوا رأيهم وسلطتهم على الآخرين، ليس حباً بالجاه والسلطة، إنما للمّ شمل الثورة وعدم ترك مجال للخلافات والاعتبارات الشخصية، وحتى لا تموت تلك الشعلة الأولى وتبعثرها الرياح..
عادت ذكرى سي الطاهر فجأة. في لحظة لم أحجزها له..
وعادت طلّته، موجعة كتلك الرصاصات التي أفرغوها في جسده يوماً، وأودت به قبل أن يشهد استقلال الجزائر بأشهر.
أين هو ليحضر هذا اليوم الاستثنائي الذي سيخلف موعده أيضاَ؟
أكان قدره أن يخلف فرحتين؟
رحل كما جاء، سابقاً لزمنه، وكأنه أدرك أنه لم يخلق للزمن الآتي. كنت أعي بشيء من المرارة، أن كلّ الذين أحبّوكِ لن يحضروا عرسك هذا.
سيتغيب عن فرحك كل الذين كنتِ فرحتهم. سي الطاهر وزياد.. وناصر أيضاً.
لماذا وحدي وقعت عليّ تلك القرعة، وقادتني الأقدار إليك؟
ولماذا استدرجتني حتى هنا، باسم الذاكرة والحنين.. وذلك الحب الجنوني المستحيل، وقلت تلك الجملة التي ملأت جيوب الأحلام وهماً.. "سأكون لك مادمنا في قسنطينة..".
كيف صدّقتك.. وجئت؟
وكنت أدري انك تكذبين، وتهدينني الغيوم البيضاء.. لصيف طويل. ولكن.. من يقاوم مطر الكذب الجميل؟
هنالك أكاذيب نحاول أن نصدّقها حتى نحرج النشرات الجوية. لكن عندما تنهطل الأمطار داخلنا.. من يجفف دمع السماء؟
في الواقع كنتِ امرأة ساديّة، وكنت أعرف ذلك.
أذكر ذلك اليوم الذي قلت لك فيه: "لو خلّف هتلر ابنة في هذا العالم.. لكنتِ ابنته الشرعية!".
ضحكتِ يومها. ضحكت.. ضحكة حاكم جبّار واثق من قوّته. وعلّقت أنا بسذاجة الضحية: "لا أدري ما الذي أوصلني إلى حبك، أنا الهارب من حكم الجبابرة.. أيمكن بعد هذا العمر أن أقع في حبّ امرأة طاغية..!".
ابتسمت فجأة.. ثم قلت بعد شيء من الصمت: "مدهش أنت عندما تتحدث، تفجّر فيّ أكثر من موضوع للكتابة.. سأكتب يوماً هذه الفكرة..".
اكتبيها إذن ذات يوم.. صحيح أنها تصلح لرواية!
في ذلك الصباح، كانت الخمرة ملجئي الوحيد، لأنسى خيبتي معك.
في تلك الغرفة التي يؤثثها سرير فارغ، ونافذة تطل على المآذن والجسور، وطاولة فارغة من لوازم الرسم، لم أجد لي من طوق نجاة سوى بضع أوراق وأقلام فقط، وزجاجة ويسكي أحضرتها لحسان قبل أن يتوب، ومازالت في حقيبتي تنتظر. فأحضرتها ورحت أشرب ذلك الصباح نخب زياد وسي الطاهر.. ونخب قسنطينة.
تذكّرت مسرحية أعجبت بها يوماً. فكتبت أعلى الصفحة، دون كثير من التفكير "كأسك يا قسنطينة".
وضحكت لهذا الدور الذي كان جاهزاً لي في هذه المدينة التي تمنع عنك الخمرة، وتوفر لك كل أسباب شربها.
لم أكن أدري وقتها، أنني كنت أخطّ خلاصة خيبتي كلمتين قد تصلحان عنواناً لهذا الكتاب، الذي ربما ولدت فكرته يومها.
كانت بي رغبة لتحديك وتحدّي هذه المدينة.. وهذا الوطن الكاذب.
رفعت كأسي الملآى بك.. نخب ذاكرتك التي تحترف مثله النسيان. نخب عي... اللتين خلقتا لتكذبا.
نخب فرح الليلة الجاهز للبكاء.. نخب بكائي العاجز عن الدموع.
أنت التي صالحتني مع الله، وأعدتني يوماً إلى العبادة. ها أنت تخونينني ليلة جمعة.. تحلّين دمي، وتطلقين عليّ رصاص الغدر..
فلماذا لا أسكر اليوم.. من أكثرنا كفراً يا ترى!
في الواقع، لم تكن الخمرة هوايتي. كانت مشروب فرحي وحزني التطرف. ولذا ارتبطت بك وبتقلباتك الجنونية. ففي كل مرة شربت فيها كنت أؤرخ لحدثٍ ما في قصتنا التي لا تنتهي.
وها أنا أفتح على شرفك زجاجتي الأخيرة.. وأرتكب جنوني الأخير. فلا أعتقد أنني قد أسكر بعد اليوم. لأنني سأغسل يدي منك اليوم.. وأشيّعك على طريقتي.
وحده أمر ناصر يعنيني الآن، أخيك الذي يصلي في هذه اللحظة في أحد مساجد هذه المدينة، لينسى مثلي، أنهم سيتناوبون على وليمتك الليلة.. وأن هناك من سيتمتع بك في غفلةٍ منا..
في الواقع.. كنت أسكر نخبه.. لا غير!
إيه ناصر..
أنا.. وأنت.. وهذه المدينة.
مدينة تواطأت معنا في التطرف والجنون. مدينة "سادية" تتلذذ بتعذيب أولادها. حبلت بنا دون جهد. ووضعتنا كما تضع سلحفاة بحرية أولادها عند شاطئ وتمضي دون اكتراث، لتسلمهم لرحمة الأمواج والطيور البحرية..
"إفكروا.. وإلا الله لا يجعلكم تفكِّروا.." يقول "الفكرون" في ذلك المثل الشعبي وهو يتخلى عن أولاده.
وها نحن بلا أفكار.. نبحث عن قدرنا بين الحانات والمساجد.
ها نحن سلحفاة تنام على ظهرها. قلبوها حتى لا تهرب، قلبوها في محاولة انقلاب على المنطق..
فكم يشبه الميلاد الموت في المدن العريقة، حيث نولد ونموت وسط مجرى الهواء والرياح المضادة!
وما أكبر يتم السلاحف في هذه المدينة!
عندما جاء حسان بعد ذلك، وفاجأني جالساً أكتب أمام تلك الطاولة وأمامي زجاجة ويسكي نصف فارغة، كاد يشهق من العجب. وظل ينظر إلي مدهوشاً وكأنني بفتح تلك الزجاجة أخرجت له مارداً، أو جنّاً أطلقته في البيت.
حاولت أن أمازحه فسألته بسخرية:
- لماذا تنظر إليّ هكذا.. ألم ترَ زجاجة كهذه قبل اليوم؟
ولكنه دون أي رغبة في المزاح أخذ الزجاجة من أمامي، وذهب بها إلى المطبخ، وهو يسبّ ويتحدث لنفسه كلاماً لم يكن يصلني.
وعندما عاد قال لي بنبرة فيها شيء من اليأس وبقايا من متاعب ناصر:
- يا أخي واش بيكم.. البلاد متّخذة وأنتما واحد لاتي يصلي.. وواحد لاتي يسكر.. كيفاش نعمل معاكم؟
توقف سمعي عند ذلك التعبير الذي لم أسمعه منذ عدة سنوات "البلاد متّخذة" والذي يعني أن البلاد قائمة قاعدة.. أو تشهد حدثاً استثنائياً، والذي هو في الواقع تعبير جنسي محض.
ابتسمت وأن أكتشف مرة أخرى قدرة هذه المدينة على زجّ الصور الجنسية في كل شيء. وذلك ببراءة مدهشة..
رفعت عيني نحوه وقلت له بشيء من السخرية المرة:
- هذه هي الجزائر يا حسان.. البعض يصلّي.. والبعض يسكر.. والآخرون أثناء ذلك "ياخذوا في البلاد.."!
ولكن حسان لم يبدُ على استعداد للتمادي معي في النقاش.
ربما لأنه بعد ذلك الوقت الذي قضاه في إقناع ناصر لم يعد قادراً على المزيد من المناقشة. فقال وهو يقاطعني:
- سأذهب لأحضر لك القهوة، حتى تفيق وتطير عنك هذه السكرة.. ثم نتحدث. إن الناس ينتظروننا هناك وبعضهم لم يرَك منذ سنوات. يجب ألا تذهب إليهم في هذه الحالة!
عندما عاد بعد لحظات بالقهوة سألته:
- ماذا فعلت مع ناصر؟
قال:
- لقد وعدني أنه سيمر هناك وقت العشاء إرضاءً لخاطري فقط، ولكنه لن يمكث طويلاً. وبرغم ذلك أشك في أن يحضر فعلاً. لا أفهم عناده هذا.. إنه لا يملك سوى أخت واحدة في النهاية.. ولا يمكن ألا يقف في عرسها أمام الناس.
جنون!
كنت أحتسي تلك القهوة حتى يطير سكري، حسب تعبير حسان. ولكن كنت أشعر في الواقع أنني أزداد سكراً أو جنوناً، وأنا أستمع إليه.
كتلك اللحظة التي سألته فيها عن سبب مقاطعة ناصر لهذا العرس، وإذا بالحديث يجرّنا إلى أكثر من موضوع.
قال:
- إنه على خلاف مع عمه. فهو يعتقد أنه استفاد كثيراً من اسم سي الطاهر، وأنه قلّما اهتم بمصير زوجة أخيه وأولاده. وهذا العرس لا هدف له غير أسباب وصوليّة ومطامع سياسية محض.. فهو ضد اختيار عمه لهذا العريس السيئ الصيت سياسياً وأخلاقياً. فالجميع يتحدّث عن العمولات التي يتقاضاها في صفقاته المختلفة.. وعن حساباته في الخارج.. وعن عشيقاته الجزائريات.. والأجنبيات. إضافة إلى كون هذا الزواج زواجه الثاني، وأن له أولاداً يقارب عمرهم عمر عروسه الجديدة..
سألته:
- وهل تجد أنت هذا الزواج طبيعياً؟
قال:
- لا أدري بأي منطق تريد أن أحكم عليه. من المؤكد أنه بمنطق الأشياء عندنا زواج طبيعي. إنه ليس أول زواج من هذا النوع، ولن يكون الأخير.. إن لمعظم الرجال المهمّين هنا أكثر من عشيقة. وكلهم تخلّوا بطريقة أو بأخرى عن زوجاتهم وأولادهم، ليتزوجوا من عروس جديدة أصغر عمراً وأكثر جمالاً وثقافة من الأولى.. إنك لا تستطيع أن تمنع رجلاً عندنا زادوا له نجمة على أك....، من أن يزيد امرأة في بيته، أو تمنع رجلاً حصل على منصب جديد لم يحلم به، من أن يبدأ في البحث عن فتاة أحلامه.
وأضاف:
- أنا حاولت فقط أن أقنع ناصر أن عمه لم يقصد بالضرورة القضاء على مستقبل أخته بهذا الزواج. بل إن أي شخص سواه كان سيرحّب بهذه المصاهرة.. ويسعى إليها لاهثاً.. إنها الطريقة الوحيدة ليحل مشكلاته ومشكلات ابنته مرة واحدة، ويوفر عليها كثيراً من المتاعب..
سألته:
- لو كانت لك بنت وخطبها منك هذا الرجل، أكنت زوّجته منها؟
قال:
- طبعاً.. ولم لا؟ إن الزواج حلال.. الحرام هو ما يمارسه بعضهم بطرقٍ عصرية. كأن يرسل أحدهم ابنته أو زوجته.. أو أخته لتحضر له ورقة من إدارة، أو تطلب شقّة أو رخصة لمحل تجاري نيابة عنه، وهو يعلم أن لا أحد هنا يعطيك شيئاً بلا مقابل. لقد خلق البسطاء بأنفسهم عملة أخرى للتداول ويقضون بها حاجاتهم.. هات امرأة.. وخذ ما تشاء!
تمتمت بذهول:
- أحق ما تقول؟
أجاب:
- إنه ما يحدث الآن في أكثر من مدينة.. وفي العاصمة بالذات.. حيث يمكن لأي فتاة تمرّ بمكتب ما في الحزب أن تحصل على شقة أو خدمة أخرى.. والجميع يعرف العنوان طبعاً، ويعرف اسم من يوزّع الشقق والخدمات على النساء والشعارات على الشعب بالتساوي.. يكفي أن ترى منظر الفتيات اللاتي يدخلن هناك لتفهم كل شيء..
سألته:
- ومن أدراك بها؟
قال متذمراً:
- من؟ لقد سمعته بأذني وشاهدته بعيني يوم ذهبت هناك منذ بضعة أشهر لأقابل صديقاً موظّفاً في الحزب.. عساه يساعدني في الخروج من سلك التعليم. تصور.. حتى البواب لم يكلف نفسه مشقة الحديث إليّ.. وعبثاً رحت أشرح له أنني قادم من قسنطينة لهذا الغرض. وحدهن النساء كن جديرات بالعناية هناك.. وعندما أبديت تذمّري "للأخ الفرّاش" أجابني بشيء من العصبية، و"التشناف" أن معظم الزائرات موظفات في الاتحادات الحزبية.. أو مناضلات. وكدت أسأله وأنا أرى إحداهن تمر أمامي "بأي "عضو" ناضلن على التحديد..؟" ولكنني سكتّ.
إيه.. يا ولدي روح.. كل شي أصبح يمر بالنساء اليوم. بالسهرات.. المجالس الخاصة. ولذا لو كنت أملك الخيار لزوّجت ابنتي من واحد يمكنه به... أن يأتيها بكل شيء. على أن أعطيها لواحد مثلي يعيش معها في البؤس كما أعيش أنا.. أو يدخل في هذه الحلقة القذرة.. ويبعثها تدقّ على مئة باب؟
ربما لاحظ وقتها آثار الصدمة المدهشة على ملامحي.. وتلك المرارة التي أسكتتني من الهول، عندما أضاف وكأنه يستدرك ليخفف من خيبتي:
- على كل حال.. لن يحدث هذا. حتى لو عرضت ابنتي على (سي....) فمن المؤكد أنه لن يقبل بها. إنهم لا يتزوجون إلا من بعضهم. ففلان لا يريد إلا بنت فلان، حتى "يبقى زيتنا في دقيقنا.!" ويضمنوا لأنفسهم التنقل من كرسي سلطة إلى آخر، فكيف تريد في هذا الجو أن يستطيع شابٌّ بسيط أن يبني حياته؟ كل البنات يبحثن عن المسؤولين والمديرين والرجال الجاهزين.. وهؤلاء يعرفون ذلك فيزيدون من شروطهم كل مرة.. بينما عدد العوانس يزيد كل يوم.. إنه قانون العرض والطلب.
إذا رأيت الأمور بهذه العين، فإنك حتماً تعذر سي الشريف. المهم أن يستر بنت أخيه، ويضمن لها ولنفسه مستقبلاً سعيداً قدر الإمكان.
أما كون العريس سارقاً وناهباً لأملاك الدولة.. فماذا تريد أن تفعل؟ كلهم سرّاق ومحتالون. هنالك من انفضحت أموره، وهنالك من عرف كيف يحافظ على مظهر محترم.. فقط!
أصبت بذهول وأنا أستمع إليه.
كدت أقول له إنه في النهاية على حق. وربما كان سي الشريف أيضاً على حقّ.. لا أدري.
ولكن كان هناك شيء ما في هذا الزواج، يرفض أن يدخل عقلي وأقتنع به

فداء
12-08-2007, 03:06 AM
الفصل السادس
لعرسك لبست بدلتي السوداء.
مدهش هذا اللون. يمكن أن يلبس للأفراح.. وللمآتم!
لماذا اخترت اللون الأسود؟
ربما لأنني يوم أحببتك أصبحت صوفياً، وأصبحتِ أنتِ مذهبي وطريقتي. وربما لأنه لون صمتي.
لكل لون لغته. قرأت يوما أن الأسود صدمة للصبر.
قرأت أيضاً أنه لون يحمل نقيضه. ثم سمعت مرة مصمم أزياء شهيراً، يجيب عن سر لبسه الدائم للأسود قال:
"إنه لون يضع حاجزاً بيني وبين الآخرين".
ويمكن أن أقول لك اليوم الكثير عن ذلك اللون. ولكني سأكتفي بقول مصمم الأزياء هذا.
فقد كنت في ذلك اليوم أريد أن أضع حاجزاً بيني وبين كل الذين سألتقي بهم، كل ذلك الذباب الذي جاء ليحط على مائدة فرحك.
وربما كنت أريد أن أضع حاجزاً بيني وبينك أيضاً.
لبست طقمي الأسود، لأواجه بصمت ثوبك الأبيض، المرشوش باللآلئ والزهور، والذي يقال إنه أعدّ لك خصيصاً في دار أزياء فرنسية..
هل يمكن لرسام أن يختار لونه بحياد؟
وكنت أنيقاً. فللحزن أناقته أيضاً. أكّدت لي المرآة ذلك. ونظرة حسان، الذي استعاد فجأة ثقته بي، وقال بلهجة جزائرية أحبها، وهو يتأملني: "هكذا نحبك آ خالد.. إهلكهم..!".
نظرت إليه.. كدت أقول له شياً.. ولكني صمتّ.
عند الباب المشرع للسيارات، وأفواج القادمين، استقبلني سي الشريف بالأحضان..
- أهلاً سي خالد.. أهلاً.. زارتنا البركة.. يعطيك الصحة اللي جيت.. راك فرحتني اليوم.
اختصرت ذلك الموقف العجيب مرة أخرى في كلمة. قلت:
- كل شيء مبروك..
وضعت قناع الفرح على وجهي. وحاولت أن أحتفظ به طوال تلك السهرة.
يمتلئ البيت زغاريد. ويمتلئ صدري بدخان السجائر التي أحرقها وتحرقني. يمتلئ قلبي حزناً. ويتعلم وجهي تلقائياً الابتسامات الكاذبة. فأضحك مع الآخرين. أجالس من أعرف ومن لا أعرف. أتحدث في الذي أدري والذي لا أدري. حتى لا أخلو بك لحظة واحدة.. حتى لا أفاجئك داخلي.. فأنهار.
أسلّم على العريس الذي يقبّلني بشوق صديق قديم لم يلتق به منذ مدة:
- هاك جيت للجزائر آ سيدي.. كان موش هاذا العرس.. ما كناش شفناك!
أحاول أن أنسى أنني أتحدث لزوجك، لرجل يتحدث إليّ مجاملة على عجل، وهو يفكر ربما في اللحظة التي سينفرد فيها بك في آخر الليل..
أتأمل سيجاره الذي اختاره أطول للمناسبة.. بدلته الزرقاء الحريرية التي يلبسها _أو تلبسه_ بأناقة من تعوّد على الحرير. أحاول ألا أتوقف عند جسده. أحاول ألا أتذكر. أتلهّى بالنظر إلى وجوه الحاضرين.
وتطلّين..
تدخلين في موكب نسائي، يحترف البهجة والفرح، كما أحترف أنا الرسم والحزن.
أراك لأول مرة، بعد كل أشهر الغيبة تلك، تمرين قريبة وبعيدة، كنجمة هاربة. تسيرين.. مثقلة الأثواب والخطى، وسط الزغاريد ودقّات البندير. وأغنية تستفزّ ذاكرتي، وتعود بي طفلاً أركض في بيوت قسنطينة القديمة. في مواكب نسائية أخرى.. خلف عروس أخرى.. لم أكن أعرف عنها شيئاً يومذاك.
آه كم كنت أحب تلك الأغاني التي كانت تزفّ بها العرائس، والتي كانت تطربني دون أن أفهمها. وإذا بها اليوم تبكيني!
"شرّعي الباب يا أم العروس.." يقال إن العرائس يبكين دائماً عند سماع هذه الأغنية.
تراك بكيت يومها؟
كانت عيناك بعيدتين.. يفصلني عنهما ضباب دمعي وحشد الحضور. فعدلت عن السؤال.
اكتفيت بتأمّلك، في دورك الأخير.
ها أنت ذي تتقدّمين كأميرة أسطورية، مغرية شهية، محاطة بنظرات الانبهار والإعجاب.. مرتبكة.. مربكة، بسيطة.. مكابرة.
ها أنت ذي، يشتهيك كل رجل في سرّه كالعادة.. تحسدك كل النساء حولك كالعادة..
وها أنذا _ كالعادة_ أواصل ذهولي أمامك.
وها هوذا "الفرقاني".. كالعادة.. يغنّي لأصحاب النجوم والكراسي الأمامية.
يصبح صوته أجمل، وكمنجته أقوى عندما يزفّ الوجهاء وأصحاب القرار والنجوم الكثيرة.
تعلو أصوات الآلات الموسيقية.. ويرتفع غناء الجوقة في صوتٍ واحد لترحب بالعريس:
"يا ديني ما أحلالي عِرسو.. بالعوادة..
الله لا يقطعلو عادة..
وانخاف عليه.. خمسة. والخميس عليه"
تعلو الزغاريد.. وتتساقط الأوراق النقدية.
ما أقوى الحناجر المشتراة. وما أكرم الأيدي التي تدفع كما تقبض على عجل!
ها هم هنا..
كانوا هنا جميعهم.. كالعادة.
أصحاب البطون المنتفخة.. والسجائر الكوبية.. والبدلات التي تلبس على أكثر من وجه.
أصحاب كل عهد وكل زمن.. أصحاب الحقائب الدبلوماسية، أصحاب المهمات المشبوهة، أصحاب السعادة وأصحاب التعاسة، وأصحاب الماضي المجهول.
ها هم هنا..
وزراء سابقون.. ومشاريع وزراء. سرّاق سابقون.. ومشاريع سرّاق. مديرون وصوليون.. ووصوليون يبحثون عن إدارة. مخبرون سابقون.. وعسكر متنكّرون في ثياب وزارية.
ها هم هنا..
أصحاب النظريات الثورية، والكسب السريع. أصحاب العقول الفارغة، والفيلات الشاهقة، والمجالس التي يتحدث فيها المفرد بصيغة الجمع.
ها هم هنا.. مجتمعون دائماً كأسماك القرش. مل...ن دائماً حول الولائم المشبوهة..
أعرفهم وأتجاهل معظمهم "ما تقول أنا.. حتى يموت كبار الحارة!"
أعرفهم وأشفق عليهم.
ما أتعسهم في غناهم وفي فقرهم. في علمهم وفي جهلهم. في صعودهم السريع.. وفي انحدارهم المفجع!
ما أتعسهم، في ذلك اليوم الذي لن يمدّ فيه أحد يده حتى لمصافحتهم.
في انتظار ذلك.. هذا العرس عرسهم. فليأكلوا وليطربوا. وليرشقوا الوراق النقدية. وليستمعوا للفرقاني يردد كما في كل عرس قسنطيني أغنية "صالح باي".
تلك التي مازالت منذ قرنين تُغنّى للعبرة، لتذكّر أهل هذه المدينة بفجيعة (صالح باي) وخدعة الحكم والجاه الذي لا يدوم لأحد..
والتي أصبحت تُغنّى اليوم بحكم العادة للطرب دون أن تستوقف كلماتها أحداً..
كانوا سلاطين ووزراء *** ماتوا وقبلنا عزاهمْ
نالوا من المال كُثرةْ *** لا عزّهم.. لا غناهُمْ
قالوا العرب قالوا *** ما نعطيوْ صالح ولا مالُو.."
أتذكر وأنا أستمع لهذه الكلمات، أغنية عصرية أخرى وصلتني كلماتها من مذياع بموسيقى راقصة.. تتغزّل بصالح آخر "صالح.. يا صالح.. وعي... عجبوني..".
إيه يا قسنطينة، لكل زمن "صالحه".. ولكن ليس كل "صالح" باياً.. وليس كل حاكم صالحاً!
ها هوذا الوطن الآخر أخيراً أمامي.. أهذا هو الوطن حقاً؟
في كل مجلس وجه أعرف عنه الكثير. فأجلس أتأمّلهم، وأستمع لهم يشكون ويتذمّرون.
لا أحد سعيد منهم حسب ما يبدو.
المدهش أنهم هم دائماً الذين يبادرونك بالشكوى، وبنقد الأوضاع.. وشتم الوطن.
عجيبة هذه الظاهرة!
كأنهم لم يركضوا جميعاً خلف مناصبهم زحفاً على كل شيء. كأنهم ليسوا جزءاً من قذارة الوطن. كأنهم ليسوا سبباً في ما حلّ به من كوارث..
أسلِّم على (سي مصطفى). لقد أصبح وزيراً منذ ذلك اليوم الذي زارني فيه ليشتري مني لوحة. ورفضت أن أبيعه إياها.
لقد نجحت تكهّنات (سي الشريف) إذن، فقد راهن على حصان رابح..
أسأله مجاملة:
- واش راك سي مصطفى؟
فيبدأ دون مقدمات بالشكوى:
- رانا غارقين في المشاكل.. على بالك..!
تحضرني وقتها، مصادفة، مقولة لديغول: "ليس من حق وزير أن يشكو.. فلا أحد أجبره على أن يكون وزيراً!".
أحتفظ بها لنفسي وأقول له فقط..
- إيه.. على بالي..
نعم.. كنت (على بالي..) بتلك المبالغ الهائلة التي تقاضاها في كندا كعمولة لتجديد معدّات إحدى الشركات الوطنية الكبرى. ولكنني كنت أخجل أن أقول له ذلك، لأنني أدري أن الذين سبقوه إلى ذلك المنصب.. لم يفعلوا أحسن منه.
اكتفيت فقط بالاستماع إليه وهو يشكو، بطريقة تثير شفقة أي مواطن مسكين..
بينما كان حسان مشغولاً عني بالحديث مع صديق قديم.. كان أستاذاً للعربية.. قبل أن يصبح فجأة.. سفيراً في دولة عربية!
كيف حدث ذلك؟
يقال إنه ردّ دين.. وقضية "تركة" وصداقة قديمة تجمع ذلك الأستاذ بوالد إحدى الشخصيات.. وأنها ليست "الحالة الدبلوماسية" الوحيدة!
مثل (سي حسين) الذي أعرفه جيداً والذي كان مدير إحدى المؤسسات الثقافية، يوم كنت أنا مديراً للنشر. وإذا به بين ليلة وضحاها يعيّن سفيراً في الخارج.. بعدما طلعت رائحته في الداخل. فتكفلوا بلفّه بضعة أشهر وبعثه إلى الخارج مع كل التشريفات الدبلوماسية خلف علم الجزائر!
ها هوذا اليوم هنا.. في جوّه الطبيعي.
لقد استدعي إثر قضية احتيال وتلاعب بأموال الدولة في الخارج، ليعاد دون ضجيج إلى وظيفة حزبية.. ولكن على كرسي جانبي هذه المرة.
هنالك دائماً في هذه الحالات.. سلة مهملات شرفيّة!
في مجلس آخر، مازال أحدهم ينظّر ويتحدث وكأنه مفكّر الثورة وكل ما سيليها من ثورات. وإحدى ثورات هذا الشخص.. أنه وصل إلى الصفوف الأمامية في ظروف مشبوهة، بعدما تفرّغ لتقديم طالباته إلى مسؤول عجوز مولع بالفتيات الصغيرات..
هذا هو الوطن..
وها هو عرسك الذي دعوتني إليه. إنه "السيرك عمّار".. سيرك لا مكان فيه إلا للمهرّجين، ولمن يحترفون الألعاب البهلوانية.. والقفز على المراحل.. والقفز على الرقاب.. والقفز على القِيَم.
سيرك يضحك فيه حفنة على ذقون الناس، ويروّض فيه شعب بأكمله على الغباء.
فكم كان ناصر محقاً عندما لم يحضر هذا الكرنفال!
كنت أدري بحدسٍ ما أنه لن يحضر.. ولكن أين هو الآن.؟
تراه مازال يصلي في ذلك المسجد.. لكي لا يلتقي بهم. وهل تغيّر صلاته.. أو يغيّر سكري شيئاً؟
آه يا ناصر! كفّ عن الصلاة يا ابني. لقد أصبحوا يصلّون أيضاً ويلبسون ثياب التقوى. كفّ عن الصلاة.. وتعال نفكّر قليلاً. فأثناء ذلك ها هوذا الذباب يحطّ على كل شيء، والجراد يلتهم هذه الوليمة.
كلما تقدم الليل، تقدم الحزن بي، وتقدم بهم الطرب. وانهطل مطر الأوراق النقدية عند أقدام نساء الذوات، المستسلمات لنشوة الرق، على وقع موسيقى أشهر أغنية شعبية..
"إذا صاح الليل وَيْن انباتُو *** فوق فراش حرير ومَخدّاتُو.."
أمان.. أمان..
إيه آ الفرقاني غَنِّ..
لا علاقة لهذه الأغنية بأزمة السكن، كما قد يبدو من الوهلة الأولى. إنها فقط تمجيد لليالي الحمراء والأسرّة الحريرية التي ليست في متناول الجميع.
"ع اللي ماتوا.. يا عين ما تبكيش ع اللي ماتوا.."
أمان.. أمان.
لن أبكي.. ليست هذه ليلة لسي الطاهر.. ولا لزياد.
ليست للشهداء ولا للعشاق. إنها ليلة الصفقات التي يحتفل بها علناً بالموسيقى والزغاريد.
"خارجة من الحمّامْ بالريحيّةْ *** يا لِندراشْ للغير وإلا ليّ.."
أمان.. أمان.
لن أطرح على نفسي هذا السؤال. الآن أعي أنكِ للغير ولستِ لي. تؤكد ذلك الأغنيات، وذلك الموكب الذي يهرب بك، ويرافقك بالزغاريد إلى ليلة حبّك الشرعية.
وعندما تمرّين بي، عندما تمرين.. وأنت تمشين مشية العرائس تلك، أشعر أنكِ تمشين على جسدي، ليس "بالريحيّة" وإنما بقدميك المخضّبتين بالحناء.. وأن خلخالك الذهبي يدّق داخلي، ويعبرني جرساً يوقظ الذاكرة..
قفي..
قسنطينة الأثواب مهلاً! ما هكذا تمرّ القصائد على عجل!
ثوبك المطرّز بخيوط الذهب، والمرشوش بالصكوك الذهبية، معلّقة شعر كتبتها قسنطينة جيلاً بعد آخر على القطيفة العنابي. وحزام الذهب الذي يشد خصرك، لتتدفّقي أنوثة وإغراءً، هو مطلع دهشتي.
هو الصدر والعجز في كل ما قد قيل من شعرٍ عربيّ.
فتمهّلي..
دعيني أحلم أن الزمن توقّف.. وأنك لي. أنا الذي قد أموت دون أن يكون لي عرس، ودون أن تنطلق الزغاريد يوماً من أجلي.
كم أتمنى اليوم لو سرقت كل هذه الحناجر النسائية، لتبارك امتلاكي لك!
لو كنت "خطّاف العرائس" ذلك البطل الخرافي الذي يهرب بالعرائس الجميلات ليلة عرسهنّ، لجئتك أمتطي الريح وفرساً بيضاء.. وخطفتك منهم..
لو كنتِ لي.. لباركتنا هذه المدينة، ولخرج من كل شارع عبرناه وليّ يحرق البخور على طريقنا.. ولكن ما أحزن الليلة.. قسنطينة!
ما أتعس أولياءها الصالحين.. وحدهم جلسوا إلى طاولتي دون سبب واضح.. وحجزوا لذاكرتي الأخرى كرسيّاً أمامياً..
وإذا بي أقضي سهرتي في السلام عليهم واحدا واحدا..
سلاماً يا سيدي راشد..
سلاماً يا سيدي مبروك.. يا سيدي محمد الغراب.. يا سيدي سليمان.. يا سيدي بوعنّابة.. يا سيدي عبد المؤمن.. يا سيدي مسيد.. يا سيدي بومعزة.. يا سيدي جليس..
سلاماً يا من تحكمون شوارع هذه المدينة.. أزقّتها وذاكرتها.
قفوا معي يا أولياء الله.. متعب أنا هذه الليلة.. فلا تتخلوا عني.. أما كان منكم أبي؟
أبي يا "عيساوي" أباً عن جَد؟
أنت الذي كنت في تلك الحلقات المغلقة، في تلك الطقوس الطُرقيّة العجيبة، تغرس في جسدك ذلك السفود الأحمر الملتهب ناراً.. فيتخرق جسدك من طرفٍ إلى آخر، ثم تخرجه دون أن تكون عليه قطرة دم؟
أنت الذي كنت تمرّر حديده الملتهب والمحمّر كقطعة جمر، فينطفئ جمره من لعابك، ولا تحترق.
علّمني الليلة كيف أتعذّب دون أن أنزف.
علّمني كيف أذكر اسمها دون أن يحترق لساني.
علّمني كيف أشفى منها، أنت الذي كنت تردد مع جماعة "عيساوة" في حلقات الجذب والتهويل، وأنت ترقص مأخوذاً باللهب:
"أنا سيدي عيساوي.. يجرح ويداوي.."
من يداويني يا أبي.. من؟
وأحبها..

فداء
12-08-2007, 03:08 AM
في هذه الساعة المتأخرة من الألم، أعترف أنني مازلت أحبها.. وأنها لي.
أتحدّى أصحاب البطون المنتفخة.. وذلك صاحب اللحية.. وذلك صاحب الصلعة.. وأولئك أصحاب النجوم التي لا تعدّ.. وكل الذين منحتهم الكثير.. واغتصبوها في حضرتي اليوم.
أتحداهم بنقصي فقط.
بالذراع التي لم تعد ذراعي، بالذاكرة التي سرقوها منّي، بكل ما أخذوه منّا.
أتحداهم أن يحبوها مثلي. لأنني وحدي أحبها دون مقابل.
وأدري أنه في هذه اللحظة، هناك من يرفع عنها ثوبها ذاك على عجل. يخلع عنها صيغتها دون كثير من الاهتمام ويركض نحو جسدها بلهفة رجل في الخمسين يضاجع صبية.
حزني على ذلك الثوب.. حزني عليه.
كم من الأيدي طرّزته، وكم من النساء تناوبن عليه، ليتمتع اليوم برفعه رجل واحد. رجل يلقي به على كرسي كيفما كان، وكأنه ليس ذاكرتنا، كأنه ليس الوطن.
فهل قدر الأوطان أن تعدّها أجيال بأكملها، لينعم بها رجل واحد؟
أتساءل الليلة.. لماذا وحدي تستوقفني كل هذه التفاصيل. وكيف اكتشفت الآن فقط، معنى كل الأشياء التي لم يكن لها معنى من قبل؟
أتراه عُشق هذا الوطن.. أم البعد عنه، هو الذي أعطى الأشياء العادية قداسة لا يشعر بها غير الذي حرم منه؟
ألأن المعايشة اليومية تقتل الحلم وتغتال قداسة الأشياء كان أحد الصحابة ينصح المسلمين بأن يغادروا مكة، حال انتهائهم من مراسيم الحج، حتى تبقى لتلك المدينة رهبتها وقداستها في قلوبهم، وحتى لا تتحول بحكم العادة إلى مدينة عادية يمكن لأي واحدٍ أن يسرق ويزني ويجور فيها دون رهبة؟
إنه ما يحدث لي منذ وطئت قدماي هذه المدينة. وحدي أعاملها كمدينة فوق العادة.
أعامل كل حجر فيها بعشق. أسلم على جسورها جسراً جسراً. أسأل عن أخبار أهلها، عن أوليائها وعن رجالها، واحداً.. واحداً..
أتأملها وهي تمشي، أتألها وهي تصلي، وتزني وتمارس جنونها ولا أحد يفهم جنوني وسرّ تعلّقي بمدينة يحلم الجميع بالهرب منها.
هل أعتب عليهم؟
هل يشعر سكان أثينا أنهم يمشون ويجيئون على ذاكرة التاريخ.. وعلى تراب مشت عليه الآلهة، وأكثر من بطل أسطوري؟
هل يشعر سكان الجيزة في بؤسهم وفقرهم، أنهم يعيشون عند أقدم معجزة، وأن الفراعنة مازالو بينهم، يحكمون مصر ب....م وقبورهم؟
وحدهم الغرباء الذين قرأوا تاريخ اليونان والفراعنة، في كتب التاريخ، يعاملون تلك الحجارة بقداسة، ويأتون من أطراف العالم لمجردّ الاقتراب منها.
تراني أطلت المكوث هنا، واقترفت حماقة الاقتراب من الأحلام حتى الاحتراق، وإذا بي يوماً بعد آخر، وخيبة بعد أخرى، أشفى من سلطة اسمها عليّ، وأفرغ من وهمي الجميل.. ولكن ليس دون الم؟
في هذه اللحظة، لا أريد لهذه المدينة أن تكون أكثر من رصاصة رحمة.
ولذا أتقبّل تلك الزغاريد التي انطلقت في ساعة متقدّمة من الفجر، لتبارك قميصك الملطّخ ببراءتك، كآخر طلقة نارية تطلقها في وجهي هذه المدينة، ولكن دون كاتم صوت.. ولا كاتم ضمير. فأتلقاها جامداً.. مذهول النظرات كجثة، بينما أرى حولي من يتسابق للمس قميصك المعروض لل...ة.
ها هم يقدمونك لي، لوحة ملطّخة بالدم، دليلاً على عجزي الآخر. دليلاً على جريمتهم الأخرى.
ولكنني لا أتحرك ولا أحتجّ. ليس من حق مشاهد لمصارعة الثيران، أن يغير منطق الأشياء، وينحاز للثور. وإلا كان عليه أن يبقى في بيته ولا يحضر "كوريدا" خلقت أساساً لتمجيد "الموتادور"!
شيء ما في هذا الجو المشحون بالزغاريد والزينة وموسيقى "الدخلة".. والهتافات أمام ثوب موقع بالدم، يذكّرني بطقوس الكوريدا. وذلك الثور الذي يعدّون له موتاً جميلاً على وقع موسيقى راقصة يدخل بها الساحة، ويموت على نغمها بسيوفٍ مزيّنة للقتل، مأخوذاً باللون الأحمر.. وبأناقة قاتله!
من منّا الثور؟ أنتِ أم أنا المُصاب بعمى الألوان، والذي لا يرى الآن غير اللون الأحمر.. لون دمك؟
ثور يدور في حلبة حبّك، بكبرياء حيوان لا يهزم إلا خِدعة، ويدري أنه محكوم عليه بالموت المسبق.
الواقع أن دمك هذا يربكني، يحرجني، ويملأني تناقضاً.
أما كنت أتحرق دائماً لمعرفة نهاية قصتك معه، هو الذي أخذك مني، تراه أخذ منك كل شيء؟
سؤال كان يشغلني ويسكنني حد الجنون، منذ ذاك اليوم الذي وضعت فيه (زياد) أمامك. ووضعتك أمام قدرك الآخر.
تراك فتحت له قلاعك المحصّنة، وأذللت أبراجك العالية، واستسلمت لإغراء رجولته؟
تراك تركت طفولتك لي، وأنوثتك له؟
ها هو الجواب يأتيني بعد عام من العذاب. ها هو أخيراً لزج.. طريّ.. أحمر.. ورديّ.. عمره لحظات.
ها هو الجواب كما لم أتوقّعه، مقحماً، محرجاً، فلِمَ الحزن؟
ما الذي يؤلمني الأكثر هذه الليلة.. أن أدري أنني ظلمت زياداً بظني، وأنه مات دون أن يتمتع بك، وأنه في النهاية كان هو الأجدر بك الليلة؟
أم أن تكوني فقط، مدينة فتحت اليوم عنوة بأقدام العسكر، ككل مدينة عربية؟
ما الذي يزعجني أكثر الليلة؟ أن أكون قد عرفت لغزك أخيراً، أم كوني أدري أنني لن أعرف عنك شيئاً بعد اليوم، ولو تحدّثت إليك عمراً، ولو قرأتك ألف مرة؟
أكنتِ عذراء إذن، وخطاياك حبر على ورق؟
فلماذا أوهمتني إذن بكل تلك الأشياء؟ لماذا أهديتني كتابك وكأنك تهدينني خنجراً للغيرة؟
لماذا علّمتني أن أحبكِ سطراً بعد سطر.. وكذبة بعد أخرى.. وأن أغتصبك على ورق!
فليكن..
عزائي اليوم، أنك من بين كل الخيبات.. كنت خيبتي الأجمل.
**
يسألني حسان: لماذا أنت حزين هذا الصباح؟
أحاول ألا أسأله: ولماذا هو سعيد اليوم؟
أدري أن غياب ناصر ومقاطعته البارحة للعرس، قد عكّر نوعاً ما مزاجه. ولكنه لم يمنعه من أن ينسجم مع أغاني "الفرقاني"، وأن يضحك.. ويحادث كثيراً من الناس الذين لم يلتق بهم من قبل.
كنت ألاحظه. وكنت سعيداً شيئاً ما، لسعادته الساذجة تلك.
كان حسان سعيداً أن تُفتح له أخيراً تلك الأبواب التي قلما تفتح للعامة، وأن يدعى لحضور ذلك العرس الذي يمكنه الآن أن يتحدث عنه في المجالس لأيام؛ ويصفه للآخرين الذين سيلاحقونه بالأسئلة، عن أسماء من حضروا وما قُدِّم من أطباقي.. وما لبست العروس..
ويمكن لزوجته أيضاً أن تنسى أنها استعارت صيغتها والثياب التي حضرت بها العرس من الجيران والأقارب، وتبدأ بدورها في التفاخر على الجميع بما رأته من بذخٍ في ذلك العرس، وكأنها أصبحت فجأة طرفاً فيه، فقط لأنها دعيت للتفرّج على خيرات الآخرين.
قال فجأة:
- إن سي الشريف يدعونا غداً للغداء عنده. لا تنسَ أن تكون في البيت وقت الظهر لنذهب معاً..
قلت له بصوت غائب:
- غداً سأعود إلى باريس.
صاح:
- كيف تعود غداً.. ابقَ معنا أسبوعاً آخر على الأقلّ.. ما الذي ينتظرك هناك؟
حاولت أن أوهمه أن لي بعض الالتزامات، وأنني بدأت أتعب من إقامتي في قسنطينة.
ولكنه راح يلحّ:
- يا أخي عيب.. على الأقل احضر غداء سي الشريف غداً ثم سافر..
أجبته بلهجة قاطعة لم يفهم سببها:
- فرات.. غدوة نروّح.
كان يحلو لي أن أحدّثه بلهجة قسنطينية. كنت أشعر مع كل كلمة ألفظها، أنه قد يمر وقت طويل قبل أن ألفظها مرة أخرى.
قال حسان وكأنه يقنعني بضرورة عدم رفض تلك الدعوة:
- والله سي الشريف ناس ملاح.. مازال برغم منصبه وفيّاً لصداقتنا القديمة. أتدري أن البعض يقول هنا إنه قد يصبح وزيراً. ربما ي...ها الله علينا في ذلك اليوم على يده..
قال حسان هذه الجملة الأخيرة بصوت شبه خافت، وكأنه يقولها لنفسه..
مسكين حسان!
مسكين أخي الذي لم ي...ها الله عليه بعد ذلك. أكان من السذاجة بحيث يجهل أن ذلك العرس هو صفقة لا غير، وأن سي الشريف لا بدّ أن يتلقّى شيئاً ما مقابله. نحن لا نصاهر ضبّاطاً من الدرجة الأولى.. دون نوايا مسبقة.
أما بالنسبة لما يمكن أن يربح حسان من وراء منصب سي الشريف المحتمل.. فمجرد أوهام.
المؤمن يبدأ بنفسه، وقد تمر سنوات قبل أن يصل دور حسان.. وينال بعض ما يطمح إليه من فتات.
سألته مازحاً:
- هل بدأت تحلم أن تصبح أنت أيضاً سفيرا؟
قال وكأن السؤال قد جرحه نوعاً ما:
- يا حسرة يا رجل.. "اللي خطف.. خطف بكري.." أنا لا أريد أكثر من أن أهرب من التعليم، وأن أستلم وظيفة محترمة في أيّة مؤسسة ثقافية أو إعلامية، أية وظيفة أعيش منها أنا وعائلتي حياة شبه عادية.. كيف تريد أن نعيش نحن الثمانية بهذا الدخل؟. أنا عاجز حتى عن أن أشتري سيارة. من أين آتي بالملايين لأشتريها؟. عندما أتذكّر تلك السيارات الفخمة التي كانت مصطفّة أمس في ذلك العرس، أمرض وأفقد شهية التعليم. لقد تعبت من هذه المهنة، أنت لا تشعر بأية مكافأة مادية أو معنوية فيها. لقد تغيّر الزمن الذي "كاد فيه المعلم أن يكون رسولاً".. اليوم حسب تعبير زميل لي "كاد المعلم أن يكون (شيفوناً) وخرقة لا أكثر.
لقد أصبحنا ممسحة للجميع. فالأستاذ يركب الحافلة مع تلاميذه. و "يدزّ" و "يطبّع" مثلهم. ويشتمه الناس أمامهم. ثم يعود مثل زميلي هذا، ليعدّ دروسه ويصحّح الامتحانات في شقّة بغرفتين، يسكنها ثمانية أشخاص وأكثر.
بينما هناك من يملك شقّتين وثلاثاً بحكم وظيفته أو واسطاته.. يمكنه أن يستقبل فيها عشقياته أو يعير مفاتيجها لمن سيفتح له أبواباً أخرى.
صحّة عليك يا خالد.. أنت تعيش بعيدا عن هذه الهموم، في حيّك الراقي بباريس.. ما على بالكش واش صاير في الدنيا.!
آه حسان.. عندما أذكر حديثنا ذلك اليوم، تصبح المرارة غصّة في الحلق، تصبح جرحاً، تصبح دمعا، تصبح ندماً وحسرة.
كان يمكن أن أساعدك أكثر، صحيح.
كنت تقول: "اطلب شيئاً يا خالد مادمت هنا، ألست مجاهداً؟ ألم تفقد ذراعك في هذه الحرب؟ اطلب محلا تجارياً.. اطلب قطعة أرض.. أو شاحنة، إنهم لن يرفضوا لك شيئاً. هذا حقك. وإذا شئت دعه لي لأستفيد منه وأعيش عليه أنا وأولادي.. أنت يحترمونك ويعرفونك، وأما أنا فلا يعرفني أحد. إنه جنون ألا تأخذ حقك من هذا الوطن. إنهم لا يتصدّقون عليك بشيء. أكثر من واحد يحمل شهادة مجاهد وهو لم يقم بشيء في الثورة. أنت تحمل شهادتك على جسدك.."
إيه حسان.. لم تكن تفهم أن هذا هو الفرق الوحيد بيني وبينهم. لم تكن تفهم أنه لم يعد ممكناً اليوم، بعد كل هذه السنوات، وكل هذا العذاب، أن أطأطئ رأسي لأحد.. ولو مقابل أية هبة وطنية.
ربما كنت فعلت هذا بعد الاستقلال. ولكن اليوم مع مرور الزمن، أصبح ذلك مستحيلا.
لم يبق من العمر الكثير أخي. لم يبق من العمر الكثير، لأطأطئ رأسي قبل الموت.
أريد أن أبقى هكذا أمامهم، مغروساً كشوكة في ضميرهم. أريد أن يخجلوا عندما يلتقوا بي، أن يطأطئوا هم رؤوسهم ويسألوني عن أخباري، وهم يعرفون أنني أعرف كل أخبارهم، وأنني شاهد على حقارتهم.
آه لو تدري حسان!
لو تدري لذّة أن تمشي في شارع مرفوع الرأس، أن تقابل أيّ شخص بسيط أو هامّ جداً، دون أن تشعر بالخجل.
هناك من لا يستطيع اليوم أن يمشي خطوتين على قدميه في الشارع، بعدما كانت كل الشوارع محجوزة له. وكان يعبرها في موكب من السيارات الرسمية.
لم أقل شيئاً لحسان. وعدته فقط كمرحلة أولى أن أشتري له سيارة. قلت له: "تعال معي، واختر سيارة تناسبك. تأخذها معك من فرنسا. لا أريد أن تعيش هكذا في هذه الحالة بعد اليوم..".
فرح حسان يومها كطفل. شعرت أن ذلك كان حلمه الكبير الذي كان عاجزاً عن تحقيقه، وعاجزاً عن طلبه مني. ولكن كيف لي أن أعرف ذلك وأنا لم أزره منذ سنوات؟
عندما أذكر حسان اليوم، وحدها تلك الالتفاتة تبعث في قلبي شيئاً من السعادة، لأنني أسعدته بعض الوقت، ومنحته راحة لبضع سنوات
سنوات.. لم أكن أتوقع أن تكون الأخيرة.
عاد حسان إلى موضوعه قال:
- هل أنت مصر حقاً على السفر غداً؟
قلت له:
- نعم.. من الأرجح أن أسافر غداً..
قال:
- إذن لا بد أن تطلب سي الشريف اليوم، لتعتذر منه. فقد يسيء تفسير موقفك.. ويأخذ على خاطره..
فكرت قليلاً فوجدته على حقّ. قلت لحسان:
- اطلب لي رقم سي الشريف لأعتذر إليه..
كنت أتوقع أن تتوقف الأمور هناك. ولكن سي الشريف راح يرحّب بي.. ويحرجني بلطفه، ويلحّ لأحضر لزيارته ولو في ذلك الحين..
قال:
- تعال إذن وتغدّ معنا اليوم.. المهم أن نراك قبل أن تسافر.. ثم يمكنك أن تقدم هديتك بنفسك للعروسين قبل أن يسافرا أيضاً هذا المساء..
لم يكن هناك من مخرج. وجدت نفسي مرة أخرى، أواجه قدري معك. أنا الذي قررت السفر على عجل، حتى أنتهي من العيش في هذه الأجواء التي كانت تدور كلها بطريقة أو بأخرى حولك.
ها أنا مرة أخرى ألبس بدلتي السوداء نفسها، أحمل لوحة توقّفت أمامها يوماً وكانت سبب كل ما حلّ بي بعد ذلك. وأذهب مع حسان إلى الغداء..
ها هما قدماي تقودانني مرة أخرى نحوك. كنت أدري أنني سألتقي بكِ هذه المرة. كان هناك حدس مسبق يشعرني أننا لن نخلف هذا الموعد اليوم.
ما الذي قاله سي الشريف ذلك اليوم؟ ما الذي قلته ومن قابلت من الناس؟ وماذا قدم لنا من أطباق على تلك السفرة.. لم أعد أذكر.
كنت أعيش لحظات حبك الأخيرة. ولم يكن يهمني شيء في تلك اللحظة، سوى أن أراك.. وأن أنتهي منك في الوقت نفسه!
ولكن.. كنت أخاف حبك. كنت أخاف أن يشتعل حبك من رماده مرة أخرى. فالحب الكبير، يظلّ مخيفاً حتى في لحظات موته.. يظلّ خطراً حتى وهو يحتضر.
وجئت..
أكثر اللحظات وجعاً، أكثر اللحظات جنوناً، أكثر اللحظات سخرية، كانت تلك التي وقفت فيها لأسلم عليكِ، وأضع على وجنتيك قبلتين بريئتين، وأنا أهنئك بالزواج، مستعملاً كل المفردات اللائقة بذلك الموقف العجيب.
كم كان يلزمني من القوة، من الصبر ومن التمثيل، لأوهم الآخرين أنني لم ألتقِ بك قبل اليوم، سوى مرّة عابرة، وأنكِ لم تكوني المرأة التي قلبت حياتي رأساً على عقب؟
المرأة التي تقاسمني سريري الفارغ منذ عدة أشهر، والتي كانت حتى البارحة.. لي!
كم كان يلزمني من التمثيل، لأهديك تلك اللوحة، دون أي تعليق إضافي، دون أية إشارة توضيحية، وكأنها لم تكن اللوحة التي بدأت بها قصتي معك منذ خمس وعشرين سنة.
وكم كنتِ مدهشة أنتِ في تمثيلك، وأنتِ تفتحينها وتلقين نظرة معجبة عليها، وكأنك ترينها لأول مرة! فلا أستطيع إلا أن أسألك يتواطؤ سري جمعنا يوماً:
هل تحبين الجسور؟
ويخيم بيننا فجأة صمت قصير، يبدو لي طويلاً كلحظة تسبق حكماً بالإعدام.. أو العفو.
قبل أن ترفعي عي... نحوي وينزل حكمكِ عليّ:
- نعم أحبها!
كم من السعادة منحتني لحظتها في كلمتين!
شعرت أنك تبعثين لي آخر إشارة حبّ.
شعرت أنك تهديني أكثر من مشروع لوحة قادمة. أكثر من ليلة وهمية.. وأنك رغم كل شيء ستظلّين وفيّة لذاكرتنا المشتركة.. ولمدينة تواطأت معنا، ومدّت كل هذه الجسور.. لتجمعنا.
ولكن.. أكنت حبيبتي حقاً؟ في تلك اللحظة التي كان رجل آخر فيها إلى جوارك. يلتهمك بعينين لم تشبعهما ليلة حب كاملة، في تلك اللحظة التي كان فيها الحديث يدور حول المدن التي ستزورينها في شهر العسل، وكنت أنا أشيّعك بصمت، لسفرك الأخير عن قلبي..
لقد كانت تلك هزيمتك الأولى معي.. انتهى كل شيء إذن. ها أنا قابلتك أخيراً، أكان هذا اللقاء يستحق كل ذلك الانتظار، كل ذلك الألم؟
كم كان حلمي به جميلاً! وكم هو اليوم مدهش ومسطّح في واقعه! كم كان مليئاً بانتظارك، وكم هو فارغ.. موجع بحضورك!
أكانت نصف النظرة التي تبادلناها بين نظرتين، تستحق كل ذلك الوجع، كل ذلك الشوق والجنون؟
تريدين أن تقولي لي شياً، وتتلعثم الكلمات.. تتلعثم النظرات.
لقد نسيت عيناك الحديث إليّ.. ولم أعد أعرف فكّ رموزك الهيروغليفية.
فهل عدنا يومها إلى مرتبة الغرباء، دون أن ندري؟
افترقنا..
قبلتان أخيرتان على وجنتيك. نظرة.. نظرتان.. وكثير من التمثيل، وألم سري صامت.
تبادلنا جميعاً كلمات المجاملة والتهاني والشكر الأخير.
تبادلنا عناويننا، بعدما أصرّ زوجك على أن يعطيني رقم ه...ه في البيت وفي المكتب في حالة ما احتجت إلى شيء.
وانصرفنا كل بوهمه.. وقراره المسبق.
عندما عدت إلى البيت بعد ذلك، نظرت طويلاً إلى تلك البطاقة التي كنت أتحسّسها طوال الطريق بشيء من الذهول.. ومذاق ساخر للمرارة. وكأنك انتقلت معها من قلبي إلى جيبي تحت اسم ورقم ه...ي جديد.
ودون كثير من التردد.. أو التعمّق في التفكير، قرّرت أن أمزّقها فوراً، مادمت أملك القدرة على ذلك، ومادمت مصمماً على أن ينتهي كل شيء هنا في قسنطينة.. كما أردتِ يوماً، وكما أصبحت أريد أنا اليوم.

فداء
12-08-2007, 03:09 AM
ما الذي كنت تريدينه ذلك المساء؟ عندما جاء ه...ك فجأة ليخرجني من دوامة أفكاري وأحاسيسي المتناقضة؟
حين مدّ حسان نحوي اله... وقال: "هناك امرأة تريد أن تتحدث إليك.." توقّعت كل شيء إلا أن تكوني أنتِ.
سألتكِ بدهشة:
- ألم تسافري بعد؟
قلتِ:
- سنسافر بعد ساعة.. أردت أن أشكرك على اللوحة.. لقد وهبتني سعادة لم أتوقّعها..
قلت لكِ:
- أنا لم أهبك شيئاً.. لقد أعدت لكِ لوحة كانت جاهزة لكِ منذ خمس وعشرين سنة.. إنها هدية قدرنا الذي تقاطع يوماً. وأما أنا فلي هدية أخرى أتوقع أن تعجبك، سأقدمها لك ذات يوم فيما بعد..
قلتِ بصوت خافت وكأنك تخافين أن يسترق أحد السمع إليك أو يسرق منكِ تلك الهدية:
- ماذا ستهديني؟
قلت:
- إنها مفاجأة.. لنفترض أنني سأهبك غزالة.
قلتِ مدهوشة:
- إنه عنوان كتاب!
قلت:
- أدري.. لأنني سأهبك كتاباً. عندما نحب فتاة نهبها اسمنا. عندما نحب امرأة نهبها طفلاً. وعندما نحب كاتبة.. نهبها كتاباً. سأكتب من أجلك رواية.
أحسست في صوتك بشيء من الفرح والارتباك.. شيء من الدهشة والحزن الغامض. ثم قلتِ فجأة بنبرة عشقية لم أعهدها منك:
- خالد.. أحبك.. أتدري هذا؟
وانقطع صوتك فجأة، ليتوحد بصمتي وحزني، ونبقى هكذا لحظات دون كلام. قبل أن تضيفي بشيء من الرجاء:
- خالد.. قل شيئاً.. لماذا لا تجيب؟
قلت لك بشي من السخرية المرة:
- لأن رصيف الأزهار لم يعد يجيب..
- هل تعني أنك لم تعد تحبني؟
أجبتك بصوت غائب:
- أنا لا أعني شيئاً بالتحديد.. إنه عنوان لرواية أخرى للكاتب نفسه!
ماذا قلت لك بعدها، لا أذكر. من الأرجح أن يكون هذا آخر ما قلته لك قبل أن أضع السمّاعة، ونفترق لعدة سنوات.
***
"لا تطرقي الباب كل هذا الطرق.. فم أعد هنا".
لا تحاولي أن تعودي إليّ من الأبواب الخلفية، ومن ثقوب الذاكرة، وثنايا الأحلام المطويّة، ومن الشبابيك التي أشرعتها العواصف.
لا تحاولي..
فأنا غادرت ذاكرتي. يوم وقعت على اكتشاف مذهل: لم تكن تلك الذاكرة لي، وإنما كانت ذاكرة مشتركة أتقاسمها معك. ذاكرة يحمل كل منا نسخة منها حتى قبل أن نلتقي.
لا تطرقي الباب كل هذا الطرق سيدتي.. فلم يعد لي باب.
لقد تخلّت عني الجدران يوم تخلّيت عنك، وانهار السقف عليّ وأنا أحاول أن أهرّب أشيائي المبعثرة بعدك.
فلا تدوري هكذا حول بيت كان بيتي.
لا تبحثي عن نافذة تدخلين منها كسارقة. لقد سرقت كلّ شيء منّي، ولم يعد هناك من شيء يستحقّ المغامرة.
لا تطرقي الباب كلّ هذا الطرق الموجع..
ه...ك يدقّ في كهوف الذاكرة الفارغة دونك، ويأتي الصدى موجعاً ومخيفاً.
ألا تدرين أنني أسكن هذا الوادي بعدك، كما يسكن الحصى جوف "وادي الرمال"؟
تمهّلي سيدتي إذن..
تمهّلي وأنت تمرّين على جسور قسنطينة. فأية زلة قدم سترميني بسيلٍ من الحجارة. وأي سهو منك سيرميك هنا عندي لتتحطمي معي.
يا امرأة متنكّرة في ثياب أمي.. في عطر أمي وفي خوف أمي عليّ..
متعب أنا.. كجسور قسنطينة. معلّق أنا مثلها بين صخرتين وبين رصيفين.
فلماذا كل هذا الألم..؟ ولماذا.. أكذب الأمهات أنت، وأحمق العشاق أنا؟
لا تطرقي أبواب قسنطينة الواحد بعد الآخر.. أنا لا أسكن هذه المدينة.. إنها هي التي تسكنني.
لا تبحثي عني فوق جسورها، هي لم تحملني مرة.. وحدي أنا حملتها.
لا تسألي أغانيها عنّي، وتأتني لاهثة بخبرٍ قديم _جديد، وأغنية كانت تغنّى للحزن فصارت تغنّى للأفراح..
"قالوا العرب قالوا *** ما نعطيوْ صالح ولا مالُو
قالوا العرب هيهات *** ما نعطيوْ صالح باي البايات.."
أعرف عن ظهر قلب ما قاله العرب، وما لم يجرؤوا اليوم على قوله.
وأدري.. كان "صالح" ثوب حدادك الأول حتى قبل أن تولدي. كان آخر بايات قسنطينة.. وكنت أنا وصيّته الأخيرة: "يا حمودة.. آخ يا وليدي تها الله لي في الدار.. آه.. آه..".
أي دار يا صالح.. أي دار توصيني بها؟
لقد زرت (سوق العصر) وشاهدت دارك فارغة من ذاكرتها. سرقوا حتى أحجارها، وشبابيكها الحديدية. خرّبوا ممراتها وعبثوا بنقوشها.. وظلّت واقفة، هيكلاً مصفرّاً يبول الصعاليك والسكارى على جدرانه.
أيّ وطن هذا الذي يبول على ذكرته يا صالح؟
أي وطن هذا؟
ها هي ذي مدينة تلبس حداد رجل لم تعد تذكر اسمه. وها أنت ذي طفلة لا أحد يعرف قرابتها بهذه الجسور..
فانزعي "ملايتك" بعد اليوم.. وارفعي عن وجهك الخمار، ولا تطرقي الباب كل هذا الطرق..
فلم يعد صالح هنا.. ولا أنا.
افترقنا إذن..
الذين قالوا الحب وحده لا يموت، أخطأوا..
والذين كتبوا لنا قصص حب بنهايات جميلة، ليوهمونا أن مجنون ليلى محض استثناء عاطفي.. لا يفهمون شيئاً في قوانين القلب.
إنهم لم يكتبوا حباً، كتبوا لنا أدباً فقط
العشق لا يولد إلا في وسط حقول الألغام، وفي المناطق المحظورة. ولذا ليس انتصاره دائماً في النهايات الرصينة الجميلة..
إنه يموت كما يولد.. في الخراب الجميل فقط!
افترقنا إذن..
فيا خرابي الجميل سلاماً. يا وردة البراكين، ويا ياسمينة نبتت على حرائقي سلاماً.
يا ابنة الزلازل والشروخ الأرضية! لقد كان خرابك الأجمل سيدتي، لقد كان خرابك الأفظع..
قتلت وطناً بأكمله داخلي، تسللت حتى دهاليز ذاكرتي، نسفت كل شيء بعود ثقاب واحد فقط..
من علّمكِ اللعب بشظايا الذاكرة؟ أجيبي!
من أين أتيت هذه المرة _أيضاً_ بكل هذه الأمواج المحرقة من النار. من أين أتيت بكل ما تلا ذلك اليوم من دمار؟
افترقنا إذن..
لم تكوني كاذبة معي.. ولا كنتِ صادقة حقاً. لا كنتِ عاشقة.. ولا كنتِ خائنة حقاً. لا كنتِ ابنتي.. ولا كنتِ أمي حقاً.
كنت فقط كهذا الوطن.. يحمل مع كل شيء ضده.
أتذكرين؟
في ذلك الزمن البعيد، في ذلك الزمن الأول، يوم كنت تحبينني وتبحثين فيّ عن نسخة أخرى لأبيك.
قلت مرة:
- انتظرتك طويلاً.. انتظرتك كثيراً، كما ننتظر الأولياء الصالحين.. كما ننتظر الأنبياء.. لا تكن نبياً مزيفاً يا خالد.. أنا في حاجة إليك!
لاحظت وقتها أنكِ لم تقولي أنا أحبك. قلتِ فقط "أنا في حاجة إليك"..
نحن لا نحب بالضرورة الأنبياء. نحن في حاجة إليهم فقط.. في كل الأزمنة.
أجبتك:
- أنا لم أختر أن أكون نبياً..
قلت مازحة:
- الأنبياء لا يختارون رسالتهم، إنهم يؤدّونها فقط!
أجبتكِ:
- ولا يختارون رعيّتهم أيضاً. ولذا لو حدث واكتشفتِ أنني نبيّ مزيّف.. قد يكون ذلك لأنني بعثت لرعية تحترف الردّة!
ضحكت.. وبعناد أنثى يغريها التحدّي قلت:
- أنت تبحث عن مخرج لفشلك المحتمل معي، أليس كذلك؟..
لن أمنحك مبرراً كهذا. هات وصاياك العشر وأنا أطبقها.
نظرت إليك طويلاً يومها. كنت أجمل من أن تطبّقي وصايا نبي، أضعف من أن تحملي ثقل التعاليم السماوية. ولكن كان فيك نور داخلي لم أشهده في امرأة قبلك.. بذرة نقاء لم أكن أريد أن أتجاهلها..
أليس دور الأنبياء البحث عن بذور الخير فينا؟
قلت:
- دعي الوصايا العشر جانباً واسمعيني.. لقد جئتك بالوصية الحادية عشرة فقط..
ضحكت وقلت بشيء من الصدق:
- هات ما عندك أيها النبي المفلس.. أقسم أنني سأتبعك!
لحظتها شعرت برغبة في أن أستغلّ قسمك. وأقول لك: "كوني لي فقط.." ولكن لم يكن ذلك كلام نبي. وكنت دون أن أدري قد بدأت أمثّل أمامك الدور الذي اخترته لي.. فرحت أبحث في ذهني عن شيء يمكن أن يقوله نبي يباشر وظيفته لأول مرة.. قلت:
- احملي هذا الاسم بكبرياء أكبر.. ليس بالضرورة بغرور، ولكن بوعي عميق أنك أكثر من امرأة. أنت وطن بأكمله.. هل تعين هذا؟ ليس من حق الرموز أن تتهشّم.. هذا زمن ....، إذا لم ننحز فيه إلى القيم سنجد أنفسنا في خانة القاذورات والمزابل. لا تنحازي لشيء سوى المبادئ.. لا تجاملي أحداً سوى ضميرك.. لأنك في النهاية لا تعيشين مع سواه!
قلت:
- أهذه وصيتك لي.. فقط؟!
قلت:
- لا تستهيني بها.. إن تطبيقها ليس سهلاً كما تتوهّمين.. ستكتشفين ذلك بنفسك ذات يوم..
كان لا بد ألا تسخري يومها من وصية ذلك النبي المفلس.. وتستسهليها إلى هذا الحد..!
مرّت ستّ سنوات على ذلك السفر. على ذلك اللقاء، ذلك الوداع.
حاولت خلالها أن ألملم جرحي وأنسى. حاولت منذ عودتي، أن أضع شيئاً من الترتيب في قلبي. أن أعيد الأشياء على مكانها الأول، دون ضجيج ولا تذمّر، دون أن أكسر مزهرية، دون أن أغيّر مكان لوحة، ولا مكان القيم القديمة التي تكدّس الغبار عليها داخلي منذ زمن.
حاولت أن أعيد الزمان إلى الوراء، دون حقد ولا غفران أيضاً.
لا.. نحن لا نغفر بهذه السهولة لمن يجعلنا بسعادة عابرة، نكتشف كم كنا تعساء قبله. ونغفر أقل، لمن يقتل أحلامنا أمامنا دون أدنى شعور بالجريمة.
ولذا لم أغفر لك.. ولا لهم.
حاولت فقط أن أتعامل معك ومع الوطن بعشق أقل. واخترت اللامبالاة عاطفة واحدة نحوكما.
كان يحدث لأخبارك أن تصلني عن طريق المصادفة، وأنا أستمع إلى من يتحدث عن زوجك، عن صعوده المستمر.. وعن صفقاته وشؤونه السرية والعلنية التي تشغل أحاديث المجالس.
وكان يحدث لأخبار الوطن أن تأتيني أيضاً تارة في جريدة، وتارة في مجالس أخرى. وتارة عندما زارني حسان بعد ذلك لآخر مرة ليشتري تلك السيارة التي وعدته بها..
وكل مرة، كنت أواجه كل ما أسمعه باللامبالاة نفسها التي لا يمكن أن يولّدها سوى اليأس الأخير.
بدأت أتعلّق بحسان فقط، وكأنني اكتشفت فجأة وجوده. أصبح أمره وحده يهمني بعدما وعيت أنه كل ما تبقّى لي في هذا العالم، وبعدما اكتشفت تلك الحياة البائسة التي كان يعيشها، والتي كنت أجهل كل شيء عنها قبل زيارتي إلى قسنطينة.

فداء
12-08-2007, 03:11 AM
أصبحت أطلبه ه...ياً بانتظام. أسأله عن أخباره وعن الأولاد، وعن البيت الذي كان ينوي أن يقوم فيه ببعض الإصلاحات، والذي وعدته أن أتكفّل بمصاريف ترميمه وتجديده.
كانت معنوياته تنخفض وترتفع من ه... إلى آخر. كان يحدثني تارة عن بعض مشاريعه، وعن بعض الاتصالات التي يقوم بها ليتم نقله إلى العاصمة.. ثم يعود ويفقد فجأة حماسه.
كنت أعرف ذلك عندما يسألني في آخر مكالمته:
- متى ستأتي يا خالد؟
أشعر عندئذٍ أنه باخرة تغرق، وتبعث إشارة ضوئية تطلب النجدة مني.
وبرغم ذلك، كنت أسايره فقط، وأعده كل مرة أنني قد أزوره في الصيف القادم. وكنت أعرف في أعماقي أنني أكذب، وأنني قطعت الجسور مع الوطن حتى إشعار آخر.
في الواقع، أصبحت عندي قناعة بانعدام الأمل. كان القطار يسير في الاتجاه المعاكس، وبسرعة لم يكن ممكناً معها أن نفعل شيئاً.. أي شيء، غير الذهول وانتظار كارثة الاصطدام.
وكنت أحزم حقائب القلب.. وأمضي دون أن أدري في اتجاهٍ آخر أيضاً، في الاتجاه المعاكس للوطن.
رحت أؤثث غربتي بالنسيان. أصنع من المنفى وطناً آخر لي، وطناً ربما أبدياً، عليّ أن أتعود العيش فيه.
بدأت أتصالح مع الأشياء. أقمت علاقات طبيعية مع نهر السين.. مع جسر ميرابو.. مع كل المعالم التي كانت تقابلني من تلك النافذة، والتي كنت أعيش في معاداة لها دون سبب.
اخترت لي أكثر من عشيقة عابرة. أثثت سريري بالملذّات الجنونية.. بنساء كنت أدهشهن كل مرة أكثر، وأقتلك بهن كل مرة أكثر، حتى لم يبق شيء منكِ في النهاية.
نسي هذا الجسد شوقه لك، نسي تطرّفه وحماقاته وإضرابه عن كل لذة ما عدا لذّتك الوهمية.
تعمدت أن أفرغ النساء من رموزهن الأولى.
من قال إن هناك امرأة منفى، وامرأة وطناً، فقد كذب..
لا مساحة للنساء خارج الجسد. والذاكرة ليست الطريق الذي يؤدي إليهن. في الواقع هنالك طريق واحد لا أكثر.. يمكنني أن أجزم اليوم بهذا!
اكتشفت شيئاًً لا بد أن أقوله لك اليوم..
الرغبة محض قضية ذهنية. ممارسة خيالية لا أكثر. وهم نخلقه لحظة جنون نقع فيها عبيداً لشخص واحد، ونحكم عليه بالروعة المطلقة لسبب غامض لا علاقة له بالمنطق.
رغبة تولد هكذا من شيء مجهول، قد يعيدنا إلى ذكرى أخرى.. لعطر رائحة أخرى.. لكلمة، لوجه آخر..
رغبة جنونية تولد في مكان آخر خارج الجسد، من الذاكرة أو ربما من اللاشعور، من أشياء غامضة تسللت إليها أنتِ ذات يوم، وإذا بك الأروع، وإذا بك الأشهى، وإذا كل النساء أنتِ.
أفهمت لماذا قتلتك تلقائياً يوم قتلت قسنطينة في داخلي؟
ولم أعجب يومها وأنا أرى جثتك ممدة في سريري.
لم تكونا في النهاية سوى امرأة واحدة.
ستقولين: لماذا كتبت لي هذا الكتاب إذن؟ وسأجيبك أنني أستعير طقوسك في القتل فقط، وأنني قررت أن أدفنك في كتاب لا غير.
فهناك جثث يجب ألا نحتفظ بها في قلبنا. فللحب بعد الموت، رائحة كريهة أيضاً، خاصة عندما يأخذ بُعْد الجريمة.
لاحظي أنني لم أذكر اسمك مرة واحدة في هذا الكتاب. قررت هكذا أن أتركك بلا اسم. هنالك أسماء لا تستحق الذكر.
لنفترض أنك امرأة كان اسمها "حياة"، وربما كان لها اسم آخر.. فهل مهم اسمك حقاً؟
وحدها أسماء الشهداء غير قابلة للتزوير، لأن من حقهم علينا أن نذكرهم بأسمائهم كاملة. كما من حق هذا الوطن علينا أن نفضح من خانوه، وبنوا مجدهم على دماره، وثروتهم على بؤسه، مادام لا يوجد هناك من يحاسبهم.
وأدري.. ستقول إشاعة ما إن هذا الكتاب لك. أؤكد لك سيدتي تلك الإشاعة.
سيقول نقّاد يمارسون النقد تعويضاً عن أشياء أخرى، إن هذا الكتاب ليس رواية، وإنما هذيان رجل لا علم له بمقاييس الأدب.
أؤكد لهم مسبقاً جهلي، واحتقاري لمقاييسهم. فلا مقياس عندي سوى مقياس الألم، ولا طموح لي سوى أن أدهشك أنتِ، وأن أبكيك أنت، لحظة تنتهين من قراءة هذا الكتاب..
فهناك أشياء لم أقلها لك بعد.
اقرئي هذا الكتاب.. وأحرقي ما في خزانتك من كتبٍ لأنصاف الكتاب، وأنصاف الرجال، وأنصاف العشاق.
من الجرح وحده يولد الأدب. فليذهب إلى الجحيم كل الذين أحبوك بتعقّل، دون أن ينزفوا.. دون أن يفقدوا وزنهم ولا اتزانهم..
تصفّحيني بشيء من الخجل.. كما تتصفّحين ألبوم صور مصفرّة، لطفلة كانت أنتِ.
كما تطالعين قاموساً لمفردات قديمة معرّضة للانقراض والموت.
كما تقرأين منشوراً سرياً، عثرت عليه يوماً في صندوق بريدك.
افتحي قلبك.. واقرأيني.
كنت يوماً أريد أن أحدثك عن سي الطاهر وعن زياد وعن آخرين.. عن كل ما كنت تجهلين.
ولكن مات حسان.. ولم يعد اليوم وقت للحديث عن الشهداء.. أصبح كل واحد منا مشروع شهيد.
يحزنني ألا أهبك غزالة. "الغزلان لا تكون غزلاناً إلا عندما تكون حيّة". ولم يبق لي ما يمكن أن أهديكِ اليوم.
لقد أخذت مني كل من أحببت، الواحد بعد الآخر، بطريقة أو بأخرى. وتحول القلب إلى مقبرة جماعية ينام فيها دون ترتيب كل من أحببت. وكأن قبر (أمّا) قد اتسع ليضمهم جميعاً.
ولم أعد أنا سوى شاهد قبر لسي الطاهر.. لزياد ولحسان. شاهد قبر للذاكرة.
كنت أدري الكثير عن حماقة القدر، الكثير عن ظلمه وعن عناده، عندما يصرّ على ملاحقة أحد.
ولكن أكان يمكن لي أن أتوقع أن شيئاً كذلك يمكن أن يحدث؟
كنت اعتقد أنني دفعت لهذا القدر الأحمق ما فيه الكفاية، وأنه حان لي بعد هذا العمر، وتلك السنوات التي تلت فجيعة زياد، وفجيعة زواجك، أن أرتاح أخيراً.
فكيف عاد القدر اليوم ليأخذ مني أخي، أخي الذي لم يكن لموته من منطق. لا كان في جبهة، ولا كان في ساحة قتال ليموت ميتة سي الطاهر، وميتة زياد، رمياً بالرصاص.. أيضاً

فداء
12-08-2007, 03:12 AM
ذات يوم من أكتوبر 88، جاء خبر موته هكذا صاعقة يحملها خط ه...ي مشوش، وصوت عتيقة الذي تخفيه الدموع.
ظلت تجهش بالبكاء وتردد اسمي، وأنا أسألها مفجوعاً:
- "واش صار..؟"
كنت على علم بتلك الأحداث التي هزّت البلاد، والتي كانت الجرائد ونشرات الأخبار الفرنسية تتسابق بنقلها مصور، مفصلة، مطوّلة، باهتمام لا يخلو من الشماتة.
كنت أعرف تفاصيلها، وأدري أنها مازالت وهي في يومها الثاني مقتصرة على العاصمة. فمن أين لي أن أتوقّع الذي حدث؟
كان صوت عتيقة يردد مقطّعاً:
- قتلوه.. آ خالد.. يا وخيدتي قتلوه..
وصوتي يردد مذهولاً:
- كيفاش.. كيفاش قتلوه؟
كيف مات حسان؟
هل مهم السؤال، وموته كان أحمق كحياته، ساذجاً كأحلامه.
أقرأ كل الجرائد لأفهم كيف مات أخي، بين الحلم والحلم.. بين الوهم والوهم.
ما الذي ذهب به إلى العاصمة ليقابل "جماعة" هناك، هو الذي لم يزر العاصمة إلا نادراً.
ذهب هكذا في نهاية أسبوع.. ليبحث عن نهايته.
ضاقت به قسنطينة، ولم توصله جسورها الكثيرة إلى شيء.
قالوا له: "في العاصمة ستكون لك "خيوط". ستوصلك الطرق القصيرة هناك.. ولن توصلك الجسور هنا!".
صدّق حسان، وذهب إلى العاصمة ليقابل "فلاناً" من قبل "فلان" آخر..
وكان مقرراً أن تحل قضيته أخيراً هذه المرة، بعد عدة سنوات من الوساطات والتدخلات، ويغادر نهائياً سلك التعليم، لينتقل إلى العاصمة ويعيّن موظفاً في مؤسسة إعلامية.
ولكن القدر هو الذي حسم "ملفه" هذه المرة.
بين "فلان" و "فلان" مات حسان، خطأ برصاصة خاطئة، على رصيف الحلم.
فالحلم ليس في متناول الجميع أخي.. كان عليك ألا تحلم!
أحقاً "إن الشقاء يعرف كيف يختار صفاته" ولهذا اختارني أنا، واختار لي كل هذه الفجائع المذهلة، لأنفرد بها وحدي.
أنا الذي لم أكن أحلم سوى بأن أهبك غزالة..
كيف لي أن أفعل ذلك.. وأنت تهبينني كل هذا الدمار.. كل هذا الخراب؟
***
ويعود فجأة، حديث قديم بيننا إلى البال.
حديث مرّت عليه اليوم ست سنوات. في ذلك الزمن الذي كنت تجدين فيه شبهاً بيني وبين "زوربا". الرجل الذي أحببته الأكثر حسب تعبيرك، والذي كنتِ تحلمين بكتابة رواية كروايته، أو حب رجل مثله.
ترى لأنك كنت عاجزة عن كتابة رواية كتلك، اكتفيت بتحويلي إلى نسخة منه، وجعلتني مثله أتعلم أن أشفى من الأشياء التي أحبها بأكلها حتى التقيؤ..
جعلتني أعشق الخراب الجميل، وأتعلم كطائر يذبح أن أرقص من ألمي..
ها هوذا الخراب الجميل، الذي حدّثتني عنه يوماً بحماسٍ مدهش لم يثر شكوكي، يوم قلتِ:
"مدهش أن يصل الإنسان بفجائعه حد الرقص. إنه تميز في الخيبات والهزائم أيضاً. فليست كل الهزائم في متناول الجميع. لا بد أن تكون لك أحلام فوق العادة، وأفراح وطموحات فوق العادة، لتصل بعواطفك تلك إلى ضدها بهذه الطريقة..".
آه سيدتي لو تدرين!
كم كانت أحلامي كبيرة. وما أفظع هذا الخراب الذي تتسابق قنوات التلفزيون على نقله اليوم!
ما أفظع هذا الدمار، وما أحزن جثة أخي الملقاة على رصيف، يخترقها رصاص طائش!
ما أحزن جثته، وهي تنتظرني الآن في ثلاجة الموتى لأتعرف عليه، وأرافقه جثماناً إلى قسنطينة.
ها هي ذي قسنطينة مرة أخرى..
تلك الأم الطاغية التي تتربص بأولادها، والتي أقسمت أن تعيدنا إليها ولو جثة.
ها هي قد هزمتنا، وأعادتنا إليها معاً. في تلك اللحظة التي اعتقدنا فيها أننا شفينا منها، وقطعنا معها صلة الرحم.
لا حسان سيغادرها إلى العاصمة.. ولا أنا سأقدر على الهرب منها بعد اليوم..
ها نحن نعود إليها معاً..
أحدنا في تابوت.. والآخر أشلاء رجل.
وقع حكمك عليّ أيتها الصخرة.. أيتها الأم الصخرة..
فأشرعي مقابرك، وانتظريني. سآتيك بأخي.. افسحي له مكاناً صغيراً جوار أوليائك الصالحين، وشهدائك، وباياتك.. كان حسان كل هذا على طريقته.
كان غزالاً..
في انتظار ذلك.. تعالي سيدتي وتفرّجي على كل هذا الخراب الجميل!
فبعد قليل سيحضر زوربا ليمسك بكتفي ولنبدأ الرقص معاً.
تعالي..
لا بد ألا تخلفي هذا المشهد، سترين كيف يرقص الأنبياء عندما يفلسون حقاً.
تعالي.. سأرقص اليوم كما لم أرقص يوماً، كما اشتهيت أن أرقص في عرسك ولم أفعل..
سأقفز وكأن جناحينْ قد التصقا بقدمي فجأة، وكأن ذراعي المفقودة قد نبتت من جديد لتصبح ذراعي.
تعالي.. وليعذرني أبي الذي لم أشاركه يوماً في طقوس "عيساوة".
في حفل جذبه ورقصه الجنوني، وغرسه ذلك السفود في جسده من طرف إلى آخر.. بنشوة الألم الذي يجاور اللذة.
للحزن أكثر من طقس، وليس للألم وطن على التحديد. فليعذرني الأنبياء والأولياء الصالحون!
ليعذروني جميعا. لا أدري ماذا يفعل الأنبياء بالتحديد عندما يحزنون، ماذا يفعلون في زمن الردّة؟
هل يبكون أم يصلون؟
أنا قررت أن أرقص. الرقص تواصل أيضاً. الرقص عبادة أيضاً..
فانظر أيها الأعظم.. بذراع واحدة سأرقص لك.
ما أصعب الرقص بذراعٍ واحدة يا ربي! ما أبشع الرقص بذراعٍ واحدة يا ربي! ولكن..
ستعذرني أنت الذي أخذت ذراعي الأخرى.
ستعذرني.. أنت الذي أخذتهم جميعاً.
ستعذرني.. لأنك ستأخذني أيضاً!
هل المؤمن مصاب حقاً؟.. أن ترى تلك مقولة خلقت لتعلمنا الصبر فقط، لتبيعنا بدل مصائبنا فرح امتلاك شهادة بالتقوى؟
فليكن..
شكراً لك أيها الأعظم، أنت الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
أنت الذي لا تخصّ بمصابك سوى المؤمنين من عبادك.. والأتقياء منهم.
اعترف أنني لم أكن احلم بشهادة حسن سلوك كهذه!
أفرغ منك سيدتي وأمتلئ لحناً يونانياً.
تتقدم موسيقى "زوربا" نحوي، دعوة للجنون المتطرف.
تأتي على شريط تعودت الاستماع إليه بمتعة غامضة. وإذا بذلك اللحن القادم اليوم وسط الخراب والجثث، يأخذ فجأة بُعده الأول الحقيقي.
فأنتفض فجأة من أريكتي وهو يفاجئني، وأصرخ كما في تلك القصة "هيا زوربا.. دربني على الرقص..".
ها هوذا "الخراب الجميل" الذي جعلتنا نشتهيه. لم أكن أعتقد أن يكون بشعاً إلى هذا الحد.. موجعاً إلى هذا الجد!
تزحف موسيقى تيودراكيس نحوي. وتخترقني نغمة.. نغمة. جرحاً.. جرحاً.
بطيئة.. ثم سريعة كنوبة بكاء.
خجولة.. ثم جريئة كلحظة رجاء.
حزينة.. ثم نشوى كتقلبات شاعر أمام كأس.
مترددة.. ثم واثقة كأقدام عسكر.
فأستسلم لها. أرقص كمجنون في غرفة شاسعة، تؤثثها اللوحات والجسور.
وأقف أنا وسطها وكأنني أقف على تلك الصخرة الشاهقة، لرقص وسط الخراب، بينما جسور قسنطينة الخمسة تتحطم وتتدحرج أمامي حجارة نحو الوديان.
إيه زوربا!
تزوجت تلك المرأة التي كنت أحبها، وكانت تحبك أنت. وكنت أريد أن أجعلها نسخة مني، فجعلتني نسخة منك.
ومات زياد.. ذلك الصديق الذي اشترى هذا الشريط لأنه ربما كان يحبك أيضا من اجلها، وربما لأنه كان يتوقع لي يوماً كهذا، ويعد لي على طريقته كل تفاصيل حزني القادم.
وربما يكون تلقّاه هدية منها.. وورثته أنا في جملة ما أورثني من أحزان.
ومات حسان.. أخي الذي لم يكن يهتم كثيراً بالإغريق، وبالآلهة اليونانية.
كان له إله واحد فقط، وبعض الأسطورات القديمة.
مات ولا حب له سوى الفرقاني.. وأم كلثوم.. وصوت عبد الباسط عبد الصمد.
ولا حلم له سوى الحصول على جواز سفر للحج.. وثلاجة.
لقد تحققت نصف أحلامه أخيراً. لقد أهداه الوطن ثلاجة ينتظرني فيها بهدوء كعادته، لأشيعه هذه المرة إلى مثواه الأخير.
لو عرفك، ربما لم يكن ليموت تلك الميتة الحمقاء.
لو قرأك بتمعّن، لما نظر إلى قاتليه بكل الانبهار، لما حلم بمنصب في العاصمة، بسيارة وبيت أجمل..
لبصق في وجه قاتليه مسبقاً.. لشتمهم كما لم يشتم أحداً، لرفض أن يصافحهم في ذلك العرس، لقال:
- "أيها القوّادون.. السراقون.. القتلة. لن تسرقوا دمنا أيضاً. املأوا جيوبكم بما شئتم. أثثوا بيوتكم بما شئتم.. وحساباتكم بأية عملة شئتم.. سيبقى لنا الدم والذاكرة. بهما سنحاسبكم.. بهما سنطاردكم.. بهما سنعمّر هذا الوطن.. من جديد".
آه زوربا.. مات زياد وها هوذا حسان يموت غدراً أيضاً.
آه لو تدري يا صديقي، لم يكن أحدهما ليستحق الموت.
كان حسان نقياً كزئبق، وطيباً حد السذاجة. كان يخاف حتى أن يحلم، وعندما بدأ يحلم قتلوه.
وكان زياد.. آه كان يشبهك بعض الشيء. لو رأيت ضحكته، لو سمعته يتحدث.. يكفر.. يلعن.. يبكي.. يسكر.. لو عرفتهما، لرقصت.. حزناً عليهما الليلة كما لم ترقص من قبل.
ولكن لا يهم.. أدري بأنك أنت أيضاً لن تحضر الليلة. ربما لأنك متّ، كما في تلك الرواية، بعد أن لعنت الكاهن الذي جاء ليناولك القربان المقدس قبل الموت..
أو ربما لأنك لم توجد يوماً أبداً على هذه الأرض. لأنك بطل خرافي لزمن كان الناس يبحثون فيه عن خرافة كهذه. عن آلهة إغريقية جديدة، تعلّمهم الجنون والتحدي.. وعبثية الحياة.
فهل مهم أن تتغيب الليلة، كما تغيبوا جميعاً؟
لن أعتب عليك يا صديقي. أنت لست مسؤولاً في النهاية عن كل ما يمكن أن يرتكب من حماقات بسبب رواية!
ولكن أجبني فقط.. أنت الذي قتلت من الأتراك، وقتلوا من رفاقك الكثيرين. هل هناك من فرق بين القتلة؟
على يد الفرنسيين مات سي الطاهر.. وعلى يد الإسرائيليين مات زياد.. وها هو حسان يموت على يد الجزائريين اليوم.
فهل هناك درجات في الاستشهاد؟ وماذا لو كان الوطن هو القاتل والشهيد معاً؟
فكم من مدينة عربية دخلت التاريخ بمذابحها الجماعية، ومازالت مغلقة على مقابرها السرية!
كم من مدينة عربية أصبح سكانها شهداء.. قبل أن يصبحوا مواطنين!
فأين تضع كل هؤلاء.. في خانة ضحايا التاريخ، أم في خانة الشهداء؟
وما اسم الموت عندما يكون بخنجر عربي!

فداء
12-08-2007, 03:14 AM
ما كادت كاترين تراني في ذلك الصباح حتى صاحت:
- إن لك وجه رجل يستيقظ من ليلة سكر!
ثم أضافت بشيء من السخرية والتلميح الواضح:
- ماذا فعلت أمس أيها الشقي، لتكون في هذه الحالة؟
قلت:
- لا شيء.. ربما لم أنم فقط!
قالت وهي تلقي نظرة على الصالون، وتبحث بفضول امرأة عن آثار تدلها على نوعية من قضيت معهم السهرة:
- هل استقبلت أصدقاء أمس؟
ابتسمت لسؤالها، شعرت برغبة في أن أجيبها: نعم.
يحدث للحزن عندما يجاور الجنون، أن يبدأ هكذا في السخرية من نفسه..
واصلَتْْ:
- وهل قضوا الليلة هنا؟
قلت:
- لا.. رحلوا..
أضفتُ بعد شيء من الصمت:
- أصدقائي يرحلون دائماً!
وربما لم يقنعها كلامي، أو زاد في فضولها فقط. فراحت تواصل بعينيها البحث وسط فوضى الغرفة، والحقيبتين المفتوحتين في الصالون عن شيء ما.
النساء هكذا دائما: لا يرين أبعد من أجسادهن، ولذا لم يكن في إمكان كاترين أن تكتشف آثار زياد وحسان وزوربا.. في ذلك البيت.
في الحقيقة.. لقد كانت كاترين دائماً تعيش على هامش حزني.
ولا ربما اقتنعت دون كثير من الكلام أنني أستيقظ من ليلة حب.
سألتني وكأنها لا تجد فجأة مبرراً لوجودها عندي في تلك اللحظة:
- لماذا طلبتني على عجل؟
قلت:
- لأسباب كثيرة..
ثم أضفت فجأة:
- كاترين.. هل تحبين الجسور؟
قالت بنبرة لا تخلو من التعجب:
- لا تقل لي إنك أحضرتني في هذا الصباح لتطرح علي هذا السؤال!
قلت:
- لا.. ولكن أود لو أجبتني عليه.
قالت:
- لا أدري.. أنا لم أسأل نفسي سؤالاً كهذا قبل اليوم. لقد عشت دائماً في مدن لا جسور فيها. ما عدا باريس ربما..
قلت:
- لا يهم.. فأنا أفضّل في النهاية ألا تحبيها. يكفي أن تحبي رسمي..
أجابت:
- طبعاً أحب ما ترسمه.. لقد راهنت دائماً على انك رسام استثنائي..
قلت:
- فليكن إذن.. كل هذه اللوحات لك.
صاحت:
- أأنت مجنون؟ كيف تهبني كل هذه اللوحات؟ إنها مدينتك.. قد تحنّ إليها يوماً.
قلت:
- لم يعد هناك من ضرورة للحنين بعد اليوم، أنا عائد إليها. أهبها لك، لأنني أدري أنك تقدّرين الفن، وأنها معك لن تضيع..
قالت كاترين وصوتها يأخذ نبرة جديدة لحزن وفرح غامض:
- سأحتفظ بها جميعاً.. فلم يحدث لرجل أن أهداني يوماً شيئاً كهذا..
قلت وأنا ألقي نظرة أخيرة على جسدها المختبئ داماً تحت الأثواب الخفيفة الفضفاضة:
- ولم يحدث لامرأة قبلك أن منحتني غربة أشهى..
قالت:
- أخاف أن تندم يوماً وتشتاق إلى إحدى هذه اللوحات.. اعلم أنك ستجدها دائماً عندي.
قلت:
- ربما سيحدث ذلك.. فنحن في جميع الحالات نندم على شيء ما..
تقاطعني وكأنها اكتشفت جدية الموقف:
- Mais ce n'est pas possible .. لا يمكن أن نفترق هكذا!
- أوُ كاترين.. دعينا نفترق على جوع. لقد حكم علينا التاريخ ألا نشبع من بعض تماماً.. ولا نحب بعضنا تماما.. لأكثر من سبب. إنك تملكين اليوم أكثر من نسخة مني.. علّقي على جدرانك ذاكرتي، حتى ولو كانت ذاكرة مضادة.. لقد كنت أيضاً طرفاً فيها!
لا تفهم كاترين لماذا كل هذه الرموز اليوم.
ولماذا هذا الحديث الغامض الذي لم أعوّدها عليه؟
وربما فهمت، ولكن جسدها كان يرفض أن يفهم. جسدها يخرج عن الموضوع دائماً. جسدها موظف فرنسي يحتج دائما. يطالب دائماً بالمزيد.. يفرط في حرية التعبير، في حرية الإضراب.
ولكن..
من أين سآتي بالكلمات التي ستشرح لها حزني؟
من أين سآتي بالصمت الذي سيقول لها دون أن أقول شيئاً، إن حسان هناك في مدينة أخرى، ينتظرني في ثلاجة، وأن أولاده الستة لم يعد لهم غيري.
كيف أشرح لها سر قدميّ الباردتين، والصقيع الذي يزحف نحوي كلما تقدمت بي الساعات، وكلما راحت يداها تفتحان أزرار قميصي دون انتباه.. بحكم العادة.
- كاترين.. ليس لي شهية للحب، اعذريني..
- وماذا تريد إذن؟
- أريد أن تضحكي كالعادة.
- لماذا أضحك؟
- لأنك عاجزة عن الحزن.
- وأنت؟
- وأنا سأنتظر أن تذهبي لأحزن. حزني مؤجل فقط كالعادة..
- ولماذا تقول لي هذا اليوم.؟
- لأنني متعب.. ولأنني سأرحل بعد ساعات..
- ولكن لا يمكنك أن تسافر. لقد ألغوا كل الرحلات إلى الجزار..
- سأذهب، وأنتظر في المطار أول طائرة تقلع. لا بد أن أسافر اليوم أو غدا. هناك من ينتظرني..
كان يمكن أن أقول لها: "لقد مات أخي.. أخي الوحي يا كاترين.." وأجهش بالبكاء. فقد كنت في حاجة إلى أن أبكي أمام أحد يومها.
ولكن لم أكن قادراً على ذلك معها. لعلها عقدة قديمة.. فالحزن قضية شخصية، قضية أحياناً وطنية..
ولذا احتفظت بجرحي داخلي. وقررت أن أواصل حديثي كالعادة. لعلني في يوم آخر سأخبرها بذلك. ولكن ليس اليوم. الصمت اليوم أكبر.
شعرت فجأة أنني أسأت للفراشات.
قلت:
- كاترين.. لقد كانت قصتنا جميلة، أليس كذلك؟ كانت معقدة بعض الشيء.. ولكنها جميلة برغم ذلك. لقد كنت المرأة التي كانت دائماً، على وشك أن تكون حبيبتي. وربما سينجح الفراق في تحقيق ما عجزت كل سنوات القرب هذه من تحقيقه..
- هل ستحبني عندما نفترق؟
- لا أدري.. من المؤكد أنني سأفتقدك كثيراً. إنه منطق الأشياء. لقد كان لي معك أكثر من عادة. ولا بد لي بعد اليوم أن أغيّر عاداتي..
- وهل ستعود؟
- ليس قبل مدة طويلة.. لا بد أن أتعلم الآن الوجه الآخر للنسيان. الغربة أمّ أيضاً ليس سهلاً أن نجتاز الجسر الذي سيفصلنا عنها..
- خالد.. لماذا تحيط نفسك بكل هذه الجسور؟
- أنا لا أحيط نفسي بها.. أنا أحملها داخلي. هناك أناس ولدوا هكذا على جسر معلّق. جاؤوا إلى العالم بين وصيفينْ وطريقينْ وقارّتينْ. وُلِدوا وسط مجرى الرياح المضادة، وكبروا وهم يحاولون أن يصالحوا بين الأضداد داخلهم. ربما كنت من هؤلاء.. في الحقيقة دعيني أبوح لك بسرّ. اكتشفت أنني لا أحب الجسور. وأكرهها كراهيتي لكل شيء له طرفان، ووجهتان، واحتمالان، وضدان. ولهذا تركت لك كل هذه اللوحات.
كنت أود إحراقها، راودتني هذه الفكرة. ولكن لست في شجاعة طارق بن زياد. ربما لأن إحراق بحّار لباخرته في معركة حربية، يظلّ أسهل من إحراق رسام للوحاته في لحظة جنون..
وبرغم ذلك، أريد أن أحرقها حتى أقطع على قلبي طريق العودة إلى الخلف.
لا أريد أن أقضي حياتي، وأنا أسلك هذا الجسر في الاتجاهين.
أريد أن أختار لقلبي مسقطه الأخير..
أريد أن أعود إلى تلك المدينة الجالسة فوق صخرة، وكأنني أفتحها من جديد. كما فتح طارق بن زياد ذلك الجيل، ومنحه اسمه..
.. منذ غادرتها أضعت بوصلتي. قطعت علاقتي بالتاريخ وبالجغرافية. ووقفت سنوات على نقطة استفهام، خارج خطوط الطول والعرض.
أين يقع البحر وأين يقف العدوّ؟ أيهما أمامي وأيهما ورائي؟
ولا شيء وراء البحر سوى الوطن.. ولا شيء أمامي سوى زورق الغربة.. ولا شي بينهما سواي..
على من أعلن الحرب ولا شيء حولي سوى الحدود الإقليمية للذاكرة؟
نظرت إليّ كاترين، ولم تفهم شيئاً..
لقد كانت علاقتنا دائماًً ضحية سوء فهم وقصر نظر. فافترقنا كما التقينا منذ أكثر من قرن، دون أن نعرف بعضنا حقاً.. دون أن نحب بعضنا تماماً.. ولكن دائماً بتلك الجاذبية الغامضة نفسها.
***
وقلتِ:
"الحب هو ما حدث بيننا.. والأدب هو كل ما لم يحدث".
نعم ولكن..
بين ما حدث وما لم يحدث، حدثت أشياء أخرى، لا علاقة لها بالحب ولا بالأدب.
فنحن في النتيجة، لا نصنع في الحالتين سوى الكلمات. ووحده الوطن يصنع الأحداث. ويكتبنا كيفما شاء.. مادمنا حبره.
غادرت الوطن في زمن لحظر التنفس.. وها أنا أعود إليه مذهولاً في زمن آخر لحظر التجول.
أتذكر وأنا أواجه وحدي هذه المرة مطار تلك المدينة الملتحفة بالحداد كلاماً قاله حسان منذ ست سنوات واستوقفتني كلماته دون سبب واضح.
قال: "إن قسنطينة فرغت من أهلها الأصليين. لقد أصبحوا لا يأتونها سوى في الأعراس و في المآتم".
يذهلني اكتشافي.. ها أنا أصبحت إذن الابن الشرعي لهذه المدينة التي جاءت بي مكرهاً مرتين.
مرة لأحضر عرسك.. ومرة لأدفن أخي. فما الفرق بين الاثنين؟ لقد مات أخي في الواقع مثلما متّ أنا منذ ذلك العرس.
قتلتنا أحلامنا..
هو لأنه أصيب بعدوى الأحلام الفارغة الكبيرة.
وأنا لأنني غادرت وهمي.. ولبست نهائياً حداد أحلامي.
يسألني جمركيّ عصبي في عمر الاستقلال لم يستوقفه حزني ولا استوقفته ذراعي.. فراح يصرخ في وجهي، بلهجة من أقنعوه أننا نغترب فقط لنغنى، وأننا نهرّب دائماً شيئاً ما في حقائب غربتنا..
- بماذا تصرّح أنت؟
كان جسدي ينتصب ذاكرة أمامه.. ولكن لم يقرأني.
يحدث للوطن أن يصبح أميّاً.
كان آخرون لحظتها يدخلون من الأبواب الشرفيّة بحقائب أنيقة دبلوماسية.
وكانت يداه تنبشان في حقيبة زياد المتواضعة، وتقعان على حزمة من الأوراق.. فتكاد دمعة مكابرة بعيني تجيبه لحظتها:
- أصرّح بالذاكرة.. يا ابني..
ولكنني أصمت.. وأجمع مسودّات هذا الكتاب المبعثرة في حقيبة، رؤوس أقلام.. ورؤوس أحلام.

باريس _ تموز 1988

Najma
29-08-2007, 03:52 PM
الاخ فداء
شكرا جزيلا لهذه الرواية الرائعة للكاتبة الاروع البتخليك عايش برا العالم دا
هاكم مقتطفات من الجزء الثاني من الرواية

فوضي الحواس

أجمل حب هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر"

بدءًا


عكس الناس, كان يريد أن يختبر بها الإخلاص. أن يجرب معها متعة الوفاء عن جوع, أن يربي حبًا وسط ألغام الحواس.
هي لا تدري كيف اهتدت أنوثتها إليه.
هو الذي بنظرة, يخلع عنها عقلها, ويلبسها شفتيه. كم كان يلزمها من الإيمان, كي تقاوم نظرته!
كم كان يلزمه من الصمت, كي لا تشي به الحرائق!
هو الذي يعرف كيف يلامس أنثى. تماما, كما يعرف ملامسة الكلمات. بالاشتعال المستتر نفسه.
يحتضنها من الخلف, كما يحتضن جملة هاربة, بشيء من الكسل لكاذب.
شفتاه تعبرانها ببطء متعمّد, على مسافة مدروسة للإثارة.
تمرّان بمحاذاة شفتيها, دون أن تقبلاهما تمامًا. تنزلقان نحو عنقها, دون أن تلامساه حقّاً. ثم تعاودان صعودهما بالبطء المتعمّد نفسه. وكأنّه كان يقبّلها بأنفاسه, لا غير.
هذا لرجل الذي يرسم بشفتيه قدرها, ويكتبها ويمحوها من غير أن يقبلها, كيف لها أن تنسى.. كلّ ما لم يحدث بينه وبينها؟
في ساعة متأخرة من الشوق, يداهمها حبه.
هو, رجل الوقت ليلا, يأتي في ساعة متأخره من الذكرى. يباغتها بين نسيان واخر. يضرم الرغبة في ليلها.. ويرحل.
تمتطي إليه جنونها, وتدري: للرغبة صهيل داخلي لا يعترضه منطق. فتشهق, وخيول الشوق الوحشية تأخذها إليه.
هو رجل الوقت سهوًا. حبه حالة ضوئية. في عتمة الحواس يأتي. يدخل الكهرباء إلى دهاليز نفسها. يوقظ رغباتها المستترة. يشعل كل شيء في داخلها.. ويمضي.
فتجلس, في المقعد المواجه لغيابه, هناك.. حيث جلس يومًا مقابلاً لدهشتها. تستعيد به انبهارها الأوّل.
هو.. رجل الوقت عطرًا. ماذا تراها تفعل بكل تلك الصباحات دونه؟ وثمة هدنة مع الحب, خرقها حبه. ومقعد للذاكرة, ما زال شاغراً بعده. وأبواب مواربة للترقب. وامرأة.. ريثما يأتي, تحبّه كما لو أنه لن يأتي. كي يجيء.
لو يأتي.. هو رجل الوقت شوقًا. تخاف أن يشي به فرحها المباغت, بعدما لم يشِ غير لحبر بغيابه.
أن يأتي, لو يأتي.
كم يلزمها من الأكاذيب, كي تواصل الحياة وكأنه لم يأت! كم يلزمها من الصدق, كي تقنعه أنها انتظرته حقّا!
لو..
كعادته, بمحاذاة الحب يمر, فلن تسأله أيّ طريق سلك للذكرى, ومن دلّه على امرأة, لفرط ما انتظرته, لم تعد تنتظر.
لو..
بين مطار وطائرة, انجرف به الشوق إليها فلن تصدق أنه استدل على النسيان بالذاكرة. ولن تسأله عن أسباب هبوطه الاضطراريّ.
فهي تدري, كنساء البحّارة تدري, أن البحر سيسرقه منها وأنّه رجل الإقلاع.. حتمًا.
ريثما يأتي.
هو سيد الوقت ليلاُ. سيد المستحيلات. واله... العابر للقارّات. والحزن العابر للأمسيات. والانبهار الدائم بليل أوّل.
ريثما يعود ثانية حبيبها, ريثما تعود من جديد حبيبته, مازالت في كل ساعة متأخرة من الليل تتساءل.. ماذا تراه الآن يفعل؟


اليوم عاد..
هو الرجل الذي تنطبق عليه دوماً, مقولة أوسكار وايلد "خلق الإنسان الّلغة ليخفي بها مشاعره". مازال كلّما تحدث تكسوه اللغة, ويعريه الصمت بين الجمل.
وهي ما زالت انثى التداعيات. تخلع وترتدي الكلمات عن ضجر جسدي.. على عجل.
هيَذي عارية الصوت. تكسو كلمات اللقاء بالتردد بين سؤالين.
تحاول كعادتها, أن تخفي بالثرثرة بردها أمامه.
كادت تسأله: لماذا لبس ابتسامته معطفًا للصمت, اليوم بالذات, بعد شهرين من القطيعة؟
ثمّ فكرت في سؤال آخر: أينتهي الحب عندما نبدأ بالضحك من الأشياء التي بكينا بسببها يوماً؟
وقبل أن تسأل. بدا لها وكأنه غير مكترث إلا بصمتها أمام ضحكته. لحظتها فقط تنبهت إلى أنه لم يكن يرتدي معطفًا.
الحزن لا يحتاج إلى معطف مضاد للمطر. إنه هطولنا السري الدائم. وبرغم ذلك, ها هي اليوم تقاوم عادتها في الكلام. وتجرب معه الصمت, كما يجرب معها الآن الابتسام.
الابتسامة الغائبة, صمته. أو لغته الأخرى التي يبدو وكأنه يواصل بها الحديث إلى نفسه لا إلى الآخرين. ويسخر بها من أشياء يعرفها وحده.
الذي يخفيه عنها, كثيرا ما أثار حزنها. أما الذي يثير فضولها, فلماذا تخلّى عنها ذات يوم بين جملتين, ورحل؟
تذكر أنّه, يومها أطبق على الحزن ضحكة ومضى. دون أن تعرف تمامًا ماذا كان ينوي أن يقول؟
لا تريد أن تصدق أنه تخلى عنها, لأنها رفضت يوما أن ترافقه إلى مشاهدة ذلك الفيلم الذي كان يستعجل مشاهدته.
سألته أهو فيلم عاطفي.. أجاب "لا".
سألته أهو فيلم ضاحك.. أجاب"لا".
- ولماذا تريد أن نذهب لمشاهدته إذن؟
- لأنني أحب كل ما يثير فيّ البكاء.
ضحكت يومها. استنتجت أنّه رجل غريب الأطوار, لا يعرف كيف يتدبر أمر حب.
وهي لا تصدق أيضا ما قاله مرة, من أن مأساة الحب الكبير, أنه يموت دائما صغيرا. بسبب الأمر الذي نتوقعه الأقل.
أيعقل أن يكون حبها قد مات, فقط لأنها لم تشعر برغبة في أن تبكي معه, في عتمة صالة سينما؟
وإنما كانت تفضل لو دعاها إلى مكان آمن, بعيدا عن فضول الآخرين, يمكنهما فيه أن يعيشا اشتعالاتٍ عالية..
ما تعتقده, هو كونه أراد إذلالها, كي يضمن امتلاكها. وربما ظن أن على الرجل إذا أراد الاحتفاظ بامرأة, أن يوهمها أنّه في أية لحظة يمكنه أن يتخلى عنها.
أما هي, فكانت دائما تعتقد أن على المرأة أن تكون قادرة على التخلي عن أي شيء لتحتفظ بالرجل الذي تحبه.
وهكذا تخلت ذات يوم عن كل شيء وجاءته.
فلم تجده.



تذكر جلست وحيدة في تلك الزاوية اليسرى, من ذلك المقهى الذي كان يعرف الكثير عنهما, والذي أصبح منذ ذلك اليوم يحمل اسمه خطأً "الموعد".
أحيانا, يجب على الأماكن أن تغير أسماءها, كي تطابق ما أصبحنا عليه بعدها, ولا تستفزنا بالذاكرة المضادّة.
ألهذا, عندما طلبته البارحة ه...يا, قال "انتظريني هناك" ثم أضاف مستدركا " اختاري لنا طاولة أخرى.. في غير الزاوية اليسرى" وواصل بعد شيء من الصمت "ما عاد اليسار مكانا لنا".
ألأن الحروب والخلافات السياسية طالت كل شيء, ووصلت حتى طاولات العشاق وأسّرتهم؟
أم لأنه لا يريد إذلال الذاكرة, أراد لها طاولة لا يتعرف الحب فيها إليهما, كي يكون بإمكانهما أن يضحكا, حيث لم يستطيعا يوماً البكاء؟
هاهما جالسان إلى الطاولة المقابلة للذاكرة.
هناك.. حيث ذات يوم, على جسد الكلمات أطفأ سيجارته الأخيرة. ثم عندما لم يبق في جعبته شيء, دخن كل أعقاب الأحلام وقال..
لا تذكر ماذا قال بالتحديد. قبل أن يحول قلبها مطفأة للسجائر, ويمضي.
منذ ذلك اليوم وهي تتصدى لشوقها الذي فخخه بالتحدي.
تلهي نفسها عن حبه, بكراهيته, في انتظار العثور على مبرر مشرّف للاتصال به, مناسبة ما, يمكن أن تقول له فيها "ألو.. كيف أنت؟" دون أن تكون قد انهزمت تماماً؟
في تمويه لإخفاقات عشقيَّة, عرضت عليه يوماً أن يصبحا صديقين.
أجابها ضاحكاً "لا أعرف مصادقة جسد أشتهيه". كادت تسعد, لولا أنه أضاف " أنت أشهى عندما ترحلين.. ثمة نساء يصبحن أجمل في الغياب".
ولم تفهم ما الذي كان يعنيه.
أما الذي كان يعنيها, فأن تستمع إليه.
هوذا, لم يتغير. ما زال يتوق إلى الكلام الذي لا يقال بغير العينين. وهي لا تملك إلاّ أن تصمت, كي ينصتا معاً إلى صخب الصمت بين عاشقين سابقين.
بين نظرتين, يتابع الحب تهرّبه العابث. وذاكرة العشق ترتبك.
مع عاشق آخر, كان بإمكانها أن تخلق الآن ضجة وضحكاً.
أن تختلق الآن للصمت صوتاً, يغطّي على صمتها. أن تخلق الآن إجابة لكل سؤال.
ولكن معه, هي تحتفظ بالأسئلة, أو تطرحها عليه دفعة واحدة, دون صوت, بل بذبذبات صمت وحده يعرفها.
وهو يقول دون أن يطفئ سيجارته تماماً, دون أن يشعل رماد الأحلام, دون أن يقول شيئاً بالتحديد, دون أن يقول شيئاُ إطلاقاً, كان يعترف لها بأنه تغيّر كثيراً منذ 1لك الحين.
هو رجل يشي به سكوته المفاجئ بين كلمتين.
ولذا يصبح الصمت معه حالة لغوية, وأحيانا حالة جوية, تتحكم فيها غيمة مفاجئة للذكرى.
حتمًا.. كان به شيء من الساديّة.
واللحظة أيضًا تراه مغريًا وموجعًا في آن واحد. ولم تسأله لماذا هو كذلك.
أيمكن للإغراء أن يكون طيباً؟ هو الذي يوقظ شراسة الأحلام فينا..
هي كانت تريد أن تسأله فقط: كيف هو؟
ولكن قبل أن تقول شيئاً, سرق منها السؤال نفسه الذي لن يطرح غيره بعد ذلك, وقال: كيف أنت؟
بين ابتسامتين لفّ حول عنقه السؤال ربطة عنق من الكذب الأنيق. وعاد إلى صمته.
أكان يخاف على الكلمات من البرد؟ أم يخاف عليها هي من الأسئلة؟
الأسئلة غالباً خدعة, أي كذبة مهذبة نستدرج بها الآخرين إلى كذبة أكبر.
هو نفسه قال هذا في يوم بعيد, قبل أن..
تذكر قوله "تحاشَيْ معي الأسئلة. كي لا تجبريني على الكذب. يبدأ الكذب حقاً عندما نكون مرغمين على الجواب. ما عدا هذا, فكل ما سأقوله لك من تلقاء نفسي, هو صادق".

يومها حفظت الدرس جيّداً. وحاولت أن تخلق لغة جديدة على قياسه, لغة دون علامات استفهام.
كانت تنتظر أن تأتي الأجوبة. وعندها فقط كانت تضعها أسفل أسئلتها, دون أن تنسى أن تتبعها بعلامات تعجب, وغالباً بعلامات إعجاب.
تدريجيّاً, وجدت في فلسفته في التحاور, من دون أسئلة ولا أجوبة, حكمة, وربما نعمةً ما.
وشكرت له إعفاءها من أكاذيب صغيرة أو كبيرة. كانت تقترفها دون تفكير. وبدأت تتمتع بلعبة المحادثة المفترضة التي لا سؤال فيها ولا جواب.
ها هوذا اليوم. هو نفسه أمام السؤال.
من الأرجح أنه يتساءل: أيطرحه أم يجيب عنه. وهو في الحالتين كاذب.
السؤال خدعة. ومباغتة للآخر في سرّه. وكالحرب إذن, تصبح فيها المفاجأة هي العنصر الحاسم. لذا, ربما قرّر الرّجل صاحب المعطف أن يسرق منها سؤالها, ويتخلّى عن طريقته الغريبة في التحاور.
تلك الطريقة التي أربكتها طويلاً, وجعلتها تختار كلماتها بحذر كلّ مرّة, سالكة كل المنعطفات اللغوية للهروب من صيغة السؤال, كما في تلك اللعبة الإذاعية التي ينبغي أن تجيب فيها عن الأسئلة, دون أن تستعمل كلمة "لا" أو كلمة "نعم".
تلك اللعبة تناسبها تماماً, هي المرأة التي تقف على حافة الشك. ويحلو لها أن تجيب "ربما" حتى عندما تعني "نعم", و"قد" عندما تقصد "لن".
كانت تحب الصيغ الضبابية. والجمل الواعدة ولو كذباً, تلك التي لا تنتهي بنقطة, وإنما بعدة نقاط انقطاع.

وكان هو رجل اللغة القاطعة.
كانت جمله تقتصر على كلمات قاطعة للشك, ترواح بين "طبعا" و"حتما" و"دوما" و"قطعا".
وبإحدى هذه الكلمات, بدأت قصّتهما منذ سنة. تماماً كما بإحداهنّ انتهت منذ شهرين.
تذكر أنّه يومها, قطع المكالمة فجأة, بإحدى هذه الكلمات المقصلة, وأنها بقيت للحظات معلّقة إلى خيط اله..., لا تفهم ماذا حدث.
اكتشفت بعد ذلك, أنه لم يكن بإمكانها أن تغير شيئا. فتلك الكلمات ما كانت لغته فحسب. بل كانت أيضا فلسفته في الحياة, حيث تحدث الأشياء بتسلسل قدريّ ثابت, كما في دورة الكائنات, وحيث نذهب "طوعاً" إلى قدرنا, لنكرر "حتماً" بذلك المقدار الهائل من الغباء أو من التذكي, ما كان لا بدّ "قطعاً" أن يحدث. لأنه "دوماً" ومنذ الأزل قد حدث, معتقدين "طبعاً" أنّنا نحن الذين نصنع أقدارنا!
كيف لنا أن نعرف, وسط تلك الثنائيات المضادّة في الحياة, التي تتجاذبنا بين الولادة والموت.. والفرح والحزن.. والانتصارات والهزائم.. والآمال والخيبات.. والحب والكراهية.. والوفاء والخيانات.. أننا لا نختار شيئا مما يصيبنا.
وأنّا في مدّنا وجزرنا, وطلوعنا وخسوفنا, محكومون بتسلسل دوريّ للقدر. تفصلنا عن دوراته وتقلّباته الكبرى, مسافة شعره.
كيف لنا أن ننجو من سطوة ذلك القانون الكونيّ المعقّد الذي تحكم تقلباته الكبيرة, تفاصيل جدّ صغيرة, تعادل أصغر ما في اللغة من كلمات, كتلك الكلمات الصغرى التي يتغير بها مجرى حياة!

يوم سمعت منه هذا الكلام, لم تحاول أن تتعّمق في فهمه. فقد كان ذلك في زمن جميل اسمه "بدءًا".
ولذا كم كان يلزمها من الوقت لتدرك أنهما أكملا دورة الحب, وأنه بسبب أمر صغير لم تدركه بعد, قد دخلا الفصل الأخير من قصة, وصلت "قطعاً" إلى نهايتها!
عندما ينطفئ العشق, نفقد دائمًا شيئاَ منّا. ونرفض أن يكون هذا قد حصل. ولذا فإنّ القطيعة في العشق فنّ, من الواضح أنّه كان يتعمّد تجنّب الاستعانة به, لتخفيف ألم الفقدان.
تذكر الآن ذلك اليوم الذي قالت له فيه "أريد لنا فراقاً جميلاً.."
ولكنه أجاب بسخرية مستترة "وهل ثمة فراق جميل؟".
أحيانا كان يبدو لها طاغية يلهو بمقصلة اللغة.
كان رجلاً مأخوذاً بالكلمات القاطعة, والمواقف الحاسمة.
وكانت هي امرأة تجلس على أرجوحة "ربما".
فكيف للّغة أن تسعهما معاً؟

هو لم يقل سوى "كيف أنت؟" وهي قبل اليوم لم تكن تتوقع أن يربكها الجواب عن سؤال كهذا.
وإذ بها تكتشف كم هي رهيبة الأسئلة البديهية في بساطتها, تلك التي نجيب عنها دون تفكير كل يوم, غرباء لا يعنيهم أمرنا في النهاية, ولا يعنينا أن يصدقوا جوابا لا يقل نفاقا عن سؤالهم.
ولكن مع آخرين, كم يلزمنا من الذكاء, لنخفي باللغة جرحنا؟
بعض الأسئلة استدراج لشماتة, وعلامة الاستفهام فيها, ضحكة إعجاز, حتّى عندما تأتي في صوت دافئ كان يوما صوت من أحببنا.

"كيف أنتِ؟"
صيغة كاذبة لسؤال آخر. وعلينا في هذه الحالات, أن لا نخطئ في إعرابها.
فالمبتدأ هنا, ليس الذي نتوقعه. إنه ضمير مستتر للتحدي, تقديره "كيف أنت من دوني أنا؟"
أما الخبر.. فكل مذاهب الحب تتفق عليه.
من الأسهل علينا تقبل موت من نحب. على تقبل فكرة فقدانه, واكتشاف أن بإمكانه مواصلة الحياة بكل تفاصيلها دوننا.
ذلك أن في الموت تساويا في الفقدان, نجد فيه عزاءنا.

كانت تفاضل بين جواب وآخر, عندما تنّبهت إلى أن جلستهما قد أصبحت فجأة معركة عاطفية صامتة. تدار بأسلحة لغوية منتقاة بعناية فائقة.
وإذ بالطاولة المربعة التي تفصلهما, تصبح رقعة شطرنج, اختار فيها كل واحد لونه ومكانه. واضعا أمامه جيشا.. وأحصنة وقلاعا من ألغام الصمت, استعدادا للمنازلة.
أجابته بنيّة المباغتة:
- الحمد لله..
الأديان نفسها, التي تحثنا على الصدق, تمنحنا تعابير فضفاضة بحيث يمكن أن نحملها أكثر من معنى. أوليست اللغة أداة ارتياب؟
أضافت بزهو من يكتسح المربع الأول:
- وأنت؟
ها هي تتقدم نحو مساحة شكه, وتجرده من حصانه الأول. فهو لم يتعود أن يراها تضع الإيمان برنسا لغويا على كتفيها.
ظلت عيناها تتابعانه.
هل سيخلع معطفه أخيراً, ويقول إنه مشتاق إليها. وأنه لم يحدث أن نسيها يوماً؟
أم تراه سيرفع قبة ذلك المعطف, ويجيبها بجواب يزيدها برداً؟
أي حجر شطرنج تراه سيلعب, هو الذ يبدو غارقا في تفكير مفاجئ, وكأنه يلعب قدره في كلمة؟
تذكرت وهي تتأمله, ما قاله كاسباروف, الرجل الذي هزم كل من جلس مقابلا له أمام طاولة شطرنج.
قال: "إن النقلات التي نصنعها في أذهاننا أثناء اللعب, ثم نصرف النظر عنها. تشكل جزءا من اللعبة, تماما كتلك التي ننجزها على الرقعة".
لذ تمنت لو أنها أدركت من صمته, بين أي جواب وجواب تراه يفاضل. فتلك الجمل التي يصرف القول عنها, تشكل جزءا من جوابه.
غير أنه أصلح من جلسته فقط. وأخذ الحجر الذي لم تتوقعه.
وقال دون أن يتوقف عن التدخين.
- أنا مطابق لك.
ثم أضاف بعد شيء من الصمت.
- تماماً..
هو لم يقل شيئا عدا أنه استعمل إحدى كلماته "القاطعة" بصيغة مختلفة هذه المرة. فانقطع بينهما التحدي.
وهي لم تفهم. فعلا.. لم تفهم كيف أن صمتا بين كلمتين أحدث بها هذا الأثر, ولا كيف استطاع أن يسرب إليها الرغبة دون جهد واضح, عدا جهد نظرة كسلى, تسلقت ثوبها الأسود, مشعلة حيث مرت فتيلة الشهوة.
بكلمة, كانت يده تعيد الذكرى إلى مكانها. وكأنه, بقفا كلمة, دفع بكل ما كان أمامهما أرضا. ونظف الطاولة من كل تلك الخلافات الصغيرة التي باعتهما.
هي تعرف أن الحب لا يتقن التفكير. والأخطر أنه لا يملك ذاكرة.
إنه لا يستفيد من حماقاته السابقة, ولا من تلك الخيبات الصغيرة التي صنعت يوما جرحه الكبير.
وبرغم ذلك, غفرت له كل شيء.
"قطعا" كانت سعيدة, بهزيمتها التي أصبح لها مذاق متأخر للنصر.
سعادته "حتما" بنصر سريع, في نزال مرتجل, خاضه دون أن يخلع "تماما" معطفه!

* * *

أحببت هذه القصة, التي كتبتها دون أن أعي تماما ما كتبت.
فأنا لم يحدث أن كتبت قصة قصيرة. ولست واثقة تماما من أن هذا النص تنطبق عليه تسمية كهذه.
كل ما كان يعنيني, أن أكتب شيئا. أي شيء أكسر به سنتين من الصمت.
لا أدري كيف ولدت هذه القصة. أدري كيف ولد صمتي. ولكن.. تلك قصة أخرى.
منذ يومين, فاجأت نفسي أعود إلى الكتابة. هكذا.. دون قرار مسبق, ودون أن يكون قد طرأ على حياتي أي حادث بالذات, يمكن أن يكون سبباً في إثارة مزاجي الحبريّ.
ربما لاشيء, عدا كوني اشتريت منذ أيام دفتراً, أغراني شكله بالكتابة.
حدث ذلك عندما ذهبت كي أشتري من القرطاسية, ظروفاً وطوابع بريدية. ورأيت ذلك الدفتر مع حزمة من الدفاتر. كان البائع يفردها أمامي وهو يقوم بترتيبها, استعدادا لاقتراب الموسم الدراسي.
كما يتوقف نظري أمام رجل, توقف عند ذلك الدفتر. وكأنني وقعت على شيء لم أكن انتظر العثور عليه في ذلك المحل البائس الذي لا أدخله إلا نادرا.
أليست الكتابة كالحب: هدية تجدها فيما لا تتوقع العثور عليها؟

ثمة بيوت لا تستطيع أن تكتب فيها سطرا واحدا, مهما سكنتها, ومهما كانت جميلة. وهذا أمر يبقى دون تفسير منطقي.
وثمة أقلام, تدري منذ اللحظة التي تشتريها فيها.. والكلمة الأولى التي تخطها بها, أنك لن تكتب بها شيئا يستحق الذكر. وأن مزاجها الكسول, ونفسها المتقطع, لن يوصلاك إلى الأنفاق السرية للكلمات.
وثمة دفاتر, تشتريها بحكم العادة فتبقى في جواريرك أشهرا دون أن توقظ فيك مرة تلك الشهوة الجارفة للكتابة, أو تتحرش بك كي تخط عليها ولو بضعة أسطر.
ولأنني أعرف هذا, كلما تقدمت بي الكتابة, ازدادت قوة عندي, تلك الحاسة التي تجعلني منذ اللحظة الأولى, أحكم على هذه الأشياء أوْ لَهَا بحدس قلّما يخطئ.

ولذا توقفت أمام ذلك الدفتر, مدفوعة بإحساس يتجاوزني. مأخوذة بهذا "الشيء" الذي لا يميزه عن بقية الأشياء في تلك المكتبة, سوى اقتناعي, أو وهمي بأنه سيعيدني على الكتابة.

Najma
29-08-2007, 03:55 PM
منذ اللحظة الأولى, شعرت أن بيني وبين هذا الدفتر, ذبذبات ما, تعدني بكتابة نص جميل. على هذا الورق الأبيض الأملس, الذي تضمه مفاصل حديدية. ويغطيه غلاف أسود لامع, لم يكتب عليه أي شيء.
ركضت به إلى البيت. أخفيته, وكأنني أخفي تهمة ما. ولم أخرجه سوى البارحة, لأكتب فيه تلك القصة القصيرة, التي قد يكون عنوانها "صاحب المعطف".

كعادتي عندما أنتهي من الكتابة ليلاً, عدت إلى قراءة ذلك النص أول ما استيقظت.
كنت على عجل. أريد أن أعرف إن كانت تلك قصة جميلة حقاً, كما كانت تبدو لي لحظة كتابتها. وربما كنت أريد أن أتأكد فقط, من أنني كتبت فعلاً, شيئاً ذلك المساء.

لهذا قرأتها عدة مرات, بنشوة متزايدة كلّ مرة. فقد كتبت أخيراً نصاً جميلاً. والأجمل أنه خارج ذاتي. وأنني تصورت فيه كل شيء. وخلقت فيه كلّ شيء. وقررت أن لا أتدخل فيه بشيء. وأن لا أسرب إليه بعضاً من حياتي.

وهذا في حد ذاته إنجاز أدهشني. فأنا لم يحدث يوماً أن تعرفت إلى رجل يشبه هذا الرجل. في نفوره الجذاب, وحضوره المربك, رجل يغشاه غموض الصمت والتباسه, وله هذه القدرة الخرافية على خلق حالة من الارتباك الجميل, كلما تحدّث, حتى لو كان ذلك, وهو يلفظ إحدى تلك الكلمات القاطعة, التي يتسلّى باختيارها حسب المناسبة.

وتلك المرأة أيضاً لا تشبهني. إنها تنطق بعكس ما كنت سأقول, وتتصرف بعكس ما كنت سأفعل. وهي تعتقد بحماقة أنثى, أن الذين نحبهم, خلقوا ليتقاسموا معنا المتعة, لا الألم, وأن على الرجل الذي يحبّها أن يبكي وحده. ثم يأتي يتمتع بها, أو معها.

بل إنها من سذاجتها, وجدت في تَيْنِكَ الكلمتين اللتين لفظهما دليلاً على حبه لها.
في الواقع, إن يجبها عن سؤالها "كيف أنت؟". بقوله "أنا مطابق لك.. تماماً". فهذا لا يعني سوى أنّه قرر أن لا يقول لها شيئاً.

وإذا كان ما أسعدني في هذه القصة, كونها ليست مطابقة لحياتي, فإن مطابقتها للحياة أمر جعلني أنزعج من هذا المنطق العجيب للأقدار, الذي يجعل دائماً في كل علاقة, بين رجل وامرأة, طرفاً لا يستحق الآخر. وربما تمنيّت سراً, لو كان هذا الرجل لي. إنه على قياس صمتي ولغتي. وهو مطابق لمزاج حزني وشهوتي.

ولكن هذه لم تكن مشكلتي. وتلك القصة لم تكن قصتي. أو بالأحرى, حتى الآن, لم تكن كذلك.
ولذا, وضعت لها ذلك العنوان, الذي لم أجهد نفسي كثيراً للعثور عليه. وعدت إلى مشاغلي.


لا شيء كان يهيّئني لأصبح طرفاً في هذه القصة. أو للدخول في مغامرة أدبية طويلة النفس.
هذه القصة أردتها قصيرة قدر الإمكان, بعيدة عنّي قدر الإمكان, سريعة الوقع, سريعة الخاتمة. ولكن كالأعشاب البحرية, ظلت جملها الأخيرة عالقة بذهني. وعبثاً حاولت أن ألهي نفسي بأمور أخرى. كان موضوع هذه القصة يطاردني. وشيء داخلي يرفض هذه النهاية.

لم يكن يعنيني لماذا افترق هذان العاشقان, وما إذا كانا سيجتمعان ثانيةً أم لا, ومن منهما خسر رهان التحدّي.

قصتهما الي دخلتها مصادفة, كمن يفاجئ نافذة مقابلة لشرفته مفتوحة, فيتلصص على من فيها.. لا تثير فضولي.

وحده ذلك الرجل يعنيني.
بي فضول نسائي لفهمه. بي رهان لجعله يخلع ذلك المعطف.. بي تحدٍّ ليس أكثر.

قبل هذه التجربة, لم أكن أتوقع, أن تكون الرواية اغتصابًا لغويًا يرغم فيه الروائي أبطاله على قول ما يشاء هو, فيأخذ منهم عنوة كلّ الاعترافات والأقوال التي يريدها لأسباب أنانية غامضة, لا يعرفها هو نفسه, ثم يلقي بهم على ورق, أبطالا متعبين مشوهين, دون أن يتساءل, تراهم حقا كانوا سيقولون ذلك الكلام, لو أنه منحهم فرصة الحياة خارج كتابه؟

اكتشافي هذا, لم يغير نيتي في إرغام هذا الرجل على الكلام, فلا شيء سواه يعنيني. صمته المكابر يربكني, معطفه السميك يزعجني. وكلماته القاطعة أصبحت مقصلة لأي مشروع نص قادم. ومن الواضح أنه لن يكون بإمكاني أن أكتب شيئا قبل أن ينطق هذا الرجل.

وهكذا جلست إلى دفتري. ورحت أواصل كتابة القصة وكأنني لم أتوقف بالأمس عن كتابتها.




ذات مطر.. جاء صوته على اله....
وبرغم البرد, بدا وكأنه خلع معطفه وهو يسألها:
- كيف أنتِ؟ أما زال لك ذلك الولاء للمطر؟
ولم تدرِ, أكان لا بدّ أن تستنتج أنّ في أسئلته عودة إلى حبها, أم أن المطر هو الذي عاد به إليها؟

فهي لم تنسَ قوله مرّة "الأسئلة توّرطٌ عشقيّ". تماماً كما تذكر ذلك الموعد الذي جمعهما مرّة في سيارته, بينما كان المطر يهطل بغزارة.
اكتشفت يومها جمال أن يكونا عاشقين, لا عنوان لها سوى مسكن عابر للحبّ, له حميمية سيّارة.. في لحظة ممطرة.

كانت تشعر أنهما أخيراً وحيدان. ومختبئان عن كل الناس. يغطيهما ستار من الأمطار المنزلقة على زجاج النافذة.
يومها كانت تريد أن تقول له أشياء لا تقال إلا في لحظة كتلك.
ولكنه أوقف سيّارته إلى جانب الرصيف. وكأنه يوقف اندفاعها بين جملتين. وقال وهو يشعل سيجارة:
- لا جدوى من الاحتماء بمظلة الكلمات.. فالصمت أمام المطر أجمل.

لم تناقشه في رأية.
اكتفت بوهم امتلاكه, مسجونا هكذا معها في يوم ممطر, داخل سيارة, تتقاسم معه أنفاسه, ورائحة تبغه, وصوت المفاتيح في جيبه, وهو يبحث عن ولّاعة.
تراقبه في دفء تململه البطيء جوارها, وحضوره الهادئ المربك, بمحاذاة أنوثتها, مأخوذة بكلّ تفاصيل رجولته.
لطالما دوّختها تفاصيل الرّجولة, تلك التي لها كبرياء الإيحاء, وذلك الاستفزاز الحميميّ الصامت الذي تشي به ذبذبات لا علاقة لها بالفحولة, تلتقطها الأنوثة.. وتقع في عبوديتها النساء.

بعدها عادت إلى البيت باكتشاف صنع في شتاءاتٍ أخرى حزنها.
فقد أدركت, من فرط سعادتها معه يومها, أنّنا لسنا متساوين أمام المطر. ولذا, عندما يغادرنا الحبّ, ونجد أنفسنا وحيدين في مواجهته, علينا أن نتجاهل نداءه العشقيّ الموجع, واستفزازه السادي لنا, كي لا يزيد من ألمنا, كوننا ندري تماما أنه يصنع, في اللحظة نفسها, سعادة عشّاق آخرين.
أجل.. أحيانا, ليس أكثر ظلما من المطر!

وهي ما زالت تتساءل لأيّة نشرة جوية تراه يعدها.
هل عاد لأنه يريدها؟ أم هل جاء استباقا لرائحة التراب بعد المطر؟
هو الذي لا يحب من الصحو سوى تلك التربة المبللة التي يخلفها الشتاء. فيستنشق رائحتها, بحواس متوهجة, وكأنه يشتمّ أنثاه بعد الحبّ.
ولكنه سألها:
- هل أراك غداً؟ فكرت أنه يكون جميلاً, لو ذهبنا لمشاهدة ذلك الفيلم معاً.. في يوم ممطر.
وقبل أن تسأله عن أيّ فيلم يتحدّث. واصل:
- أتدرين أنّه مازال يعرض في القاعة نفسها منذ شهرين؟ إنها عمر قطيعتنا.
لم تحاول هذه المرّة أن تخترع له أعذارا. سألته فقط:
- أين نلتقي؟ قال:
- في سينما "أولمبيك" قبل عرض الساعة الرابعة. ثم استدرك:
- أو إذا شئتِ.. انتظريني عند مدخل الجامعة. سأمرّ وأخذك من هناك, عند الساعة الثالثة والنّصف هذا أفضل.
وقبل أن يمنحها وقتاً تقول فيه شيئاً, كان قد وضع السماعة مودعا, ليتركها من جديد لأسئلتها.

* * * *

سعدت بهذه النهاية, التي لم أجهد نفسي كثيرا في العثور عليها. حتى أنني كتبتها هكذا كما جاءت. دون أن أفاضلها بأخرى, ودون أن أشطب أي سطر فيها, أو أعيد قراءتها كعادتي أكثر من مرّة.
وكأنني أريد بذلك أن أقنع نفسي بأنني لست من كتبها.
ولكن أليس ثمّة دائما أمر ما تخفيه الكلمات, حتى عندما تأتي بتلقائية مريبة؟ بل إن تدفقها هكذا على نحو أو آخر , هو ما يجب أن يدعو إلى الريبة.
يحدث للغة أن تكون أجمل منا. بل نحن نتجمل بالكلمات نختارها كما نختار ثيابنا, حسب مزاجنا, ونوايانا.

هنالك أيضا, تلك الكلمات التي لا لون لها, ذات الشفافية الفاضحة. كامرأة خارجة نواً من البحر, بثوب خفيف ملتصق بجسدها. إنها الأخطر حتماً, لأنها ملتصقة بنا, حدّ تقمّصنا.
وهذا الرجل الذي كان يصرّ على الصمت, وأصرّ أنا على استنطاقه, ويصر على إبقاء معطفه, وأصر على تجريده منه, ما زال يربكني في كلّ حالاته, حتى عندما يخلع صمته.. ويلبس صوتي وكلماتي المبللة.
ها قد جعلته ينطق أخيرا, ويقول كلاما أردته أنا. فهل هزمته حقاً؟
وبرغم ذلك, بإمكاني أن أعترف أنه فاجأني. لا لأنه طلب للمرّة الثانية من تلك المرأة أن ترافقه لمشاهدة ذلك الفيلم, وهو أمر لا يشبهه, ولكن لأنه أعطاها اسم قاعة سينما لم أسمع بها من قبل. ولا أدري إن كانت موجودة حقا. لكوني لم يحدث أن ارتدت السينما في هذه المدينة, أو تابعت حتى ما يعرض فيها من أفلام.

فجأة خطر ببالي أن أبحث في الجريدة, إن كانت هذه القاعة موجودة حقاً.
وهكذا رحت أفتّش في الصفحة المخصصة لبرامج التلفزيون والعروض السينمائية, مدققة في أٍماء قاعات السينما, الواحدة تلو الأخرى, وإذ بي أعثر على قاعة "أولمبيك" حيث يعرض فيلم أميركيّ بعنوان "Dead Poets Society", من الأرجح أنّه يعرض بنسخته الفرنسية؛ فلا أحد هنا يفهم الإنكليزية.
حاولت أن أجد ترجمة لهذا العنوان, عسى ذلك يفك بعض لغزه. فعثرت على عنوان قد يكون: "حلقة الشعراء الذين اخ...ا".
ولأنني لم أصدق تماما أن يكون هذا هو الفيلم الذي يعنيه ذلك الرجل, فقد رحت أدقق في كلّ الجرائد القديمة المكدسة أرضاً في مكتب زوجي, والتي يحضرها كل يوم بحكم وظيفته, فتبقى ملقاة هنا أرضاً قبل أن يضعها بنفسه خارج مكتبه.
رحت أقلب صفحات السينما في كلّ الأعداد التي صادفتني. وكل مرّة, كنت أعثر على ذلك الفيلم معروضاً في القاعة نفسها.
آخر جريدة أوصلتني إلى ما قبل الشهر والنصف, وهو ما جعلني أستنتج أنّ عرضه قد يعود إلى بداية الشهرين الماضيين, كما جاء على لسان ذلك الرجل. وهو أمر فاجأني, إلى حدّ إذهالي. فأنا لا أعرف هذه القاعة. ولم أسمع بهذا الفيلم. وكيف لي بالتالي أن أعرف أنه يعرض منذ شهرين هناك, وأن إحدى فترات عرضه تكون في الساعة الرابعة, كما تؤكد الجريدة أيضاً؟

مفاجأة الاكتشاف جردتني من منطق الأجوبة. فأنا لم أعد أدري إن كان نزل عليّ وحيٌ ما, لكتابة أشياء لا علم لي بها.وهل يجب أن أحذر هذه القصة التي جاءت مخيفة في تفاصيلها, أم هل أجد فيها إشارة من القدر ووعداً بلقاء ما؟

كلّ أسئلتي كانت تدور حول ذلك الرجل. لماذا يعنيني أمره إلى هذا الحد؟
ولماذا يثير فيّ هذا القدر من الأسئلة؟ وهل الأسئلة حقاً.. توّرطٌ عشقيّ؟
أهو الذي قال هذا.. أم أنا؟
هو الذي لم يطرح سوى سؤال واحد "هل أراكِ غداً؟"
سؤال طرحه بالتحديد عليها هي. ولكن كيف لي أن أخلف, أنا الكاتبة موعداً كهذا. ألست أنا التي أردته.. وحددته. ولا بد أن أكون هناك. كي أختلق لهما أحاديث ومواعيد وخلافات, ولقاءات جميلة وخيبات, ومتعة ودهشة.. ونهايات!
إنه امتياز ينفرد به الروائي, متوهماً أنه يمتلك العالم بالوكالة. فيعبث بأقدرا كائنات حبرية, قبل أن يغلق دفاتره, ويصبح بدوره دمية مشدودة إلى الأعلى بخيوط لا مرئية. أو تحركه كغيره في المسرح الشاسع للحياة.. يد القدر!
وقتها عبثًا يسبق مشاريعه قائلاً "إن شاء الله". وكأنه يمنح بذلك رشوة للأقدار, كي تكافئه بتحقيق أحلامه.
أذكر, ذلك الذي كنت أقول له تعلّم أن تقول "إن شاء الله". سألته يوماً "متى نلتقي؟" كان يعدّ حقيبة حزن على عجل. فأجابني على طريقته ببيت لمحمود درويش:
"نلتقي بعد قليل
بعد عام... بعد عامين وجيل"
ولم نلتق بعد ذلك أبداً. نسي كلانا يومها أن يقول "إن شاء الله"! ألهذا م يعد؟ أم ترى لأنه ذهب ليدفن أباه بنوايا انتحارية, في ذلك البلد الذي يقتل الشعراء.. ويكثر من المهرجانات الشعرية, فدفن جثة مشوهة جواره.
وكان قبلها يقول.. إنه سيغادر الشعر, ويجرب نفسه في رواية!


أتراهما كانا سيلتقيان حقا؟ وبماذا تراها كانت ستجيبه لو أنني تركت لها حرية الجواب؟
أتوقع أنها كانت سترد عليه بإحدى صيغها الضبابية. كأن تقول له "ربما نلتقي", وهي تدري تماما أنها تعني "طبعا".. وتماديا في المراوغة ربما قالت "قد يحدث ذلك" لِتُوهِمَهُ أن ذلك "لن يحدث".
وعندها سيرفع التحدي, ويجيبها "قطعا.. ليس هذا بالمهم" ويضع السماعة مغلقا أزرار معطفه. مرتديا صمته من جديد.

الصمت لا يزعجني. وإنما أكره الرجال الذين, في صمتهم المطبق, يشبهون أولئك الذين يغلقون قمصانهم من الزر الأول حتى الزر الأخير كباب كثير الأقفال والمفاتيح, بنيّة إقناعك بأهميتهم.
إنه باب لا يوحي إلي بالطمأنينة. وما قد يخفي صاحبه خلف ذلك الباب المصفح من ممتلكات, لا يبهرني بقدر ما يفضح لي هوس صاحبه وحداثة ثروته. فالأغنياء الحقيقيّون, ينسون دائماً إغلاق نافذة, أو خزانة في قصرهم..
أنما المفاتيح هوس الفقراء, أو أولئك الذين يخافون إن فتحوا فمهم.. أن يفقدوا وهم الآخرين بهم!

الجميل في هذا الرجل أنّه, ككل أثرياء الحلم, يترك في أعلى معطفه السميك للصمت, زرا واحدا مفتوحا للوهم, كباب موارب وربما كان هذا بالذات هو الشيء الأكثر إغراءً فيه. فهو لا يصمت تماما, ولا يتكلم إلا بقدر كسر الصمت بكلمات قليلة, تختصر اللغة.
إنه بطل جاهز لرواية. يمنحك نفسه بالتقسيط.
وهل الرواية سوى المسافة بين الزر الأول المفتوح, وآخر زر قد يبقى كذلك؟
ولكن, أيكون هذا الرجل غير موجود سوى في مخيلتي؟ وإذن ما تفسير كلّ تلك التفاصيل المذهلة, التي لم أكن قد سمعت بها قبل كتابة تلك القصة؟
وبرغم كوني لا أصدق أولئك الكتّاب الذين يدّعون أن ثمة قوّة خارقة تملي عليهم ما يكتبون, ولا أعتقد أيضا, أن تكون هذه التفاصيل مجتمعة, هي من حكم المصادفة.

أتراني وقعت تحت إغراء الكتابة وفتنتها لأصدق أن هذا الرجل هو الذي أملى عليّ موعداً.. كتبته بيدي؟
أحب تلك اللحظة التي يفاجئني فيها رجل. حتى عندما لا يشبه بعد ذلك وهمي به.
إن كل قصة مع رجل ترسو بك على شاطئ المفاجأة. أما إذا كان هذا الرجل زوجاً, فستوصلك القصة حتما إلى سلسلة من المفاجآت.
في البدء, نحن ندري مع من تزوجنا. ثمّ كما تقدم بن الزواج, لا نعود ندري مع من نحن نعيش!

الأكثر غموضا ومفاجأة, ذلك الجيل من الرجال, الذين ينتمون إلى حروب طويلة النَفَس, ابتلعت طفولتهم وشبابهم دون رحمة, وحوّلتهم رجالاً عنيفين, وسريعي العطب في آن واحد, عاطفيين وجبابرة في الوقت نفسه.

أولئك يخفون داخلهم دائما رجلا آخر, لا أحد يدري متى يستيقظ, وطفلا لم يكونوا على أيامه, قد اخترعوا لعبة "الليغو", ليتمكن ككل الأطفال, من التدرب على تركيب قطعها حسب مزاجه الطفوليّ, ثم فكها من جديد.

أتوقع أن يكون زوجي قد ولد بمزاج عسكري, وحمل السلاح قبل أن يحمل أي شيء. فأين العجب في أن يكسرني أيضا دون قصد, تماما, كما أغراني قبل ذلك بسنوات, دون جهد؟ أليست السلطة كالثراء, تجعلنا نبدو أجمل وأشهى؟
أوليست النساء كالشعوب, يقعن دائما تحت فتنة البذلة العسكرية وسطوتها. قبل أن ينتبهن إلى أنهن بانبهارهن بها, قد صنعن قوّتها؟

صحيح أنه فعل ذلك تدريجيّاً, وبكثير من اللياقة, وربما بكثير من التخطيط, وأنني كنت أمضي نحو عبوديتي بمشيئتي, ومن الأرجح.. دون انتباه. سعيدة بسكينتي أو استكانتي إليه. تاركة له الدور الأجمل. دور الرجولة التي تأمر, وتقرر وتطالب وتحمي وتدفع وتتمادى.
كنت أجد في تصرفه شيئا من الأبوة التي حرمت من سلطتها. بينما يجد هو في تسلطه استمرارية لمهامه الوظيفية, خارج البيت.

أذكر.. بدأت علاقتنا بانبهار متبادل وبعنف التحدي المستتر.
كان لا بد أن أتوقع أن العلاقات العنيفة هي علاقات قصيرة بحكم شراستها. وأنه لا يمكن أن نضع كل شيء في علاقة؛ لا يمكن أن نكون أزواجا وأصدقاء وآباء وأحبة ورموزا.

أما هو, فمن الأرجح أنه كان في هذا المجال أيضا, يفكر بمنطق العسكر الذين, عندما يصل أحدهم على السلطة, يصر على شغل كل المناصب الرئيسية في الدولة, وكل الحقائب الوزارية الهامة, معتقدا أن لا احد غيره جدير بأن يشغلها,بل وأن وجود شخص غيره فيها هو احتمال دائم للإطاحة به.
ولهذا لم يترك في حياتي مساحة حرية, يمكن أن يتسلل منها أحد. فقد سطا على كل الكراسي, دون أن يشغل أحدها بجدارة.
تنبهت بعد ذلك, إلى أن أبوته هي التي كانت تعني لي الأكثر. وأن مهامه السياسية ورتبته العسكرية لم تكن تعنيني بوجاهتها, وإنما لكونها استمرارا لذاكرة نضالية نشأت عليها, وعنفوان جزائر حلمت بها.

كنت أرى في قامته الوطن, بقوته وشموخه. وفي جسده الذي عرف الجوع والخوف والبرد, خلال سنوات التحرير, ما يبرر اشتهائي له.ز واحتفائي به إكراما للذاكرة.

كم مر من الوقت, قبل أن أكتشف حماقة خلطي عقدة الماضي.. بالواقع المضاد.
..تماما, كخلطي الآن, بين وهم الكتابة.. والحياة, وإصراري على الذهاب على ذلك الموعد الذي أقنعت نفسي عبثا بأنني لست معنية به, وأنه سيتم بين كائنات حبرية, لا يحدث أن تغادر عالم الورق؟

ورغم ذلك أمضي..
دون أن أدري أن الكتابة, التي هربت إليها من الحياة, ـاخذ بي منحىً انحرافيا نحوها, وتزج بي في قصةٍ ستصبح, صفحة بعد أخرى, قصتّي.



انتهى الفصل الأول .

Najma
29-08-2007, 04:12 PM
دوما




بين الرّغبات الأبدية الجارفة.. والأقدار المعاكسة.. كان قدري.
وكان الحب يأتي , متسللاً إليّ, من باب نصف مفتوح, وقلب نصف مغلق.
أكنت أنتظره دون اهتمام, تاركة له الباب موارباً. متسليّة بإغلاقه نوافذ المنطق؟
قبل الحب بقليل, في منتهى الالتباس, تجيء أعراض حبّ أعرفها. وأنا الساكنة في قلب متصدع الجدران, لم يصبني يوماً, هلعٌ من وَلَعٍ مقبل كإعصار.
كنت أستسلم لتلك الأعاصير التي تغيّر أسماءها كلّ مرة, وتأتي لتقلب كلّ شيء داخليّ.. وتمضي بذلك القدر الجميل من الدمار.

دوماً..
كنت أحبهم. أولئك العشاق الذين يزجون بأنفسهم في ممرات الحب الضيقة, فيتعثرون حيث حلّوا, بقصة حب وضعتها الحياة في طريقهم, بعد أن يكونوا قد حشروا أنفسهم بين الممكن والمستحيل.
أولئك الذين يعيشون داخل زوبعة الحبّ التي لا تهدأ, مأخوذين بعواصف الشغف, مذهولين أمام الحرائق التي مقابل أن تضيء أياما في حياتهم, تلتهم كل شيء حولهم, جاهزين تماما.. لتلك اللّحظات المضيئة خلسة, والتي ستخلف داخلهم عندما تنطفئ رماد انطفائهم الحتميّ.
أحبّهم.. وربّما كنت أشبههم.
ولكن هذه المرّة, توقعت أنني أذكى من أن أتعثر في قصة حب وضعها الأدب في طريقي. لا ليختبر قدرتي على الكتابة, وإنما ليختبر جرأتي على أخذ الكتابة مأخذ الحياة.
كنت في الواقع, مأخوذة بمقولة لأندريه جيد "إنّ أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل".
مأخوذة بها إلى درجة أنني , عندما اقترح علي الجنون أن اذهب إلى موعد ضربه بطل قصتي لامرأة أخرى, أخذت اقتراحه مأخذ الجد, وقررت أن أذهب بذريعة كتابة شيء جميل.

كنت مرتبكة لعدة ساعات قبل الموعد, ذلك الارتباك الذي يسبق لقاءً لا ندري ماذا ينتظرنا فيه, ولكننا نصر على الذهاب إليه, لأن شيئا ما يأمرنا بأن نذهب.
صحيح أنه كان بي فضول لمعرفة ذلك الرجل, وفضول آخر لمشاهدة ذلك الفيلم. فقد يكون الطريق الأقصر لفهمه.. ولفهم إصراره على مشاهدته.
ولكن كنت أعي تماما أنني ارتكب حماقة غير مضمونة العواقب, بذهابي بمفردي لمشاهدة فيلم, في مدينة مثل قسنطينة, لا ترتاد فيها النساء قاعات السينما. فما بالك إذا كانت هذه المرأة زوجة أحد كبار ضبّاط المدينة, وتصل إلى السينما في سيّارة رسمية, لتجد في انتظارها جيشا من الرجال اللذين لا شغل لهم سوى التحرش بأنثى, على قدر كاف من الحرية أو من الجنون, لتجلس بمفردها في قاعة سينما.

ولهذا تعمدت أن أصل متأخرة عن الفيلم بربع ساعة, كي لا أقف في طابور الانتظار, أو أدخل القاعة على مرأى من الناس.
... تماما كما طلبت من السائق أن يعود قبل موعد انتهاء الفيلم بربع ساعة, تفاديا لتلك الأضواء التي ترافق نهاية كل عرض, وتجعل الناس يتفحصون بعضهم بعضا بفضول كثيرا ما أربكني.
ولأنني وصلت بعد فترة من بدء الفيلم كان لي حرية اختيار مكاني, وهو الأمر الذي مكنني من الوقوف لحظات وإلقاء نظرة على الجو العام للقاعة التي بدت لي نصف فارغة.
كما توقعت, كان الحضور جميعه رجالا. ومن الأرجح أن يكون من الشبان الذين جاؤوا لإهدار الوقت في قاعة السينما بدل إهداره وهم متكئون على جدار.
وحدهما رجل وامرأة, كانا يجلسان على انفراد في آخر القاعة ويبدو أنهما كانا هنا لسبب آخر.
استنتجت أنهما "هما" فاخترت لي مكانا خلفهما تماما, وكأنني أحتمي بهما, أو أتجسس عليهما.
أتوقع أن وجودي أزعجهما. ولكنهما وجدا في أنوثتي ما يبعد الرعب عنهما.
ما أتعس العشاق في هذه المدينة التي يعيش فيها الحب ممسكا أنفاسه, جالسا في عتمة الشبهات على كراسيّ مزقتها بسكين أيدٍ لم تلامس يوماً جسد امرأة.
أنشغل عنهما بمتابعة الفيلم الذي وصلته, مع وصول البطل إلى الصف في أول الموسم الدراسي.

إنه أستاذ تجاوز سنّ الأربعين ببضع خيبات. دائم السخرية بشيء من الرومنطيقية وربما الحزن المستتر. لقد عاد بعد جيل وأكثر إلى المعهد الذي درس فيه, ليعمل مدرسا في مادة الأدب. ومن الواضح أنه جاء لينقذ الطلبة من الأخطاء التي سبق أن تعلمها على هذه المقاعد نفسها, أو تلك القناعات التي تربى عليها.. وتكفلت الحياة بتكذيبها بعد ذلك.
يدخل الصف بشيء من الاستفزاز المرح, وهو يصفر أما دهشة الطلبة الذين لم يتعودوا تصرفا كهذا, في مؤسسة دراسية صارمة, ومشهورة بمحافظتها على التقاليد العريقة.

يتجه مباشرة, نحو جدار علقت عليه صورة تذكارية, بالأسود والأبيض, لطلبة شغلوا هذه المقاعد الدراسية نفسها, فوجا بعد آخر, وجيلا بعد آخر, على مدى قرن كامل.
هاهو يشير بيده إلى الطلبة أن يلحقوا به, ويطلب منهم أن يتأملوا تلك الصور التي لم تستوقفهم قبل اليوم, ويدققوا في وجوه أصحابها, المجتمعة في صور جماعية للذكرى.
يلحق به الطلبة مندهشين, فيبادرهم وكأنه يواصل حديثا سابقا, أو كأنه يقد لهم نفسه, كواحد سيمر الآخرون أمام صورته.. على أحد جدران هذا المعهد دون انتباه:
"كل اللذين ترونهم على هذه الصور, بهيئاتهم الرياضية التي تشبه هيئاتكم, وعنفوان شبابهم الذي يشبه عنفوانكم, بابتسامتهم العريضة, وطموحاتهم الكبيرة, ومشاريعهم وأحلامهم وثقتهم المطلقة في الحياة, كما هي الآن ثقتكم جميعهم الآن.. عظام تحت قبور فاخرة. لقد ماتوا كما ستموتون!".
وقبل أن يستوعب الطلبة هذا الكلام الغريب, لأستاذ يرونه لأول مرة, يواصل:
"كل واحد فيكم هنا, ذات يوم سيتوقف فيه كل شيء ويبرد جسده ثم تأكله الديدان وكأنه لم يكن.
"انظروا.. إنهم ينظرون إليكم الآن, كأنهم في صورهم هذه, يقولون لكم كلاما لا بد أن تنصتوا إليه. تعالوا.. اقتربوا.. حاولوا أن تلتقطوا كلماتهم.."
يقترب الطلبة مذهولين من جدار تغطيه الصور العتيقة, فيأتيهم صوت الأستاذ من الخلف. وكأنه يتحدث على طريقة المهرجين الذين يحركون دمية بيدهم, وهم يتكلمون على لسانها بصوت باطني, دون أن يحركوا شفاههم.
"استفيدوا من اليوم الحاضر.. لتكن حياتكم مذهلة.. خارقة للعادة. اسطوا على الحياة.. امتصوا نخاعها كل يوم مادام ذلك ممكنا. فذات يوم لن تكونوا شيئا.. سترحلون وكأنكم لم تأتوا.."
ثم يواصل بصوت عاديٍّ:
"كان هذا درسكم الأول. بإمكانكم الآن أن تعودوا إلى مقاعدكم.. وتفتحوا كتاب الأدب.."
لم يمنعني انشغالي بمتابعة الفيلم, من التفكير في الرجل والمرأة الجالسين أمامي, واللذين جئت أصلا لمتابعتهما.
كانا صامتين. لا أدري أكانا حقا مشغولين بمتابعة الفيلم, ولكنهما لم يتبادلا أيّة كلمة.
ورغم ذلك, كنت أشعر كأن تعليمات الأستاذ ونصائحه, قد تركت تأثيرا فيهما. وبدا لي كأن اليد اليمنى للمرأة, كانت تتحرك ببطء نحو ذلك الرجل, وتتقدم نحوه بإصرار.
وهو ما شجعني على الاعتقاد بأنها هي المرأة "ذاتها". مادامت ليست معنية بهذا الفيلم بقدر ما هي معنية بالتحرش بهذا الرجل.
من الواضح أنها مشتاقة إليه. وإلا فماذا عدا الحب يمكن أن يأتي بها إلى هنا, لتكون الأنثى الوحيدة, في قاعة كهذه, لمشاهدة فيلم كهذا؟
شعرت بشيء من الشفقة عليها. وربما بشيء من الشفقة على نفسي أيضا. مادمنا موجودتين هنا من أجل الرجل نفسه.

هذا الرجل الذي يبدوا لي من الخلف, يقارب الأربعين, بشعر مرتب, وهيأة محترمة مقارنة ب"بني عيان" وكل الذين لا يوحي شكلهم بالأمان في هذه القاعة, من الأرجح أنه "هو". إنه يرتدي معطفا, يقف الآن ليخلعه, ويضعه على ركبتيه, بطريقة يغطي بها ركبتي تلك المرأة أيضا. ولن يكون من الصعب بعد الآن أن أتصور ما سيلي ذلك!
في هذه اللحظة, حضر رجل ليأخذ مكانه على الكرسي المجاور لي تماما. وهو ما زاد في إزعاجي وجعلني أندم على حماقة مجيئي إلى هذه القاعة, معرضة نفسي للشبهات. فلا أحد هنا سيصدق أو سيفهم أن كاتبة جاء بها الفضول, وأرادت أن تتلصص على عاشقين, اعتقدت أن من حقها أن تندس بينهما, لأنها خلقتهما!

هما الآن يتبادلان اللمسات المشبوهة على مرأى منها.
وهي تحاول أن تقنع نفسها بأنها كاتبة, وكاتبة فقط, وأن الذي يحدث أمامها يعنيها لفهم أبطال روايتها, لا أكثر.
وهي تدري أنها تكذب, وأن الذي يعنيها هو هذا الرجل, صاحب المعطف, الذي جاء بها إلى هنا لتعذيبها بمغازلة امرأة أخرى في حضرتها لا أكثر, بعد أن أغراها كامرأة بشيء غير معلن لا اسم له وأوهما ككاتبة بأنه يخفي سرا ما تحت معطف صمته, شيئا يبرر هذه المجازفة.
ها قد خلع معطفه ليس لها ولا بسببها. ولكن ليصنع منه غطاءً يلامس تحته جسد امرأة جالسة إلى جواره!
إنه في النهاية, ينتمي السلالة الأسوأ من الرجال, تلك التي تخفي تحت رصانتها ووقارها, كل عقد العالم وقذارته.
كأولئك الذين يجلسون إلى جوار زوجاتهم, بهيبة وصمت. ثم يتركون لأقدامهم حرية مد حديث بذيء تحت الطاولة!

ليس هذا الاكتشاف هو الذي صدمني, بقدر ما أزعجني غبائي في هذه القصة التي تصرفت فيها منذ البدء بحماقة مثالية. واختلقت مواقف وحوارات ومواعيد, فقط كي أعيش في رومانسية الحب الواهمة.

حتى إنني صدقت أن بإمكان رجل أن يغادر دفاتري, ويضرب لي موعدا خارج الورق.
من الواضح الآن أن ذلك كان ضربا من الجنون.
في لحظة من الخيبة كدت أهم بمغادرة القاعة, والهروب من هذا الجو الموبوء الذي وضعت نفسي فيه, لولا أنني تذكرت أن السائق لن يحضر قبل انقضاء ساعة. وأنني لم أتمكن من متابعة الفيلم الذي تقول لافتة عند مدخل القاعة إنه حصل على عدة جوائز عالمية.
وهكذا عدت لأتابع الفيلم, محاولة تجاهل ما يحدث حولي.

كان الاستاذ يلقي درسا في كيفية فهم الشعر, حسب ما جاء في مقدمة الكتاب المعتمد للتدريس. والتي كتبها أحد كبار المراجع المختصة في النقد. شارحا فيها كيف يمكن تقويم قصيدة, ومقارنتها بأخرى, معتمدين على خط عمودي وآخر أفقي, يلتقيان ليشكلا زاوية مستقيمة, على كل خط فيها درجات نقيس بها عموديا المعنى, وأفقيا المبنى وهكذا, بإمكاننا أن نكتشف ضعف الشاعر أو قوته بين قصيدة وأخرى ومقارنته بشاعر أو بآخر , حسب مقاييس حسابية دقيقة.

وبينما كان الطلبة منهمكين في رسم خطوط عمودية وأفقية على دفاترهم, ناقلين ما يكتبه الاستاذ على السبورة, إذ به يتوقف فجأة ويمحو كل شيء, ويفاجئهم قائلا:
- طبعا.. ليس هذا صحيحا. لا يمكن أن نقيس الشعر طولا وعرضا وكأننا نقيس أنابيب معدنية..
اندهاشنا, انبهارنا, انفعالنا, هو الذي يقيس الشعر. أمام قصيدة, النسا يغمى عليهن, والآلهة تولد. والشعراء يبكون كأطفال.
من يقيس دموعنا, فرحنا, وكل ما يمكن أن تفعله بنا قصيدة؟
أتدرون لماذا نقرأ أو نكتب الشعر؟ لأننا جزء من الإنسانية. كيف يمكن أن نقيس إنسانيتنا بمقاييس حسابية؟ مزَّقوا كل ما كتبتموه على دفاتركم!
يصمت قليلا ثم يضيف:
- ولا بأس أن تمزقوا أيضا هذه المقدمة!
ينظر إليه الطلبة متسائلين عن مدى جدية ما يأمرهم به. ولكن أمام إصراره, لا يملكون إلا أن يقتلعوا الصفحات الأولى من الكتاب, ليكون كتابا لا مكان فيه لشيء عدا الشعر.
أثناء ذلك, كان يمر أمامهم بسلة المهملات, طالبا بعد آخر, يجمع الأوراق الممزقة, بشيء من الغبطة التي وحده يدرك سببها.
إنه لم يعطهم درسا في فهم الشعر. وإنما درسا في فهم الحياة وشجاعة في التشكيك في كل شيء حتى ما يرونه مكتوبا في كتب مدرسية تحت توقيع اسم كبير.
وخاصة الجرأة على تمزيق كل ما يعتقدونه خاطئا, وإلقائه في سلة المهملات!

لا أدري إلى أي مدى تجاوبت القاعة مع هذا المشهد الجميل, وهل وجد فيه البعض ما يبرر مواصلة تمزيقه للكراسيّ.
أما ذلك الرجل الجالس أمامي فكان منهمكا في البحث عن قلم وورقة ما كاد يعثر عليهما, حتى راح يكتب شيئا, توقعته خاطرة يسجلها على ورقة.
لم أقاوم فضول استراق النظر إلى ما كتب, مصطنعة حركة تقربني إلى الأمام.
ماذا لو كان يكتب شيئا بنية ان أطلع عليه؟ فلقد لاحظ وجودي خلفه وتجسسي عليه.
وقبل أن ألمح على الورقة رقما, من الأرجح أنه رقم ه...يّ, شعرت أن شيئا قد وقع مني. وتحسست أذني, وإذ به قرطي قد سقط أرضا.
انحنيت لأبحث عنه, مستعينة بشعاع ضوء قادم من الشاشة, وإذ بولاعة تشتعل على مقربة مني, ورجل ينحني ليضيء لي المكان.

فاجأني وجود هذا الرجل, الذي كدت أنسى أنه جالس جواري. وربما كان عطره, أو رائحة تبغه هو ما فاجأني الأكثر. فقد شعرت أنه يباغتني, وأن رجولته تقتحمني في تلك العتمة. وهو هنا, على بضعة أنفاس مني, يتابع بحثي عن شيء ما, دون أن يقول شيئا, وحتى دون أن يسألني عمّا كنت أبحث عنه. وكأن تلك الشعلة التي يمسكها بيده, ليست سوى لإضاءة وجهي.
رفعت عينيّ عن الأرض, متسلقة بنظرات بطيئة صدره. ثم عندما وصلت إلى وجهه, كانت عيناه مفاجأتي.
كانت لهما تلك النظرة التي أعطتها العتمة عمقاً مربكا, بقدر ما هو مُغرٍ.
لم يكن بإمكاني أن أدرك, ما لونهما بالتحديد. ولكن أدركت أنه لم يكن أن أواصل النظر إليهما.
فجأة قررت أن أكف عن البحث.
لم يعد أمر القرط يعنيني . ولا ضياعه يزعجني. كلّ الذي يشغلني نظرات هذا الرجل, أو على الأصح حضوره المربك.
أصلحت من جلستي, بعد أن قلت له بصوت خافت بضع كلمات من باب اللياقة:
- أعتذر.. لقد أزعجتك.
ولكنه أطفأ ولاّعته وقال وهو يعيدها إلى جيبه:
- قطعاً..
وعاد إلى مشاهدة الفيلم.
كلمته الفريدة شدّتني, وسمرتني في مكاني. فقد لفظها وكأنه يلفظ كلمة السر التي لا يعرفها سوانا.
ألقى بها في وجهي وكأنه يرمي إليّ ببطاقة تعريفه, بنبرة موجزة فيها شيء من الاستفزاز المهذب.. أو السخرية المستترة. ولم يضف إليها شيئا.
هل صمت كي يقنعني بحجة قاطعة, أنه رجل اللغة القاطعة؟
مذ تلك اللحظة, لم يعد بإمكاني أن أركز على أي شيء مما يحدث حولي..
الحب يجلس دائما على غير الكرسي الذي نتوقعه. تماما, بمحاذاة ما نتوقعه حباً.
وأنا التي خبرت طويلا هذه الحقيقة, كيف جلست أكثر من ساعة, جوار رجل لم أول اهتماما لوجوده. مشغولة عنه برجل آخر, يجلس أمامي. جاء دون أن يدري, متنكرا في زي الحب, فقط لأنه يرتدي معطفا ويجلس صحبة امرأة!
وهذا الذي قال "قطعا" وصمت, ماذا لو لم يكن هو؟ لو أنه قال هذه الكلمة دون تفكير؟ لو أنه جلس هنا, فقط لأنه المكان الأقرب في الصف الأخير؟ لو أن الحياة أرادت أن تسخر مني, ككاتبة, مرتين!

تساءلت دائما: ما هي نوعية المسافة التي تفصلنا عمّا نشتهي؟ أتراها تقاس بالمكان؟ أم بالوقت؟.. أم بالمستحيل؟
وأي منطق هو منطق الرّغبة؟ أيكون منطقا لغوياً أم منطقا زمنياً..
أم منطق ظرف تضعك فيه الحياة؟
وهذا الرجل الذي انتقل بكلمة واحدة, من خانة الغرباء إلى الرجل المشتهى, كيف تمكّن من التنّقل في سلم الرتب بهذه السهولة؟ ترى تواطأت معه اللغة؟ أم العتمة؟ أم هذا المكان الملتبس بين الوهم والحقيقة. بين النهار والليل. بين الحلم والواقع. بين الأدب والحياة؟
لو أنه تحدّث لساعدني بعض الشيء على فهم ما يحدث. ولكنّه لم يفتح أيّة نافذة للكلام. وظلّ مشغولاً عني بمتابعة ذلك الفيلم. دون أن يتوقف أثناء ذلك عن بثّ ذبذبات حديث يقال صمتاً, في عتمة الحواسّ.
وأنا نفسي, لم أجد معه شيئا يمكن أن يقال, وقد انطفأ معه الكلام, لتشتعل به مساحات الصمت.

لا أدري كم قضينا من الوقت على هذا النحو, هو يتابع الفيلم, وأنا أتابعه هو. أو أسترق النظر أحيانا إلى عاشقين, لم يعد أمرهما يعنيني, ولا ما يقولان يسعفني في شيء, مذ قال هذا الرجل, كلمة واحدة.. وصمت!
أثناء انشغالي به, مرّت مشاهد وأحداث, حاولت عبثاً أن أركّز عليها, غير أن أحدها استوقفني.
كان الأستاذ يشرح درساً ما. عندما راح يوضح للطلبة أنّ وجهة نظرنا في أي أمر, تختلف حسب موقعنا, والزاوية التي نقف فيها.
ولذا طلب منهم أن يأتوا صوبه, ويصعدوا الواحد تلو الآخر فوق مكتبه, كي يروا من حيث هم كيف أنّ قاعة الصف نفسها تبدو مختلفة, عندما نراها من فوق مكتب الأستاذ, من الجهة المقابلة لنا.
فالطريقة الصحيحة لفهم العالم. هي في التمرد على موقعنا الصغير فيه, والجرأة على تغيير مكاننا وتغيير وضعيتنا, حتى بالوقوف على طاولة, عوض الجلوس أمامها والإتكاء عليها.
كان يتحدث بينما كان الطلبة يتتالون على مكتبه صعوداً ونزولاً. يستبقي بعضهم قليلاً, طالبا منهم أخذ المزيد من الوقت, للنظر إلى الأشياء من حيث هم, فينظرون إلى مقاعدهم الفارغة دونهم.. ثم ينزلون مندهشين.

وفجأة وبعد أجواء مرحة. يأخذ الفيلم منحى مأساوياً, بانتحار طالب قررّ أن يخوض تجربة مسرحية سراً, وضد مشيئة أبيه, الذي بعث به إلى هذا المعهد الراقي والباهظ التكاليف , كي يصبح طبيبا..
ولا شيء غير هذا.
يحدث ذلك في الليلة التي يقدم فيها عرضه المسرحيّ ببراعة جعلت القاعة تصفق له طويلا, بينما يحضر أبوه الذي يسمع بالأمر, ليؤنبه ويهينه أمام الجميع, ويعود به إلى البيت.
عندها اتجهت أصابع الاتّهام نحو الأستاذ الذي عدّه الأهل سبباً لانتحار ابنهم. وقررت إدارة المعهد طرده لأنه أفسد تفكير الطلبة وحرّضهم, بطريقته الغريبة في التعليم, على التمرد.
وطالبت الإدارة الطلبة بتوقيع عريضة أعدتها ضدّه, مهددة كلّ من يرفض توقيعها بعقوبة الطرد.

كانت بي رغبة في مشاهدة نهاية الفيلم, ومعرفة ما إذا كان الطلبة سيتخلون عن الأستاذ الذي علّمهم كلّ شيء بما في ذلك الدفاع عما يعتقدونه حقيقة, أم هل تراهم سينهزمون, أمام أول مساومة دنيئة تضعهم أمامها الحياة, لولا أنني تنبهت إلى مرور الوقت واقتراب نهاية الفيلم, الذي سيفاجئني الضوء بعده ويحرق شريط حلمي ويحوّلني كما في قصة سندريلا من سيدة المستحيل إلى امرأة عادية, تجلس في قاعة بائسة, جوار رجل قد لا يستحق كلّ هذه الأحاسيس الجميلة التي خلقها داخلي.

وكنت قد يئست من مباغتة هذا الرجل لي بكلمة تؤكد أو تنفي ظنوني. ولذا قررت أن أباغته بانصرافي. فوقفت وتوجهت إليه بكلمات أردتها عاديّة قدر الإمكان:
- عفواً.. هل تسمح لي بالمرور؟
وجاء جوابه كلمة واحده:
- حتماً..
ووقف ليلتصق بكرسيّه, تاركا لي ما يكفي من المسافة, ليلامس جسدي جسده من الخلف, دون أن يحتك به تماما.
مسافة ل أعد أدري أعبرتها في لحظة أم في ساعات. ولكنها المسافة الصغيرة والكبيرة في آن واحد, تلك التي عندما نقطعها, نكون قد تجاوزنا عالم الحلم, إلى عالم الحقيقة.
أكانت كافية.. ليلتصق بي عطره, ويخترق كل حواسي حدّ إيقافي بعد ذلك أشهرا, أمام رجولةٍ لن أستدل عليها سوى بعطرها؟

أعتقد أن نظراته قد رافقتني حتى مغادرتي القاعة. فقد أحسست بها تودعني بصمت, ولكن دون أن يكلف نفسه مشقة استبقائي بكلمة.. أو بسؤال.
من الأرجح أنه كان مأخوذا بنهاية الفيلم. فلحظة غادرت القاعة, كان الأستاذ يجمع أشياءه من الصف. بينما كان ينوب عنه المدير العجوز في إعطاء درس الأدب, في انتظار تعيين أستاذ جديد.
كان المدير يبدو صارما ومتحمسا لإصلاح كلّ ما أفسده هذا الأستاذ. حتى أنه طلب من التلاميذ أن يفتحوا كتبهم على الدرس الأول. لأنه يريد تعليمهم كل البرنامج الدراسي منذ بديته.
ولكنّه فوجئ بهم يملكون نسخا مختلفة عن نسخته؛ تنقصها تلك المقدمة النقدية.
فقد ذهب الأستاذ, ولكن بعد أن ألقى ألى سلة المهملات, كل ما كان يعتقده غير صحيح. ولم يعد بإمكان أحد بعد الآن أن يقنع الطلبة بشيء مزّقوه ورموه.
كان الأستاذ يراقب المشهد بصمت, وهو يغادر الصف محمّلا بأشيائه الصغيرة, على مرأى من المدير.
وعندما وقف ليلقي نظرة أخيرة على طلبته, نهض أحدهم وصعد على مكتبه ليودّعه من علوّه, دون أدنى كلام, بذلك القدر من صمت البكاء.
لحظتها.. كانت عدوى الشجاعة تنتقل إلى بقية الطلبة, الذين راحوا يصعدون الواحد بعد الآخر على طاولاتهم ليوّدعوا صمتأ ذلك الأستاذ الذي طرد من وظيفته, لأنه علمهم الوقوف على الممنوعات والنظر إلى العالم بطريقة مختلفة.
وكما في الحياة, كان هناك قلّة فضلوا البقاء جالسين على كراسي الخضوع, تملقا للمدير.
ولكنهم في انحنائهم, لم يكونوا ليستوقفوا النظر, فقد قصرت قامتهم. وسط صف أصبح كلّه على الطاولات!
كان الأستاذ يغادر الصف. وكنت أغادر القاعة, واثقة من أنني تقاسمت مع ذلك الرجل الغريب لحظة بكاء, بعدما تقاسمت معه لحظة من الرغبة الصامتة.
ولم يكن مهماً لحظتها أن تكون تلك المرأة التي جلست إلى جواره "هي" أم "أنا"؛ فقد حدثت الأشياء بيننا كما أرادها في عتمة قاعة سينما.

* * * *

Najma
29-08-2007, 04:13 PM
ما كدت أرى السائق في انتظاري عند الباب, حتى ألقيت بنفسي داخل السيارة على عجل, وكأنني أريد أن أحتفظ بتلك الأحاسيس الجميلة في مكان مغلق.
خفت على ذلك الشيء الجميل, الذي عشته بصمتٍ جوار رجل غريب أن ينطفئ داخلي بسرعة, أن يقتله أو يبعثره الشارع, بضوئه وضجيجه وفضول مارته وبؤس واقعه.
كان شيئا شبيها بتلك اللحظات التي نعيشها مع شخص لا نعرف شيئاً عنه. نتقاسم معه كرسياً مجاوراً أو مقابلا في عربة ميترو أو في مقطورة, مسافة من الزمن, دون أن نتبادل شيئاً, عدا النظرات المتواطئة. ثم ننزل مكتفين بمتعة الصمت, وبلحظات شفافة مرت بنا كشال من دانتيل الشهوة. وخلفت داخلنا كل تلك الفوضى الجميلة. وإحساسا غريبا بأننا قد لا نرى هذا الوجه بعد ذلك أبداً وأنه كان يكفي قليل من الشجاعة.. وكلمات فقط.. كي يصبح لذلك الوجه اسم وعنوان.
ولكن, ماذا نفعل بمتعة المجهول.. إذن؟
* * * *

في المساء كنت أرتب حقيبة يدي عندما عثرت على ذلك القرط الذي توقعته قد ضاع مني. كان قد وقع داخلها.
تساءلت.. أيمكن لشيء صغير إلى هذا الحد أن يغير مجرى قصة؟ وهل كان لي أن أتنبه لوجود ذلك الرجل إلى جواري – وليس أمامي- لولا تلك الحادثة الصغيرة التي دونها كنت على الأرجح, عدت إلى البيت, واثقة من حماقة مراهنتي على الأوهام؟
نعم.. أليست حياتنا في النهاية إلا نتيجة مصادفات, وتفاصيل أصغر من أن نتوقعها على قدر من الأهمية, بحيث تغير أقدرانا أو قناعاتنا؟
تفاصيل, في حجم تينك الكلمتين, اللتين على صغرهما, جعلتاني أصدق أن الأحلام الأكثر جنونا قابلة للتحقيق, وأنه لا حدود بين الكتابة والحياة.
منذ البدء, أخذت بجمالية تلك العلاقة الغريبة والمستحيلة, وبذلك الحب الافتراضي الذي قد يجمع بين رجل من حبر وامرأة من ورق, يلتقيان في تلك المنطقة المتلبسة بين الكتابة والحياة, ليكتبا معا, كتابا خارجا من الحياة وعليها في آن واحد.
أكثر من انبهاري بشخصية ذلك الرجل , ومساحة الظل فيها , كنت مبهورة بلقائنا المحتمل بين عتمة الحبر .. وعتمة الحواس.
كلما تعمقت في هذه الفكرة. ازددت تصديقا أو تورطا في مقولة أندريه جيد, واثقة تماما بكتابة قصة حب من الجمال إلى درجة لم يعد بها الجنون أية كاتبة قبلي!
الجنون.. بدايته حلم.
وحلمي الليلة, أن أسكن جسد تلك المرأة التي ذهبت نيابة عنها, لمشاهدة فيلم.
أود لو استعرت جسدها لمدة كتاب, كما تستعير النساء عادة مصاغا أو ثوبا يرتدينه لعرس.
في هذه المدينة التي تستعير فيها النساء من بعضهن بعضاً كل شيء ويتبادلن كلّ شيء, أنا التي أعرت الجميع كلّ ما في خزانتي, ماذا لو استعرت الشيء الوحيد الذي لا أملكه حقا؟
جسد امرأة غيري, وجهها, ملامحها , ذاكرتها العشقية, قصتها مع رجل يعنيني أمره, ويعنيني أكثر أن أتأكد من كوني لم أكن أحلم.. ولم أجنّ. وأنني جلست فعلاً إلى جواره لمدة ساعتين.. وأنه قال لي خلالهما كلمتين!
أود لو كان بإمكاني أن أتنكر في زيها, ليكون لي حق رؤيته في الضوء لا في العتمة.
أن نتبادل كلاما طبيعيا, لا كلمات قاطعة أو متقاطعة كتلك التي تبادلناها.
أن نجلس متقابلين, لا متجاورين, في الزاوية اليسرى أو اليمنى في أي مكان كان.
ولكن كيف؟ وأين؟
تستدرجني هذه التفاصيل إلى فكرة على قدر من الجنون, فأركض نحو مكتبي, أحضر الدفتر الأسود. وأشرع في قراءة تلك القصة, قافزة على الأسطر, لاهثة النظرات, بحثا عن شيء محدد, ما أكاد أعثر عليه, حتى أتوقف عن القراءة, بفرحة من عثر على شيء أضاعه في البحر.
أغلق الدفتر, وأتنفس الصعداء. فقد عثرت على اسم المقهى الذي كانا يلتقيان فيه.
وهذه المرة أيضا.. لم أكن قد سمعت به من قبل!

سائق الأجرة الذي طلبت منه مرافقتي إلى مقهى "الموعد", بدا عليه شيء من الاندهاش جعلني أعتقد أن لا وجود لهذا المقهى.
غير أنه سألني, وهو يراني محملة بالجرائد والأوراق, بنية التمويه, إن كنت أقصد المقهى القائم بجوار حي الفوبور. أجبته بالإيجاب, تفاديا لمزيد من الأسئلة.
ولكنه راح يمد معي حديثا عن الأوضاع الأمنية. وعن شرطي ألقوا به ليلة البارحة من الجسر, وعن فتاة ورفيقتها اختطفتا أثناء عودتهما من المدرسة.. وذبحتا.
كنت أستمع إليه وهو يسرد علي أخبار الأقارب والجيران والزبائن. وكل ما سمع به من مصائب. ولا أدري أكان من الأفضل أن أسايره بالحديث, فأشغله عن فضوله تجاهي, أم أصمت, كي لا أِجعه على تعكير مزاجي. فأنا أدري تماما أن الوضع الأمني سيئ هذه الأيام. وهو أحد أسباب زيارة زوجي للعاصمة. ولست في حاجة إلى مزيد من التفاصيل, في هذا الصباح بالذات..
كنت أعي أنني أقترف حماقة أخرى بذهابي إلى مكان لا أعرف شيئا عنه. حتى أني لست واثقة من وجود ذلك الرجل فيه. ولم أحتط, سوى في ذهابي إليه صباحا, في ساعة لا يكون مكتظا فيها بالزبائن, وهو الوقت الذي أتوقع أن يلتقي فيه اثنان, لو أنهما أرادا التلاقي في مقهى.
أما الجرائد والأوراق التي أحملها, بنية التمويه, فيبدو أنها قد تكون سببا إضافيا للمتاعب, ولن تقيني من شبهات أخرى.
في النهاية.. لم يكن لي من شيء أحتمي به في ذلك الصباح سوى مقولة للشاعر الإرلندي شيماس هيني "امش في الهواء..مخالفا لما تعتقده صحيحا!"
وهكذا رحت أمشي نحو قدري, عكس المنطق.

كان المقهى أكثر هدوءاً مما توقعت. وبرغم ذلك دخلته بارتباك واضح. فأنا لا أدري عمّن جئت أبحث, ولا أين يجب أن أجلس, ولا ماذا يجب أن أطلب, وهل أخفي أوراقي أم هل أفردها على الطاولة.. وكأنني جئت هنا لأكتب.
وقبل كل هذا.. أية زاوية يجب أن أختار للجلوس. كي لا أخطئ باختيارها قصدي.
هو قال "احجزي لنا طاولة أخرى.. في أية زاوية عدا الزاوية اليسرى.. ما عاد اليسار مكانا لنا".
أيعني أنني يجب أن أجلس في الزاوية اليمنى من المقهى وأنتظر؟ أم أجلس في الزاوية اليسرى, ترقبا لمن سيأتي ويجلس إلى يميني؟!
بدا لي المكان شاسعا. يجلس في ركن أيسر منه شاب وفتاة, مأخوذين بنقاش حول أمر ما. وفي زاويته اليمنى رجل بقميص أبيض دون ربطة عنق, منهمك في الكتابة. أمامه أوراق.. وجرائد.. وكثير من أعقاب السجائر.
جلست في الزاوية المقابلة له. محافظة على مسافة ثلاث طاولات بيننا, تحسبا للخطأ.
بدت منه التفاتة فضولية. نظر إلي بعض الشيء. وإلى الجرائد التي وضعتها على الطاولة. ثم عاد إلى الكتابة.
لم أفهم يوما, كيف يكون بإمكان البعض أن يكتب هكذا في مقهى أو في قطار. دون أي اعتبار لحميمية الكتابة.
أن تجلس لتكتب في مكان علني, كأن تمارس الحب على وقع أزيز سرير معدني. وبإمكان الجميع أن يتابعوا عن بعد, كل أوضاعك النفسية, وتقلباتك المزاجية, أمام ورقة.
حاولت أن أنشغل عن ذلك الرجل, ولكنني لم أتوقف عن متابعته.
أذهلني غيابه لحظة الكتابة. وأذهلني أكثر أنه يكتب كلاما في صيغته النهائية. دون تفكير, أو تردد, أو شطب.
كان يتوقف أحيانا. يأخذ نفسا من سيجارته, ثم يعود إلى الكتابة.
في لحظة ما, بدا لي وكأنه على وشك أن يبادرني بالكلام. فقد توقف بين جملتين. وراح ينظر إلي دون أن يقول شيئا. توقعت التفاتة تفضحه. ولكنه كان وكأنه ينظر إلى شيء وحده يراه. ولم أجد شيئا أهرب إليه من نظرته تلك, سوى فتح جريدة كانت معي.. ورحت أطالعها كيفما اتّفق.
بدت منه لحظتها, ابتسامة مربكة, لم أفهمها تماما؛ أكان يسلم علي بها؟ أم يشفق علي من وحدتي؟ أم يسخر مما أقرأ؟.. أم يقول لي فقط إنه تعرف إليّ!

Najma
29-08-2007, 04:15 PM
ربما كانت تلك المرة الأولى التي أطلت فيها النظر إلى ملامحه.
كان على قدر من الوسامة. وكنت أشعر بمودة غامضة تجاه هذا الوجه, وضعف تجاه هذا الحضور الرجالي الصامت الذي لا يشبه في شيء التصرفات الذكورية في هذه المدينة.
إحساس ما, كان يقول لي إنني في زمن ما, أحببت رجلا يشبهه أو أنه يشبه تماما رجلا سأحبه يوما.

ورغم ذلك لم أجرؤ على القول إنه "هو" قبل أن تصدر عنه أية التفاتة تشي به.
أكان منشغلا عني حقا؟ أم كان فقط يتحرش بي بصمته. يجلس أمامي هكذا على مرمى قدر. ينتظر سؤلا يأخذنا إلى شيء قد يحضر؟
أنا المرأة الجبانة التي لم تبادر يوما رجلا بالكلام, كيف لي أنا أشاغبه, أن أشعل تلك الانارات الصغية التي ستجعله يوقف الكتابة ويقول لي شيئا؟
كم تمنيت لحظتها أن ينطق! ولكنه كان يعبث بي بكلام لا يقال إلا صمتا.. ويدخلني في حالة من الارتباك الجميل.
أثناء تفكيري, جاء النادل وسألني ماذا أريد. لا أدري لماذا أجبته على غير عادتي "قهوة".
ربما لأنسيه أنوثتي. مادام الرجال يطلبون عادة قهوة.
ذهب ولم يعد.
ولم يعنني كثيرا أنه لم يأت بقدر ماكان يعنيني قدوم رجل مميز المظهر, يرتدي قميصا اسود ونظارات شمس سوداء, في العقد الرابع من عمره. له خطى واثقة, وأناقة رجولة, في غنى عن أي جهد.
بدا على الرجل وكأنه يعرفني, أو كأنه فوجئ بوجودي هناك؛ فقد ألقى نحوي نظرة مندهشة, ثم سلاما وديا بإشارة من رأسه. ذهب للجلوس جوار ذلك الرجل, الذي توقف أخيرا عن الكتابة. وراحا يتبادلان حديثا,لم يصلني منه شيء.
داهمني شعور بالندم, وربما بالضآلة, كلما طال حديثهما, وكلما طال انتظاري لشيء لا يأتي.
عندما تنتظر أحدا, أنت لا ترى شيئا بعينه, ولا تتأمل شيئا بالتحديد؛نظراتك مبعثر كمزاجك. والذي تنتظره قد يأتي من اللامكان, ويفاجئك وسط ذهولك , وفوضى أفكارك.. وأسئلتك.
من هو هذا الرجل؟ هل تعرف إلي؟بل كيف أتعرف إليه؟وهذه المرأة التي سطوت على هويتها, ما شكلها, ما لون شعرها؟ ما هي عاداتها في السلام.. عاداتها في الكلام.. عاداتها في الانتظار؟
وهذا الرجل الذي بادرني بالسلام ومضى,أتراه يعرفني؟ أم يعرف أخي.. أو زوجي؟ أم تراه يعرفها؟ ولماذا يتأملني هكذا؟ تراني أشبهها؟ تراه كان ينتظرني؟ أم كان ينتظرها؟ أم تراه كان موجودا هنا للتحدث إلى هذا الصديق لا أكثر.. وماذا لو كان "هو"؟
أبحث في عينيه عن شيء ما, عن ذكرى.. عن شوق مؤجل, عن بقايا حزن سري, عن حب مات في هذا المكان.
ولكن عينيه المختفيتين خلف نظارات سوداء, لا توصلانني إلى أي جواب. بينما يطالعني هو عن بعد, دون أن تفضحه نظراته.
أن يسترق النظر غلي أثناء حديثه, هذا لا يعني شيئا. أي رجل غيره كان تصرف كذلك, على الأقل من باب الفضول, إن لم يكن من باب التحرش الصامت بأنثى تجازف بالجلوس بمفردها في مقهى بمدينة كهذه.
وماذا لو كان صديقه, هو الرجل الذي جئت من أجله, وأنه يمثل معي دور التجاهل كما فعل طوال عرض الفيلم, إن هذا الدور يشبهه تماما. إنه رجل يشي به الصمت, وتلك الزاوية اليمنى التي أختارها للجلوس مقابلا للذاكرة.
أخيرا جاء النادل بفنجان القهوة, وضعه أمامي, أو بالأحرى رمى به أمامي وذهب.
انتبهت لعدم وجود السكر جواره, كما هي العادة. رفعت يدي لأناديه, ولكنني عدلت فقد كان بعيدا, ولم أشأ أن أرفع صوتي لأقول كلاما ....ا مثل "ياخويا.. يعيشك.. جيبلي سكريه".
شعرت أن صمتي أجمل من أن أكسره لأقول شيئا لنادل, خاصة أن عواقب ما سأقوله لن تكون محمودة, حسب ما توحي به لحيته.
فقد يرفض أن يعطيني السكر. وقد يطلب مني أن أذهب إلى بيتي, واشرب القهوة بالسكر أو بالقطران.. إذا شئت. هذا إذا لم يقلب علي فنجان القهوة.
فمنذ الأزل, الجزائر بلد يمكن أن يحدث لك فيه أي شيء مع نادل!
كتلك الحادثة التي روتها لي صديقة صحافية كانت موجودة في السبعينات في نزل فخم بالعاصمة, مع وفد من الصحافيين الجانب, بمناسبة الذكرى الثلاثين لاندلاع الثورة. وبعد انتظار طويل, وبعد أن يئست من إحضار طلباتها, استدعت النادل, وقالت له على طريقة الشرقيين:
نحن ننتظر منذ نصف ساعة, عليك أن تولينا اهتماما خاصا. إننا ضيوف لدى الرئاسة!
ولكنه رد عليها بطريقة لا يتقنها غير الجزائريين:
ما دمت ضيفة عن الرئاسة.. روحي لعند بن جديد "يسربيلك".
ومضى ليتركها مذهولة.
طبعا عندما عادت إلى سوريا وروت هذه الحاثة, لم يصدقها أحد. فعندنا فقط, يطلب النادل من رئيس الجمهورية أن يخدم ضيوفه بنفسه!






أمام ما أعرفه من قصص. عدلت عن طلب أي شيء من ذلك النادل. خاصة أنني في وضع "مشبوه" بالنسبة إليه.
حتى إنني, لم تكن بي رغبة في النهاية لاحتساء تلك القهوة.
ولكن.. فجأة وقف ذلك الرجل ذو القميص الأسود, واتجه نحوي, وفي يده صحن عليه بعض قطع من السكر.
لا أدري كيف انتبه لما كنت سأطلبه,, رغم كونه كان يبدو منشغلا بالحديث إلى صديقه.

إحساس غامض انتابني وهو يقترب مني. ويمدني بذلك الصحن الصغير. عطره الذي اخترق حواسي, أعادني إلى العطر الذي شممته في السينما, عندما اقترب ذلك الرجل مني ممسكا ولاعة.
فانتابني مزيج من الخوف والاندهاش.
وحدها نظرته كانت تنقص, ليكتمل المشهد. ولكن كان باستطاعته أن يثير داخلي الأحاسيس نفسها, ويقول الشيء نفسه, دون أن يخلع نظارته السوداء؛ فقد اصبح لهذا العطر ذكرى تقودني في عتمة الحواس.. لأستدل عليه.
ولذا لم أقاوم رغبة في استدراجه, أو في اختباره, وأنا أكرر معه المشهد نفسه, مستعملة الكلمات نفسها:
- أسفة.. لقد أزعجتك..
وجاءني الرد, مذهلا في تطابقه:
- قطعاً..
وكما في المرة الأولى قالها ومضى, دون ان يضيف شيئا.
أما أنا, فمن ذهولي بقيت لحظات أتابع عودته إلى تلك الطاولة. وجلوسه بالتلقائية نفسها التي غادرها بها.
لحظات.. أتأمله, قبل أن أصدق ردّاً لفرط ما أردته بدا لي كأنني توهمته.
لم يكن قرطي هو الذي وقع مني هذه المرة. وإنما قلبي الذي أصبح بكلمة واحدة يقع مغمى عليه كلما خطر للحب أن يلعب معي لعبة الغميضة, ويضعني أمام رجلين, عليّ كل مرة أن اتعرف بكلمة واحدة إلى أحدهما!

كنت ما أزال تحت وقع تلك الكلمة, عندما رأيتهما ينهضان. بدت من الرجل صاحب القميص الأبيض إشارة من رأسه كأنه يودعني بها, رافقتها نظرة غائبة تعد بشيء ما. ومضى.
لاحظت انه كان يرتدي بنطلونا أبيض ايضا, بينما توجه نحوي الآخر, ممسكا جريدة, لم تكن معه عند مجيئه.
وقف برهة أمامي.. ثم سألني:
- أتسمحين لي بالجلوس؟
كان يجب أن أقول "لا". أو في حالة أخرى "تفضل" ولكنني أجبت:
- طبعًا..
لكنه لم يجلس. قال وهو ما زال واقفا:
- في الحقيقة.. أنا أكره هذا المكان.. وأفضل أن نذهب لتناول شيء معًا في مقهًى آخر.. أيزعجك هذا..؟
أجبته:
- قطعًا.
طبعا, كان يجب أن اقول العكس. ولكن وجدتني لا أملك من لغة سوى لغته, خاصة أنني وجدت في عدم حبه لهذا المكان, دليلا آخر على كونه "هو".
أخرج من جيبه قطعة نقدية, تركها على الطاولة, ثمن قهوتي. ثم بلياقة فاجأتني, سحب الكرسي الذي أجلس عليه, ليساعدني على مغادرة المكان.
ولم أملك سوى أن اتبعه. أو بالأحرى أن أتبع شيماس هيني وأواصل مشيي في الهواء, مخالفة لما أعتقده.. صحيحا!
أمام باب المقهى أوقف سيارة أجرة بإشارة من يده وجلس جوار السائق. ووجدتني ألحق به, وأجلس خلف سائق شاب, فاجأتني طيبته. مما جعلني أغفر له ضيق سيارته وحرارتها القاتلة.
كنت سأفتح النافذة. ولكنني خفت أن يزيد هذا من احتمال رؤية الآخرين لي. فرحت أنتظر أن ينطق هذا الرجل.. لتنطلق بنا السيارة أخيرا.
- هل تعرف مكانا يمكن أن نذهب إليه؟
التفت السائق دهشا نحوه؛ فلم يحدث أن طرح عليه راكب سؤالا كهذا.
تأمله بشيء من السخرية. ربما أشفق علينا, أو بارك جنوننا..
قال:
- أين تريدان الذهاب؟
أجاب اللون الأسود:
- إلى أي مكان لا يزعجنا فيه أحد. هل هناك مقهى, أو قاعة شاي هادئة؟
ابتسم الرجل ساخرا من طلبه. ومن الأرجح أن يكون قد استنتج أننا غرباء.
أدار محرك سيارته وطار بنا.
كان الطريق بعيدا بعض الشيء. ورغبة لم تفارقني أثناءه. بالجلوس أخيرا الى هذا الرجل. أن أكون جواره أو مقابلة له, لا خلفه كما أنا الآن. يصلني منه بعض عطره, تحمله نسمت سيارة مسرعة. فأتقاسم معه مجرى الهواء.. وكثيرا من صمت الأسئلة.
أولها: لماذا جلس جوار السائق؟ أليضع بيننا مسافة ما.. لسبب أو لآخر, أم لأن أي سائق (أجرة) في الجزائر يشترط علي أن تجلس جواره لا خلفه؟ وقد يذكرك بهذا صارخا في وجهك "يا خو.. مانيش خدّام عندك!".
أما السؤال الأهم فهو ليس سبب جلوسي وراءه وإنما طبعا سبب وجودي معه.
ما الذي أوصلني إلى هنا؟ ترى فضولي الأدبي هو الذي جعلني أدخل مغامرة على هذا القدر من الغرابة؟
أم تراني أذهب نحو الحب بذريعة الأدب؟
وكيف يمكن لرجل لم يقل لي سوى بضع كلمات, أو بالأحرى كلمة, أن يأتي بي حتى هنا, دون أن أسأله حتى من يكون. وكان كل قدراتي العقلية قد تعطلت, لتنوب عنها حواسي. فألحق رجلا اختزن جسدي رائحته؟
في لحظة ما, كدت أسأله "ما اسم عطرك يا سيدي؟" ثم ترددت. جنون أن أسأل رجلا عن اسم عطره, قبل أن أسأله عن اسمه الآن, فسيأخذ السؤال بُعد الإهانة للحلم.
الحلم لا اسم له.
وهو, تراه يعرف اسمي؟ وأي الأسماء تراه يعرف.. اسمي أم اسمها؟ ورفقة من هو جالس.. برفقتي أم برفقتها؟ ومع من هو ذاهب إلى هذا العنوان الذي لا يعرفه, معي أم معها؟
عند "سيدة السلام" توقفت بنا السيارة, أمام مقهى شاهق الموقع, هادئ الأجواء, يطل على أودية لا نهاية لعمقها.
مضى السائق محملا بشكرنا اللغوي.. والنقدي ليتركنا أمام الأسئلة.
أجبنا عن سؤال النادل بالجواب نفسه: "نريد كوكا". وكأننا نقول, نريد أن تتركنا وشأننا.
وصمتا لنترك المجال لأسئلة أكبر.
كنت أعد نفسي لكلام كثير. ولكنه لم يقل شيئا. أشعل سيجارة, وراح يتأملني في نظرة تطالعني بين غيابين. ثم قال وهو يسكب لي المشروب, بيد ما زالت ممسكة بالسيجارة:
- أخيرا أنتِ!
كان في نبرته شوق, أو اندهاش جميل. كأنما لفرطه, لا يمكن أن تختصره أكثر من كلمتين.
شعرت أنه يواصل الحديث إلى امرأة غيري. ربما تلك المرأة التي لم يكن يقول لها شيئا, عدا صمته. وربما امرأة أخرى غيرها.
ذهلت لاستنتاج كهذا. أيعقل أن يأخذني مأخذها؟
ولكنه واصل بما يؤكد ظني:
- غريب حقا.. أن أصادفك في ذلك المقهى. لولا صديقي لما حضرت إلى هناك.
صمت قليلا ثم واصل:
- شيء فيك تغير منذ ذلك الوقت. ربما تسريحتك... أحبك بشعرك الطويل هذا. أتدرين... كدت لا أتعرف عليك لولا ثوبك الأسود.
سألته دهشة:
- وهل تعرف هذا الثوب؟
أجب ضاحكا:
- لا.. ولكنني أعرف لك طريقة في ارتداء الأسود.. لكأنه معك لون خلق للفتنة لا للزهد.
لم أدر كيف أرد على غزل لم اكن مهيأة له, ولا أظنني كنت المقصودة به.
قلت وأنا أسايره في خطاه:
- أما أنا.. فاعترف أنك فاجأتني.. قبلك لم أر رجلا يلبس الأسود في هذه المدينة, حتى لو كان ذلك حدادا. لكأن الرجال يخافون هذا اللون أو يكرهونه.
- وأي لون توقعت أن أرتدي؟
- لا أدري لكن الناس هنا يرتدون ثيابا لا لون لها.

Najma
29-08-2007, 04:15 PM
شيء من التفكير:
- صديقك أيضا يبدو غريبا عن هذه المدينة.
رد ضاحكا:
- لماذا؟ ألأنه يرتدي قميصا.. وبنطلونا أبيض؟
- بل لأنه يرتدي الأبيض باستفزازية الفرح, في مدينة تلبس التقوى بياضا.
- ابتسم وقال:
- صدقيني فرحه إشاعة. إنه باذخ الحزن لا أكثر. والأبيض عنده لون مطابق للأسود تماما!
وأمام صمتي واستغرابي لكلام من الواضح أنني لم أفهمه, واصل:
- الأبيض هو خدعة الألوان.. ألا تعرفين هذا؟
قلت كمن يعتذر:
- لا.. لا أعرف.
وغرقت في لحظة صمت.
كيف لي أن أواصل الحديث مع رجل يبدو هو نفسه كاذب الفرح.. بقدر ما صديقه باذخ الحزن؟
وأنا التي جئت مصادفة لهذا اللقاء.. في ثوب أسود.
كيف أبرر هيأتي, ولم يحدث أن أقمت علاقات لونية مع الأشياء.
حاولت أن أغادر سيرة الألوان, كي لا ينفضح جهلي به؛ قلت:
-عجيبة علاقتنا التي بدأت في العتمة؛ منذ ذلك اليوم وأنا أريد أن أدخل الضوء إلى هذه القصة.
- ابتسم وأجاب:
- ولكننا لم نلتق في العتمة..
- كدت أسأله "أين التقينا إذن؟" ولكن سؤالا كهذا بدا لي غريبا. وقد يفضحني في حال أنه يتوقعني "هي".
- رحت أستدرجه لاعتراف ما؛ قلت:
- أحب قصص التلاقي.. في كل لقاء بين رجل وامرأة.. معجزة ما؛ شيء يتجاوزهما, يأتي بهما, في الوقت والمكان نفسه, ليقعا تحت الصاعقة إياها. ولذا يل العشاق حتى بعد افتراقهما.. وقطيعتهما, مأخوذين بجمالية لقائهما الأول. لأنها حالة انخطاف غير قابلة التكرار, ولأنها الشيء النقي الوحيد الذي ينجو ممّا يلحق الحب من دمار.
توقعت أن يقول ما يشي بلقاء, أو بقصة ما. ولكنه قال:
- كل البدايات جميلة في الحب.. وأجملها بدايتنا.
قلت بمراوغة الاندهاش:
- حقا؟
أجاب:
- طبعا.. لأنها معجزة تتكرر معنا كل مرة.
لم يقل أكثر من هذه الجملة, التي جعلتني استنتج أننا التقينا قبل عرض ذلك الفيلم. ولكن أين.. ومتى؟ تلك أسئلة لم يبد مهيأً للجواب عنها؛ فقد دخل في حالة صمت, واضعا بيني وبينه جملا من ضباب الدخان.
رحت أتأمله للحظات, وهو مشغول عني, بنا.. أو بها.
ثم كسرت الصمت بأول جملة خطرت بذهني.
قلت:
- إن رجلا يرتدي الأسود هو رجل يضع بينه وبين الآخرين مسافة ما. ولذا ثمة أسئلة, لا أجرؤ على طرحها عليك, رغم بساطتها. إنك تبدو لي رجلا يكره الأسئلة..
قاطعني شبه مندهش:
- أنا أكره الأسئلة؟ من قال هذا؟
توقعت للحظة أنني أخطأت. ولكنه واصل:
- أنا أحب الأسئلة الكبيرة.. الأسئلة المخيفة التي لا جواب لها. أما تلك الفضولية, فهي تزعجني بسذاجتها. وأظنها تزعج آخرين غيري..
- وكيف ترد إذن على أسئلة الناس حولك؟
سحب نفسا عميقا من سيجارته وكأنه لم يتوقع سؤالي.. ورد بنبرة لا تخلو من مسحة تهكمية:
- الناس؟ إنهم لا يطرحون عليك عادة, إلا أسئلة ...ة, يجبرونك على الرد عليها بأجوبة ...ة مثلها..
يسألونك مثلا ماذا تعمل.. لا ماذا كنت تريد أن تكون. يسألونك ماذا تملك.. لا ماذا فقدت. يسألونك عن أخبار المرأة التي تزوجتها.. لا عن أخبار تلك التي تحبها. يسألونك ما اسمك.. لا ما إذا كان هذا الاسم يناسبك. يسألونك ما عمرك.. لا كم عشت من هذا العمر. يسألونك أي مدينة تسكن.. لا أية مدينة تسكنك. يسألونك هل تصلي.. لا يسألونك هل تخاف الله. ولذا تعودت أن أجيب عن هذه الأسئلة بالصمت. فنحن عندما نصمت نجبر الآخرين على تدارك خطأهم.


مذهل هذا الرجل, بكلامه المربك كصمته, ومنطقه المعقد والبسيط في الوقت نفسه, وأجوبته التي ليست سوى رؤوس أقلام.. لأسئلة أخرى.
وبرغم أنه لم يترك لي مجالا لطرح أي سؤال "طبيعي" فقد اكتشفت في قوانين منطقة شرعية احراجه, واستدراجه لقول حقيقة.. لن تؤخ1 منه إلا بالمقلوب!
ولذا بادرته قائلة بشيء من السخرية:
- أنت رجل يغري بطرح الأسئلة مع...ة.. فهل لديك شجاعة كافية للرد على أسئلتي؟
أجاب بتحد مازح:
- هذا عائد إلى ذكائك!
رفعت التحدي. وطرحت سؤالي الأول:
- أي اسم كنت تريد أن تحمل؟
وجاء جوابه مدهشا:
- الاسم الذي اخترته لي في كتابك.. إنه يناسبني
كان يضحك وهو يجيبني.
ولم أصدق ما سمعت. جوابه كان يعني أنه يدري من اكون. ولكن, من تراه يكون هو.. ليتحدث إلي وكأنه خارج توا من قصتي؟
أجبته كمن يمزح:
- ولكن.. أنا لم أختر لك اسما بعد..
رد بالسخرية نفسها:
- فليكن.. يناسبني تماما أن أبقى بلا اسم!
- ولكن هذا يزعجني.. ألا يمكنك أن تخلع قليلا من غموضك؟
- وحده الحب يعرينا يا سيدتي..
- هل أفهم أنك لست عاشقا..؟
بقي سؤالي معلقا إلى صمته, فتداركت خطأي, وأعدت طرح السؤال بصيغة أخرى.
- هل حدث للحب أن عرّاك؟
- حدث ذلك مرة واحدة. بعدها لبست خيبتي ولم أخلعها بعد.
قلت بنشوة أنثى:
- إذن ليس في حياتك امرأة؟
أجاب:
- كم يلزمني من الصمت يا سيدتي.. لأرد على أسئلتك؟
كان علي أن أفهم "كم يلزمني من الصبر يا سيدتي لأرد على فضولك" أو ربما "لأرد على أسئلتك ال...ة"..
ولكن هذه الإهانة المهذبة ليست ما استوقفني. وإنما كلمة أخرى شديدة التهذيب.
سألته:
- لماذا تناديني "سيدتي".. من أخبرك أنني متزوجة؟
- ابتسم وقال:
- ثمة نساء خلقن هكذا بهذا اللقب.. جئن العالم بهذه الرتبة. وأية تسمية أخرى هي إهانة لأنوثتهن.
وقبل أن أسعد بجوابه, واصل بعد شيء من الصمت:
- ما عادا هذا فحالتك المدنية لم تعد تعنيني..
صيغة النفي في جملته الأخيرة, فاجأتني. شعرت أنها تخفي سابق ما. أو أمرا لا يريد الإفصاح عنه.
سألته:
- لماذا قلت "لم" تعد تعنيني.. وليس لا تعنيني؟
رد بسؤال كاذب:
- أقلت هذا حقا؟
وصمت.

كان واضحا أنه يعرف شيئا عني. والمزعج, أنني لم أكن قد عرفت بعد شيئا عنه. ولذا قررت أن أواصل التحدي مستعملة طرقه المقلوبة, في طرح الأسئلة.
قلت:
- لم يحدث أن التقيت بشخص يشبهك في هذه المدينة, بي فضول لمعرفة أي مدينة تسكنك؟
ولكنه رد ساخرا وكأنه اكتشف الهدف من سؤالي:
- لن يفيدك جوابي في شيء. أنا كالكتاب الذين يسكنون مدينة كي يكتبوا عن أخرى. أسكن مدينة, لأتمكن من حب أخرى. وعندما أغادرها, لا أدري أيهما كانت تسكنني.. أيهما سكنت. أنا حالياً شقة شاغرة. غادرت قسنطينة عن حب.. وغادرتني هي عن خيبة!
- أأنت من قسنطينة؟ عجيب.. توقعت أن تكون غريبا عنها.
- لنقل إنني كذلك.
- وماذا تعمل في الحياة؟ ..أقصد ما كنت تريد أن تكون؟
قال ضاحكا لاستدراكي, وللنبرة الساخرة التي صححت بها سؤالي:
- في الواقع كنت أريد أن أكون ممثلا.. أو روائيا, كي أعيش أكثر من حياة.. إن حياة واحدة لا تكفيني. أنا أنتمي إلى جيل يعاني أزمة عمر, وأنفق حياته قبل أن يعيشها.
وأضاف:
- ما عدا هذا.. أنا رسام, وراض تماما عن مهنتي, لأنني لا أفعل بيدي إلا ما أريد.
قاطعته مندهشة:
- أنت رسام؟!
- وماذا توقعت أن أكون؟
- لا أدري .. ولكن..
- ولكن ماذا؟
- كنت أعرف في السابق رساما من قسنطينة.. تذكرته اللحظة.
أذكر أنه كان مهووسا بها إلى درجة أنه لم يكن يرسم سوى..
قاطعني قائلا:
- سوى الجسور.!
صحت:
- هل عرفته أنت أيضا؟
ابتسم وقال:
- لا.. ولكن, أتوقع لرسام يحب هذه المدينة, أن يرتكب حماقة كهذه.
- ولماذا تسمي هذه حماقة؟
- لنقل أنني لا أحب الجسور..
- عجيب.. لقد قضى هو أشهرا في إقناعي بالعكس, توقعت أن يحب الرسامون المعالم نفسها.
أطفأ سيجارته وكأنه يريد أن ينتهي من موضوع مزعج وقال:
- ما أدراك.. ربما يكون قد غير رأيه منذ ذلك الحين.. وحدهم الأ...اء لا يغيرون رأيهم!

Najma
29-08-2007, 04:16 PM
استنتجت أن حديثي عن قسنطينة يزعجه؛ فرحت أبحث عن موضوع أستدرجه به إلى الكلام. وقبل أن أنطق قال وهو يتأملني:
- أحبك في هذا الثوب .. الأسود يليق بك..
- حقاً؟
- حقاً. ولكن أكثر من هذا اللون. أحب المصادفة التي جعلتنا نرتد اللون نفسه اليوم أيضا. مازلت أذكر ذلك الثوب الذي كنت ترتدينه يوم رأيتك أول مرة. حتى إنني كما في قصة ذلك الأمير الذي لم يبق له من (سندريلا) سوى حذاء ليتعرف به إلى فتاة لا يعرف سوى مقاس قدمها, أتوقع أنني لو رأيت امرأة ترتدي ثوبا من الموسلين للحقت بها, متأكدا من كونها أنت.
نفض سيجارته ببطء وواصل:
- الذي أحزنني يومها. هو أنني لم أستطع أن أتبادل معك ولو كلمة واحدة. كل الأضواء كانت ضدنا. ربما لأننا كنا الأجمل في زفاف كان لغيرنا. أذكر.. كانت الفرقة الموسيقية تعزف أغاني للفرح, عندما توقفت فجأة, وراحت تعزف موسيقى الدخلة إيذاناً بقدوم العروسين. واصطف على الجانبين نساء في كل زينتهن التقليدية, يضربن على البندير والدفوف. في تلك اللحظة بالذات, كنا ندخل مصادفة معاً, مرتدين اللون نفسه, عندما انطلقت زغاريد النساء حولنا. لم نكن العروسين, وجدنا هناك خطأ في تلك اللحظة, وذلك المكان بالذات. فقد كنا سابقين للعروسين بخطوات فقط. ولكن كان مرورنا معا في تلك اللحظة هو الخطأ الأجمل. فبعدنا بدا الموكب الشرعي أقل تألقا في بياضه. لم يغادرني هذا المشهد أبدا بع ذلك لسنوات. لكأنهم زفوك إلي وهما في ذلك الثوب الأسود.
سحب نفسًا من سيجارته ثم واصل:
- أذكر يومها تبعثرنا ارتباكا في تلك القاعة. رحت تحادثين آخر, ورحت أحادث أخرى باهتمام مقصود. أخذ كل واحد منا مكانا في مجلس مختلف, تفاديا لمزيد من الأضواء والأخطاء. ولكننا لم نذهب أبعد من بعضنا بعضا. لقد كنا متقابلين حتى في تجاهلنا المتعمد أحدنا للآخر. لا أعتقد أن تكوني قد اشتهيتني في البدء, ولا أنا اشتهيتك. الحب هو الذي اشتهانا معاً, وحلم ببطلين يشبهاننا تمامًا ليمثلا دورا على هذا القدر من الغرابة.
كنت أستمع إليه. دون أن أجرؤ على مقاطعته بكلمة. وجدت في صمتي ملاذاً, وإيهاما له بأنني أعرف كل هذا, إضافة إلى تلك الحالة الجمالية التي يضفيها الصمت في مواقف كهذه.
شعرت أنه يتحدث عن امرأة غيري. فأنا لا أذكر أنني ذهبت إلى زفاف بمفردي ولبست ثوبا كهذا, لأنني لا أملك أصلا في خزانتي أي ثوب من الموسلين الأسود. ولو حدث هذا, ودخلت قاعة زفاف خطأ, صحبة رجل غريب على هذا القد من التميز, لما كنت نسيت ذلك. ولا كانت هذه المدينة التي تحترف الإشاعات, منحتني فرصة النسيان.
خفت أن أصارحه, فأكسر كثيرا من جمالية وهم كل منا بالآخر. فبقيت صامتة, كي استمتع بوضعي الملتبس بين امرأتين, واحده يطاردها لأنها ترتدي الأسود, والأخرى تطارده لأنه قال "قطعا".
في النهاية.. كان كلانا بالنسبة إلى الآخر سندريلا والأمير في الوقت نفسه. وكان هذا أغرب ما في قصتنا!
لم أجد شيئا أعلق به على كلامه. سوى جملة أردتها أن تحمل أي تفسير:
قلت:
- كم لنا من البدايات لقصة واحدة!
أجاب:
- ولهذا كنت واثقا تماما, أننا سنلتقي. بل إنني تصورت لنا لقاءً مشابها لهذا..
ثم توقف قليلا وواصل:
- أتدرين لماذا تركت لسائق التاكسي حرية اختيار مكان لنا, وجازفت بموعدنا الأول؟
وقبل أن أسأله "لماذا؟" واصل:
- لأنه في الحب أكثر من أي شيء آخر, لابد أن تكون لك علاقة ثقة بالقدر. أن تتركي له مقود سيارتك. دون أن تعطيه عنوانا بالتحديد. أو تعليمات صارمة, بما تعتقدينه أقصر الطرق. وإلا فستتسلى الحياة بمعاكستك, وتتعطل بك السيارة. وتقعين في زحمة سير.. وتصلين في أحسن الحالات متأخرة عن أحلامك!
قلت:
- إن أمرا كهذا يتطلب كثيرا من الصبر. وأنا امرأة لا تعرف الانتظار.
أجاب:
- أنت لم تعرفي الحب إذن!
قلت:
- بل عرفته.. ولكن معرفتي به لم تزدني إلا عجلة. ولهذا ربما.. كثيرا ما أخطأت. علمني الحب أن لا أصدقه فما استطعت. وعلمني أن أتعرف إليه قبل أن أحتفي به, فما استطعت. مازلت أمام قطار الحب, أرى في كل نازل قدومه, فأحمل عنه أمتعته, وأسأله عن رحلته, وعن مهنته, وعن أسماء المدن التي مر بها, والنساء اللاتي مررن به, ثم أكتشف وهو يحادثني, أنه أخطأ بين قطارين وجهته.. فأذهب نحو حب آخر, وأتركه مذهولا من أمري جالسا على حقيبته!
كان يستمع إلي بشيء من الاهتمام, الذي قد يكون سببه احتمال أن يكون هو أيضا, في تلك اللحظة جالسا على حقيبته.. دون علمه.
ألهذا قال وهو ينفض رماد سيجارته في المنفضة ببطء مدروس:
- أتمنى أن تغادري بعد الآن هذه المحطة..
ساد بيننا شيء من الصمت, الذي لم أعرف كيف أكسره سوى بسؤال بدا لي ساذجا بعد جملة كهذه.
كان الأصح أن أقول "كيف؟" ولكنني سألته:
- لماذا؟
وجاء الجواب مباغتا في صرامته:
- لأنني آخر راكب ينزل من هذا القطار. لقد كان الطريق إليك طويلا. بعدي توقفت كل الرحلات. فلا تنتظري شيئا يا سيدتي.. لقد أعلنتك مدينة مغلقة!
كيف يمكن لامرأة أن تقاوم رجلا ثملا بهذا القدر من الكبرياء؟
وهل ثمة أجمل من حب يولد بشراسة الغيرة, واقتناعنا بشرعية امتلاكنا لشخص ليس لنا.. نراه لأول مرة!
كان على قد من إغراء الرجولة في تلقائيتها. وهو يلفظ هذا البلاغ العشقي الأول بهدوء مربك في ثقته, بحيث لم يبق من مجال لسؤال منطقي مثل "بأي حق تقول هذا؟" فقد وقعت بجملة, تحت سطوة الحب وجنونه, ورحت أتبادل معه حوارا خارج المنطق:
- ولكنني لا أعرف عنك شيئا..
- هذا أجمل.
- ولا تعرف عني أكثر من وهم الموسلين..
- لا يهم..
- وتعتقد أنك قادر على إيقاف صفير القطارات وندائها السري داخلي..؟
- قطعا..
- وهل تظن أنه من السهل أن نكون عاشقين.. في هذا الزمن المضا للحب؟
- طبعا
- ولكننا نذهب نحو تورط عشقي..
- حتما يا سيدتي!
- وقبل أن أجمع دهشتي لأضيف شيئا. كان يرفع يده ويطلب من النادل الحساب.. وسيارة أجرة.
وما هي إلا دقائق حتى كنا متجهين معا صوب فراق, ونحن بعد مقبلان على حب.
عطره كصوتي. لم يكن هذه المرة مرتفع النبرة.
سألته:
- متى نلتقي؟
أجاب:
- سأتصل بك.
لم يترك لي من فسحة سوى لعلامة تعجب.
- تتصل بي؟ كيف؟
وجاء الجواب هادئا:
- لا تقلقي.. أعرف كل شيء.
- ولكن..
- أعرف.
كانت السيارة تنزل بنا نحو ضجيج قسنطينة الاعتيادي.
وكنا منعطفا بعد آخر نتسلق حبا شاهقا في صمته التصاعديّ.
فجأة, طلب من السائق أن يوقفه أمام ضوء أحمر, ومدّه أمام دهشتي بورقة نقدية.. وبعنواني كاملا, طالبا منه أن يوصلني حتى الباب. ثم انحنى نحوي وكأنه سيضع قبلة على خدّي.. ولكنه لم يفعل. همس في أذني: "من الأحسن أن لا نعود معاً؛ هذا أكثر أمانا لك" ثم أضاف كمن نسي شيئاً: "سأشتاقك".
وغادر السيارة.. ليتركني تحت وقع المفاجأة.

* * * *

Najma
29-08-2007, 04:17 PM
هو الحب إذن..
دوماً.. يقدم لي أوراقه الثبوتية على هذا النحو.
في حالة من انسياب العواطف, يأتي رجل لا أحتاط من بساطته, أطمئن نفسي بكونه ليس هو الأجمل, ولا هو الأشهى, وفي تلك اللحظة التي أتوقعها الأقل, يقول كلاما مربكا, لم يقله قبله رجل. وإذ به يصبح الأهم.

غالبا.. وأنا ألهو باندهاشي به تبدأ الكارثة.
الحب ليس سوى الوقوع تحت صاعقة المباغتة!

مرةً أخرى.. ها هو ذا يذهب ويتركني معلقة إلى علامات الاستفهام. تنتابني حالة لم أعرفها من قبل: مزيج من أحاسيس عجيبة تفاجئني وأنا أغادر تلك السيارة, وأسرع نحو البيت ببراءة امرأة عائدة من السوق, أو من زيارة, لا من موعد في مكان لا تعرفه مع رجل لا تعرفه. ولكنه يعرفها!

أغلق باب غرفتي. أخلع بسرعة ثوبي الأسود, وكأنني أخلع تهمة على عجل.
أجلس على طرف سريري منهكة, مبعثرة تائهة النظرات. أحاول أن أفهم ما حدث لي تماما, أن أستعيد كل الذي قاله ذلك الرجل في ساعة ونصف, كل تفاصيل حوارنا الذي لم يسألني فيه سوى سؤال أو سؤالين, بينما طاردته أنا بالأسئلة دون جدوى, ما دمت قد عدت في النهاية بأسئلة أكثر , لم أكن أتوقع معظمها. ليس أقلها: من يكون هذا الرجل؟ ومن أين له كل تلك المعلومات؟ وكيف يعرف حتى عنوان بيتي؟

طبعًا, في منطق الأشياء كان يجب أن أعرف عنه أكثر مما يعرف عني, مادام ليس إلا بطلا في قصتي.
ولكن, أصبح إبداعي الآن يقتصر على التحايل عليه, لاكتشاف قصتي الأخرى وهي تُروى على لسانه. كتلك اللحظة التي حدّثني فيها عن موعدنا الأول, وعن ثوب الموسلين الأسود الذي كنت أرتديه يومها. وكان يمكن أن أصدق احتمال لقاء كهذا.. لو أنه كان يوجد في خزنتي ثوب من الموسلين الأسود.
ولم أقاطعه عمدا, ولا علقت على كلامه؛ اكتفيت بالاستماع إليه باندهاش مستتر, وربما بغيرة سرية من تلك المرأة التي فجّرت فيه يوما كل هذه الأحاسيس الجميلة.

قادتني هذه الفكرة إلى اكتشاف فاجأني.

لقد ولدت قصتي معه, أيضا في لحظة غيرة. فقد كان هو الرجل الذي كنت أبحث عنه لأقيس نفسي به. ولذا منذ البدء لم يفارقني إحساس بالغيرة منه والغيرة عليه, ورغبة في قتل تلك المرأة والحلول محلها, دون أن أترك بصماتي على عنق الكلمات.


منذ البدء, لا هاجس لي سواها. حتى إنني سألته مرتين إن كان في حياته امرأة, وأجابني في المرتين بالنفي. وربما كان هذا أجمل ما قال لي.
طبعًا لم يكن هناك من مبرر لسعادتي؛ فأنا ما زلت أذكر ذلك الذي سألته في أول موعد لنا: "هل في حياتك امرأة؟" وأمام فرحتي بجوابه, أضاف "لا تفرحي.. من الأفضل أن تحبي رجلاً في حياته امرأة.. على أن تحبي رجلاً في حياته قضية. فقد تنجحين في امتلاك الأول, ولكن الثاني لن يكون لك.. لأنه لا يمتلك نفسه!".

ولم أمتلكه. أخذته مني تلك القضية إلى الأبد. ولا استفدت برغم ذلك من نصيحته: ما زلت في الحياة أحب الرجال الذين في حياتهم قضية, وفي الروايات, أحب الأبطال الذين في حياتهم امرأة.
وكان أجدر بي.. لو فعلت العكس!


ذات لحظة, راودني احتمال أن يكون في حياة هذا الرجل أيضاً قضية ما, تبرر حزنه الباذخ, ونوبات صمته, ونزعته إلى التهرب من الأسئلة. وهي صفات كثيراً ما خبرتها في هذا النوع من الرجال.
ولكنني استبعدت احتمالاً كهذا. فقد انتهى زمن القضايا الكبيرة, والقضايا الجميلة, التي كانت تجعل جيلا كاملا من الرجال يبدو أكثر عنفوانا وتألقا مما هو.

في الدكاكين السياسية, التي يديرها حكام زايدوا علينا بدهاء في كل قضية.. باعونا "أم القضايا" وقضايا أخرى جديدة, معلبة حسب النظام العالمي الجديد, جاهزة للالتهام المحلي والقوميّ. فانقضضنا عليها جميعا بغباء مثاليّ. ثم متنا متسممين بأوهامنا, لنكتشف, بعد فوات الأوان, أنهم مازالوا هم وأولادهم على قيد الحياة يحتفلون بأعياد ميلادهم فوق أنقاضنا .. ويخططون لحكمنا للأجيال القادمة.

ولذا.. منذ "تلك القضية" انقرض الحالمون, وسقط فرسان الرومانسية من على خيولهم!

توصلني هذه الخواطر إلى زوجي الذي لم أمتلكه أيضاً. لا لكوني أقتسمه مع امرأة أخرى "شرعية".ولكن لأنه ملك للمسؤولية. ولأن الكرسي هو قضيته الوحيدة.

في النهاية, أكاد أصل إلى نتيجة مخيفة: الحب قضية محض نسائية. لا تعني الرجال سوى بدرجات متفاوتة من الأهمية, بين عمرين أو خيبتين, وعند إفلاس بقية القضايا "الكبرى".

أمن هنا يأتي حزن النساء.. أمام كل حب؟

فجأة ينتابني إحساس بالخوف من هذه القصة التي ستؤلمني حتماً. وبرغم ذلك أتوقع أن أنجرف نحوها دون رادع, ودون الاستفادة من كل ما تعلمته في الحياة.
في مواجهة الحب, كما في مواجهة الموت, نحن متساوون. لا يفيدنا شيء: لا ثقافتنا.. لا خبرتنا.. ولا ذكاؤنا.. ولا تذاكينا.
نذهب نحو الاثنين. مجردين من كل الأسلحة.. ومن كل الأسئلة.
وأنا التي واجهت الحب عزلاء دائما, أتوقع أن يأخذ بعين الاعتبار, شغفي بهزائمه. ويعوضني عن ل خسارة معه بخسارة جميلة أخرى.
ولذا لم يعنني يوما, أين هو ذاهب بي حصان الحب الجامح. مادامت حريتي معه تقتصر على الموت بسببه.. أو الموت دونه!

ما يشغلني حقا هو كيف أواصل كتابة هذه القصة بالنزاهة نفسها.
كيف لي بعد الآن, أن أكون الراوية والروائية لقصة هي قصتي. والروائي لا يروي فقط. لا يستطيع أن يروي فقط. إنه يزور أيضا. بل إنه يزور فقط. ويلبس الحقيقة ثوبا لائقا من الكلام.
ولذا فإن كل روائي يشبه أكاذيبه, تماما كما يشبه كلّ امرئ بيته.

وصلت إلي هذه الفكرة وأنا أتذكر ما قرأته عن الكاتب الأرجنتيني بورخيس الذي أصبح أعمى تدريجيا, والذي كان عندما يصل إلى مكان, يطلب من مرافقه, أن يصف له لون الأريكة, وشكل الطاولة فقط. أما الباقي, فكان بالنسبة إليه "مجرد أدب". أي بإمكانه أن يؤثثه في عتمته.. كيفما شاء.
عندما تعمقت في منطقه, اكتشفت أن كل رواية ليست سوى شقة مفروشة بأكاذيب الديكور الصغيرة, وتفاصيله الخادعة, قصد إخفاء الحقيقة, تلك التي لا تتجاوز, في كتاب, مساحة أريكة وطاولة. نفرش حولها بيتا من الكلمات, منتقاة بنوايا تضليلية, حد اختيار لون السجاد.. ورسوم الستائر.. وشكل المزهرية.

ولذا.. تعلمت أن أحذّر الروائيين الذين يكثرون من التفاصيل: إنهم يخفون دائما أمراً ما!
تماماً, كما يحلوا لي أن أتسلى بقراء يقعون في خدعتها, بحيث لا ينتبهون لتلك الأريكة التي يجلسون فوقها طوال قراءتهم لذلك الكتاب متربعين على الحقيقة.
منذ الأزل.. وأنا أبحث عن قارئ يتحداني, ويدلني أين توجد "الطاولة" و"الأريكة" في كل كتاب!
زوجي مثلاً, لم يوفق يوما في تمييز الأثاث الحقيقي عن الأثاث المزيف في أي نص كتبته. ولذا أصبح يبدي انزعاجه من جلوسي لساعات أمام طاولة الكتابة, بدل تخصيص هذا الوقت لطفل لا يأتي, دون أن يعترف تماما بأن ما يزعجه هو الكتابة في حد ذاتها. كعمل مواجهة, ومراوغة صامتة. لم يستطع _ برغم إمكانياته البوليسية_ التجسس على مصداقيتها.
وبدل أن يواجهني بحقيقة أفكاره, راح يوجّهني من طبيب إلى آخر. ويبعث بي من مدينة إلى أخرى, ليحوّل الأمومة مشكلتي وقضيتي الأولى.
لم أعد أذكر كم زرت من الأطباء بتوصيات خاصة, وكم من أضرحة للأولياء أجبرتنني أمي على التبرك بها.

سنتان وأنا أرافقها دون اقتناع. وحتى دون رغبة حقيقية في "الشفاء" من عقمي.
يمكنني أن أقول بأنني كنت أذهب فضولاً.. وربما استسلاماً لا أكثر.
أحيانا, أحب استسلامي. يمنحني فرصة تأمل العالم دون جهد. وكأنني لست معنية به.
في الواقع, أثناء ذلك أكون في حالة كتابة.. صامتة.
كهذا المساء, أتوقع أن أمارس عادتي في الكتابة, صمتًا, وأنا أت... على زوجي, وهو يخلع بذلته العسكرية, ليرتدي جسدي للحظات, ثم.. يغرق في النوم.

دوماً, كان ضابطاً يحب الانتصارات السريعة حتى في سرير.
وكنت أنثى تحب الهزائم الجميلة, والغارات العشقية التي لا تسبقها صفارات إنذار.. ولا تليها سيارات إسعاف, وتبقى إثرها جثث العشاق أرضاً.
بي افتتان بقصف عشوائيّ, يموت فيه الأبرياء عشقاً.. على مرمى اشتهاء, دون أن يكون لهم الوقت ليسألوا: لماذا؟
تمنيت أحيانا, لو أنه مارس الحب معي دون أن يخلع بذلته. ربما كان ببذلته تلك, فتح له طريقا إلى جسدي بالقوّة.
فقد كنت دائما مأخوذة بقوته.
ولكنّه هذه الليلة أيضاً لن يفعل. لأنه يخاف عليها أن "تتجعلك".
وربما –فقط- لأنه رجل بلا خيال. بل بالأحرى هو ينفق خياله وذكاءه خارج هذا السرير.
في النهاية, الرجال الذين خلقوا لكرسيّ, لم يخلقوا بالضرورة لسرير. والذين يبهروننا بثيابهم ليسوا الذين يبهروننا بدونها.
والمشكلة أننا نكتشف هذا فيما بعد!
الليلة أيضاً, سأسترق النظر إليه وهو يخلع قوته ويرتدي منامته.
وأستعيد دون قصد ذلك الحوار الجميل في مسرحية ألبير كامو "حالة حصار".
- اخلع ثيابك!.. عندما يغادر رجال القوة بذلتهم لا يكونون جميلين للرؤية.
ويأتي الجواب:
- ربما.. ولكن قوتهم تكمن في اختراعهم لتلك البذلة!

طبعا.. فاللباس ليس سوى "الإشعار" الذي نريد إيصاله إلى الآخرين. ولذا ككل إشاعة, هو يحمل دائما نية التضليل, حسب منطق ذلك الرجل الباذخ الحزن, والذي يرتدي الفرح إشاعة.
وهكذا, تكمن عبقرية العسكر, في اختراعهم البذلة العسكرية التي سيخيفوننا بها.
ويكمن دهاء رجال الدين, في اختراعهم لثياب التقوى التي سيبدون فيها وكأنهم أكثر نقاءً وأقرب إلى الله منّا.
وذكاء الأثرياء, في اختراعهم توقيعات لكبار المصممين. كي يرتدوا من الثياب ما يميزهم عنّا, ويضع بيننا وبينهم مسافة واضحة!
وهو.. لماذا تراه اختار الأسود؟
أم ليأتي مطابقا للون جئته فيه مصادفة. واختارته لي الحياة بنية التضليل, كي أعطيه إشعارا كاذبا.. بأنني "هي"!



* * * *

Najma
29-08-2007, 04:18 PM
عشرة أيام من الترقب الصامت.
حاولت خلالها أن أتجاهل أنني أنتظر شيئا. ولكنني لم أستطع أن أفعل غير ذلك.
كنت لسبب غامض, واثقة من أنه سيتصل بي, بطريقة أو بأخرى. ولكن الحياة كانت تكذب حدسي يوما بعد آخر.
هو نفسه لم يقل شيئا وهو يودعني عدا "سأشتاقك".
كان رجلا يعيش خارج الزمن. فكيف وجدت في هذه الكلمة وعداً بشيء ما؟
كان اليأس يتسلل إلي تدريجيا, ليكتسح مساحات شاسعة, ملأتها أملا. حتى إنني أصبحت لا أغادر البيت خوفا من أن يأتي ه...ه أثناء غيابي.
ولكن اله... لم يكن يحمل سوى ثرثرة أمي ومشاريعها العادية.
منذ قليل طلبتني لتخبرني بأنها ستحضر لقضاء اليوم معي, مستفيدة من تغيب زوجي ليومين.
ما إن فتحت لها الباب.. حتى أطلقت علي وابل أسئلتها وهي تتأملني مذعورة كعادتها:
- واش بيك يا بنتي.. زيّك ما عجبنيش..
"ماذا بي؟" أكاد أضحك لسؤال كان لابد أن تطرحه عليّ بالمقلوب, على طريقة ذلك الرجل, كي أجيبها عما ليس بي. فذلك أسهل عليّ.
أصمت لأنها في جميع الحالات لن تفهم.
تواصل:
- راني جبت لك معاي شوية "بسيسة" حمصتها لك البارح.. درُك ندير لك بيها صحن "طمّينة".. غير تاكليها تولّي زي الحصان..
من قال لأمي أنني أريد أن أصبح مثل الحصان؟

هذه المرة لا أمنع نفسي من الابتسام وأنا أراها تهجم على المطبخ, معتقدة أن مشكلتي هي الأكل لا غير؛ وان لا احد يهتم بي ويطبخ لي ما أحب.
ولأنني حدث أن أحببت يوما هذه "الطمينة" فستظل أمي تطاردني بها حتى أخر أيامي, أو أخر أيامها.
والطمينة هي صحن مكون من خليط من العسل والسمن وطحين الحمص. وهي تقدم للنفساوات ليستعدن قوتهن بعد الوضع. وتقدم أيضا للضيوف الذين يأتون ليطمئنوا إلى النفساء. وربما يكون اسمها قد جاء من هنا.
ولا اذكر كم من كميات أكلت من هذه "الطمينة", مع فطور الصباح وقهوة بعد الظهر, دون أن أتساءل مثل اليوم أكانت أمي تعدها لي كل فترة بنية تغذيتي أم بنية استدراج القدر كي تحل البركات في هذا البيت وتسعد يوما بتقديم "طمينتها" لضيوف سيأتون ليطمئنوا إلي.. والى حفيدها!
حول فنجان قهوة, وصحن طمينة, ها نحن نجلس لنطمئن إلى بعضنا بعضا, وكأننا لم نتحدث يوميا على اله..., أو كان في هذه المدينة ما يستحق الحديث كل يوم.
تسألني عن أخبار زوجي. أجيب انه جيد. وأكاد لا أجيب. مرة أخرى أتذكر فلسفة ذلك الرجل الذي كان يجيب بالصمت عن الأسئلة ال...ة. لأن الناس يسألونك عن أخبار زوجتك.. لا عن أخبار المرأة التي تحب.
ولكن كيف لأمي أن تسألني عن أخبار رجل لا أعر أنا نفسي اسمه, ولا تعرف هي أنه حبيبي.
وماذا تراها ستجيب لو قلت له في نوبة جنون, إنني أحب رجلاً آخر.. غير زوجي؟
تراها عرفت الحب لتفهمني. هي التي لم تعرف حتى معنى الزواج. وتحملت نتائجه فقط.
كم مرة تراها مارست الحب في حياتها؟ خمس سنوات من الزواج. كانت خلالها تسكن في بلد وأبي في آخر. ولم يكن يعود من الجبهة إلى تونس, إلا مرة كل بضعة أشهر, ليقضي معها بضعة أيام لا أكثر, يعود بعدها إلى قواعد المجاهدين. حيث كانت تنتظره مسؤولية إدارة العمليات في الشرق الجزائري.
ذات يوم, ذهب ولم يعد. كان له أخيرًا شرف الاستشهاد, ولها قدر الترمل في العمر الذي تتزوج فيه الأخريات.
في الثالثة والعشرين من عمرها, خلعت أمي أحلامها. خلعت شبابها ومشاريعها, ولبست الحداد اسمًا أكبر من عمرها ومن حجمها. لقد وقعت في فخ الرموز الكبرى, بعدما وقعت قبله في فخ الزواج المدبر. وهذه المرة أيضا لم يستشرها أحد, إن كان هذا الاسم الكبير يناسبها ثوبا أسود حتى آخر عمرها, وإن كانت تفضل أن تكون زوجة لرجل عادي, أو أرملة لرمز وطني. لقد وجدت نفسها أمام الأمر الواقع, بطفلين صغيرين.. واسم كبير!
ومنذ ذلك الحين, وهي تواصل طريقها هكذا, بجسد ليس لها, وبقدر يرضي كرامة الوطن, الوطن الذي يملك وحده,متى شاء, حق تجريدك من أي شيء, بما في ذلك أحلامك, الوطن الذي جردها من أنوثتها, وجردني من طفولتي.. ومشى.
وها هو ذا, يواصل المشي على جسدي وجسدها, على أحلامي وأحلامها, فقط بحذاء مختلف. إذ لبس معي جزمة عسكرية.. ومعها حذاء التاريخ الأنيق.
أتأملها في أنوثتها المعطوبة, في جمالها المسالم, في مرحها البسيط الذي يجاور الحزن. ها هي ذي غامضة وهادئة كالجوكوندا. وأنا أكره الجوكوندا. أكره الملامح الهادئة, والأنوثة المسالمة,والأجساد الباردة. فمن أين جاء أمي كلّ هذا الصقيع؟ أمن استسلامها للقدر أم من جهلها؟
ومن أين جاءتني أنا كلّ هذه الحرائق؟ أمن تمردي على كل شيء؟ أم من براكين الكلمات التي تنفجر داخلي باستمرار؟
وكيف يمكن لهذا الرماد الجالس أمامي ملتفا بملاءة سوداء.. أن يلد كل هذه النيران التي تسكنني؟
يقول مثل: "النار تلد الرماد" وكثيرًا ما تكذب الأمثال! ها هو ذا مسحوق الرماد. يلد كلّ هذا الجمر, كلّ هذه السيول النارية التي أحرقت في داخلي كلّ شيء, كلّ القناعات الجاهزة, كل الأكاذيب التي توارثتها النساء.
توصلني أفكاري من جديد إلى ذلك الرجل. وتراودني فكرة حاولت مقاومتها منذ عشرة أيام. فأستفيد من وجود أمي لأقترح عليها مرافقتها صحبة السائق حتى البيت. وهكذا يمكنني أثناء العودة أن أطلب منه التجول بي في المدينة.
وأدري أن إمكانية العثور على ذلك الرجل في مدينة كهذه, ضئيلة جداً. ولكن لماذا لا أحاول؟ فأنا لا أخسر شيئًا سوى بعض الوقت. وهو الشيء الوحيد الذي أملك من رتابته, ما يفوق قدرتي على الإنفاق.
وهكذا بسرعة, كنت قد ارتديت فستاناً جميلاً. وتزينت تهيؤاً للقاء محتمل.


ها أنا في سيارة رسمية. أجلس جوار سائق سلّمته مقود القدر.
أشعر براحة, لأنني لم أجهد نفسي في البحث عن مكان لهذا الموعد. مادامت التفاصيل الصغيرة مهمة القدر, فلأترك للقدر إذن حقّ التصرف, أو التسلي ببرنامجي.
لن أتدخل هذه المرة إطلاقاً لأختار وجهة السائق, أو أقترح عليه بالتحديد, الطريق الذي سيسلكه ليوصلني إلى قدري.
تركض بي السيارة نحو المجهول. السائق الذي يعرفني ويعرف هذه المدينة جيدا, يعجب لأمري. ولا يفهم طلبي العجيب "خذني حيث شئت.. أريد أن أت... على المدينة".
إنه مجرد جندي متقاعد, تعوّد أن يتلقى الأوامر فينفّذها, وليس مؤهلا لأداء دور القدر. ولذا لا يفهم أن .... معه وصفة ذلك الرجل نفسها, عندما طلب من سائق غريب أن يأخذنا حيث شاء, ويمنح القدر فرصة قيادة سيّارتنا.
فجأة سألني وقد لفّ بي نصف شوارع المدينة, متوهما أنني أريد أن أت... على واجهات المحلات:
- ودُرك.. وين نروحوا؟
حاولت أن أستدرجه لاختيار مكان بالتحديد؛ قلت:
- والله ماني عارفة يا عمي أحمد.. راني شوية قلقانة إذا عندك بلاصة تحبّها أنت.. اديني ليها.
أجاب ظقد فاجأه طلبي:
- أنا نحب كل شيء في قسنطينة.. راني ولد البلاد.
رحت ألح في حشره:
- وواش تحبّ أكثر في قسنطينة؟
أجاب بعد شيء من الصمت:
- نحب القناطر.. ما كان حتّى بلاد عندها قناطرها..
أصابني جوابه بشيء من الخيبة. ولكنني احترمت قانون اللعبة, وقلت:
- إديني نحوّس في كاش قنطرة تحبّه..
وراحت السيارة من جديد, تسرع بي من جسر وهم إلى آخر, معلقة بين السماء والأودية التي يتدحرج نحو هاويتها أملي الضئيل في العثور على ذلك الرجل.
لقد قال أنه لا يحب الجسور. وربما قال إنه لم يعد يحبها. فلماذا جئت أبحث عنه فوقها؟
أتمادياً في نزاهتي مع القدر, كي أثبت له حسن نيتي وثقتي المطلقة به؟
أم لأنني اعتقدت برغم ذلك –أو بسبب ذلك- قد أجده هناك, وأنه يحدث أن نتردد على الأماكن التي لم نعد نحبهاو فقط لنبرر كراهيتنا لها, ونتأكد من أننا على حق؟ وهو تصرف يشبهه تماماً!
في الواقع, كنت لا أصدق كراهيته لهذه الجسور. وبرغم ما قاله أحسه مشابهاً لذلك الرسام الذي عرفته في الماضي.. والذي كان مهووساً بها حدّ الجنون.
أذكر أنه كان يحبني بقدر حبه لها, ويصرّ على كوني أشبهها كلّما رسمها.
وأنا لم أكن أحبها, ولا كنت أشبهها. كنت أحبه, وأشبه صديقه الشاعر لا غير.
أو ربما بالعكس, كنت أشبهه هو, وأحب صديقه. أو على الأصح, كنت أشبه نفسي.. وأحبهما معاً.
فافترقنا. كان هناك حب زائد في قصتنا. وكان ثمة قدر مضادّ.
مات الشاعر ميتة فلسطينية.
وتزّوجت تلك الفتاة.. زيجة قسنطينية.
واختفى الرسام, وكأنه قرر أن يموت أيضاً على طريقته غيابياً.
كان من الممكن أن يعود, تحت أيّ مبرر, فقد كان رجلاً لا يغلق في وجهه باب. ولكنه لم يعد.
مضى كما جاء دون ضجيج. وترك لي لوحة معلقة على جدار غرفة الاستقبال. عليها جسر معلق كقصتنا.. بحبال من حديد.

قبل هذه اللوحة لم أكن أحب الجسور الحديدية. تلك الشاهقة, كسؤال لا يطاله جواب. والآن أيضاً, وأنا أرى هذا الجسر خارج تلك الألوان الزيتية التي تعودتها, تعاودني كراهية غامضة له.. لم أجد لها يوماً سبباً منطقياً.
طلبت من السائق أن يتوقف, عساني أعثر على جواب لهذا الإحساس, أو ربما عثرت على ذلك الرجل هنا وسط عشرات الناس العابرين.
يحدث للحياة أن تهدي إليك الشيء الذي تحبه الأكثر, في المكان الذي تكرهه. فلطالما أذهلتني الحياة بمنطقها غير المتوقع.
أفتح باب السيارة من الجانب المطل على الجسر. أقترب من سوره الحديديّ, فتفاجئني قسنطينة كما لم أرها يوماً من جسر: هوّة من الأودية الصخرية المخيفة, موغلة في العمق, تزيدها ساعة الغروب وحشة.
أتذكر وأنا أرى الناس حولي يسرعون في كلّ الاتجاهات, وكأنهم يخافون الجسور, أو كأنهم يخافون ليل قسنطينة, تلك القصيدة لوولت ويتمان (على جسر بروكلين):
"المدّ الصاعد تحتي, وأراك وجهاً لوجه!
غيوم من الغرب
والشمس ما تزال هناك لنصف ساعة أخرى
وأراك وجهاً لوجه
حشود من الرجال والنساء يتنكرون
في ثيابك العادية,
ما أغربكم في عينيّ!

يعاودني فجأة إحساسي الدائم بالدوار. وقدماي تكادان لا تحملانني. وأنا أقف مذعورة على علوّ سبعمائة متر, أستعيد رجلاً رحل.. وأنتظر آخر لن يأتي.
أسعد لأن السائق غادر السيارة, ووقف ليرافقني حيث لا تثير وقفتي العجيبة فضول المارة, الذين لم يتعودوا رؤية سيارة رسمية تقف وسط الطريق, لتخرج منها امرأة غريبة الأطوار تريد الت... على جسر!
أشعر برغبة في مدّ حديث مع السائق الذي أشعل سيجارة ووقف يتأمل الجسر.. وكأنه يكتشفه.
رحت أحدّثه وكأنني أريد أن أبرر جنوني هذا.
قلت:
- تعرف يا عمي أحمد.. هاذي أول مرة نجي فيها هنا..كلّ ما نوقف قدام قنطرة.. تجيني الدوخة.. القناطر تخوفني.
رد بنبرة الأبوة:
- ما تخافيش يا بنتي.. المؤمن ما يخاف غير من ربي.
واصلت وكأنني أعاتبه على اختياره لهذا المكان:
- ما على باليش علاش تحب القناطر.. نقولك الصحّ.. أنا نكرها.
أجابني بمنطق البسطاء:
- حتى واحد ما يكره بلادو.. واش تكون قسنطينة بلا قناطرها..
إيه لو تنطق هاذ القنطرة يا بنتي..
وصمت, فتركته لصمته.
قررت أن لا أجادله: منطق المسنين والبسطاء يجردك من منطقك. من الأفضل ألا تجادلهم في عمر من القناعات. لأنهم في جميع الحالات أصبحوا أكبر من أن يغيروا رأيهم!
فجأة.. قال وكأنه تنبه لشيء:
- هيا نروحوا..
تنبهت بدوري إلى تقدم الوقت بنا. فأجبته:
- صح.. راح يطيح الليل!
سبقني كعادته, بينما رحت ألقي نظرة أخيرة على تلك الأودية القاحلة, وكأنني أودعها بعدما تأكد لي الآن تماماً أنني أكره هذا الجسر, وأن فضولي تجاهه قد مات تماماً, كأملي في لقاء ذلك الرجل الذي قضيت أكثر من ساعتين, وأنا أجوب هذه المدينة في البحث عنه دون جدوى.
شعور عارم بالخيبة, كان يزيد حزني. وقد خسرت تلك المراهنة الجنونية التي أبرمتها مع القدر.
أجئت هنا سابقة أم متأخرة عن الحب, فلم أجد أحداً؟
أم لست أنا التي تقدمت أو تأخرت, بل القدر هو الذي كان دقيقاً هذه المرة في توقيته.. كما هو الموت؟!
فجأة, خطفتني من أفكاري طلقات نارية انطلقت على مقربة مني. وهزني دويّها بقوة مباغتة, حتى لكأن رصاصها اخترقني.
انتفضت. والتفت مذعورة خلفي. فلم ألمح سوى شابّ, أصبح على عدة أمتار مني, يركض كسهم وسط الناس, ويختفي عند زقاق يتفرع من الجسر.
بحثت عن عمي أحمد. فلم أره داخل السيارة. ولا خارجها.
تقدمت خطوات نحو الجهة الأخرى. إذ بجسده ممدد على الأرض ودم ينزف من رأسه وصدره.
شعرت أنه يكاد يغمى عليّ, أو أنني أريد أن يغمى عليّ, كي أفقد وعيي ولا أرى شيئاً مما يحدث حولي.
كانت رقعة الدم تتسع أمامي, وصوتي يضيع مني.
تجمع حولي المارة. سألي بعضهم ما الذي حدث. بينما البعض الآخر لم يكن في حاجة إلى سؤال أو تساؤل؛ لقد رأى بنفسه كلّ شيء, أو استنتج ذلك.

كنت أستمع إليهم يتحاورون. بعضهم يستغفر الله, عاتباً على دولة يتنقل فيها المسلحون بهذه الحرية. بعضهم يلقي نظرة دون تعليق ويبقى واقفاً لل...ة. أما أنا فأصبت بخرس الذهول. ولم أنطق إلا عندما وصلت أخيراً سيارة الأمن, لينزل منها شرطيان يشقان طريقهما بصفارة.
لم أجد ما أقول لهما وهما يسألانني عما حدث, سوى "خذوه إلى المستشفى.. أرجوكم خذوه".
راحا يتفحصان حالته. رصاصة في الرأس وأخرى في الصدر. طلبا سيارة إسعاف, برغم كونه "لن يعيش" حسب رأي أحدهما.

Najma
29-08-2007, 04:19 PM
كان يبدو على سلوكهما توتر واضح. كانا في مقتبل العمر, ويمسكان بمسدسيهما بعصبية, وكأنهما منذ اللحظة التي اكتشفا فيها أنه ليس هنا من أمل في إنقاذه, أصبح همهما أن ينجوا بنفسيهما من تلك الحلقة البشرية التي التفت حولهما, والتي قد يكون بينها قاتل آخر, يحلم باقتناص رأس أي شرطي كان.
تأمل أحدهما السيارة, ثم رقمها بإمعان. استنتج بسرعة رتبة صاحبها ووظيفته. فذهب نحو ذلك الجسد الممد أرضاً, وأخذ المفاتيح من تلك اليد التي انغلقت عليها, وكأن عمي أحمد كان يريد أن يفتح السيارة على عجل ويهرب بي من خطر توقعه بحدسه العسكري, أو كأنه أراد أن يموت كأي جندي أثناء تأدية واجبه ممسكاً سلاحه.
فجأةً, أصبحت تلك السيارة الرسمية أهم من ذلك الرجل الذي قادها سنوات. والهروب بها أهم من إنقاذ هذا الرجل الممد في بركة دم.
لا أدري كم مر من الوقت, قبل أن تحضر سيارة الإسعاف المنتظرة. وقت بدا لي طويلا وغير منطقي.
أثناء ذلك كان أحد الشرطيين يقف على مقربة من الجريح شاهراً سلاحه, مطالبا الناس بأن يتفرقوا.
بينما كان الثاني يتفقد السيارة ومحتوياتها. ثم ما كادت تصل سيارة إسعاف عسكرية حتى حسم الأمر. فنقل عمي أحمد على عجل في سيارة الإسعاف. بينما تكفل أحد العسكريين بقيادة السيارة والعودة بها إلى البيت.. دوني.

جاءني أحدهم بعد ذلك طالباً مني مرافقته إلى المخفر, لأقدم شهادتي عن الحادث بكل ملابساته وتفاصيله.
وعبثًا حاولت إقناعهم بالسماح لي بمرافقة السائق في سيارة الإسعاف ولكنهم رفضوا, موضحين أنه ليس ثمة ضرورة لوجودي.
سألت "إلى أين تذهبون به؟". فأجابني أحدهم بشيء من العصبية "إلى المستشفى العسكري". فهمت أنه ليس هناك من مجال لأي نقاش أو جدل.
كنت أراهم ينقلونه نحو سيارة الإسعاف, يضعونه على ناقلة جرحى ويوشكون أن يمضوا به. انتابني شعور بأنني لن أراه ثانية بعد الآن, وأن ذلك الباب ربما سينغلق عليه إلى الأبد.
ركضت نحو السيارة. ارتميت على يده ألثمها, اغرق وجهي ودموعي فيها, وكأنني أنقل إليه شيئا من الحياة. كأنني أتقاسم معه حياتي مادمت لم أتقاسم معه موته, أنا التي جئت به حتى هنا.
شعرت بأنني أقبل يد الموت, الموت الذي سيأخذه, والذي ينتظر الآن فقط بأدب, أن أرفع شفتيّ عنه ليسحبه ويمضي به.
سمعته يتمتم بكلمات لم أفهمها. وصلني منها شيء شبيه ب"ما عليهش يا بنتي" أو ربما "ما تبكيش يا بنتي.." ولكنني كنت أبكي,فبإمكاني الآن أن أبكي في هذه السيارة القبر.. بعيدا عن الأنظار.
استعجلني العسكري الذي كان ينتظر نزولي ليغلق الباب. ولم يعد بإمكاني إلا أن أغادر السيارة, ونظراته الفارغة تلاحقني, ويده التي تركتها تواً, بقيت متدلية تشير سبابتها بالشهادة.
تقذفني السيارة أمام باب المخفر.
تنتابني حالة لم أعرفها من قبل: مزيج من الحزن والذهول والذعر والغثيان, وأنا أواجه رهطاً من الناس, لم أصادف مثلهم في حياتي؛ أناس بمظهر مخيف, ووجوه مغلقة, ونظرات عدوانية, بعضهم في ثياب عادية, وآخرون ملتحون, يرتدون شعاراتهم داخل زي أفغاني. أحدهم حليق الرأس في بذلة رياضية, ويداه مشدودتان خلف ظهره بسلاسل حديدية. وآخر جالس دون وجه ولا ملامح, وآثار ضرب واضحة عليه.
بينما يتنقل العسكريون بلثام أسود, شبيه بجوارب صوفية تخفي رأسهم. فلا يبدو من وجوههم سوى ثلاثة ثقوب يتحدثون ويرون بها, دون أن يعرفوا.

أي كابوس هو هذا؟
أستنتج أن هذه القاعة العارية الجدران, المتسخة البلاط, البائسة المظهر, تجمع دون تمييز بين المجرم, والطالب المشبوه, والمواطن الذي جاء لسبب ما, والسارق الذي قبض عليه تواً.. وأنا!
أنا التي هنا, لأنني أحب رجلاً وهميًا, وأكره الجسور الحديدية, وأردت التأكد من كراهيتي لها, وإذا بي في قاعة كلّ أثاثها من حديد. يجلس خلف مكاتبها رجال من حديد, يستجوبون رجالاً آخرين, مكبلين بسلاسل حديدية.
هذا زمن الحديد إذن. وكان لابد أن أغادر دفتري لأكتشف هذا.
بعد لحظات من الوقوف, انتبه شرطي إلى وجودي ال... في ذلك المكان. فرافقني إلى مكتب جانبي صغير كي انتظر فيه.
سعدت بوحدتي, وباختلائي بنفسي للحظات, والهروب من تلك النظرات الفضولية التي كانت تتفحصني بشيء من العدوانية, التي لم أجد لها من مبرر, سوى أنوثتي أو اختلافي.
هذه مدينة ترصد دائما حركاتك, تتربص بفرحك, تؤول حزنك, تحاسبك على اختلافك.
ولذا عليك أن تراجع خزانة ثيابك, وتسريحة شعرك, وقاموس كلماتك, وتبدو عادياً, وبائس المظهر قدر الإمكان, كي تضمن حياتك. فهي قد تغفر لك كل شيء, كل شيء عدا اختلافك.
وهل الحرية في النهاية سوى حقك في أن تكون مختلفا!

ما لم أجد له مبرراً أيضاً, هو طول انتظاري في ذلك المكتب الصغير. وكان أمري لا يعني أحداً, أو كأن الجميع مشغولون عني بأمر أهم.
بين حين وآخر, كانت تصلني صرخات شاب, أتوقع انهم يقومون باستجوابه على طريقتهم, وهو ما زاد حزني وشعوري بالعجز والألم.
في لحظة ما.. توقعت أنهم ألقوا القبض على القاتل. ولكن كنت أشك في أمر كهذا. فلم يحدث أن ألقوا القبض على قاتل بهذه السرعة.
ثم حضر فجأة شرطي, وطلب مني مرافقته.
هذه المرة كان ينتظرني في مكتب مؤثث بلياقة أكثر, تتناسب مع رتبة الضابط الجالس خلفه, تعلوه صورة الرئيس ال...لي بن جديد.
نهض الضابط لمصافحتي وطلب مني الجلوس.
بادرته بالسؤال:
- هل عثرتم على القاتل؟
أجاب وهو يرتب بعض أوراقه:
- لا.. نحن نعتمد على شهادتك لمساعدتنا في ذلك.
أبتلع ريقي. يواصل:
- كلّ التفاصيل تعنينا. حاولي أن تتذكري كلّ شيء.
أجيب:
- لا.. أنا كنت أنظر نحو الجسر.. عندما سمعت طلقات نارية. وعندما التفت.. رأيت شاباً يركض ويختفي في الزقاق المتفرع عن الجسر.
- أتعتقدين أنه كان وحيداً.. أم أن أحداً كان بصحبته؟
أجيب:
- أنا لم أر إلا رجلا واحداً يركض. ولا أدري إن كان آخرون في انتظاره, أو في صحبته.
- كم تتوقعين أن يكون عمره تقريبا؟
- ربما بين العشرين والخامسة والعشرين..
- أيمكن أن تصفيه لي؟
- لا أعرف كيف أصفه.. أنا لمحته من الخلف.
- هل لاحظت أثناء مشواركم أن سيارة أو دراجة نارية تتبعكم؟
- لا أدري, فقد كنت مشغولة بالنظر أمامي. أدري فقط أنه أثناء وقوفنا عند الجسر كان هناك زحمة سيارات, وزحمة مارة, وأن البعض كالعادة, كان يتلفت بفضول وينظر إلينا.
- هل أطلتما الوقوف على الجسر؟
- لا أعتقد.. ربما بقينا هناك ما يقارب العشر دقائق لا أكثر. أذكر أن السائق قال لي فجأة "هيا نروحوا" وكأنه تنبه لشيء. ثم اتجه نحو السيارة.. وما كدت ألحق به حتى أطلقوا الرصاص عليه.
- هل من عادتك أن تترددي على هذا المكان؟
- لا.. إطلاقاً.
- هل أخبرت أحدا بمشوارك هذا؟
- لا
- الشغالة مثلا.. أما قلت لها أين أنت ذاهبة؟
- لا.. أخبرتها كالعادة أنني سأغادر البيت لا أكثر.
يتوقف قليلاً وهو يقلب ورقة صغيرة أمامه. ثم يسألني:
- وأخوك.. هل هو على علم بتنقلاتك؟
أجيبه دهشة:
- أخي؟.. ولكنه لا يقطن معي.
يجيب:
- أعرف ذلك.
ثم يواصل:
- هل لاحظت في الآونة الأخيرة تغيراً في سلوك السائق, شيئاً من العصبية أو شيئا من القلق الواضح في تصرفاته؟
- لا.. إنه رجل هادئ ومسالم. وكان أثناء مشوارنا الأخير يتحدث إلي بروحه المرحة ذاتها.
يواصل تسجيل بعض ملاحظاته على ورقة. ثم ينهض ويصافحني قائلاً:
- قد نتصل بك مرة ثانية إذا كان من ضرورة للتدقيق في بعض التفاصيل.
ثم يواصل:
- لقد علمت أن زوجك موجود في مهمة بالعاصمة. سأرسل له خبراً عن طريق الوزارة.. وأقدم له تقريراً حال عودته.
يرافقني نحو الباب, وطلب من عسكري مرافقتي إلى البيت, فأصافحه. وبصوت لم يعد صوتي أقول "شكرا" وأغادر عالم الحديد.. إلى عالم الذهول والفجيعة.

Najma
29-08-2007, 04:20 PM
مخيفة هي الكتابة دائماً. لأنها تأخذ لنا موعداً مع كل الأشياء التي نخاف أن نواجهها أو نتعمق في فهمها.
يوم بدأت هذا الدفتر ما كانت نيتي أن أفلسف الأمور حولي. ولذا أكتشف اليوم, أن موت هذا الرجل أكبر مني, يتجاوز حدود فهمي, يتجاوز منطقي, لأنه حدث خارج دفتري. أو بالأحرى على هامش صفحتي. في ذلك الخط الأحمر الدقيق الذي يفصل بين الحياة والكلمات.
العجيب والمؤلم في موته, أنه مات بسبب بطل وهميّ وكائن حبري, ولم يحدث للموت أن كان في متناول الكلمات, في متناول الوهم إلى هذا الحد!
ذلك الرجل الذي يكره الجسور, ويكره الأسئلة. أوصلني حبه إلى أسئلة لا جواب لها.
لماذا مات ذلك الرجل؟ لماذا اليوم؟ لماذا الآن؟ لماذا هناك بالتحديد؟ لماذا هو بالذات؟
كنت أستدرجه ليختار عنوانا لقدري, فأختار أنا عنوانا لقدره.
قلت له خذني إلى المكان الذي تحبه الأكثر في هذه المدينة, فسرق الموت سؤالي, وأوصله إلى جوابه الأخير.


من منّا المتهم الأول الآن في جريمة كهذه؟
القدر الذي سلمته مقود السيارة وأبرمت معه معاهدة ثقة.. فخانني؟
أم أنا التي رحت أطارد رجلاً وهميّاً, خارج حدود الورق, وإذا بي أحول لعبة الكتابة إلى لعبة موت؟
أم ذلك الرجل الوهمي, الذي أقنعني بأن أثق بالقدر, ثم تخلى عنّي, كي يلقنني درساً في كتابة القصص؟
كل الأسئلة أصبحت تختصر عندي في سؤال واحد:
موت هذا الرجل جريمة قدر..؟ أم جريمة أدب؟ وبالتالي إلى أية درجة أنا مسؤولة عن موته؟

ولكن الأمور بالنسبة إلى زوجي, الذي عاد على عجل في صباح اليوم التالي, لا يمكن أن تكون مبسطة إلى هذا الحد. ليس فقط لأنه يجهل القصة التي أكتبها وأعيشها, والتي أوصلتني إلى ذلك الجسر. ولكن لأنه قبل كلّ شيء رجل عسكري. والأسئلة التي تعنيه أسئلة محض بوليسية, لا مكان فيها للقدر, ولا للأدب. وها هي تنهال عليّ مشابهة لتلك التي سبق أن أجبت عنها البارحة. ولكن بنبرة عصبية مختلفة, وبإضافات جديدة هذه المرة.
- لماذا ذهبت إلى هناك؟ أجننت لتوقفي سيارة رسمية وسط الطريق وتنزلي لتت...ي على جسر.. وتتبادلي الحديث مع السائق على مرأى من الناس؟
- أردت أن أرى الجسر عن قرب لا أكثر.. لأنني أراه دائما على تلك اللوحة المعلقة في الصالون.. تلك التي أهداها إلينا الرسام خالد بن طوبال يوم زواجنا. وصادف أن مررت من هناك, فقلت لا بأس أن أنزل وأت... على الجسر, ما دمت أتجول وما دام أمامي بعض الوقت.
- تتجولين؟ أهذه مدينة للفسحة؟ أو هذا زمن للتجوال؟ البلد يعيش حالة حصار معلنة على كل التراب الوطني, وأنت تتجولين؟ ألا تقرأين الجرائد؟ ألا تتحدثين إلى الناس؟ كل يوم يقودون رجال الشرطة, يذبحونهم كالنعاج ويلقون بهم من الجسور..
- ولكن لا أفهم ما ذنب عمي أحمد في كل هذا؟
- إنه يقود سيارة عسكرية.. أي أنه عسكري!
- ولكنه لم يكن يرتدي زياً عسكرياً..
- لا يهم.. كان في خدمة الدولة.. وهذه تهمة كافية. إلا إذا توقعوا أنه أنا. وفي هذه الحالة كان لهم أكثر من سبب لقتله.
يصمت قليلاً ثم يطرح سؤاله الأهمّ:
-أين كنت تجلسين؟
أُتََمَتِمُ:
-جواره كما أفعل أحياناً.. [في الواقع كما أفعل دائماً].
نغرق معا في صمت فاضح. تذهب أفكارنا معا إلى الشيء نفسه.
في البدء, كان زوجي يحتجّ على جلوسي جوار السائق. ولكنني كنت, مع عمّي أحمد بالذات, عاجزة عن الجلوس خلفه. فقد كان يعيش معنا معظم الوقت كفرد من العائلة. وكان في حضوره شيء من الوفاء والطيبة التي تجعلني أخجل من إعادته خارج البيت, إلى مرتبة سائق وخادم يحمل أشيائي لا أكثر, هو الذي كان يوماً يحمل سلاحاً.
كنت أحترم ذاكرته الوطنية. أحترم يديه, وشعيرات رأسه الرمادية. ولم يكن يعنيني أن تكون قامته الفارعة توحي بأنه أصغر من عمره, حتى يبدو أحياناً قريباً في مظهره من زوجي. كما لم تعنني يوماً نظرات التعجب التي كانت تقابلني بها زوجات الضبّاط, عندما يفاجئنني جالسة إلى جواره.
في النهاية, خلافي مع زوجي قد يتلخص في هذا المقعد. فقد كان طموحه الجلوس خلف سائق في سيارة رسمية, وطموحي كان الجلوس جوار رجل في سيارة.
كان بين أحلامنا مسافة مقعد, لا أكثر. ولكن كانت المسافة أكثر شساعة مّما توقّعت. فأنا لم أكن أعرف قبل اليوم أن اختيارنا الجلوس في مقعد بالذات دون غيره قد يفضح اقتناعاتنا وطموحاتنا إلى هذا الحد, ولا أنه قد يتسبب في قتل رجل بريء, لأنه دون أن يغيّر مكانه, غيّر صفته ورتبته.

وها أنا إذن, أمام شرح آخر لموته, شرح لا يبرئني أيضاً من دمه, ما دمت بجلوسي جواره, حولته في نظر الآخرين من سائق إلى ضابط, وجعلته بالتالي هدفاً مفضلاً لرصاصهم.
أفكّر فجأة في غرابة القدر الذي أبدع هذه المرة في كتابة نهاية لحياة هذا الرجل, الذي عاش جندياً بسيطاً.. خمسين سنة. ثم مات برتبة ضابط كبير.
لقد بلغ أحلامه في اللحظة الأخيرة من عمره. ومات بتهمة أحلامه. وربما سعيداً بها. ألم يمت ضابطاً في المكان الذي يحبه الأكثر في قسنطينة؟ الجسور!
المكان نفسه الذي من الأرجح, أن يكون قد حارب فيه منذ ثلاثين سنة, وجازف فيه بحياته أكثر من مرة. ولكن الموت لم يأخذه يومها, لأنه لم يرده جندياً متنكراً في برنس المجاهدين, أو شهيداً في عملية فدائية. تلك ميتة عادية.
أرداه بعد ثلاثين سنة, جندياً يجلس في مقعد ضابط جزائريّ.. ليموت برصاص جزائريّ.
إن ميتة كهذه, وحدها ميتة استثنائية!

تذهب بي الأفكار بعيداً. بين السخرية والألم, أتوقف في محطات للنّدم.
لقد قتلت ذلك الرجل, لا بجنوني فقط, وإنما بطبيعتي أيضاً. وتواضعي المبالغ فيه الذي يجعلني أصر على الجلوس جواره, لأهدي إليه وهم التساوي بي.
في الواقع, التواضع كلمة لا تناسبني تماماً. أن تتواضع يعني أن تعتقد أنك مهم لسبب أو لآخر, ثم تقوم بجهد التنازل والتساوي لبعض الوقت بالآخرين, دون أن تنسى تماما أنك أهم منهم.
هذا الشعور لم أعرفه يوماً. لقد كنت دائما امرأة لفرط بساطتها, يعتقد كل البسطاء, وكل الفاشلين حولها أنها منهم.
ولم يكن من أمل في تغيري: لقد ولدت اقتناعاتي معي. أنا أحب هؤلاء الناس, أتعلم منهم أكثر مما أتعلم من غيرهم, أرتاح لهم أكثر مما أرتاح لغيرهم, لأن العلاقات معهم بسيطة, وأكاد أقول جميلة. بينما العلاقات مع الناس المهمين – أو الذين يبدون كذلك – هي علاقات متعبة ومعقدة.. أي علاقات فاشلة!
ولذا كانت لي مع ذلك الرجل علاقة, أكتشف الآن جمالية تلقائيتها.

* * *
موت عمي أحمد قلب حياتنا رأساً على عقب.
فأمام اقتناع زوجي بأنه هو الذي كان معنياً بذلك الاغتيال, قرر أن يأخذ تدابير أمنية جديدة. أولها الاستغناء عن سيارته الرسمية. والتنقل من الآن فصاعدا في سيارة عادية يغيّرها بين الحين والآخر.
ثانياً إحضار سائق جديد.. لن يرافقني إلا للمشاوير الضرورية, على أن أجلس خلفه هذه المرة, ولا أفتح معه أي حديث.
أما تنقلاتي فستقتصر هذا الأسبوع على زيارة بيت عمي أحمد, لتقديم التعازي لأهله. بينما تكفّل زوجي بإرسال خروف. وأتوقع أن يكون زراهم هذا الصباح.
أما مشواري الثاني, فسيكون لزيارة أمي وتوديعها, قبل ذهابها إلى الحج, للمرة الثالثة.. أو الرابعة.. لا أدري بالتحديد. فلا أحد يدري هنا عدد حجات الآخر. مذ شاعت ظاهرة المزايدة في كلّ ما له علاقة بمظاهر التقوى.
فهل من عجب أن أصاب هذا الأسبوع بإحباط, شبيه بالانهيار العصبيّ, وأنا أتنقل من بيت بائس يعلو منه صوت القران, وعويل نسوة مرتديات السواد, مات فيه المعيل الوحيد لسبعة أشخاص, إلى بيتٍ تتنقل فيه أمي بثوبها وشالها الأبيض, وحولها نسوة من كل الأعمار, لبسن كلّ ما في خزانتهن من صيغة وأثواب أنيقة, وجئن يودّعنها للمرة العاشرة. أو بالأحرى جئن ليقنعنها للمرة العاشرة بأنهن لا يقللن عنها ثراء, وبإمكانهن الذهاب إلى الحج أكثر من مرة لو شئن.
وطبعاً سيكون بينهن بعض نساء الضباط اللائي جئن مجاملة لي. واللائي سيطاردنني بالأسئلة عن "الحادث" تحسباً لما قد ينتظر أزواجهن من مفاجآت.
ولكنني كنت منذ عدّة أيام, قد فقدت رغبتي في الكلام, وكان حضورهن الباذخ استفزازاً لحزني
كن نساء الضجر, والبيوت الفائقة الترتيب, والأطباق الفائقة التعقيد, والكلمات الكاذبة التهذيب, وغرف النوم الفاخرة البرودة, والأجساد التي تخفي تحت أثواب باهضة الثمن.. كل ما لم يشعله رجل.
وكنت أنثى القلق, أنثى الورق الأبيض, والأسرة غير المرتبة, والأحلام التي تنضج على نار خافتة, وفوضى الحواس لحظة الخلق.
أنثى عباءتها كلمات ضيقة, تلتصق بالجسد, وجمل قصيرة, لا تغطي سوى ركبتي الأسئلة.
منذ الصغر كنت فتاة نحيلة بأسئلة كبيرة. وكانت النساء حولي ممتلئات بأجوبة فضفاضة.
ومازلن دجاجات, ينمن باكراً. يقُقْنَ كثيرًا, ويقتتن بفتات الرجولة, وبقايا وجبات الحب التي تقدم إليهن كيفما ...ق. ومازلت أنثى الصمت, وأنثى الأرق.
فمن أين آتي بالكلمات, كي أتحدث إليهن عن حزني؟
يومها, لم ينقذني سوى مرور ناصر مصادفة بالبيت. فتحججت به. لأترك مجلس النساء وأخلو به.
هوذا ناصر أخيراً..
لا أذكر كم مر من الزمن على آخر لقاء لنا. فلم يحدث خلال سنوات زواجي الخمس أن زارني أكثر من مرة في العام.
أما بقية لقاءاتنا, فكانت تتم هنا في بيتنا, خلال الأعياد أو المناسبات العائلية.. أو مصادفة مثل اليوم. وكأننا لا نسكن المدينة نفسها.
لقاؤنا الأخير, كان في عيد الفطر الماضي. بدا لي يومها على غير عادته قلقاً وصامتاً. عادة, يقبلني بشوق. نتبادل بعض أخبارنا. ونضحك أحيانا ونحن نستعيد بعض ذكرياتنا المشتركة. ولكنني احترمت وقتها صمته, ومضيت.
ناصر يصغرني بثلاث سنوات. ولكنه كان دائما توأم حزني وفرحي, وتوأم رفضي أيضاً.
ثم انكسر شيء بيننا فجأة, منذ زواجي. حل محله شيء من العتاب الصامت, الذي فسرته في البدء بالغيرة. فقد كان ناصر متعلقاً بي. كنت كل عائلته, كل اقتناعاته, كل مفخرته. هو الذي فشل في الدراسة وتحول تاجراً في عمر ما زال فيه الآخرون يواصلون دراستهم. وكان يرفض أن يأتي رجل غريب ويسرق منه كل شيء كان ينفرد بامتلاكه. حتى إنه قلما لفظ اسم زوجي أمامي. وكأنه لا يعترف بوجوده.

أذكر منذ سنتين, حاولت أن أناقشه في هذا الموضوع. قلت له "لقد مرّ على زواجي ثلاث سنوات.. وحان لك أن تتقبل هذا الأمر.. إنه مكتوب".
ولكنه فاجأني متذمراً:
-مكتوب؟ أن ينهبوا البلاد.. أن يفرغوا أرصدتنا.. ويسطوا على أحلامنا.. ويستعرضوا ثرواتهم على مرأى من بؤسنا. ربما كان هذا مكتوباً.. أما أن يتزوج هؤلاء السفلة بناتنا.. ويمرغوا أسماء شهدائنا في المزابل.. فليس هذا مكتوباً.. أنت التي كتبته وحدك!

ناصر عمره سبع وعشرون سنة. يصغرني بثلاث سنوات, ويكبرني بقضية.
لقد جاء العالم هكذا حاملا قضية معه, كما نحمل أسماءً لا نختارها, إذا بنا نشبهها في النهاية. ربما لأن أبي الذي كان مأخوذا بشخصية عبد الناصر, أثناء حرب التحرير, أراد أن يعطيه اسما مطابقا لأحلامه القومية. إذا به دون أن يدري يعطيه اسمين: اسمه كواحد من كبار شهداء الجزائر, ولقباً لأكبر زعيم عربيّ.

ناصر تقاسم كل شيء مع الوطن, يتمه.. واسمه الذي لم يعد اسمه. ناصر عبد المولى, كان الطفل المدلل لذاكرة الوطن. ولكن ليس بالضرورة طفل الوطن المدلل. ولد باسم أكبر منه, وضع على كتفيه برنساً للوجاهة.
وكانت تلك مصيبته.
ليس سهلاً أن تكون ابن رمز وطني. دون أن تشعر بالبرد تحت ذلك المعطف الفاخر السميك.
فماذا تراه كان يلبس, تحت ذلك المعطف. ليتدفأ في زمن الخيبات؟
ماذا تراه كان يخبئ تحت برنس الصمت؟
أقبله بشوق. أبادره كعادتي بلهجة قسنطينية, مسروقة كلماتها من قاموس الأمومة:
-واش راك.. يا اميمة توحشتك..؟
يجيب:
- مليح.. يعيّشك.
ويجلس في جبته البيضاء مقابلا لي. استنتج أنه عائد من الصلاة, أو ذاهب إليها. فلم يحدث أن التقيت به, إلا وكان بين صلاتين.. أو بين قضيّتين.
كما الآن, عندما أقول له, وكأنني أبحث عن موضوع أبادره به:
- لقد جئت لأودع "ما".. يبدو أنه لن تشبع من الحج..
فيجيبني:
-لقد قلت لها إن أجرها سيكون أعظم لو تصدقت بثمن حجتها إلى فقراء العراق ولكنها لم تصدقني...
فأصمت ولا أدري كيف أواصل معه الحديث.

ناصر لم يشف بعد من حرب الخليج. عند بدء الاجتياح العراقيّ كان يعيش مشتتاً.. مضطرباً. ينام وهو من أنصار صدام حسين, ويستيقظ وهو يدافع عن الكويت.
ثم ما كادت الأحداث تأخذ منحى المواجهة العسكرية والتحالف العالمي ضد العراق, حتى انحاز نهائيا إلى العراق مأخوذا ب"أم المعارك".
كان مثل الجميع يراهن على المستحيل, ويحلم بمعركة كبرى.. نحررّ بها فلسطين!
ولكنه عند سقوط أول صواريخ عراقية على إسرائيل ووقوعها على أراض قاحلة, طلبني ليلاً ليقول لي "أهذا هو السكود الذي كان يهدد به صدام العالم.. إنه ليس أكثر من "تحميلة" وضعتها إسرائيل في مؤخرتها..!".
ضحكت.. ولم أتوقع أن يكون لهذه الحرب كلّ ذلك التأثير في ناصر.
كانت تلك الفترة هي الوحيدة التي كان خلالها ناصر يتردد عليّ, ربما ليجد أحداً ينقل إليه تذمره ...طه لا أكثر. فقد كان يدري, أن بإمكانه أن ينقل إلي أية عدوى من هذا القبيل.
كذلك اليوم الذي زارني فيه وفاجأني جالسة أمام أوراقي. وكنّا في عزّ تلك الفجائع, وما تلاها من إهانات. فراح يؤنبني وكأنني ارتكبت ذنباً في حق أحد. مردداً:
- لا أفهم من أين لك القدرة على مواصلة الكتابة وكأن شيئاً لم يحدث. لا هذه الأرض التي تتحرك تحت قدميك.. ولا هذا لدمار الذي ينتظر أمة بكاملها منعاك من الكتابة.. توقفي.. تأملي الخراب حولك. لا جدوى ممّا تكتبين..
قلت كمن يعتذر:
- ولكنني كاتبة..
صاح بي:
- ولأنك كاتبة عليك أن تصمتي.. أو تنتحري. لقد تحولنا في بضعة أسابيع إلى من أمة كانت تملك ترسانة نووية.. إلى أمة لم يتركوا لها سوى السكاكين.. وأنت تكتبين. وتحولنا من أمة تملك أكبر احتياطي مالي في العاغلم, إلى قبائل متسولة في المحافل الدولية.. وأنت تكتبين. هؤلاء الذين تكتبين من أجلهم.. إنهم ينتظرون أن يتصدق عليهم الناس بالرغيف وبالأدوية.. ولا يملكون ثمن كتاب. أما الآخرون فماتوا. حتى الأحياء منهم ماتوا.. فاصمتي حزناً عليهم..!
لا أظن أن ناصر كان يتوقع, أنه بهذه الكلمات التي ربما غيّر رأيه فيها بعد ذلك, قد غير مساري في الكتابة, وأرغمني على الصمت سنتين.
... سنتين كاملتين, تعلمت فيهما أن أحتقر كلّ أولئك الكتاب, الذين في الجرائد والمجلات واصلوا الحياة دون خجل, أمام جثمان العروبة.
كنت أرى القنوات الأمريكية, تتسابق لنقل مشاهد "حية" عن موت جيش عربي يمشي رجاله جياعا في الصحارى. يسقطون على مدى عشرات الكيلومترات كالذباب في خنادق الذل, مرشوشين بقنابل الموت العبثيّ, دون أن يدروا لماذا يحدث لهم هذا.
وأرى قوافل البائسين. هاربة بالشاحنات من بلد عربي إلى آخر. تاركة كلّ شيء خلفها, بعد عمر من الشقاء.. دون أن تفهم لماذا.
وأرى الكويتييّن يرقصون في الشوارع حاملين الأعلام الأمريكية. مقبّلين صور بوش, مهدين الجنرال شوارزكوف حفنة من تراب الكويت. ولا أفهم كيف وصلنا إلى كلّ هذا.
وحده رجل غير مكترث بنا, لم يفقد قريباً في أي حرب من الحروب التي ارتجلها, ولا فقد في زمن المجاعة, ولو شيئاً من وزنه, كان يظهر على الشاشات, يمارس السباحة على مرأى من غرقنا.
واعداً إيانا بمزيد من الانتصارات.

خلال تلك الفترة.. لم تفارقني فكرة الانتحار. ولم يمنعني من تحقيقها سوى فجيعة أمّي بموتي.
في الواقع كنت أبحث لي عن موت "استعراضيّ" كبير لا يشبه في شيء بندقية الصيد المتواضعة التي أطلق بها خليل حاوي, رصاصة على جبينه في 7 حزيران 1982 احتجاجا على اجتياح إسرائيل للبنان, على مرأى من كل الأخوان والجيران العرب, بعد أن قال لأصدقائه "أين هذه الأمة؟ من العار أن أقول أنا عربي أمام هذا الت... المخزي".
كنت أريد لي انتحارا على قدر فجيعتي, شبيها بانتحار الكاتب الياباني مشيما, الذي بعد أن سلم الجزء الرابع والأخير من روايته الرباعية, إلى المطبعة. توجه ذات صباح أحد, لتنفيذ الفصل الأخير من حياته كما خطط له إعلاميا, بعد أن قرر الانتحار, احتجاجا على خروج اليابان مذلولة من الحرب العالمية أمام أمريكا, وضياع شخصيتها القومية أمام الغزو الغربي.
الجميل أنه استعد لموته, بأخذ دروس خاصة بالمصارعة والفروسية, والكمال الجسماني. ما مكنه من أخذ قائد القوات اليابانية كرهينة, والتوجه بخطاب حماسي إلى ألف جندي ياباني, كانوا مجتمعين لمناسبة وطنية.
وعندما لم يترك خطابه أثرا في ذلك الجيش المهزوم, عاد ميشيما إلى غرفة قائد القوات. وارتدى اللباس التقليدي الياباني. عاقدا أربطته وأزراره برباطة جأش ملحوظة. ثم دعا المصورين ليأخذوا له صورا, رفقة جيشه الصغير, المكون من مائة شاب, أعدهم للموت دفاعا عن عظمة اليابان. ووقف ممسكا بسيفه السامورائي المحظور, لينتحر مباشرة أما عدسات المصورين, هو ومساعده, وفقا لطريقة الهاراكيري الرهيبة في الانتحار, الواحد تلو الاخر.
سلاما ميشيما.
أينما كنت أيها الصديق, أقبل جبين رأسك المفصول عن جسدك. والملقى منذ نوفمبر 1970 عند أقدام الوطن, رفضا أبديا لذل الانحناء لأمريكا.
ما زلت اتساءل: أكنا وقتها متفائلين أم سذجا كي ننحاز إلى أمة متمادية في هزيمتها وعنادها, كي تنجز ب...ق كل ذلك الاخفاق!
في تلك الفترة أصبح ناصر ضرورة يومية, لبقائي على قيد العروبة, مزايدا علي في كل شيء, رافضا أن أشتم أمامه نظاما عربيا بالتحديد. فإما أن أشتمها واحدا.. واحدا.. [لأسباب يسردها علي مطولة مفصلة.. ومقنعة] أو أصمت. ففي شتم نظام عربي دون آخر بالنسبة إليه, ما يفوق جريمة السكوت عنه.
أذكر كان يمر بي أحيانا؛ يقضي برفقتي بعض الوقت, ثم يمضي قائلا "كان الله في عون هذه الأمة, نصف حكامها عملاء, والنصف الآخر مجانين!".
ثم فجأة تغير ناصر.
لم يعد يحدثني عن الستة والعشرين مليارا التي تبخرت من خزينة الدولة الجزائرية, ولا عن أصدقائه, الذين انضموا إلى لوائح آلاف الطلبة والشباب القسنطينيين, الجاهزين للدفاع عن العراق, والاستشهاد تحت علمها, الذي اضيف إليه للمناسبة "الله أكبر", وهو ما جعل بعض الساخرين يقترح أن يضاف إلى العلم الجزائري شعار "الله غالب" أي لا نستطيع شيئا من أجلكم... ولا عن تلك الإشاعات التي كان يصدقها الجميع, والتي كانت تقول إن إسرائيل حصلت على صاروخ يطول الجزائر, وهي تستعد لضرب قسنطينة.
وهو ما جعل الناس يعيشون لمدة شهر, على أهبة حرب, كأنهم يتمنون حدوثها لمتعة الجهاد.. أو لولعٍ بالاستشهاد.

لا أدري.. أهو الذي فقد شهيته للكلام, أم أنا التي فقدت حماسي لكلّ القضايا, ودخلت في حالة ذهول من أمري.
بين خيباته الوطنية, وإفلاس أحلامه القومية, غسل يديه من العروبة, أو على الأصح, توضأ ليجد قضيته الجديدة في الأصولية.
وأنا التي عشت دائما متأخرة عنه بقضية, لم أفهم ما الذي كان يحدث له بالتحديد. ولماذا هو بين لقاء وآخر, يصبح بعيدا, يصبح غريبا عني إلى هذا الحد.
حتى إنني لم أعد أجرؤ على أن أتبادل معه ضحكة أو نكتة كعادتي. لم أعد أجرؤ حتى على مخالفة رأيه, خشية أن يجادلني ويناقشني بمنطق ليس لي من جواب عليه.
أحاول استدراجه للحديث أقول:
- لقد أنقذتني بقدومك.. فأنا لا صبر لي على هذا الرهط من النساء.
يجيب:
- لقد اخترت أن تدخلي هذا العالم.. وعليك الآن أن تتقبليه.
أشعر أنني على وشك أن أنفجر في وجهه. ولكنني أهدئ نفسي, فأقول بصوت مؤثر, وكأنني أستجدي منه لطفا:
-ناصر.. أنت تدري تماما أن هذا الجو ليس جوي. ولن نعود إلى الحديث في هذا الموضوع. أنا متعبة, ومرهقة. لقد مات عمي أحمد منذ ثلاثة أيام على مقربة مني. ما حدث له أمر مريع.. شيء لا يصدق!
أتوقع منه كلمة مواساة, أو كلمة يترحم بها على روحه. ولكنه يصمت. ولا أدري أمن تأثره, أم لأن الأمر لا يعنيه, أم..؟
تذهب أفكاري بعيدا. وفي لحظة أتصور الاحتمالات الأكثر جنونا. وصوت ذلك الضابط يعود فجأة ليسألني "هل أخوك على علم بتنقلاتك؟" فأجيبه "لا.. إنه لا يسكن معي" فيرد "أنا أعرف ذلك".
...لولا أن صوت ناصر يأتي بعد صمت طويل لينقذني من سكتة قلبية وهو يقول:
- رحمه الله.. كان رجلا طيبا.
أكاد أشكره. أرتمي فجأة عليه. أقبله وأجهش بالبكاء. فلا يملك إلا أن يحتضنني.
دموعي تسيل لتبلل لحيته التي تلتصق بخدي, وتعطيني إحساسا غريبا. أشعر كأنه أبي.. هو الذي كان دائما ابني.
يسألني وهو يضمني إليه.
- واش بيك حياة..؟
لا أجيب. أتمتع بضمته لي, بحنانه المفاجئ. أشعر فجأة؛ بأنني كنت في حاجة إلى حنان دون أن أدري, وأنه منذ سنوات لم يحدث لأحد أن ضمني بحنان, فقط بحنان, دون شهوة ولا رغبة.
أقول له وسط دموعي:
- ناصر.. عاملني بحنان.. هل يجوز الحنان في شريعتك؟ أنت كل ما أملك في هذه الدنيا. إذا شئت لا تكن معي. ولكن لا تكن ضدي. هذا يؤلمني كثيرا. أنت الذي تضع جثمان أبي دائما بيننا.. وتزايد على الجميع في رفع اسم الشهداء.. لم يكن أبي يريد لنا قدرا كهذا.. لا أريد أن يأتي يوم نصبح فيه أعداء, فقط لأننا لا نفكر بالطريقة نفسها.
من منا كان يبكي لحظتها؟ لا أدري.
أدري فقط أن بعض الضحكات كانت تأتيني من الغرفة الأخرى, حيث تتسامر نساء ينتظرهن عند الباب سائق لم يمت بعد, وأنني قررت أن أغادر البيت دون أن أودعهن.

لم أعد أذكر أي حدث بالتحديد كان سببا لانهياري, بعد ذلك, وأوصلني حدّ فقدان شهية الحياة.
لا شيء كان يغريني, ولا أحد كانت تعنيه حياتي.
أمي كانت مشغولة عني بحجتها. زوجي مشغول عني بمسؤولياته. وأخي بقضيته, والبلد بمواجهاته. وعندما أردت أن أجد لنفسي رجلا وهميا, أطلقوا الرصاص على أوهامي.
هذه مدينة, لا تكتفي بقتلك يوما بعد آخر, بل تقتل أيضا أحلامك, وتبعث بك إلى مخفر, لتدلي بشهادتك في جريمة أوصلتك إليها الكتابة.
زوجي الذي لم يكن له من وقت, ليحاول فهمي, ولا كان يدري ماذا يجب أن يفعل بي, هو يراني أنغلق على نفسي كمحار, قرر أن يبعث بي إلى العاصمة لأرتاح بعض الوقت على شاطئ البحر, حتى مرور تلك الزوبعة.
وكانت تلك أجمل فكرة خطرت في ذهنه منذ زمن بعيد. وهدية القدر التي.. لم أتوقعها.


* * *

Najma
29-08-2007, 04:21 PM
طبعًا
قلما تأتي تلك الأفراح التي ننتظرها في محطة.
وقلما يجيء، أولئك الذين يضربون لنا موعدًا.فيتأخر بنا أو بهم القدر.
ولذا، أصبحت أعيش دون رزنامة مواعيد، كي أوفر على نفسي كثيرًا من الفرح المؤجل.
مذ قررت أنه ليس هناك من حبيب يستحق الانتظار، أصبح الحب مرابطًا عند بابي، بل أصبح بابًا ينفتح تلقائيًا حال اقترابي منه .
وهكذا تعودت أن أتسلّى بهذا المنطق المعاكس للحب.

وكنت جئت إلى هذه المدينة دون مشاريع، ودون حقائب تقريبًا.
وضعت في حقيبة يدي ثيابًا قليلة،اخترتها دون اهتمام خاص لأقنع نفسي أن لا شيء كان ينتظرني هناك...عدا البحر.
البحر الذي يملك حقّ النّظر إليّ في ثياب خفيفة، دون أن يناقشه أحد في ذلك .ولذا جئته بأخف ما أملك،وبتواطؤ صامت ،فانا لا أدري إن كنت جئت حقًا من أجله.
عندما نسافر، نهرب دائمًا من شيء نعرفه. ولكن نحن لاندري بالضرورة ،ماالّذي جئنا نبحث عنه.
أترك حقيبتي ملقاة على سرير شاسع، لن يشغله سواي. وأذهب لاكتشاف البيت الذي سأقضي فيه أسبوعًا أو اسبوعين.
في الواقع، اذهب لاكتشاف مزاج الأمكنه، وماتبثّه روحها من ذبذبات، أستشعرها منذ اللّحظة الأولى.
أحببت هذا البيت : هندسته المعماريّة تعجبني، وحديقته الخلفيّة ، حيث تتناثر بعض أشجار البرتقال واللّيمون, تغريني بالجلوس على مقعد حجري, تظللّه ياسمينة مثقلة. فأجلس، وأستسلم للحظة حلم.

البيوت أيضًا كالناس.هنالك ماتحبه من اللّحظة الأولى. وهنالك مالاتحبه. ولو عاشرته وسكنته سنوات.
ثمّة بيوت تفتح لك قلبها.. وهي تفتح لك الباب. وأخرى معتمة، مغلقة على أسرارها، ستبقى غريبًا عنها، وإن كنت صاحبها.
هذا البيت يشبهني . نوافذه لاتطلّ على أحد. أثاثه ليس مختارًا بنيّة أن يبهر أحدًا. وليس له من سرٍ يخفيه على أحد.
كلّ شيء فيه أبيض وشاسع .لاتحده سوى خضرة الأشجار أوزرقة البحر و السماء .
بيت لايغري سوى بالحب والكسل، وربما بالكتابة.

أتساءل وأنا أتأمله، من ترى سكن هذا البيت. ومن مرّ به قبلي، ليؤثثه ويعتني بحديقته إلى هذا الحدّ..خلال أكثر من ربع قرن؟ فمن الواضح أنّه بيت يعود إلى أيّام الاحتلال الفرنسي، يوم كان كبار الاقطاعيّين الفرنسيّين، يعمرون فيلّيات فخمة على الشواطئ الجزائريًة، غالبًا ماتكون غير بعيدة عن السهول والأراضي الزراعيّة، الّتي كانوا يمتلكونها، وحيث ياتون للاصطياف.
بعد الاستقلال، حجزت الدولة الأملاك الشاغرة التي تركها المعمرون الفرنسيون لتكون مقرّاً صيفيّاً لكبار الضباط والمسؤولين الذين أصبح لهم وجود شرعيّ ودائم على موريتي وسيدي ... ونادي الصنوبر.
ومن الأرجح أن تكون هذه الفيلا هي إحدى هذه الأملاك التي يتناوب عليها الضبّاط كل صيف، قبل أن يأتي من يحجزها نهائيّاً، مستندًا إلى نجومه الكثيرة ، أو إلى أك.... العريضة. وسيشتريها حسب قانون جديد، بدينار مزيّ مثير للعجب.
متى حصل زوجي على هذه الفيلاّ .. وكيف؟ أسئلة لا يعنيني الجواب عنها ، ولكنّها تقودني إلى التفكير فيه.
فأتذكر أنني لم أطلبه ه...يًا لأطمئن إلى سلامتنا، كما طلب مني أن أفعل حال وصولنا .
في الواقع، كان اسهل وأكثر راحة لنا أن نسافر، أنا وفريدة، بالطّائرة. ولكن زوجي أصرّ ان يرافقنا السائق بالسيّارة لخدمتنا. وحراسة هذا البيت الكبير، الذي لايمكن أن نبقى فيه بمفردنا، وذلك بانتظار أن يلحق بنا بعض الأهل ..
في انتظار ذلك أمامي عدّة أيام للّراحة، لا أدري تمامًا كيف أنفقها، والتي أبدأها بأخذ حمام دافئ، واللّجوء إلى النوم احتفالاً بحريّتي.

رحت أستعجل النوم. أحاول أن أنام دون أن اقع في فح الأحلام. ثمّة غرف جميلة إلى حد الحزن، تعاقبك أسرّتها بالحلم!
وبرغم ذلك، في الصّباح، لم أنج من جسدي. كنت أستيقظ وتستيقظ رغبة داخلي . تلفّني رائحة شهوتي فأبقى للحظات، مبعثرة تحت شرشف النوم النسائي الكسول.
يستبقيني إحساس بمتعة مباغته، لم أسع إليها . جاءني بها البحر على سيريري..ليتحرش بي.
على غير عادتي.. أستيقظ باكرًا هذا الصباح. وكأنّني أريد أن استفيد من كل لحظة حريّة قد تسرق مني فجأة، لأيّ سببٍ كان.
يفاجئني جوع صباحيّ لايقاوم، وكأنّ شهيتي للحياة قد تضاعفت هنا، فابعث بالسّائق لإحضار لوازم الفطور، وأبقى لأت... على البحر.
رائحته بعد ليلة كاملة من المدّ والجزر تزحف نحوي متوحّشة تستفزّ حواسّي بشهيّة غامضة للحب.
أتجاهل اعترافه الفاضح بليلة حب قضاها على مقربة مني، منشغلاً بترويض الأمواج، بينما كنت أنا منشغلة عنه بترويض حواسّي والهروب بنفسي من تلك الهواجس التي كانت تطاردني وتعكر مزاج نومي.
البارحة نمت نومًا عميقًا، كما لم أنم منذ أيام . شعرت بمعنى السكينة، وكأنني تركت كل شيء خلفي، وجئت لألقي بنفسي هنا، على سرير شاسع، لاذاكرة له.
والآن لارغبة لي سوى في تناول فطوري، والخروج صحبة فريدة على الأقدام، لا كتشاف هذه المنطقة.

حتّى قبل ان يغريني شاطئ(سيدي ...) بمنشآته السياحيّة ومركباته التجاريّة. اذهلني مصادفة وجودي دائمًا في الأماكن التي يطوقها التاريخ، والتي تشهر ذاكرتها في وجهك عند كل منعطف.
"سيدي ..." ليس في النهاية اسمًا لوليّ صالح، مازال النّاس يترددون على ضريحه، طالبين بركاته، إنما اسم المرفا الذي دخلت فرنسا منه على الجزائر.
فهنا رست سفنها الحربية ، ذات 5 يوليو من صيف 1830، بعدما تم تحطيم الوسائل الدّفاعية المتواضعة الموضوعة في مسجد " سيدي ..." وتحويله مركزًا لقيادة أركان المستعمرين.
وشاءت الأقدار، او بالأحرى شاء المفاوضون الجزائريون، ان يجعلوا فرنسا تغادر الجزائر بعد قرن وثلاثين سنة، في هذا التاريخنفسه، ليصبح 5 يوليو أيضًا تاريخ استقلالنا.
نعم.. في زمن سابق، كان الجزائريون يصرّون على كتابة التاريخ بغرورهم!
"حادثة المروحة "الشهيرة نفسها، والتي صفع بها الدّاي وجه القنصل الفرنسي، والتي تذرعت بها فرنسا آنذاك لدخول الجزائر، بحجة رفع الإهانة، ليست إلا دليلاً على كبريائنا أو عصبيتنا ..وجنونا المتوارث.
وربما كغمزةٍ للتاريخ، تفنن الجزائريون غداة الاستقلال في هندسة هذا المرفق، وبنوه على شكل قلعة عصرية، جاعلين برج (سيدي ...) ومنارته ، ذوي علوّ شاهق أو هكذا يبدوان وكأن هناك من يتوقع قدوم عدو من البحر..
ولكن العدو منذ ذلك الحين. لم يعد يأتي من البحر.. ولا بالضرورة من الخارج!
سعدت ذلك اليوم بمشواري الصباحي . أذكر أنني مشيت يومها دون هدف محدد. بانبهار الا كتشاف الأول
وعدت إلى البيت مع فريدة محملتين بمشتريات ..وأحلام مختلفة.
كنت أشعر أنني حققت حلماً صغيراً، لم يكن على بساطته في متناول يدي . اكتشفت أن أمنيتي لم تكن تتجاوز المشي باطمئنان في شارع .
في البيت كانت الحياة هادئةكما لم أعهدها من قبل . وكنا بدأنا نعيش أنا وفريدة على إيقاع جديد يتناسب مع حياة المصيف.
فبرغم خلافاتنا السابقة، وبرغم اختلاف عمرينا ، وثقافتينا، وذوقينا ، كنا سعيدتين بوجودنا معاً، بعدما أصبح بيننا تواطؤ الحرية المؤقتة، التي نزلت علينا معاً، والتي لم تكن تعني ، في ظروفنا تلك، المفهوم نفسه لكلتينا.
فبالنسبة إلى فريدة التي قضت عمرها عبدة في بيت الزوجية، ولم تغادره سوى لتعود إلى بيت أخيها مطلقة، لم تكن الحرية سوى إمكانية النظر إلى الآخرين من شرفة بحرية وهم يعيشون ..ويسبحون ويتحمصون تحت الشمس نيابة عنها .
الحرية لم تكن أكثر من حقها في الحلم .
أما حريتي فقد جاءت معاكسة لمنطق حريتها . لقد أصبحت أنا امرأة حرة، فقط لأنني قررت أن أكف عن الحلم!
اكتشفت ذلك البارحة . عندما فتحت دفتري الأسود الذي أهملته بعض الشئ منذ قدومي، كي أسجل عليه أول فكرة توصلت إليها أخيراً:"الحرية أن لا تنتظر شيئا ".
وكان يمكن أن أكتب هذا في صيغة أخرى كأن أقول :"الترقب حالة عبودية ". فلقد توصلت إلى الأولى من خلال الثانية.
ولكن ما كدت أتحرر من عبودية الإنتظار، حتى وقعت في عبودية الكتابة. وهو ما جعل فريدة تجد في بقائي بالبيت، وعكوفي الدائم على الكتابة، علامات مثيرة للقلق.
وكانت تشعر تجاهي بمسؤولية مزدوجة . نظراً إلى سنها، وإلى كونها مكلفة من طرف أخيها بالسهر على صحتي . فراحت تغريني بمشاهدة التلفزيون، وتحثني على الخروج.
وهكذا قررت ذات عصر أن أخرج، هربًا من النوم والكتابة ، اللّذين يتناوبان عليّ في هذا الوقت بالذّات..
في الواقع، حيث كنت، حالةً من الضّجر الجسدي تنتابني كل ّيوم في توقيت القيلولة. وكيفما كان الطّقس، يطاردني هذا الإحساس حتى مجيء الغروب . ويضعني كل عصر أمام الأسئلة نفسها: ماذا يفعل الناس هذا الوقت بوقتهم.. وأجسادهم؟ وكيف ينفقون هذه الساعات؟ ولماذا؟ في العصر دون أيّ وقت آخر، ذبذبات عالية من الشّهوة تسيطر على تلك الغرف النسائية ، التي تنتقل فيها النساء بثياب البيت.. متكاسلات.. ضجرات؟
ولم يكن الوقت مناسبًا لأعثر على أجوبة لكلّ هذه الأسئلة. فاكتفيت بأن أرتدي أول فستان صادفني،

أذكر أنني اجتزت شارعنا بخطًى كسلى. رحت أتفرّج على تلك البيوت ذات النّوافذ الزرقاء..أو الخضراء، والّتي تعيش قيلولتها بسكينة لم أعهدها.
لاشيء كان يشبه هنا شوارع قسنطينة، المكتظة بالسّيارات والمارّة، وضجيج الحياة. كل شيء هنا جميل ونظيف، ومهندَس بذوق، وكأنه ينتمي إلى مدينة أخرى. أوكأنه وجد خطأً هنا.
ولولا وجود بعض السيارات على جانب رصيفه، ومرور أحدهم وهو عائد من مخبز، أو من ملعب "تينِس" ، لتوقّع المارّ من هنا أنّ لا أحد يسكن هذا الشارع.
فهذا الشارع، يستيقظ وينام بهدوء، وبحضارة لا علاقة لهما بصراخ الباعة والأطفال، ونداء المآذن التي تستيقظ عليها شوارع قسنطينة.
أمام مخبزة فاجئتني رائحة الخبز الطازّج. فدخلت مستسلمة لجوع مفاجىء. اخترت تشكيلة من قطع الحلوى، ورغيفين.
ثمّ تذكرت أنّ مشواري لم ينته . فطلبت من البائع أن يحتفظ لي بها. وواصلت جولتي بحثًا عن بائع الجرائد. حيث رحت أقلّبها بفضول من لم يطالعها منذ أسبوع.
كلّ شيء أصبح فجأة يغريني بالقراءة. وكأنني أستيقض هذا الصّباح لأكتشف العالم.
وأقتنيت مجلّة نسائيّة..وأخرى سياسية. وجرائد بالعربية وأخرى بالفرنسية. ولم أسأل نفسي إن كنت سأطالعها حقّاً. لذّتي كانت في اقتنائها. أنا التي كانت الجرائد تأتيني حتى الآن، مدفوعة ومنتقاة، حسب ذوق زوجي وإهتماماته!
أذكر أنني كنت أطالع إحداها، عندما جاءني من الخلف صوت يقول"دعي الجرائد..لا شيء يستحقّ القراءة هذه الأيام !".
انتفضت ..والتفتُّ خلفي . وكان هو.
تسمّرت مكاني دهشة. تأمّلته غير مصدّقة. فاجأني صمت الارتباك الجميل فبقينا للحظات يتأمّل أحدنا الآخر بوقع المصادفة . أتوقع أنّ حمرةً قد علت وجنتيّ اللتين نسيت أن أضع عليهما حمرة، وأنني تلقائيّاً مددت يدي إلى شعري لأرفع خصلا ته، وأنه تماديًافي إرباكي، لم يخلع نظّاراته. وكأوّل مرة رّاح يتأمّلني.
قال فجأة:
_أعترف بأنني لم أتوقّع وجودك هنا..
قلت وكأنني أعتذر عن هيأتي:
_ولا أنا توقعت شيئًا كهذا..
واصل مبتسماً:
_أما قلت لك تعلّمي أن تثقي بالقدر؟
أجبت وقد استعدت صوتي:
_أذكر ذلك .. ولكن لنقل إنني أعاني أزمة ثقة..
بدا على صاحب المحلّ اهتمام خاص بحوارنا، نظراً إلى عدم وجود زبائن غيرنا. وتفاديًا لمزيد من فضوله، طلبت من محدثي أن يشتري جريدته ونغادر المكان.
ولكنّه ابتسم وقال:
أنا لم آت لأشتري جرائد.
سألته ونحن ننسحب:
_وماذا جئت تفعل إذن؟
قال:
_الآن بإمكاني أن أقول إنني جئت لأراك.. ولكنني جئت لأشتري سجائر لاغير.
ثم أضاف وهو يفتح علبة السجائر:
_أنا أيضًا..لم أعد أثق بشيء.
وأشعل سيجارته الأولى.
مشينا خطوات معًا، دون وجهة محددة، معرضين جنوننا للأنظار ثم توقفنا فجأة مثقلين بحمل الأسئلة.
أمسك فجأة بذراعي، وكأنه يريد أن يوقظني من حلم، كما يوقظ أحدهمىأولئك الذين يمشون أثناء نومهم.
وقال:
_أريد أن أراك..
تكهرب جسدي للمسته..
قلت:
_ولكن..
_ليس لهذه الكلمة من مكان بيننا. يكفي أنها تحيط بنا من كل جانب.
قلت:
لا أدري كيف يمكن أن يتم ذلك..
أخذ مني جريدة كنت أحملها. أخرج من جيبه العلوي قلم رصاص. وخطّ على طرفها رقم ه... وقال:
_أطلبيني على ها الرقم، سنتفق على التفاصيل..
أخذت الجريدة منه ، وأنا لا أصدق ما يحدث لي. سألته بتلقائية مقصودة:
_ هذا الرقم.. رقم ماذا؟ أقصد هل هو رقم مكتب ام منزل؟
أجاب:
_إنه رقمي
قلت وأنا أستدرجه لمزيد من البوح:
_ولو حدث وردّ أحد على اله..... أطلب منه التحدّث إلى من؟
قال متجاهلاً قصدي:
_لا أحد غيري يرد على اله.....
أغلق أمامي في جملة واحدة أي مجال لسؤال آخر ، وخاصة للسّؤال الأهم؛ فهذه المرة أيضًا لن أعرف اسمه..
افترقنا.
أنا بالارتباك نفسه، وهو بذلك الحضور الواثق نفسه. لم يلح لأتصل به في أقر ب وقت. وكأنه كان واثقاً من أن ذلك سيحدث. لم يسألني ما لذي جاء بي إلى هنا.. وإلى متى سأبقى؟ وكأن تلك التفاصيل لا تعنيه تماما, أو كأنه يعرف برنامجي كاملاً!
قال فقط:
- شهية أنت اليوم..
ثم أضاف ونظراته تتدحرج على ثوبي الأسود نفسه.
- أحبك في هذا الثوب..
ثم واصل بعد شيء من الصمت:
- وأحسده!
افترقنا دون وداع كما التقينا دون سلام. فهكذا تحدث الأشياء معه دائما.
لم يحاول أحدنا أن يستبقي الآخر, بكلمة إضافية, أو بنظرة. كان لنا إحساس مشترك بأننا على موعد أجمل.
وأعترف بأنني كنت أتمنى لو انه بقي أكثر, لو أنه قال لي أشياء اكثر. ولكنني تقبلت ذلك اللقاء, كما جاء. مدهشاً.. مباغتًا.. موجزًا.
لقاء في عمر سيجارة, أشعلها ونحن نلتقي, وأطفأها, وهو يسحقها أرضًا بحركة من قدمه قائلاً "أحسده!" ومضى.
هذا الرجل الذي يحسد فستاني الأبسط, ويباغتني بكلمة لم أتوقعها, تراه يعني ما يقول؟ أم أن مصادفة ارتدائي هذا الثوب نفسه, تثير فيه كل هذه الرغبة متوقعا أنني ارتديته لأستدرج القدر.
طبعًا, ليس هذا صحيحًا. ولو كان كذلك لتحضرت لهذا اللقاء بطريقة أفضل.
مدهش الحبّ. يأتي دائماً بغتة, في المكان واللحظة اللذين نتوقعهما الاقل, حتى إننا قلّما نستقبله في هيأة تليق به.
وأصدق تمامًا مصممة الأزياء "شانيل" التي كانت تنصح المرأة بأن تغادر كلّ يوم بيتها وهي في كل أناقتها, وكأنها ستلتقي ذلك اليوم بالرجل الذي سيغير حياتها, لأن ذلك سيحدث حتما في يوم تكون قد أهملت فيه هيأتها!
أهو الحب؟ كلمة منه فقط, وإذا بي امرأة لا تشبه الأخرى. تلك التي غادرت البيت بثوب عاديّ.. بأظافر غير مطلية.. وملامح مرهقة.
أعود إلى البيت أجمل, وإذا بالحياة أيضًا جميلة وشهية.
والأجمل أنها مدهشة دائمًا. في كلّ منعطف لشارع يمكن لحياتك أن تتغير. يمكن أن يقع لك حادث، ويمكن أيضًا أن تلتقي برجل يحدث فيك زلزالاً جميلاً!

في البيت وجدت فريدة جالسة أمام التلفزيون, وكأنها لم تقض حياتها امامه, لتشاهد المسلسلات الساذجة نفسها, أو كأنه لا ينتظرها في قسنطينة.
أشفقت عليها من غبائها.
كيف أشرح لها أن الإنسان، لا بد أن يعيش بملء رئتيه، بملء حواسه إحساسه, كلّ الأشياء التي يصادفها والتي لن تتكرر.
كيف أقنعها بأن تحب الأشياء التي لن تراها سوى مرة واحدة, لا تلك التي تراها على جهاز التلفزيون كلّ يوم.
كنت أشعر برغبة في أن أنقل إليها عدوى سعادتي, وشهيتي للحياة. ولكنها كانت امرأة محدودة الاحلام, محدودة الذكاء. فوجدت في سذاجتها نعمتي. فهي على الأقل لن تنتبه لما يحلّ بي.

رفعت رأسها عن الشاشة لتسألني, إن كنت فكرت في إحضار الخبز.
أجبتها بشهقة الدهشة, أنني نسيته عند الخباز.
فكّرت وأنا أنصرف نحو غرفتي لأغير ثيابي, أنني دخلت رسميّا مرحلة الحماقات الجميلة. وأنني إذا كنت قد نسيت حلويات قضيت نصف ساعة في اختيارها, فمن المتوقع أن أنسى بعد الآن أشياء أخرى، وأقيم في كوكب آخر، لا علاقة له بتفاصيل "عالمي الأرضي".
ما كدت أغير ثيابي حتى حملت جرائدي وذهبت نحو الحديقة, لا بنية مطالعتها, إنما بنية أن أخلو بنفسي لأتصفح قصتي مع هذا الرجل الذي طاردته لاهثة في شوارع قسنطينة.. وعندما يئست من أمره وسافرت, وجدته قد سبقني إلى هنا.
عجيبة هي الحياة بمنطقها المعاكس. أنت تركض خلف الأشياء لاهثاً، فتهرب الأشياء منك. وما تكاد تجلس وتقنع نفسك بأنها لا تستحق كل هذا الركض، حتى تأتيك هي لاهثة. وعندها لا تدري أيجب أن تدير لها ظهرك أم تفتح لها ذراعيك، وتتلقى هذه الهبة التي رمتها السماء إليك، والتي قد تكون فيها سعادتك، أو هلاكك؟
ذلك أنك لا يمكن ان لا تتذكر كل مرة تلك المقولة الجميلة لأوسكار وايلد "ثمة مصيبتان في الحياة: الأولى أن لا تحصل على ما تريده.. والثانية أن تحصل عليه!".
أتساءل، أي المصيبتين تراه هذا الرجل؟ وماذا لو عاد ليكون مصيبتي الثانية, بعدما كان مصيبتي الأولى؟

أتفقد الجريدة التي خطّ لي عليها رقم ه...ه، بقلم الرصاص.
أحاول أن أستشف قدري معه من تلك الأرقام. تخيفني الأصفار الكثيرة. ولكن باقي الأرقام تطمئنني فأنا أحب الأرقام الثلاثية الجذور.. أشعر أنها تشبهني. ولكن لا أمنع نفسي من التساؤل لماذا خطها بقلم الرصاص؟ ألأن الرسامين يكتبون عادة بقلم الرصاص؟
أم لأن الأشياء معه قابلة لأن تمحى في أية لحظة؟ أم لأنه زمن الرصاص لا غير, الرصاص الذي يكتب قصة ويلغي أخرى. الدليل أن رقم ه...ه جاء مكتوبا على هامش صغير للبياض، في الصفحة الأولى لجريدة تغطيها أخبار الفجائع الوطنية.. والقومية.
لماذا يأتي حبه محاذيا لمآسي الوطن، وكانه لم يبق للحب في حياتنا، سوى الماحة الصغيرة التي تكاد لا ترى على صفحة ايامنا. ألم يعد هناك من مكان لحب طبيعي وسعيد في هذا البلد؟

الفرح يسكنني. وجرائد الحزن تتربص بي ملقاة على طاولة الحديقة. قبل ان اتصفحها أندم على إحضارها. أتذكر ذلك الذي كان يقول "لم يحدث أن اشتريت جريدة عربية إلا وندمت على اقتنائي لها..".
أستعجل قلب صفحاتها. أخاف أن تغير أخبارها مزاجي. ولكن بعض عناوينها الكبرى تستوقفني وتستدرجني إلى قراءتها جميعها من باب المازوشية!
أن تشتري جريدة عربية ذات حزيران من سنة 1991 لتقرأ طالع هذه الأمة، فأنت تعرض نفسك لذبحة قلبية.
أما أن تشتري جريدة جزائرية في ذلك التاريخ نفسه, تجمع صفحتها الأولى بين خيباتك الوطنية والقومية فذلك ضرب من المجازفة بعقلك.

قبل أن تفتح الجريدة, يهجم عليك الوطن بعناوينه الكبرى، "السلطات العسكرية تعلّق حظر التجوّل إلى ما بعد عيد الأضحى" "اعتقال 469 شخصا خلال الأيام الثلاثة الماضية" "جبهة الانقاذ تعلن العصيان المدني، وبدء الإضراب والاعتصام المفتوح" "حضور عسكري مكثف حول المباني الرسمية والمساجد" "عملية للإستيلاء على الباصات التابعة للنقل الحضريّ استعدادا لمسيرة ضخمة على العاصمة".
تهرب إلى أسفل الصفحة فتنتظرك أوطان اخرى, كنت تعتقد أنها أوطانك. فهكذا أكد لك منذ طفولتك شاعر على قدر كبير من السذاجة، مات وهو ينشد "بلاد العرب أوطاني.." وهو لم يعد هنا اليوم ليقرأ معك عناوين جريدة عربية بتاريخ 15 حزيران 1991 "استمرار محاصرة مخيمي "الميه وميه" و "عين الحلوة" الفلسطينيين من طرف الجيش اللبناني" "العراق يقوم باعتقال عشرات المصريين وتعذيبهم"، "الإعدامات مستمرة في الكويت في حق الرعايا العرب"، "انفراد الشركات الأمريكية بإعادة اعمار الكويت"، "إسقاط ديون مصر".

والخبر السعيد في كلّ هذا، ليس الأخير. وإنما ستجده في صفحة داخلية بخط كبير. "إقدام الديوان الجزائري للحوم بمناسبة عيد الأضحى على استيراد 220 ألف رأس غنم من استراليا, وصلت معظمها سالمة". وسالمة تعني فقط أنها مازالت على قيد الحياة. رغم قضائها شهرا في البحر مكدسة في باخرة وأن معظمها لا ينتظر سوى رحمة الذبح صباح العيد, تماما كما ينتظر الجزائريين منذ أشهر، متزاحمين مكدسين بالعشرات امام سفارة استراليا، رحمة الحصول على تأشيرة الهروب إلى بلد، تقول إشاعة كاذبة إنه يبحث عن يد عاملة!
وتماشيا مع حدث وصول هذه الباخرة, بحمولتها المباركة من الأكباش, خصصت الجريدة صفحة كاملة, يتجادل فيها البعض ويجتهدون لحل الإشكال الديني الذي طرحته أذيال الأغنام الأسترالية المبتورة، التي لا تشبه ما تعوده الجزائريون من أغنام ذات ألية سمينة.
وهل تجوز التضحية بها؟ لينتهي بهم الأمر إلى فتوى تقول "إن بتر الذنب كله أو جزء منه، بمقدار الثلثين، يعد عيبا في الأضحية، سواء بتر الذنب كله أو بعضه، خلقة أو بعد خلقة" وليصبح السؤال بعد ذلك "ماذا نفعل إذن بالأغنام؟ وبماذا نضحي صباح العيد؟".
في الواقع، الإشكــــــال الحقيقي لم يكن في أذناب الأغنام الأسترالية، التي شغلت عامتنا وفقهائنا لأيام، وإنما في تلك الأكباش البشرية المكدسة أمام سفارة أستراليا، وفي سؤال كبير ومخيف:
كيف.. وقد كنا شعباً يصدر إلى العالم الثورة والأحلام, أصبحنا نصدّر البشر، ونستورد الأغنام؟

* * *

__________________

Najma
29-08-2007, 04:23 PM
طبعًا..لم يكن زمنًا للحبّ ولكن أليست عظمة الحب في قدرته على الحياة في كل الأزمنة المضادّة؟
الدّليل أنّ لاشيء مما قرأته أو مما حدث لي بسبب هذا الرجل، فكرة أعدل عن فكرة حبّه.
شيء يجرفني نحوه هذا المساء. شيء يحملني. شيء يركض بي. شيء يجلسني جوار ه....
على حافة السرير أجلس ، دون أن أجلس تمامًا. وكأننّي أجلس على حافّة قدري.
امرأة ليست أنا، تطلب رجلاً قد يكون "هو". ورجل اسمه "هو"، يرتدي أخيرًا كلماته، لا كلماتي. يصبح صوتًا ه...يّاً. قد يقول "ألو". قد يقول"نعم" قد يقول" من؟".
امرأة عجلى تطلب أرقامه الستة. وتنتظر كلمة منه؟ تقرر هكذا أن تبادره بالصّمت. وكأنها تتذكر أنها لا تعرف هي من تطلب بالتحديد.
صوته يخترق صمتها. لا يقول" ألو". لا يقول "نعم". لا يقول "من؟".
يقول:
_كيف أنتِ؟
يواصل أمام دهشتها.
_انتظرت ه...ك.
يضع شيئًا من الصمت بين الكلمات يواصل:
_جميل أن يأتي ه...ك ليلاً..
هي لم تقل شيئًا بعد .. وهو يتحدث إليها كأنه يراها بتداخل الحواسّ.. صوته يختزل المسافة بين حاسّة وأخرى. يعيد تنقيط الجمل. بعد تنقيط الأحلام.
تعرفه من نقاط الانقطاع في كلامه. تعرفه، وتحبه بنبرته اله...ية الجديدة، دافئًا، كسولاً.
تقول له أول جملة تخطر في ذهنها:
_أحب صوتك
يجيب:
_وأحب صمتك..
_هل أفهم أنّك لا تحب كلامي؟
_بل أريد أن أسمع منك ما أشاء ، لا ما تقولين.
_ولكنّني لم أقل شيئًا بعد.
_هذا أجمل. أتدرين أن الحيوانات لا تكذب لأنّها لا تتكلّم. وحده الإنسان ينافق. لأنه حيوان ناطق.. أي حيوان ممثل.
_بأي حقّ تقول هذا؟
_بحق معرفتي بالحياة .. وحق معرفتي بك.
_وماذا تعرف عني؟
_أعرف ما يكفي لأحذرك .. وما يكفي أيضًا لأحبك.
_وهل يجب أن أحذرك أيضًا؟
_بل يجب أن تحذري الحب.. وتحبيني
_ولكننّي أحبك
_حقّاً؟
_....
_لاحظي أنكِ بدأتِ تتراجعين صمتًا. الكلمات الجميلة سريعة العطب . ولذا لا يمكن لفظها كيفما ...ق!
لا تدري كيف تواصل الحديث إليه. وكل ما ستقوله سيصطدم بذكائه الحادّ. وبنظرته الفريدة إلى الأشياء.. تقول:
_أريد أن أتعلم منك فلسفتك في الحياة.
يضحك:
_أنا.. أعلمك فلسفة الحياة؟ أنت تطلبين أمرًا مستحيلاً. أنا أعطيك رؤوس أقلامٍ فقط. نحن لا نتعلم الحياة من الآخرين. نتعلمها من خدوشنا.. ومن كل ما يبقى منا أرضًا بعد سقوطنا ووقوفنا.
_وهل يحدث هذا دومًا؟
_طبعًا.. ستتعلمين كيف تتخلين كل مرة عن شيء منك، كيف تتركين خلفك كل مرة أحدًا..أو مبدأً..أو حلمًا. نحن نأتي الحياة كمن ينقل أثاثه وأشياءه. محملين بالمباديء.. مثقلين بالأحلام.. محوّطين بالأهل ولأصدقاء. ثم كلما تقدم بنا السفر فقدنا شيئًا ، وتركنا خلفنا أحدًا، ليبقى لنا في النهاية ما نعتقده الأهم. والذي أصبح كذلك، لأنه تسلق سلم الأهميات، بعدما فقدنا ماكان أهم منه!
تجد في حديثه بعض ما يساعدها على استدراجه للحديث عن نفسه. تسأله:
_ماذا تركت خلفك؟
يصمت. ويطول صمته. تتذكر أنه يجيب هكذا عن الأسئلة التي لا تستحق الجواب . فتصحّح خطأها.
_أقصد.. وما هو الشّيء الأهم بالنسبة إليك الآن؟
يجيب بصوت غائب:
_أنتِ..
يفاجئها الجواب، وكأنها لم تكن تتوقعه، هي كانت تتوقع أن يسألها "وأنتِ؟" ولكنه لا يفعل.. يواصل:
_سأنتظر موت الأوهام حولك. فربما يومها أصبح الأول في سلّم أولويّاتك عن جدارة.. أو عن مصادفة!
تقاطعه:
_لست في حاجة إلى خيبات أكثر لأحبك. أنا لا أملك غيرك.
_بل أنت تملكين الكتابة، أيْ وهم التّفوق. ولن نتساوى إلا عندما تكتب قصتنا الحياة.. لا أنتِ!
تسأله:
_أعدت بنيّة معاكستي..؟
_بل عدت بنية حبك. افتقدتك كثيرًا كل هذا الوقت. لا أفهم لماذا جاءت قصتنا معقدة إلى هذا الحدّ. أتدرين؟ لو كنّا أمّيّين لسعدنا بحبّنا. الأميّ يعرف ما يريده من امرأة، وتعرف هي ما تنتظره منه. ولكن نحن استهوتنا لعبة الكلمات. فرحنا نقسو على الحب إكرامًا للأدب. تصوّري.. لو كنّا أمّيّين لقلت لك من البدء "أشتهيك" وانتهى الأمر. ولكن، هانحن بعد منتصف الّليل نتحدث على اله... لا لنحبّ بعضنا بعضًا.. وإنّما لنفسّر هذا الحب .
_لنكن أمّيّين إذن!
_لا نستطيع .. الجهل ترف لم يعد في متناولنا.
_وماذا نفعل إذن؟
_لنكن رجلاً وامرأة لا غير. لنحب بعضنا بعضًا بمنطق الحبّ، لا بمنطق الأدب. لا يمكن أن نخرج من عتمة الحبر لندخل عتمة الليل. أطالب لحبنا بشرعيّة الضّوء. أريد أن أراكِ..أن ألمسك.. أن أقول لك أشياء دون أن نكون مجبرين على الكلام.
_ولكنّني لا أدري أين يمكن أن نلتقي؟
_ثمّة مقاهٍ ومطاعم جميلة حيث أنتِ.. يمكن أن تتقي فيها.
_ولكن كلّ جيراني هم من الضّبّاط.. وهم يعرفون زوجي. ولا يمكن أن أجازف بموعد هنا.
يصمت بعض الوقت ثم يقول:
_إذا شئت بإمكاننا أن تلتقي عندي في البيت. ولكنّي أسكن في العاصمة. على بعد ساعة منك بالسّيارة.. لا أدري إن كان هذا يناسبك؟
أقول:
_دع لي يومًا للتفكير.. سأتدبّر الأمر.
ثم أواصل كمن تذكّر شيئًا:
_ولكن قبل ذلك.. أريد أن أعرف من تكون.
يجيب وكأن السؤال ليس على هذا القدر من الأهمّية:
_أحبّيني دون أسئلة.. فليس للحب أجوبة منطقيّة.
_ولكن كيف تريد أن أزور رجلاً لا أعرف حتّى اسمه؟
_ستعرفين كل شيء في الوقت المناسب .
_ولكنّني امرأة لا تعرف الانتظار.
_خسارة.. لأن الأشياء تأخذ قيمتها من انتظارنا لها.
ثم يواصل:
_وبهذا المقياس أنت المرأة الأشهى، لأنك المرأة الّتي انتظرتها الأكثر. لقد انتظرتك عمرًا، وبإمكانك أن تنتظري أيامًا أو أسابيع. دعي للوهم عمرًا أطول.
لا أذكر ماذا قال بعد ذلك، كي تفاجئنا حالة لغويّة زجّت بنا في رغبة مباغتة، عمد إلى تمديدها إلى أقصاها دون جهدٍ واضح، عدا جهد رغبته في التساوي بأي رجلٍ أمّي.. يشتهي امرأة!
استيقظت في اليوم التالي مأخوذة بحالة عشقيّة، لولا أن نشرة الأخبار الصباحيّة عكّرت مزاجي.. فقررت أن أطلب زوجي لأعرف منه ما يحدث في قسنطينة.
ولكنّني فوجئت باله... معطّلاً، وهو ما زاد قلقلي وجعلني أتّجه نحو أول فيلاّ مجاورة. لاستعمال ه...هم.
ولكن صاحبة البيت استقبلتني ببرود، وهي تتفحصني بنظرة لا تخلو من الإهانة. وهو ما زاد في إرباكي. وجعلني أفسر نظراتها في البدء بكوني جئتها في ثياب البيت.. وربما في زيّ غير لائق بزيارة.
أمام الباب الذي فتحته لي دون أ ن تدعوني إلى الدخول ، رحت أشرح لها أنني أسكن الفيلا المجاورة وأن ه...ي معطل.
وقبل أن أواصل ، قالت وهي تقاطعني بلهجة لا تخلو من لومِ نسائي:
أنت الجارة الجديدة.." كل يوم عند العازبة عرس"!
أجبتها وأنا أتوقع أنها تخلط بيني وبين أخرى:
_أنا أسكن في الفيلا 68 على يمينكم. وموجودة هنا منذ أسبوع فقط.
أجابت بلهجة ساخرة:
_عادة تبقى النساء هنا.. ليلة أو ليلتين لا أكثر!
تجمدت مكاني. وكأن كلماتها صفعتني. ولكنني جمعت شجاعتي . وقلت:
_أنا زوجة العميد... جئت لأسألك فقط عن سبب تعطل اله... لأنني لم أتمكن من الاتصال بزوج في قسنطينة. ولا علم لي بما يحدث في هذا البيت قبل مجيئي.
بدا على المرأة ارتباك واضح. وراحت فجأة تفتح الباب، وتدعوني معتذرة إلى الدخول، وقد ندمت على ما قالته. معتقدة أنني إحدى الزائرات العابرات لهذا البيت، بعد أن شجعتها هيأتي الصباحية.. على مثل هذا الاعتقاد. وراحت تبحث عن كلمات تقنعني بها أنها توقعت أن أكو ن مقيمة في فيلا أخرى. وأنه نظرًا إلى خلو هذه الفيلات من المصطافين في باقي أيام السنة، تعود البعض اصطحاب عشيقاته وصديقاته إلى هنا، وهو أمر يزعجها لأنها تسكن هنا على مدار السنة.
أبديت لها تفهمي، واعتذرت لها عن الإزعاج وأنا أودعها بأدب. ولكنها ظلت تلح لأتصل بزوجي من بيتها. وقالت إن لا ضرورة لإزعاجه بمشكلة اله.... فسيتكفل زوجها بالاتصال بالجهات المعنية لإصلاحه فورًا.
عند عودتي لم أخبر فريدة بما قالته لي الجارة. احتفظت بتلك الإهانة بنفسي. وماذا عساها تقول وهي تحتفظ في أعماقها أن من حق أخيها أن يتصرف كيفما يشاء، ليس فقط لأنه رجل بل لأنه أيضًا رجل دولة.
العجيب أنني لم أشعر بالغيرة. إحساسي كان أقرب إلى الغثيان منه إلى إحساس آخر. فلم أشأ أن أفكر في النساء اللاتي تناوبن على هذا السرير. ولم أكلف نفسي مشقة وضع ملامح لوجوههن.
شكلهن لا يعنيني. فأنا أتصورهن من النوع الساقط والبذيء المظهر. وربما كن شقراوات مزيفات. عادة هذا النوع يروق لزوجي وربما كان يروق لكل الرجال. وهو أمر أتفهمه تمامًا.
ولكن مالا أفهمه،هو لماذا تزوج زوجي سمراء، إذا كان يحب الشقراوات؟ ولماذا تزوج مرة ثانية.. إذا كانت لا تشبعه سوى الوجبات التي يتناولها خارج البيت؟
أتذكر صديقة لي كان زوجها مغرمًا بالشقراوات. وكان يزعجها أن تطاردها الألسن هامسة دائمًا "لقد رأينا زوجك صحبة شقراء" فقامت المسكينة بصبغ شعرها .لا أملاً في إغرائه أو استعادته، وإنما حتى يبدو للناس ن بعيد أنه برفقتها. وكأن المهم في ذلك ، وإنما حتى يبدو للناس ن بعيد أنه برفقتها. وكأن المهم في هذه الحالات إنقاذ المظاهر!
أكبر عقاب حلّ بي يومها، لم يكن ما سمعته من تلك المرأة، وإنما عدم تمكني من سماع صوت ذلك الرجل.
في اليوم التالي، استيقظت على صوت زوجي الذي أعلن لي عودة الخط اله...ي. جاء صوته ليخرجني من كوابيس ليلتي . ولكن من دون أن يوقظ الأحلام الجميلة داخلي.
للأحلام صوت داخلي. أسميته"هو". هو الذي لا اسم له. والذي ليس سوى حرفين للحب. تتناوب عليها حروف النهي وحروف النفي.. وحروف التحذير.. وحروف التساؤل.
"هو" ليس أكثر من "لا" و"لن" و"هل" و"لِمَ" .. و"متى؟"..و"كيف؟".
"هو" ليس أكثر من حرفين وستة أرقام. ليست أرقام ه...ه . إنها أرقام اليانصيب التي ألعب بها قدري.
_اشتقتك.. لِمَ لم تطلبيني البارحة؟
_كان اله... معطلاً..
_وهل حسمت أمر لقائنا؟
_أجل إذا كان يناسبك سأزورك اليوم بعد الظهر.
يضع شيئًا من الصمت بيننا ثم يقول:
_أنا ليس لي برنامج غيرك. وبإمكانك أن تأتي متى شئتِ، ولكن..
_ولكن ماذا..؟
_الوضع لا يوحي بالأمان اليوم.
أطمئنه:
_لا يمكن أن يكون أسوأ مما عرفته في قسنطينة.
يجيب:
_لا أعتقد أن تكوني عرفت شيئًا كهذا.
يثير فضولي. أسأله:
_مالذي يحدث؟
يجيب:
_لقد تحولت ساحات العاصمة في الليل إلى غرف نوم ضخمة. افترش فيها الإسلاميون الأرض. لا ينهضون منها إلا في الصباح لإطلاق الشعارات والتهديدات.. والأدعية إلى الله..
_ومتى حصل كل هذا؟
_البارحة.. لقد جاءت بهم الباصات بالعشرات حتى هنا. نساءً ورجالاً..
أسأله متعجبة:
_النساء أيضًا ؟
يجيب:
_لقد وصلن في أتوبيسات مسدلة الستائر. لا يبان منها إلا القرآن المرفوع خارج النوافذ.
أسأله وقد بدأت أفقد شيئًا من حماسي:
_وهل ما يحدث قريب منك؟
يجيب:
_طبعًا.. أنا أسكن شارع العربي بن مهيدي.. إنه شارع متفرع عن ساحة الأمير عبد القادر حيث يتم الاعتصام..
أقاطعه:
_أعرف هذا الشارع جيدًا.
كدت للحظة أتخلى عن مشروعي الجنوني. ولكنني كنت على درجة من الإحباط، أصبح معها عدم اللقاء به هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لي.
توقعت أن أفاجئه وأنا أقول:
_سأسلك طريق البريد المركزي للوصول إليك. أعطني العنوان فقط.
ولكنه أجاب بفرح أسعدني:
_توقعت منك جوابا كهذا.. إنه يشبهك.
ثم واصل:
_أفهمت لماذا أحبك؟
قلت وأنا أمازحه:
لا.. لم أفهم . ستشرح لي ذلك عندما أجيء!
* * *
إنها الثالثة أخيرًا. أخيرًا إنها الثالثة.
أيها الحب تأخرت كثيرًا. فلماذا تستعجلني الآن إلى هذا الحد. وتركض بي في سيارة ستوصلني إلى منتصف الرغبة، لأواصل وحدي المشي لاهثة في شارع الخوف، متحايلة تارة على عيون سائق يحترف التجسس، وتارة على نظرات مارة متفرغين للفضول.
ولكن من يملك ما يكفي من الحدس، لقراءة خطى امرأة ذاهبة أو عائدة من موعد حب؟
ذلك أنه عكس كل الذين يملكون وقتًا كافيًا لتبذيره، الحب معك لا صبر له؛ يعلمك كل شيء دفعة واحدة، والشيء ونقيضه في تجربة واحدة.يعلمك أن تكون أنت وآخر في آن واحد. ويجعلك ممثلاً من الدرجة الأولى.
أجتاز ساحة الأمير عبد القادر راجلة بخطًى رصينة وداخل ثياب محتشمة. أتعلم المشي داخل هذه العباءة.. وهذا الشال الذي يغطي شعري، وكأنني لم أخلعهما يومًا.
أشعر بأمان، وسط عشرات الرجال ذوي الأزياء العجيبة والملامح العدوانية، والمشغولين عن همومي الأرضية، بهموم الآخرة. مرددين هتافات وشعارات دينيّة وسياسيّة.
وكنت أردت تفادي المرور بهذه الساحة . ولكن كان لا مفر من مروري بها، وقد ازدحمت كل الشوارع المؤدية إليها، وتلك المحيطة بها. وهو ما كان سيؤخر موعدي بساعة على الأقل.
لا أذكر أني مررت من هنا، إلا وصدمتني مقاييس تمثال الأمير عبد القادر. ووضعتني في حالة عصبية. واليوم أيضًا على عجلتي، يلفت انتباهي، وجوده وسط بحر من الحشود البشرية التي لا يكاد يعلو عليها سوى بمترين أو ثلاثة. حتى أن بعضهم تسلقه بسهولة وحمّله أعلامًا خضراء.. وسوداء.
ما يحزنني حقًا، هو أحجام تلك التماثيل الهائلة التي تزين العواصم العربية. لحكام لم يقدموا لشعوبهم غير المجازر والدمار. مقارنة بهذا التمثال المتواضع لرجل وهبنا كبرياء التاريخ. وأسس لنا أول دولة جزائريّة أذهلت فرنسا نفسها.
رجل لم يطالبنا بأن نعيد رفاته من الشام، ولا بأن نصنع له تمثالاً في ساحة هو أكبر منها.
إنه زمن عجيب حقًا، اختلّت فيه المقاييس، وأصبحت فيه الشعوب تصنع تماثيل لحكامها. على قياس جرائمهم.. لا على قياس عظمتهم!
لذا مازال الأمير منذ ربع قرن، غير راضٍ عن وجوده بيننا، مولّيًا ظهره إلى مقر حزب جبهة التحرير.. ووجهه صوب البحر.. وهو ما غذّى كثيرًا من النكت السياسيّة لدى سكان العاصمة.
أجل..حدث أن كنا يومًا شعبًا يتقن السخرية، فكيف فقدنا الرغبة في الضحك؟ وكيف أصبح لنا هذه الوجوه المغلقة.. والطباع العدائية .. والأزياء الغريبة التي لم تكن يومًا أزياءنا؟
كيف أصبحنا غرباء عن أنفسنا ، وعن بعضنا بعضًا، غرباء إلى حد الخوف، وحد الاحتياط من عيون تتفحصنا، أو خطى تسير خلفنا.
أمشي. يقودني الخوف إلى السرعة تارة. وإلى التأني تارة أخرى. محتمية بثياب لا تشبهني، استعرتها هذه المرة من امرأة أخرى. ليست سوى فريدة.
ها أنا أعيش بين ثياب امرأتين. إحداهما تحترف الإغراء .. والأخرى التقوى. أذهب لملاقاة ذلك الرجل مرة في ثوب أسود ضيق، ومرة في عباءة فضفاضة، لا يبدو منها سوى وجهي . تتناوب عليّ امرأتان، كلتاهما أنا.
ولأننا نفكر، ونتصرف كل مرة حسب ما نرتدي وحسب ما نخلع، فانا الآن، أمر بهذا الحشد من الناس بتواطؤٍ غامض. أكاد أشاركهم حماسهم وه....م، لولا أن عيني تواصلان البحث عن رقم البناية التي ينتظرني فيها ذلك الرجل.. وعقلي يواصل السؤال. لماذا يوجد هذا الرجل دائمًا بمحاذاة السياسة ويعود بتوقيت التاريخ؟ ولماذا معه، يحتاط فرحي من الحزن؟
أمام مقهى "الميلك بار" الذي اجتازه بخوفٍ بالغ، أتذكر فجأة "جميلة بوحيرد" التي، أثناء الثورة، جاءت يوما إلى هذا المقهى نفسه. متنكرة في ثياب أوروبية. وقد طلبت شيئا من النادل, قبل أن تغادر المقهى تاركة تحت الطاولة, حقيبة يدها الملأى بالمتفجرات، تلك التي اهتزت لدويها فرنسا، مكتشفة- هي التي كانت تطالب برفع الحجاب عن المرأة الجزائرية- أن هذا السلاح أصبح يستعمل ضدها. وأن امرأة في زي عصري، قد تخفي.. فدائية!
بعد أربعين سنة، ها أنا الوريثة الشرعية لجميلة بو حيرد. أمر بهذا المقهى نفسه. متنكرة في ثياب التقوى.بعد أن اكتشفت النساء-هذه المرة أيضًا – أن ثياب التقوى قد تخفي عاشقة. تخبئ تحت عباءتها جسدًا مفخخًا بالشهوة.
بخوفها نفسه، بتحديها وإصرارها نفسه. أمشي هذا الشارع. بعد أن أصبح الحب هو أكبر عملية فدائيّة تقوم بها امرأة جزائريّة.
دومًا، كنت أقول لامرأة كانت أنا: لا تمري عندما تشعل الحياة أضواءها الحمراء. تعلمي الوقوف عند حاجز القدر. عبثًا تزوّرين إشارات المرور. لا تؤخذ الأقدار عنوة.
وكنت أقول.. لقلب كان قلبي: حاول أن لا تشبهني. لا تكن على عجل. أنظر يمينك ويسارك، قبل ان تجتاز رصيف الحياة. لا تركب هذا القطار المجنون أثناء سيره . الحالمون يسافرون وقوفًا دائمًا، لأنهم يأتون دائمًا متأخرين عن الآخرين بخيبة!
وكان يردّ:
"كل من عرفتِ مشت على أحلامهم عجلات الوطن. والذين أحببتِ، تبعثروا في قطار القدر. فاعبري حيث شئت. ستموتين حتمًا.. في حادث حبّ!".
في كل خطوة، كنت أشعر أنني حققت معجزة البقاء على قيد الحياة. وأعجب لأن قلبي مازال مكانه، رغم تسارع دقاته التي تدقّ في اللحظة نفسها، دقة شوقًا، ودقة خوفًا، على إيقاع هتافات تحملني وتغطي على كل صوت داخلي: "لا دراسة.. لا تدريس، حتى يسقط الرئيس" وتردّ أخرى "لا ميثاق.. لا دستور.. قال الله.. قال الرسول".



ذي البناية أخيرًا.
أكاد لا أجتاز بابها حتى أشعر أنني أغادر عالماً.. وأدخل آخر.
درجها المتسخ لا يعنيني. مصعدها المعطل لا يثنيني. والطوابق الأربعة التي سأصعدها تزيد من حماسي.
إن أجمل لحظات الحبّ.. هي عندما نصعد الدرج!
أمام باب ينتظرني خلفه المجهول، أستعيد أنفاسي وأحاول أن أتفقد هيأتي. ولكن قبل أن أدق الباب، أراه يفتح أمامي. وقامة أعرفها تختفي قليلا خلفه. وكأنها تشير إليّ بالدخول.
فأدخل.. وينغلق الباب خلفي.
أنا التي خبرت عناوين الحب جميعها، أدري أن الحب لا يقيم في الفنادق من فئة خمسة نجوم، ولا في البيوت الباذخة البرودة. ولذا أسعدني أن يكون هذا البيت في بساطة عش ودفئه.
أتجه منهكة دون استئذان نحو أول غرفة تقابلني. ألقي بحقيبة يدي على الأريكة. أوشك أن ألقي بنفسي أيضًا جوارها. ولكنني أبقى واقفة لحظة أتأمله. وكأنني أبحث فيه عن سبب يبرر كل هذا الجنون.
يقترب مني، وتمتد يداه لترفع عن رأسي غطاء نسيت أن أخلعه. يوشك أن يقول شيئاً. ثم تسبق كلماته ابتسامة، يليها اعتراف لا يخلو من الحسرة:
- كم اشتقتك..!
ولا أملك إلا أن أجيبه:
- وأنا.. ماذا غير الشوق جاء بي إليك؟ ليتك تدري كم كان المجيء إليك صعباً!
يجلس على الأريكة المقابلة لي. يعبث بهدوء بذلك الشال الذي ما زال ممسكا به. يتأملني في هيأة لا تشبهني وكأنه يتعرف إلي، بينما أتأمل أنا تلك الغرفة التي يغطيها أثاث بسيط منتقى بذوق عزوبي، لا يتعدى أريكة كبيرة من المخمل، تشغل وظيفة الصالون. وطاولة، ومكتبة تمتد على طول الجدار المقابل. ولا تترك فيها الكتب المصطفة بنظام، سوى مكان لجهاز التلفزيون. ولجهاز موسيقى، تنبعث منه معزوفة خافتة على البيانو لريشار كليدرمان.
أحبّ تطابق ذوقي مع ذوق هذا الرجل. وأحب أكثر، تطابق مزاجنا الغريب في التصرف عكس المنطق، كالاستمتاع إلى معزوفة موسيقية في يوم على هذا القدر من الجنون الصارخ. الأمر الوحيد الذي فاجأني. هو عدم وجود أية لوحات في هذا البيت. وهو ما كان سيساعدني على اكتشاف هذا الرجل.
أسأله:
_ماذا تستهلك عدا السجائر؟
_أستهلك الصبر.. والصمت.
_وكيف يمكنك أن ترسم بهذه الأحاسيس الثلجيّة؟
_ومن قال لك إنني أرسم.؟ أن ترسم يعني أن تتذكّر.. أنا رجل يحاول أن ينسى.
أقول:
_أريد أن أرى بعض أعمالك..هل يمكن أذلك؟
يجيب:
لا..ليس معي شيء منه.
_وماذا فعلت بها..؟
_لقد تركتها في مدينة أخرى.
يساورني فجأة إحساس بالشكّ في ما يقوله، بل إحساس بأنه يخفي شيئًا ما، أو يكذب، وأنه لم يكن يوماً رساماً.
أسأله:
_أين تعلّمت الرّسم.
يجيب بما يؤكد ظنّي:
_إن أسوأ شيء بالنّسبة إلى رسّام، هو دخول مدرسة للرّسم!
كنت أريد أن أجادله في هذا الرأي. أو ربما فقط أستدرجه للحديث عن نفسه. ولكنه صمت. ولم يغادر صمته إلاّ ليحدّثني بعد ذلك عن الأوضاع السياسية. ويسألني إن كنت وجدت صعوبة في الوصول إليه.

كان يتحدث. وكنت مشغولة عنه، بالإنصات إلى يديه. كانتا الشيء الوحيد الذي يتكلم كثيراً عليه.
تعلّمت أمام أجوبته الهاربة، أن أستجوبهما. وجدت فيهما المدخل الوحيد الذي يؤدي إليه.
إنهما بدءًا تفضحان كسله؛ فهو لا يستعمل منهما سوى واحدة: اليمنى دائمًا.
أتأمل طويلاً أصابعه، أشعر أنها في امتلائها وطولها تقول الكثير عن رجولته. وأن طريقته في تقليم أظافره، باستدارة مدروسة، كأنه لا يريد أن يؤلم أحداً ولو عشقًا. تطمئنني، وتثير شهيّتي للمسات حميميّة، ولكنها لا تساعدني إطلاقًا على معرفة مهنته الحقيقيّة.
هذا الرجل ليس رسامًا. يده أكثر رصانة من يدين تعيشان بعصبيّة الخلق.
نحن نعرف عازف البيانو من رشاقة أصابعه. ونعرف النجار الذي غالباً ما يكون فقد إصبعًا من أصابعه. ونعرف الدهّان ونعرف الجزّار. ونعرف المعلم من الطباشير العالقة به، والفلاح الذي انغرس التراب في أظافره، وعامل المطبعة الذي أصبح الحبر جزءًا من بصمات أصابعه.
مذهل هو عالم الأيدي، في عريه الفاضح لنا. ولا عجب أن يكون الرسامون والنحاتون، قد قضوا كثيرًا من وقتهم في التجسس على أيدٍ، كانوا يدخلون منها إلى لوحاتهم ومنحوتاتهم، حتى إن النحات "رودان" الذي أخذت الأيدي كثيرًا من وقته وتركت كثيرُا من طينها على يديه، كان يلخص هوسه بها قائلاً: "ثمة أيدٍ تصلي وأيدٍ تلعن، وأيدٍ تنشر العطر وأيدٍ تبرد الغليل.. وأيدٍ للحبّ". فكيف له إذن أن ينحت واحدة دون أخرى؟
ذلك أن اليدين، تقولان الكثير عن أشيائنا الحميمة. تحملان ذاكرتنا، أسماء من احتضنا يوماً. من عبرنا أجسادهم لمسًا أو بشيء من الخدوش.
تقولان عمر لذتنا، عمر شقائنا. تفضحان العمر الحقيقي لجسدنا. تفضحان كلّ ما مارسناه من مهن. كلّ ما مارسنا أو لم نمارس من حبّ.
ولذا ثمة أيدٍ، كأصحابها، ليست أهلاً للحياة. ما دامت لم تفعل شيئاً بحياتها.
أتأمل يديه، وأدري تماما أنني أتأمل يدين عرفتا الحياة. حبكتاها، عجنتاها، حدّ الولع. منحتا النساء كثيراً من المتعة. ومنحتهما الحياة كثيراً من الخيبة، التي تبدو واضحة من كسلهما المتعمد.
يدان داعبتا.. اكتشفتا..عبثتا.. أشعلتا أكثر من أنثى. وهما تشعلانني الآن خلف دخان سيجارة الصمت.
تضرمان النار في أسئلتي. تشعلان حرائق غيرتي. هاتان اليدان اللتان لم يعلق بهما شيء. هل حدث أن تعلقتا بأحد؟ وما اسم آخر امرأة أحبتا؟ آخر امرأة عرّتا؟ ما عمر لذتهما؟
أنا التي تأملته كثيرًا, أدري أنه رجل متعدد الأعمار. ولذا كان بإمكاني أن أسأله "ما عمر عي...؟ ما عمر شفتيك؟ أو.. ما عمر صمتك يا سيدي؟".
ولكنني سألته:
-ما عمر يديك؟

Najma
29-08-2007, 04:27 PM
ولكنه أجاب دون انبهار واضح بسؤالي:
-عمرهما.. عمر خيبتي.
قلت:
-ولكنني برغم هذا أحبهما.
أجاب وهو ينهض فجأة ليقلب الشريط. وكأنه يقلب موضوع حديثنا.
-لقد أحببتِ دائمًا عقَدي!
لم أفهم ما يعنيه.ولم أحاول التعمق في الفهم. اكتفيت بالوقوف متجهة بدوري نحو المكتبة التي كان بي فضول لاكتشافها، مستفيدة من جهل هذا الرجل لتلك المقولة الجميلة لرولان بارت "على المرء أن يخفي عن الآخرين صيدلية بيته.. ومكتبته!".
استدرجتني كثرة كتبها إلى إلقاء نظرة على عناوينها. وكأنني أطالع أخيراً هذا الرجل الذي استفاد من انشغالي بها لينسحب قائلا:
-أتوقع أن لا تفتقديني كثيرًا.. لو أنا ذهبت لأعدّ لك قهوة!
ضحكت.. أجبته:
-طبعا لا.. لا يمكن للكتب إلا أن تقربنا!

منذ النظرة الأولى. فاجأتني شساعة المواضيع التي تضمها هذه المكتبة، والتي تفضح ثقافة عالية باللغتين، واهتمامات تاريخيّة وسياسية متشعبة, لم أتوقعها في هذا الرجل.
بينما تعجبت لعدم وجود أي كتاب عن الفنون التشكيلية أو عن الرسم، في بيت رسام، تضم مكتبته كتباً متعددة الاهتمامات, تتناول حياة بعض رجال التاريخ والصراع العربي الإسرائيلي، وحتّى السطوة العالمية للشركات المتعددة الجنسية، ولا يوجد للإبداع مكان فيها، سوى في رف سفليّ، تمتد على طوله كتب صغيرة للجيب، ضمن سلسلة الشعر الفرنسي المعاصر. بينها كتاب "أزهار الشرّ" لبودلير و"المركب الثمل" لرامبو.. وآخر لجان كوكتو وشعراء آخرين.

كنت أتصفح بعضها بفضول، عندما وقعت على كتاب لهنري ميشو "أعمدة الزاوية". وهو كتاب لم يحدث أن قرأته أو سمعت به. رغم أنني أحببت في زمن بعيد هذا الشاعر.
لا أدري أية مصادفة قادتني إلى ذلك الكتاب بالذات. فقد كان، بين ما تصفحته من كتب، هو الوحيد الذي وضع علي هذا الرجل بعض ملاحظاته، وإضافات أو إشارات إلى مقاطع دون غيرها.
شعرت وأنا أتصفحه أنني وقعت على المفتاح الذي يفتح سر هذا الرجل.
وصدّقت تماما مقولة رولان بارت. فإذا كانت صيدلية بيتنا تفضح للآخرين أمراضنا، فإن مكتبتنا قد تقول لهم أكثر مما نريد أن يعرفوه عنّا. خاصة إذا وقعوا على كتاب شاركنا في مواصلة كتابته على الهامش.
كنت ما أزال أتصفحه عندما عاد محملاً بالقهوة.
سألته:
-أيمكنني أن أستعير منك هذا الكتاب؟
قال دون أن يكلف نفسه مشقّة سؤالي عن عنوانه.
-طبعاً!
واصل وهو يضع القهوة على الطاولة:
-طلباتك متواضعة. كنت أريد لك طلبات أجمل!
أجبته وأنا أعيد الكتب الأخرى إلى الرف:
-أكتفي بالمتواضعة.. الأجمل لا تطلب!
قال وكأنه يتدارك خطأً:
-الأجمل يأتي دائماً متأخراً.. يا سيدتي!
كان صوته ملامساً لمسمعي. ما كدت ألتفت خلفي حتّى وجدتني على حافة جسده. بيننا مسافة أنفاس وقبلة. ولكنه لم يقبلني. امتدت يده اليمنى نحو شعري، تلامسه مروراً بعنقي ببطء وعبث مثير. ثمّ انزلقت نحو أذنيّ، تخلع عنهما الواحدة بعد الأخرى قرطهما.
وضع القرطين على رفّ المكتبة، بتلقائية من تعود أن يخلع عن امرأة أشياءها الصغيرة. وكأنه كان يهيئني لطقوس عشقية. ثم راحت شفتاه تبدآن حيث توقفت يداه.
ها هما تعبرانني ببطء متعمد. على مسافة مدروسة للإثارة. تمرّان بمحاذاة شفتيّ, دون أن تقبلاهما تماما. تنزلقان نحو عنقي، دون أن تقبلاه حقاً، ثم تعاودان صعودهما بالبطء المتعمد نفسه.
وكأنه كان يقبلني بأنفاسه لا أكثر.

هو يعرف كيف يلامس أنثى. تماما كما يعرف ملامسة الكلمات، بالاشتعال المستتر نفسه. يحتضنني من الخلف، كما يحتضن جملة هاربة، بشيء من الكسل الكاذب. فأبقى متكئة على الجدار حيث استدرجني منذ البدء، وقد خدرتني زوبعة اللذة، دون أن أسأل نفسي. ماذا تراه فاعلاً بي؟ تراه يرسم بشفتيه جسدي؟ أم يرسم قدري؟ تراه يملي عليّ نصي القادم؟ أم تراه يلغي لغتي؟
هذا الرجل الذي يكتبني ويمحوني بقبلة واحدة, أو حتى من دون أن يقبلني، كيف أقاومه وهو يعبر بشفتيه الممرات السرية للرغبة، ثم يجتاحني بشراسة مفاجئة، يلتهم شفتيّ مبتلعاً كلّ ما كنت سأقوله له؟
أكتشف أنه بدأ الآن فقط بتقبيلي. ممسكاً بي من شعري المنفلت في يده، خالطًا ريقي الممتزج بريقه.. مثيراً لعرقي الذي يطغى على عطره، قاطعاً لأنفاسي التي ضاعت في فمه، حتّى لكأنني أتنفس منه ومعه.
كنت أتمنى لو ضمّني إليه كي يمنعني من السقوط. ولكنه كان يتلذذ بانبهار أنوثتي به، حتّى أنه لم يستعمل لضمّي سوى ذراع واحدة.
ثمّ كما في قبلة عنقودية.. راح يضع على عنقي قبلات تنازلية متدرجة، متلاحقة، وكأنه يضع نقاط انقطاع عند نهاية نصّ قد يعود إليه ومضى.

رحت أستعيد أنفاسي. أتنبه للثوب الذي أتصبب تحته عرقًا، وأنا أراه يخلع جاكيته، يشعل سيجارة، ويجلس على تلك الأريكة لاحتساء قهوته.
عاودتني أسئلتي.. وأنا أنظر إليه
كما تقرأ غجرية الكف، رحت أقرأ هيأته. بحدسي وحواسي فقط.
لا يعنيني اللحظة أن أكتشف ماضيه، بقدر ما يعنيني أن أطالع قدري مكتوباً عليه، قدراً متعب الشفاه، فوضويّ الشعر، كسول الكلمات، مربك اللمسات، مباغت القبلات، متناقض الرغبات، كرجل في الأربعين.
يسألني:
-فيم تفكرين؟
أجيب:
-أحب الرجال في الأربعين
يبتسم.. يردّ:
-ولكنني لست الرجل الذي تتوهمين!
يلقي برماد سيجارته في المنفضة. ويمد نحوي يده:
-تعالي.. اجلسي قريباً مني
أتردد بعض الشيء قبل أن أعترف:
-إنني أتصبب عرقاً. أنا أرتدي هذه العباءة منذ ساعات.
أتوقع أن يقول اخلعيها مثلاً. لكنه يقول وهو يسحبني إلى جواره:
-أحب رائحتك.. لقد أحببت دائماً لغة جسدك!
ثم يواصل وكأنه يطمئنني:
-إن جسداً لا رائحة له.. هو جسدٌ أخرس!
أقول وأنا أجلس على مقربة منه:
-أخاف أن يأتي يوم يصبح فيه جسدي أكثر بلاغة مني!
يردّ:
-في جميع الحالات هو أكثر صدقًا منك.. فوحدها حواسنا لا تكذب
يواصل:
-لكن العجيب.. أنّ لي إحساساً ثابتاً بأنني قابلتك في بيت آخر، وقبّلتك في زمن آخر، وأنّ هذه الرائحة أعرفها من ضمة أخرى، وهذا المذاق خبرته في قبلة أخرى.. كيف تفسرين أنّ بإمكاننا أن ننسى الجسد الذي امتلكناه ولكننا لا ننسى الجسد الذي اشتهيناه.. ولم نمتلكه؟
طبعاً لم أكن أملك جواباً لأسئلة كهذه. خاصةً أنني لم أكن أبادله الإحساس بأن هذا قد حدث في زمن سابق.
أكتفي بالقول:
-جميلة هي هذه الحالة العالية من الرغبة. ثمة بطولة ما، في البقاء على قيد الوفاء.. لِوَهْم!
ولكنّه وضع رجليه على الطاولة المقابلة له وقال بشيء من السخرية وهو ينفث دخانه بيننا:
-أية بطولة؟ مازلت تأخذين الحياة مأخذ الأدب، لأن الناس يحبون القصص التي تنتهي بخيبة، والتي تكثر فيها المبادئ، ويصمد فيها "البطل" حتى الصفحة الأخيرة، لأنهم في الحياة عاجزون عن الصمود إلى هذا الحدّ..
وأضاف:
-انتهى زمن القضايا الجميلة. لقد خذلتنا البطولات في الحياة. فلتكن لنا في الروايات بطولات أجمل.
كلّ بطولات الفضيلة.. وكلّ انتصارات الحكمة. لا تساوي شيئاً أمام عظمة السقوط في لحظة ضعف أمام من نحبّ. السقوط عشقاً، هو أكثر انتصاراتنا ثباتاً!
يمسك بيدي كأنه يستوقفني يقول:
-هذه المرّة.. أريد لنا بطولات بسيطة وجميلة.. في متناول الجميع. كأن تكون لنا أطول قبلة في تاريخ الأدب الجزائري..
ثم يسألني أمام دهشتي:
-أتدرين بماذا فكرت وأنا أقبلك منذ قليل؟
قلت بفضول:
-بماذا؟
أجاب:
-فكرت أنّ الحياة بدأت معنا في تقليد الأدب. كأن الحبّ أومأ لنا، لنواصل في الحياة، قبلة بدأناها في كتاب سابق.
كما في تلك الرواية. ها نحن في موعدنا الأول نفسه. نواصل قبلة أمام المكتبة إياها. وأنت تستعيرين أحدها.
أحب مصادفة هذه القبلة العابرة للكتب، العابرة لقصّتين. تصوّري روعة قبلة يبدأها رجلٌ وهميّ في كتاب.. ويواصلها في الحياة رجل آخر، تطابق مع الأول حتّى لكأنّه يعرف مذاق شفتي هذه المرأة.
في زمن البطولات الخارقة، والصواريخ العابرة للقارات والأقمار العابرة للكواكب... قبلةٌ عابرةٌ للزمن، عابرة للروايات، تظلّ أهم إنجاز قد يفتخر به المرء.
أقول:
-جميل كلّ هذا.. ولكن لا أفهم لماذا تصرّ على تحطيم هذا الرقم القياسيّ بالذات. عادةً يزهو الرجال بتحطيم أرقام قياسية أخرى!
يضحك وكأنّ سؤالي فاجأه. يقول بعد شيء من الصمت وكأنه جمع كلماته استعداداً لمرافعة:
-لأن القبلة هي الفعل العشقيّ الوحيد الذي تشترك فيه جميع حواسنا. نحن في حاجة إلى حواسنا الخمس لتقبيل شخص. ولكن لسنا في حاجة إليها جميعها لنمارس الجنس. القبلة تفضحنا. لأنها حالة عشقية محض، لا علاقة لها بالرغبات الجنسية التي نشترك فيها مع كلّ الحيوانات.
ولذا، نحن قد نمارس الحبّ مع شخص لا نشعر برغبة في تقبيله. وقد نكتفي بقبلة من امرأة تمنحنا شفتاها من الحمّى، ما تعجز أجساد كلّ النساء على منحنا إياه!

تعلو وجنتيّ حمرة مفاجئة. أرتبك لهذه الكلمات التي يتكهرب لها جسدي. ولكنني لا أقول شيئاً، وكأنني أصبحت فجأة أخرى.
يرفع عن وجهي خصلة أسدلها الارتباك. يقول:
-مارست الحبّ كثيراً.ولكنني الآن أنتبه أنّني لم أقبّل امرأةً منذ زمن طويل، وأنّ عمر لذتي توقف على شفتيك عند الصفحة 172.
أوشكت أن أسأله، عن أي كتاب يتحدّث؟ وكيف يذكر رقم الصفحة بالتحديد؟ ولكنني لم أعد أجد لي صوتاً أضيف به شيئاً إلى ما قاله.
فأقف وكأنني أبحث عن جواب قد أعثر عليه واقفة.
قد يكون أساء فهمي. فقد نظر إلى ساعته وسألني:
-متى يحضر السائق؟
أجبته:
-إنه ينتظرني عند الخامسة.. في الشارع الخلفيّ.
ردّ:
-أمامك ربع ساعة. أنصحك بالذهاب.
لا أجادله في شيء. فأنا أعرف عادته في قطع موعدنا في لحظته الأجمل. كما ينقطع تيار كهربائي أثناء احتفال.
أضاف وكأنه انتبه لشؤون أنساه إياها الحبّ:
-الوضع سيء، وقد تحدث مواجهات في الساعات القليلة القادمة بين المتظاهرين والجيش.
سألته كمن يبحث عن عذر للبقاء.
-لماذا اليوم؟ لماذا الآن؟
قال:
-لأن زعيم الإنقاذ خطب اليوم واصفاً ال...لي بأنه مسمار مزروع في كعب الجزائر لابدّ من اقتلاعه، وأنّ مسيرة من الملتحين تتوجه نحو القصر الرئاسيّ مطالبة بتقديم تاريخ الانتخابات الرئاسية.
سألني وهو يرى اندهاشي لهذه الأخبار:
-ألا تستمعين إلى الإذاعة؟
قلت كمن يعتذر:
-لا يوجد مذياع حيث أنا، ولأنك نصحتني بأن لا أطالع الجرائد.
فأنا معزولة عن العالم منذ أسبوعين، في ذلك المصيف.
رحت على مرأى منه أجدد هيأتي أمام مرآة. أضع من جديد ذلك الشال على رأسي.
أشياء حوله أحسدها. أتركها خلفي وأتجه نحو الباب.

استوقفني حاملاً ذلك الكتاب. قال مازحاً وهو يمدّني به:
-يبدو لي الآن أنني أتطابق مع خالد في تلك الرواية. ولكن لا خطر من إعارتك هذا الكتاب.. مادام ليس ديواناً لزياد!
عجبت لذاكرته، ولغمزته الساخرة، وأدهشني أن يعرف إحدى رواياتي إلى هذا الحدّ.
قلت وأنا أطمئنه:
-لقد مات هنري ميشو منذ عدّة سنوات. ولا خطر عليك منه!
ردّ مازحاً:
-لا أدري.. ولكنّني تعلمت أن لا أطمئن إلى قراءاتك!
ضحكت.
تذكّرت أن في تلك الرواية تستعير البطلة من خالد ديوان شعر لصديقه الفلسطيني زياد، الذي لا ينفك يحدثها عنه وعن شعره بإعجاب. مطمئناً إلى وجوده في الجبهة. ثم يصادف أن يحضر زياد من لبنان لزيارة باريس لبضعة أيام، فتقع البطلة في حب الشاعر وتتخلّى عن الراوي، الذي خسرها منذ بدأت في قراءة ذلك الكتاب.

أمام الباب الذي ما زال مغلقاً على سرّنا، ضمّني إليه دون أن يقول شيئاً. وكأنّ ذلك الشال الذي يغطّ رأسي أعادنا إلى خانة الغرباء.
افترقنا دون قبلة, دون سلام. كلمات قليلة فقط قالها وأنا أغادر البيت:
-أنتظر ه...ك.. اطلبيني حال وصولك لأطمئن إليك..
أجبت بصوت غائب:
-سأفعل..
توقفت لأنظر إلى الباب وهو ينغلق خلفي، على لحظة مسروقة من شرعيّة القدر. ونزلت الدرج بخطى سارق يرى في كلّ من يصادفه، عيوناً تشتبه في أمره. وهو نفسه يبدأ بالاشتباه في سعادته، وفي لذة وقد مضت، لم تعد تستحقّ كلّ تلك المجازفة. وفي لحظة حبّ وقد انتظرها طويلاً، وخطط لها عدّة أيام، وإذا بها في لحظة صغيرة، لا تتجاوز ما يستغرقه إغلاق باب من وقت، قد أصبحت خلفه.
أجل.. لا أتعس من عاشق يهبط الدرج!
أعود إلى البيت سالكة الطريق نفسه، ولكن بخوف أكثر، وحماس أقلّ. تسكنني فسحة غامضة للفرح.. وأخرى للندم.
أن تخلو بنفسك ساعتين في سيّارة يقودها سائق عسكريّ يعود بك من موعد حبّ، سالكاً شوارع الغضب وأزقّة الموت، ليس سوى سقوط مفجع نحو الواقع، ووقت كافٍ للندم.
يساعدك في ذلك زيّ التقوى الذي تلبسه. وإذا به يلبسك إذا بك تفكر ضدّ نفسك!
ولذا ما كدت أصل إلى البيت، حتّى أسرعت بخلع تلك العباءة، واعدتها إلى صاحبتها. عساني أتصالح مع جسدي.
منذ قرن، لكي تستطيع الكتابة، تبنّت جورج صاند اسمًا رجالياً، وثياباً رجالية. عاشت داخلها كامرأة. ولأنّ هذا لم يعد ممكناً، فأنا أستعير كلّ مرة ثياب امرأة أخرى، كي أواصل الكتابة داخلها.
الأدب يعلّمنا أن نستعير من الآخرين حيواتهم قناعاتهم، وهيأتهم الخارجية. ولكن ليس السطو على أشيائهم الحميمية هو الأصعب.
الأصعب عندما نغلق بعد ذلك دفاترنا، ونخلع ما ليس لنا، ونعود لنقيم في أجساد لم تعد تعرفنا، لكثرة ما ألبسناها ثياباً لا تشبهها!
أرتدي ثوب بيتي الصيفيّ. وأجلس لأفكر في ما حلّ بي.
اللّذة كالألم. تجبرك على إعادة النظر في حياتك، على مراجعة قناعاتك السابقة، بل وقد تذهب بك إلى حدّ سؤال جنونيّ: "ما جدوى حياتك بعدها؟".
ثمّة قُبل إن لم تمت أثناءها، فأنت لست أهلاً لأن تعيش بعدها. وفي الحالتين تقع على اكتشاف مدهش: أنت لم تكن قد جئت إلى الحياة قبلها.
..كذلك الذي كان يتطاول على الموت، ويردّ ضاحكاً على خوفي عليه قائلاً "إنني في حاجة إلى أن أموت أحياناً.. لأعي بعد ذلك أنني ما زلت على قيد الحياة".

كنت عندما تأتيني الحياة بكلّ هذه المتعة، أخاف أن أعي أنني كنت قبل ذلك في عداد الأموات.
قُبلة واحدة، وإذا بي أكتشف الحياة دفعة واحدة. وأكتشف حجم خسائري السابقة.
كنت أودّ لو كان بإمكاني أن أملأ هذا الدفتر الأسود. وأنا أصف فقط هذه اللحظة الفاصلة بين عمرين. أن أوقفها. أن أحنطها داخل الوقت.
أود لو كانت لي يدا النحات الشهير رودان وموهبته، كي أخلد عاشقين، توقف بهما الزمن إلى الأبد في لحظة شغف، وهما منشغلان عن العالم، ومنصهران في قبلة من حجر.
لو كانت لي قدرة بروست في رائعته البحث عن الزمن الضائع على كتابة عشرين صفحة في وصف قبلة واحدة لا أكثر.
ألأنّ قبلة بروست لم تحدث حقاً، وانتهت بعد طول السرد على خدّ الحبيبة، استطاع أن يصفها إلى ذلك الحدّ؟
ولأن رودان لم يكن وفيّاً تماماً لكاميل كلوديل النحاتة التي أقامت معه علاقة عاصفة أوصلتها إلى مصحّ المجانين حيث ماتت، أراد منذ البدء أن يعوض عن غيابها الحتميّ في محترفه وفي حياته، بتمثال مربك في عريه يخلد به قبلة لن تتكرر بينهما.
هل وعى الخذلان المبكر شرط إبداعي؟ والعودة بسلال فارغة وحدها يمكن أن تملأ كتاباً؟
الجواب عن هذا السؤال لا يعنيني الآن.. وفي جميع الحالات أنا عاجزة عن الجواب عنه.
هذه الرغبة التي تسكنني الآن تمنعني من التفكير. تشعلني، تحرق أصابعي. تمنعني من الكتابة. بل ربما كانت أرغمتني على الكتابة، لو لم يكن أمامي هذا اله...، الذي يمنحك بأرقام سحرية وجبة حبّ فورية، تجعل من الحماقة الجلوس أمام ورقة لاستحضار حبيب بالكتابة!

أتّجه نحو اله...، لأطلب ذلك الرجل. وأنا أفكر في ما سبّبه هذا الجهاز من خسارة للأدب. فكم من نصوص جميلة.. وكم من رسائل حبّ لن تكتب، قتلتها كلمة "ألو"!
ولكن قبل أن أرفع السماعة، دقّ اله... وهزّني. كان زوجي على الخطّ. يحدث لكلمة "ألو" أن تقتل الوهم أيضاً!
جمل عجلى نتبادلها، وكأننا نتحدث على بعد قارات. أو كأن اله... الذي يتحدث منه ليس مدفوعاً من طرف الدولة.
فليكن! إنه دائماً على عجل. وربّما كانت الأحداث حوله هي التي تسرع، ما دام يأمرني بالعودة إلى قسنطينة، بعد غد، على متن الطائرة، لا في السيارة، نظراً إلى تدهور الوضع الأمنيّ في العاصمة.
أسأله ماذا أفعل بالسائق. يقول:
-ليعد وحده بالسيارة. بعد أن يوصلك أنت وفريدة إلى المطار. لقد حجزت لكما على الرحلة الصباحية. الساعة التاسعة والنصف.
أغلق السماعة وأبقى للحظات جامدة.

كانت عودتي متوقعة، نظراً إلى حلول العيد بعد ثلاثة أيام. ولكن كنت أتوقع معجزة ما، أو حادثاً طارئاً ما، يجعل زوجي يطلب مني البقاء إلى حين عودة أمي من الحج. وهو ما سيمنحني فرصة لقاء ذلك الرجل ولو مرّة أخرى.
فكرة الوقت الذي بدأ بمطاردتي جعلتني أستعجل في طلبه، وكأنني أدخل فوراً في سباق مع الزمن.
ستة أرقام.. ه... يدق دقتين لا أكثر.. وصوت يردّ، وكأنه هنا في انتظاري:
-هل وصلت بسلامة؟
-نعم.. وأنت؟
-لم أغادر البيت. فضّلت أن أستفيد من ذاكرة الأمكنة. رائحتك ما زالت تسكن هذا البيت. إنها عقابك الجميل لي.
-لم أقصد ذلك..
-كان يمكن أن تفعلي، لو قرأت ما فعلت جوزفين بنابليون، عندما أجبرها على مغادرة القصر.
-ماذا فعلت؟
-رشت بعطرها غرفته، بما يكفي لإبقائه خمسة عشرة يوماً محاصراً بها، رغم وجوده مع أخرى. وقبلها كانت كليوبترا ترشّ أشرعة باخرتها بعطرها، حتّى تترك خلفها خيطاً من العطر حيث حلّت.
أقول ضاحكة:
-حسناً.. سأستفيد من هذه المعلومات للمّرة القادمة.
ولكنّه يردّ بعد شيء من الصمت:
-لن يكون هناك من مرة قادمة.
-لماذا؟
يردّ دون أن يؤثر انفعالي في نبرة صوته:
-لأنني مسافر غداً..
-أنت ذاهب إلى قسنطينة؟
-لا.. إلى فرنسا.
أصرخ من جديد بعجب:
-إلى فرنسا! وماذا ستفعل هناك؟
يجيب ضاحكاً:
-ما يفعله الآخرون عندما يسافرون إلى هناك.
-ولكنّك..
يقاطعني:
-ولكنني لا أشبههم.. أليس هذا ما تعنينه؟ أنا كائن حبريّ أسافر بين دفاترك ومعك فقط. ومن قسنطينة إلى العاصمة.. لا أكثر. وليس من حقّي أن آخذ تذكرة سفر لشخص واحد.. ولوجهة ليست وجهتك.
يصمت ثمّ يواصل:
-ولكنني لست البطل الذي تتوهمين. أبطالك لا يمرضون ولا يشيخون، وأنا متعب ومريض يا سيدتي.
أقول بخوف مفاجئ:
-ممّ تعاني؟
يردّ متهكماً، كما لفرط حزنه:
-أعاني الوقوف.. لقد قضيت عمري واقفاً، لأنني لا أحسن الجلوس على المبادئ.
لا أريد أن أتعمق في فهم ما يقوله. سؤال واحد يعنيني:
-ومتى تعود؟
-لا أدري.. أنا رجل عابر.
-ولكنني معنية بحياتك..
يجيب ساخراً:
-أيّ حياتيَّ تع...؟
أصمت لا أفهم ما يقصد.
يواصل:
-أنا لم أوفق في حياتي. ولذا أصبحت أمنيتي أن أوفق في موتي. أيمكن أن تهدي إليّ موتاً جميلاً.. إذا ما خذلتني الحياة في المشهد الأخير؟
أصرخ:
-ما هذا الذي تقوله؟ لقد كنّا منذ ساعات قليلة سعيدين، نتحدث عن الحبّ. ما الذي أوصلك إلى هذا التشاؤم؟
يضحك:
-ولكن لأن الحب يع..... لا بد أن يع... الموت أيضاً. فالحب كالموت. هما اللغزان الكبيران في هذا العالم. كلاهما مطابق للآخر في غموضه.. في شراسته.. في مباغتته.. في عبثيته.. وفي أسئلته.
نحن نأتي ونمضي، دون أن نعرف لماذا أحببنا هذا الشخص دون آخر؟ ولماذا نموت اليوم دون يوم آخر؟ لماذا الآن؟ لماذا هنا؟ لماذا نحن دون غيرنا؟ ولهذا فإنّ الحبّ والموت يغذيان وحدهما كلّ الأدب العالمي. فخارج هذين الموضوعين، لا يوجد شيء يستحق الكتابة.

يستدرجني كلامه إلى حالة من التفكير، فأغرق في صمت يقطعه من جديد صوته:
-أتدرين بماذا فكرت وأنا أقبلك اليوم؟
-بماذا؟
-فكرت.. أنه إذا كانت كلّ القبل مثلنا تموت، فالأجمل أن نموت أثناء قبلة.
-عجيب.. هل تصدق أنني عندما عدت، كتبت على دفتري "ثمة قبل إن لم نمت أثناءها فنحن لسنا أهلاً للعيش بعدها".
يسجّل لحظة صمت وكأنه يتعمق في هذه الفكرة أو يتذوقها. ثمّ يقول:
-لقد أدركت وحدك.. أنه دون ملامسة الموت. لا توجد حالة حبّ شاهقة بما فيه الكفاية لتسمّى عشقاً.
أصمت وكأنني تلميذة تحاول أن تحفظ كلّ ما يلقنها أستاذ. لا برنامج دراسياً له عدا مزاجه المتقلب، وعليها أن تستوعب في يوم واحد، درساً في الرغبة، وثانياً في الموت، وثالثاً في الحبّ، وآخر في فن التخلي عن امرأة، قبلناها بكلّ ذلك الشغف.. ونغادرها بهذا القدر من اللامبالاة!
هذا كلّ ما علق في ذهني من ه...ه.
لا أذكر أنه قال بعد ذلك كلمة حبّ معينة. أو أنه ترك لي رقم ه... آخر. أو عنواناً بالتحديد.
قال فقط، إنه يحمل معه رائحة الوقت المسروق. وأضاف معتذراً أنه يريد أن ينام ليستريح استعداداً للسفر.
وفهمت أنه سيكون بإمكاني أن أطلبه غداً، حين أستيقظ، لنتحدث مرة أخيرة في هذه التفاصيل.
ولكن في اليوم التالي، كانت الساعة السابعة صباحاً. كنت أستيقظ من ليلة مضطربة، عندما طلبت ذلك الرقم وأنا نصف نائمة.
كان اله... يدقّ بطريقة شبيهة بالبكاء.. ولم يكن ثمة من أحد ليوقف بكاءه على الطرف الآخر للذاكرة. إنها ملهاة الحبّ الدائمة التكرار.
الآن فقط، يمكن للصمت أن يبكي.


انتهى الفصل الثاني

Najma
29-08-2007, 04:31 PM
حتمًا
ــــــــــ


نأتي الحب متأخرين قليلاً، متأخرين دومًا.
نطرق قلبًا بحذر، كمن مسبقًا يعتذر، عن حب يجيء ليمضي.بصيغ مغايرة، يعيد الحب نفسه، ببدايات شاهقة لأحلام.. وانحدارات مباغتة الألم. وعلينا أن نتعلم كيف ننتظر أن يوصلنا سائق الحب الثمل إلى عناوين خيبتنا.
حتمًا.. نضج الحلم. ولكن الزمن هو الذي لم يستو بعد. فما جدوى أن يبلغ القلب رشدًا سريعًا؟!
جاء العيد.. ولقسنطينة عيد آخر.
أعود إليها بقلب متعدد الانكسارات. ها أنا أنهض من تحت أنقاض الحلم. أتنفس من تحت ركام هائل من الأوهام.
وهاهي تفاجئني بوجه لا أعرفه . وقد تراكمت فيها القمامة على امتداد الشوارع بعد أن أضرب فيها عمّال البلديّة والتنظيفات الذين صادر الإسلاميون شاحناتهم المخصصة لنقل النفايات، لإرغامهم على الإضراب المفتوح.. مما جعل القطط هي المحتفلة الوحيدة بالعيد.
أستعجل العودة إلى بيتي. حيث أنا لا شيء يصلني سوى ضجيج المدينة التي تستعدّ لفرحها..و"ثغاء" الخرفان التي تنتظر فجرًا موتها.

أكره الأعياد. وهذا العيد كان أكثر الأعياد حزناً. كان عيد الغياب.
انتابني هذا الإحساس، وأنا أستيقظ ذلك الصباح، فلا أجد أحداً في البيت لأعايده عدا الشغّالة. ولا أحد يمكن أن أطلبه على اله...، عدا زوجة عمّي أحمد التي زادني سماعها حزناً. وأيقظ إحساسي بالذنب تجاهها.
زوجي كان قد غادر البيت باكراً. تحسّبًا لمظاهرات أو لأحداث طارئة قد تحدث بعد صلاة العيد. فريدة ذهبت كعادتها لقضاء العيد مع أهلها. " مّا " لم تكن قد عادت بعد من الحجّ.. وناصر لم يكن في البيت ليردّ على ه...ي. والخرفان نفسها التي كانت في البيت، لم تعد هنا. ولم يبق منها سوى آثار دمٍ على الأرض، وجثّة معلقة يتسلى الجزار بسلخ جلدها.

ماذا يفعل الناس صباح عيد الأضحى غير الانقضاض على لحوم الخرفان سلخاً وتقطيعاً.. وتقسيماً. فهنا لا يمكن لأحد أن يتصور عيد الأضحى دون أضحيّة. مهما كانت إمكانيّاته الماديّة، أو نوع البيت الذي يسكنه.
ولذا تعودت أن أراهم صباح العيد مسرعين جميعهم: الرجال نحو الذبائح..والنساء نحو المطابخ، يقسّمن أجزاء الشاة حسب حاجتهنّ ويتصدقن بما زاد عنهنّ.
هذا العام أتوقع أن تكون الحاجة إلى الصدقات قد زادت، بعدما تجاوزت أسعار الخروف، العشرة دينار جزائري. وهو ما جعل أضحية العيد ...ق ثمن الإنسان نفسه،الذي لا يكلّف هذه الأيام أكثر من رصاصة..

أطلب زوجي على اله... لأعايده. أشعر أن ه...ي يفاجئه وربما يسعده. أسأله إن كان أرسل شيئًا إلى بيت عمّي أحمد.. يقول أنه نسي ذلك، نظراً إلى مشاغله. أجيبه أنني سأتكفل بالأمر. وقبل أن أواصل كلا مي يدق في مكتبه ه... آخر.. ويتوقف بيننا الكلام.
أطلب من السائق أن يأخذ نصف الشاة إلى بيت ذلك المسكين. ثمّ ألحق به.. وأطلب منه أن يوصلني قبل ذلك إلى المقبرة.
لم يحدث إلاّ نادرا أن زرت قبر أبي صباح العيد. كنت أحب أن أذهب إليه وحدي. كما نذهب إلى موعد حبّ.
أكره أن أزوره في المناسبات. ربما من كثرة ما تقاسمته مع الآخرين، كتلك المرات التي أعبر فيها شارعاً أو مدرسة تحمل اسمه، فأشعر باليتم يجتاحني، ويكاد يغطي على زهوي بحمل الاسم نفسه.
كان بيني وبين هذا الرجل، الذي يقيم تحت هذا الرخام، تواطؤ ما. ولذا صنعت له ضريحاً صغيراً داخلي، لا علاقة له بوجاهة مقامه هنا، ضريحا كان يكبر معي سنة بعد أخرى. وإذا به في غيابه، أكبر مما حولي من أحياء.
كنت أجلس إليه بين الحين والآخر، كما تجلس النساء إلى ضريح الأولياء، يشكون همومهن،ويستنجدن ببركات الأموات على مصائب الحياة.
وأحيانًا أغلق على نفسي باب غرفتي. وأفتح له ذاكرة حزني وأخطائي. وأدعوه إلى الجلوس على طرف سريري. أقص عليه بعض ما حلّ بي. أستشيره. وأتوقع أجوبته. وعندما لا يأتي جوابه، وتبقى صورته صامتة، أجهش بالبكاء.
أخاف أن أكون قد قلت له الكثير عني. أخاف ألا أكون عند حسن ظنه. فلا أصعب من أن نبقى عند حسن ظن الأموات.
اليوم أيضًا، ككل المرات التي كان يضيق بي فيها القدر، وتخذلني الحياة، تقودني خطاي نحو هذا الشبر من التراب ، أنبش فيه عن جواب لأسئلتي الكثيرة.
ولكني هذه المرة لم أعثر على جواب. وإنما عثرت على ناصر، وهو يهم بمغادرة المقبرة.
ومما زاد من اندهشي، ألا تكون زيارة قبر أبي في الأعياد إحدى عاداته. بل نقلت لي أمي منذ مدة ، أنه أفتى لها بأن زيارة القبور والأضرحة غير مستحبة.
وكعادتي، لم أجادله في معتقداته، ولا في وجوده هنا ، حيث لم أتوقعه.. كالعادة. اكتفيت بإبداء اندهاشي لوجوده، وفرحي بلقائه.
ولكنني لم أمنع نفسي وأنا أقبله، من أن أسأله عن مظهره الذي بدا لي قد تغير، دون أن أتمكن من معرفة ما تغير فيه بالتحديد.
رد بشيء من السخرية:
_لقد فقدت كثيرًا من وزني في الفترة الأخيرة..
ثم أضاف:
_كي لا أفقد معتقداتي!
لم أفهم ما يعنيه. أجبته بلهجة فرحة:
_هذا أفضل.. أنت تبدو أكثر شبابًا هكذا..
أجاب بالسخرية نفسها:
_وواش اندير بشبوبيّتي..؟
هوذا كعادته ، يستدرجني إلى موضوع لن يكون من السهل الخوض فيه. كتلك المرة التي طلبت منه فيها، منذ سنوات أن يأخذ الساعة الجدارية لإصلاحها، لأنها تتأخر عدة دقائق كل مرة، ولكنه رد هازئًا:
_ روحي.. يا بنتي روحي، إحنا رانا عايشين متأخرين على العالم بقرن. وأنت قاعدة عقاب الساعة، تحسبي لي في الدراج والدقائق. قرن كامل ما قلقكش.. وقلقوك الدقائق. حتى الراجل إذا نديها لو يموت من الضحك.. في هاذ البلاد.. الناس ما يأخذولو ساعة غير لما تحبس!
أتفادى الدخول معه في جدل سيهزمني فيه لا محالة. لأنه يرد على منطقي في الحياة، بمنطقه في معايشتها. وهو ما يجعل الحق دائمًا إلى جانبه.
أقول كمن يعتذر:
_كنت على سفر. ولم أعد سوى منذ يومين. طلبتك هذا الصباح لأعايدك.. ولكنني لم أجدك.
ردّ:
_أنا لا أقيم في البيت. كلنا على سفر كما ترين، وحدهم الأموات أصبح لهم عنوان ثابت هذه الأيام!
يواصل بعد شيء من الصّمت:
_لأنه لم يعد لهم من شيء يخافون عليه.. أو يخافون منه.
أسأله مستفيدة من هذا السياق:
_وممّ أنت خائف؟
يرد بثقة وكأني وجهت إليه تهمة:
_من الله.. من الله وحده.
أرد:
_كلنا نخاف الله..
يجيب:
_كيف يخاف الله من يطيع أعداءه؟
أصمت. لا لأنني لا أقدر على جوابه. ولكن لأنني أجد جدلنا هذا، أمام مقبرةٍ ذات عيد، ضربًا من الجنون. فنحن لم نأت هنا لنتناقش ولا لنتشاجر.
جئنا لنقرأ الفاتحة على قبر والدنا، وهاهي ذي السياسة تطاردنا الآن في كل مكان، حتى في أسرتنا، وحتى في دفاترنا، وحتى في المقابر.
أقول:
_ناصر خويا.. الناس تلتقي اليوم لتتعايد، وتتصالح، وتتسامح،وأنت لا أكاد أسلم عليك حتى تنفجر في وجهي.. كن أخي ولو صباح العيد.
يقول متذمّرًا:
أي عيد؟ أنظري حولك القبور كلها جديدة، كلها طريّة، تستقبل كل يوم دفعة جديدة من الأبرياء.
_وما ذنبي أنا؟
_ذنبك.. أنك تقتسمين مع الشيطان بيته وسريره.
أرد:
_لا أدري إن كان هذا الرجل ملاكًا أو شيطانًا. لا أعتقد أنه يختلف عن الآخرين، سوى بكونه ضابطًا ساميًا تقع على أك.... مسؤوليات الدفاع عن الوطن، هذا الوطن الذي أؤمن به أكثر من إيماني بالملائكة.. والشياطين.
_ولا يزعجك أن يحتضنك بيدين ملطختين بالدم؟ بتعليمات منه يسجن الأبرياء، وتمتلئ هذه القبور، ما فائدة ما تعلمته إذن، عن حريّة الناس في اختيار مصيرهم؟
_ما تعلمته لم يفدني في شيء. ولا حتى في اختيار مصيري، فكيف تريد أن أقرر مصير الآخرين؟ ثمة أكثر من ستين حزباً معترفاً بها رسميًا. ومهمتها تمثيل الشعب، والدفاع عن اختياره. أما أنا فلا يوجد حزب ليدافع عني. وحتى أنت.. لم تسألني قبل اليوم عن رأيي في شيء، فلماذا تعجب أن لا يكون لي اليوم رأي؟
يصمت. وكأنه لا يجد ما يقوله، أو لا يجد جدوى من الكلام. يستعيد لهجة أكثر حناناً. ويقول وكأنه يودعني سراً.
-حياة.. انخاف عليك
أتمتم:
-من واش؟
يجيب:
-من كلّ شيء!
أرد بالحنان نفسه:
-لقد خفت عليّ دائماً من كلّ شيء.
يجيب:
-ولكن هذه المرة أدري تمامًا ما أقول. أتركي هذا الرجل، اطلبي منه الطلاق ما دام ليس لك أطفال منه.
أبتسم ثم أضحك لكلامه.
يسألني عاتباً:
-ما الذي يضحكك؟
أقول:
-تذكرت "ما" لو كانت هنا وسمعتك تنصحني بالطلاق لجنّت. هي التي تعتبر زواجي من هذا الرجل أكبر مفاخرها.
يردّ:
-لا تهتمي بأمي. إنها تعيش حياة مستندة إلى حقيقة واحدة (الآخرين). في الواقع هي تستند إلى جدار من الوهم الكبير. استندي إلى الله في أي قرار تتخذينه فهو لن يخذلك.
أقول:
-لقد استندت إليه دائماً.. وإلى هذا القبر. وقدري نتيجة هذا. وكنت أتمنى أن تكون أنت أيضاً سندي. إنك كلّ ما أملك في هذه الدنيا. ولكن ها نحن كالغرباء نلتقي مصادفة في المقابر.. لا تطلبني ولا تزورني، وعندما أزورك لا أجدك.
يقاطعني بشيء من المرارة:
-ذات يوم.. لن تجدي صعوبة في العثور عليّ. سيكون لي أخيراً عنوان ثابت هنا.
أصرخ:
-ما هذا الذي تقوله.. أجننت؟
يقاطعني:
-الموت أقرب إلينا مما تتوقعين. أتريدين أن أدلك على قبر لصديق، قتل منذ أيام دون مبرر، سوى لأنهم اشتبهوا في أمره، وهو يضع يده في جيبه ويوشك أن يخرج منها شيئًا، على مقربة من شرطيّ. عندما قتلوه، اكتشفوا انه لم يكن يحمل في جيبه شيئاً. تصوري: الآن بإمكانك أن تموتي لا بسبب جريمة ارتكبتها، وإنما لأن هناك افتراضاً أن تكوني مجرمة. حسب المكان، أو الزمان، أو الهيئة التي يصادف أن تكوني عليها وقتها. أي أننا جميعاً متهمون مفترضون. يكفي أن تتوافر فينا إحدى هذه المصادفات.. وتتطابق مع "أعراض إرهابية"!
أقول:
-لا أطن أن أحداً يحب إيذاء الآخر، أو قتله لمتعة القتل. ولكن كلّ واحد أصبح يعتقد أنه إن لم يكن القاتل، فسيكون القتيل. إنها قضية ثقة. لقد فقدنا الثقة ببعضنا بعضاً. إنه زمن الانجراف نحو الشر. يجب أن لا ننساق فيه إلى ركوب هذا القطار المجنون. الحياة جميلة يا ناصر، صدقني.. يكفي أن نضع فيها شيئاً من الحب.

يصمت ناصر. ثم يحتضنني ويقول:
-أحياناً أتمنى أن أشبهك
-وأنا أتمنى دائماً أن أشبهك. لقد باعدتنا الحياة أحياناً. ولكن لن يفرقنا شيء. أليس كذلك؟
يجيب:
-لا.. لن يحدث هذا.
يمشي خطوات ثم يعود، وكأنه تذكر شيئاً. أو كأنه قرر أن يقول لي شيئاً، تردد في قوله. يهمس:
-حاولي أن تأتي لزيارتنا في البيت خلال اليومين القادمين. إنّ أمي ستعود بعد غد من الحج. إنني أنتظر عودتها لأسافر. وأود أن أودّعك قبل سفري.
أسأله دهشة:
-تسافر إلى أين؟
-سأقول لك هذا في ما بعد. لا تخبري أحداً بهذا الأمر.
ما يكاد يختفي، حتى أجلس منهارة عند أقدام ذلك القبر. ويفاجئني البكاء.
أيّ زمن هذا الذي أصبح فيه الإخوة، يلتقون فيه مصادفة في المقابر صباح العيد. فيتشاجرون ويتصالحون على مسمع من الموتى. ثمّ يفترقون، دون أن يدروا متى سيكون لقاؤهم القادم.. وفي أي عالم!

* * *
أنا التي ذهبت يومها أبحث عن أجوبة، عدت بأسئلة أكثر، بعد أن قضيت نصف نهاري في مواساة عائلة عمي أحمد، والنصف الآخر في مواساة نفسي، عن رجال لا يأتون إلا ليرحلوا، ولا يسلمون علي إلا ليودعوني..ولا يتحدثون إلي إلا ليضعوا الموت طرفًا ثالثًا بيننا.
أثمّة في هذا البلد، عدوى انتشرت بين الرجال.. جعلتهم جميعهم يتكلمون الكلام نفسه، ولا يحلمون سوى بالرحيل؟
في المساء، جلست لياقةً لأشارك زوجي العشاء. في الواقع، كنت قد قررت منذ أيام أن لا آكل شيئًا من لحم تلك الخرفان، التي ظلت رؤوسها ترتجف لعدة أيام، بسبب ما عانته من دوار البحر، لقضائها شهرًا ونصفًا، محشورة في الطبقات السفلية لباخرة.
زوجي كان مرهقًا بدوره إلى درجة لم يلحظ معها غياب شهيتي. تبادلنا أحاديث عاديّة، عن أشياء عامة دون تحديد. وما أنهى عشاءه حتى رأيته يتجه نحو غرفة النوم ويخلع ثيابه. وكأنه يخلع عبئًا كان يحمله طوال النهار. ويلقي بنفسه على السرير.
قلت له وأنا أعلق ثيابه على المشجب:
_كنت أتمنى لو قضيت هذا اليوم معي.. لا أفهم لماذا لا بد ان تقضي كل الأيام في مكتبك ..حتى الأعياد.
أجابني:
_إذا قضيت معك العيد، فمن يضمن الأمن في مدينة يتجاوز عدد طلابها في جامعة واحدة 23 ألف طالب. أما مساجدها فلا أحد يعرف عددها.. إنها تنبت كل يوم..
قلت:
_كنت أقصد أننا لم نعد نلتقي أبدًا. حتى العطل والأعياد، أصبحنا نقضيها كل على حده.
أوصلني هذا السياق إلى ناصر. تذكرته وتذكرت حديثي معه. احتفظت بمشروع سفره لنفسي. ولكنني وجدتني دون تفكير أخبر زوجي بلقائي به هذا الصباح في المقبرة، برغم علمي أن زوجي يتحاشى الحديث عنه، وكأنه يبادله مشاعر الكراهية نفسها.
ولكنه فاجأني هذه المرة، وهو يقول بشيء من الارتياح:
_حسنًا أن تكوني قد التقيت به..
ثم يضيف:
_كيف وجدته؟
أعجب لسؤاله.. أجيب:
كالعادة.. ربما نحف بعض الشيء، ولكنه بصحة جيدة.
يسألني :
_ألم يخبرك بشيء؟
أصمت. أرتبك. يذهب فكري إلى كل الاحتمالات.
تراه يعلم بمشروع سفر ناصر؟ أكان هناك من يتنصت أثناء حديثنا؟ ولكنني لم ألحظ أحدًا. وماذا لو كان يستدرجني ليعرف مني ما يجهله؟
أجيب:
_لا.. لم يخبرني شيئًا، عدا أن أمي عائدة بعد غدٍ من الحج.. كي أستعد لاستقبالها.
يسألني وهو يصلح من جلسته مستندًا على السرير:
_ألم يخبرك أنه اعتقل؟
أصرخ دهشة:
_اعتقل؟ لماذا؟ ومتى حدث هذا؟!
_أثناء غيابك. لم أشأ أن أخبرك بذلك حتى لا أشغل بالك.
أصاب بحالة ذهول.
أهو منخرط في تنظيم خطر؟ هل وجدوا في حوزته وثائق أو أسلحة؟ ولكن من المؤكد أنهم لم يعثروا على حجة كافية لإدانته، و إلا لما كانوا أطلقوا سراحه.
أسأل:
_ماذا فعل؟
يجيب:
_إن كثيرًا من الشبهات تدور حوله، لإقامته علاقات مع جهات أصولية..
أجبت بعصبية:
_ولكن أن يتعاطف مع هؤلاء لا يعني أنه إرهابي. لا يمكن لناصر أن يحمل السلاح ليقتل أحدًا. أنا أعرف أخي.
يقاطعني بلهجة صارمة:
_إن أخاك يتكلم كثيرًا . ولولا لسانه لوفر عليّ وعليه كثيرًا من المتاعب. إنه يعتقد أن الاسم الذي يحمله يمنحه حصانة. ويعطيه حق شتم السلطة وتحريض الآخرين. لقد تدخلت هذه المرة لإطلاق سراحه، ولكن لا يمكنني أن أفعل هذا دائمًا. نحن نعيش حالة من التوتر الأمني يجب ألا يكون فيها استثناءات حتى لأقرب الناس إلينا.. لابد أن تشرحي له هذا!
ماذا أشرح لناصر؟ أنا التي لم أتوقع أن خبر سجنه سيحرك فيّ كل ذلك الوحل.
تركت لزوجي فرصة استعراض قوته أمامي، وإشعاري بأني مدينة له بالكثير.
لم تكن عندي رغبة في الدخول معه في أي جدل، ولا كنت مستعدة لأن أنهي يوم العيد بالتشاجر مع زوجي.. وقد بدأته بالتشاجر مع أخي.
رأيته فجأة يغرق في نوم عميق. فلم أملك إلا أن أنزلق جواره.
وأحاول بدوري أن أنام مذهولة من أمري.
لا أدري كيف مات غضبي.
الآن فقط اكتشفت أنه مات. وأنني فقدت ذلك الحريق الجميل، الذي كثيرًا ما أشعل قلمي وأشعلني في وجه الآخرين.
ألا تكون لك قدرة على الغضب، أو رغبة فيه، يعني أنك غادرت شبابك لا غير. أو أن تلك الحرائق غادرتك خيبة بعد أخرى. حتى أنك لم تعد تملك الحماس للجدل في شيء. ولا حتى في قضايا كانت تبدو لك في السابق من الأهمية، أو من المثاليّة، بحيث كنت مستعدًا للموت من أجلها!
كانت عودة أمي من الحج، هي كل ما يعنيني الآن . ولا أدري أي شعور بالتحديد جعلني أستعجل لقاءها: شوقي إليها؟ أم حاجتي إليها؟ أم رغبتي في لقاء ناصر، ومعرفة ما يخبئ لي من مفاجآت؟
وأنا التي تعودت رؤية أمي ذاهبةً أو عائدة من الحج، لم يفاجئني جلوسها في الصالون بزيها الأبيض، وغطاء رأسها الأبيض إياه. بقدر ما فاجأني وجودها لمرة دون حاشيتها من النساء، اللاتي يودعنها ويستقبلنها في كل ذهاب وإياب.
ولذا سعدت بالانفراد بها.. وربما الالتصاق بها، وكأنني أسرق منها بعض بركاتها، قبل أن تعود امرأة عاديّة.
لا تكاد تراني حتى تبادرني بالسؤال:
هيأتك لا تعجبني.. هل بك شيء؟
أرد:
_لا
تواصل:
_لم تستفيدي من سفرك إلى العاصمة.. لقد عدت أكثر شحوبًا.. ربما البحر لا يناسبك.
أرد:
_بلى هو يناسبني.. ولكن هذه المدينة هي التي تتعبني.
فتعود إلى حديثها عن الحج، وقد اطمأن بالها أخيرًا لعدم وجود مشاكل في غيابها.
تحكي عن الحرارة التي لا تطاق هذا العام في مكة.. وعن الحجيج الذين ماتوا دعسًا.. وعن الدينار الجزائريّ الذي انهار.. وعن أسعار الذهب التي ارتفعت..
أستوقفها:
_"مّا" .. هل رفعت لي دعاءً هناك؟
تجيبني متعجبة:
_طبعًا يا ابنتي.. إنني أفعل ذلك دائمًا..
أقاوم رغبة جارفة في البكاء، وكأنني كنت أنتظرها لأنهار باكية. ولكنني لا أفعل؛ أواصل الاستماع إليها تحكي.. وأنا سرًا أبكي.
أثناء ذلك، تحضر إحدى الجارات ثم نساء أخريات. فأتركها لهن. وأذهب نحو ناصر.. كعادتي.
أحب ناصر في صمته. في رجولته الموروثه من قامة أبي وملامحه. واليوم بالذات يبدو لي أكبر من عمره.
أحسه رجلاً فوق العقد، فوق الشبهات. إنه لا يشترك في شيء مع أولئك الذين وجدوا في الأصولية حلاً لكل عقدهم الرجالية، أو مشاكلهم الأرضية. ووجدوا في تطرفهم ردًا على عجز عاطفي.. أو انتقامًا لذاكرة طبقيّة أو تنفيسًا عن عقدة وطنيّة.
لقد أثار هذا الطريق تاركًا كل شيء خلفه، بينما لحق ب الآخرون، لأنهم لم يكونوا يملكون شيئًا ليخسروه!
كان بإمكانه الحصول على أية بنت، وأية وظيفة، وأية ثروة، ولم يفعل. ولا أدري أين كان يجد ثروته الداخليّة. ومع أية قضية تزوج سرًا. إلى أي بلد كان يهاجر كل يوم، وهو جالس يحتسي قهوته بتذمر صامت، وأمي تحثه كل مرة على الكسب، واغتنام الفرص التي تتاح له وتستفزه بمقارنة حياته بحياة من هم أدنى منه، ونجحوا في حياتهم.
نجحوا في الحياة؟ في الواقع لا. هي تقصد من نجحوا في اختصار مشقة الحياة، ناهبين البلاد حيث وجدوا، مشهرين غنائمهم دون خجل، رافعين في بضع سنوات فيليات شاهقة، تقف عند بابها سيارات فخمة. وتسكنها امرأة تسافر إلى أوروبا في كل المناسبات لتجدد خزانتها.
لم تكن تعي أنها كانت تعمق فيه الشعور بالخيبة، ولا تحثه سوى على المزايدة عليها.
وكنت أراه يومًا بعد آخر يفقد صوته بالرد عليها، ويفقد أناقته، وكأنه أضرب عن الحياة وعن الأناقة، لأن الوطن لم يكن في أناقة أحلامه!
أكان يدخل هو أيضًا حزب الصمت، ويخلع صوته، تمامًا كما خلع الآخرون فجأة شعاراتهم، وحلقوا قناعاتهم، خوفًا من سجن يتربص بالملتحين.
جاء زمن شفرات الحلاقة إذن_أخيرًا أصبحت متوافرة_ نزلت الأسواق، مع نزول مفاجئ في القيم، وفي قيمة الإنسان. فهل هذا زمن الوطن التنازلي؟
نزلت ،ومعها نزلت الشعارات على الجدران، تعلن بدء الزمن الصعب. وامتلأت السجون بالملتحين..وبأولئك الذين أخذوا خطًأ بين نارين..كما في كل حرب.
أسأله بنبرة منخفضة:
_أيجب حقًا أن تسافر يا ناصر؟ وهل فكرت في ما سيحدث لأمي في غيابك؟
يجيب:
_إني أسافر كي أعود. ولكن إن بقيت فقد تخسرونني. أقول هذا الكلام لك. أما أمي.. فسأغافلها وأمضي بخديعة جميلة نحو قدري.
ستتحمل غيابي أكثر من تحملها خبر سجني أو موتي.
_ولكن هل هذه الخيارات محدودة حقًا إلى هذا الحد؟
_طبعًا..لقد انتهى ذلك الزمن الوديع في خيباته. جاء زمن السجون.. والموت المباغت.. والاغتيالات الملفقة.
أقول:
_لقد أبلغني زوجي أنك اعتقلت أثناء غيابي.
يقاطعني:
_وأبلغك أيضًا أنه تدخل للإفراج عني.
_وهل هذا غير صحيح؟
_نعم..ولكنها مراوغة سياسيّة متعددة الأهداف. إنه من جهة يجعلني مدينًا له بهذه الخدمة، ومن ناحية أخرى يثير حولي الشبهات، ويجعل رفاقي يشكون في مصداقية معاداتي للسلطة. مادمت لم أسجن سوى يومين ويبقون هم هناك لعدّة أشهر ، وربما لسنوات. ثم..إن يطلقوا سراحك فهذا لا يعني سوى بدء مشاكلك، خاصة مذ بدأوا بإطلاق سراح كل من يزعجهم، كي يتمكنوا بعد ذلك من قتله خارج السجن، تحت ستار الموت العشوائي. فماذا بقي لي من اختيار سوى الرحيل؟
استمعت إليه، كمن لا يصدق أمرًا لفرط غرابته، أو كمن يرفع الغطاء خطأ أمامك عن صندوق قمامة، دون أن يعتذر لك عن عفونة أحلامك.. التي كنت أودعتها مكانًا "آمنًا" أسميته الوطن!
فجأة، لم تعد لي من رغبة سوى الهروب به إلى أي بلد آخر.. أو أي قارة أو كوكب آخر، ريثما يمر قطار الجنون.
أنا التي لم أقتنع يومًا بمنطق رجل يتركني ويسافر. اقتنعت بمنطقه في مغادرة الوطن. ووجدتني ألفق معه أكاذيب وحججًا لإقناع أمي بذلك.
عدت يومها محملة بقبل ناصر.. وتعليماته. أما أمي فقد حملتني بعض ما أحضرت لي من هدايا. وعلى رأسها (ماء زمزم) ، الذي تعودت أن تأتيني به في كل حجة، تحسّبًا لذلك اليوم الذي قد أحبل فيه.. وأستنجد به عندما أضع مولودي!
في انتظار ذلك، أنا حبلى بذلك الرجل. إنه الشيء الوحيد الذي يكبر داخلي كل يوم. وإذا به يومًا بعد آخر يغطي حتى على رحيل ناصر، وعلى خيباتي الأخرى. ولا أفهم أن يستطيع هذا الرجل أن يفعل بي كل هذا، وأن يواصل برغم كل ما يحدث حولي من مآسٍ، الإقامة داخلي، ومنعي من التركيز على أي شيء عداه.
أكثر من كلماته، علقت بي رائحته الممتزجة بعطرٍ ما. وبرائحة تبغٍ ما. وبرائحة عرقٍ ما. لتشكل كلها هذا الحضور الذي يوقظ حواسي، والذي لا اسم له، أو ربما كان اسمه: هو.
وأذكر أن ديدرو الذي وضع سلمًا شبه أخلاقي للحواس، وصف النظر بالأكثر سطحية، والسمع بالحاسة الأكثر غرورًا، والمذاق بالأكثر تطيرًا، واللمس بالأكثر عمقًا. وعندما وصل إلى الشمّ. جعله حاسة الرغبة، أي حاسة لا يمكن تصنيفها، لأنها حاسة يحكمها اللا شعور، وليس المنطق.
المخيف مع هذا الرجل. أنه جعلني أكتشف حواسّي. أو على الأصح، خوفي النسائيّ من هذه الحواس.
بل إنه وضعني في حالة من فوضى الحواسّ أخاف أن يأتي يوم، لا أستطيع معها أن أصفه، أو أن أتعرف إليه، بعد أن خرجت معرفتي به عن المنطق.
ولذا قررت يومًا التفرغ لمطالعة ذلك الكتاب الذي أحضرته معي لهنري منشو، والذي وضع جوار مقاطعة إشارات أو ملاحظات. وكأنني وقد فشلت في اكتشاف ذلك الرجل في الحياة، رحت أحاول اكتشافه داخل سطوة حضوره. بهدوء من يطالع رجلاً في كتاب.
أن تعيش مأخوذا بلغز رجل غامضٍ حد الإغراء، وحد الإزعاج أحيانًا، قد تكون فرصتك في كتابة رواية جميلة. هذا إذا كنت روائيًّا. أمّا إذا كنت عاشقًا، فسيكون في لغزه عذابك ولعنتك. ذلك أن الحب سيحولك رجل تحرٍ. حتى ليكاد يصبح التحري مهنتك الأخرى.
ككل عاشق، أنت تريد أن تعرف كل شيء عنه. تريد معرفة ماضيه وحاضره، وأسماء من أحب ومن أحبوه، عناوين البيوت التي سكنها، والمدن التي زارها، والمهن التي مارسها، والأماكن التي يرتادها.
تطارده بالأسئلة لتعرف برجه، وهوايته، وانتماءاته.. حتى إنك قد تعود بكتاب من مكتبته، فقط لمتعة التجسس على قراءاته!
إن في الحب كثيرًا من التلصص والتجسس والفضول. والأسئلة لا تزيدك إلا تورطًا عشقيّاً. وهنا تكمن مصيبة العشاق!
سؤالي الأول كان. مالذي أوصل هذا الرجل إلى هنري ميشو؟ ولماذا اختار هذا الكتاب ليسجل عليه خواطره؟ ولم أجد من جواب سوى كونه كان رسامًا أيضًا. وعندما أصبح السؤال، كيف يمكن أن أفهم رجلاً من خلال شاعر وهو نفسه غامض. حتى إنه كان شاعر الأسئلة التي لا تفضي سوى إلى أسئلة أخرى. وكل حياته كانت مبنية على الانتهاكات الدائمة لوجاهة الحياة الظاهريّة فقد ظل يرفض الجوائز الأدبية، ويرفض أن تؤخذ له صور فوتوغرافية، ويرفض أن تصدر كتبه في طبعات شعبية، بل ظل يتمنى لو أصدر من كل كتاب له خمس نسخ فقط. ولم يفارقه طوال حياته إحساس دائم بالعبثيّة، يتّضح منذ الفكرة الأولى:
"في ردهة روحك، ظنًّا منك أنك تجعل من الآخرين خدمًا لك، تكون على الأرجح أنت من يتحول بالتدريج خادمًا. خادم من؟ خادم ماذا؟ إذن فابحث، ابحث"
على هامشها كتب: " لا تبحث.. ستضع ذكاءك في خدمة الجنون"
ثم خاطرة أخرى:
" في غياب الشمس تعلم أن تنضج في الجليد"
وأضاف باللون الأزرق أسفلها " أو في جريدة!" .
ثمّ:
"إذا كنت الإنسان المقدم على فشل.. فلا تفشل كيفما كان" وواصل القلم " أما إذا كنت مقدمًا على الموت فلا تهتم!".
أن يطالع أحد هواجسك في كتاب، تركت عليه بعض آرائك، أو علّمت على بعض جمله، كأن يطالع شخصيتك في حقيبة يدك. أو يتلصص عليك من حيث لا تتوقع .
الأشياء الحميمة، نكتبها ولا نقولها. فالكتابة اعتراف صامت. ولذ أشعر بشيء من الحرج أمام كتاب لم يكن مهيأ لي.
بل لا أفهم، كيف تجرأ ذلك الرجل على إعارتي إياه دون تردد. وإذا بي أقرأ الكتاب قراءتين ، في وقت واحد.
أحب تلك النصوص التي تكتب بقلمين. والتي تشبه في وقعها تلك الموسيقى التي تعزف على البيانو بأربع أيدٍ، وبتناوب عازفين. كهذه الخاطرة التي تبدأ بعزف منفرد على إيقاع "هنري ميشو":
"في استطاعتك أن تكون مطمئنا.لا يزال فيك بعض نقاء . في حياة واحدة .. لم تستطع أن تدنس كل شيء ! "
ويدخل العزف الآخر.ليضيف بنوتة مفاجئة " أحقا " .
أو هذه التي تأتي كما في عنف "بيرليوز" في سمفونيته المدمرة
"ما الذي تهدمه عندما تكون هدمت ما أردت هدمه: السد المنيع لمعرفتك الخاصة ؟" .
وترد أصابع واثقـة.. بقلم أزرق "بل جدارا اسمه الخوف ". ثم ينغلق البيانو . ويواصل القلم الأزرق بصمت ، وضع سطر تحت أبيات و خواطر استوقفته.
"لا تتعجل أخطاءك.لا تستخف بها وتعمل على إصلاحها..إذ ما الذى تضعه مكانها ؟ "
أو
" لم ألبث أن انتبهت أنني لم أكن النمل فحسب وإنما كنت أيضا طريقه"
أو
"النوم في النهاية، هو أكثر خيباتك ثباتا " وجوارها سؤال بالقلم بصيغة خيبة أكبر، تأتي كما لو أنها الجملة الأولى في السمفونية الخامسة لبتهوفن: "والحب إذن ؟".
ويصمت الأزرق.
قضيت أياما في العودة إلى "أعمدة الزاوية" من باب الفضول في البدء، ثم مأخوذة بتطابق هذين الرجلين في كثير من الأشياء. كحبهما للرسم، وحبهما للون الأسود الذي كان غالبا ما لا يرسم هنري ميشو إلا به، أو عليه ، لوحاته. إضافة إلى كراهيتهما للأسماء أو للأضواء. وهاجس الموت الذي يسكنهما معًا.
اكتشافي الآخر كان ، أن هذا الرجل يعمل في جريدة ، وأن في حياته خيبة عاطفية كبرى، وأنه يملك أسلوبًا على قدر كبير من السخرية ، التي تخفي مرارة وذكاءً حادين. وهو تمامًا .. النوع الذي أعشقه من الرجال .
ألأنني كنت مسكونة بهاجس ناصر، وجدتني أيضًا أطالعه، وأعود إليه من بين فكرتين ؟
ثمة كتب تضعك أمام اكتشافات مذهلة . تكتشف فيها نفسك ، و مساحات منك لم تكن تعرفها.
و أخرى شخصًا آخر، لم تكن تتوقعه . بل إنها قد تفضي بك من شخص إلى آخر. وها أنا أمام ناصر.حتى بدا لي أن بعض الخواطر هو قائلها. كذلك البيت :
"لا اسم لي. اسمي تبذير للأسماء"
وهل كان ناصر عبد المولى إلا تبذيرًا لحلمين ولاسمين: اسم جمال عبد الناصر، واسم الطاهر عبد المولى؟
كيف يمكن أن تولد أثناء حرب التحرير الجزائرية، بتوقيت التواريخ الناصرية دون أن تشعر فيما بعد، بأن سلسلة من المصادفات التاريخية، ستغير حتمًا تاريخ حياتك.
قبل أي خطاب سياسي، تفتح وعي ناصر على اسمه، الذي كان نصفه منذورًا للقومية، والنصف الآخر للذاكرة الوطنية.

__________________

Najma
29-08-2007, 04:31 PM
يكبر بالقدر الذي يسمح له بمتابعة الأخبار، أو بطالعة جريدة، فتح عينيه على غياب والده، وعلى الحضور الدائم لعبد الناصر، مبتسمًا ومحييًا في صورته الشهيرة. ليس فقط لعدم وجود جهاز للتلفزيون في بيتنا في تلك الأيام، ولن لأنه الصورة الوحيدة التي كانت في غربتنا ، تزين غرفة متواضعة للاستقبال.
وأذكر تمامًا أن تلك الصورة وصلتنا إلى منفانا بتونس. عن طريق صديق لوالدي كان يدعى سي عبد الحميد، وكان يتردد علينا أثناء وجود والدي في الجبهة، محملاً بالهدايا وبمبلغ من المال، لا أدري إن كان منه أو بتكليف من الجبهة.
ذات مرة زارنا، وراح يلاعب ناصر كعادته. ثم سأله" ماذا تريد أن أحضر لك؟" وإذا بناصر، و لم يتجاوز الرابعة من عمره، يجيبه وكأنه يطلب لعبه " جيب لي عبد الناصر". وتروي أمي أن سي عبد الحميد ظل مذهولاً للحظات قبل أن يجيبه بمنطق الأطفال" سآتيك به في المرة القادمة".
ولأنه كان يتردد على القاهرة لإجراء بعض المشاورات السياسية، وكان أيضًا مسؤولاً عن متابعة شؤون الطلبة الجزائريين هناك، والذين كان من بينهم طالب لم يكن يدعى بعد هواري بو مدين، فقد أحضر لنا مرة صورة كبيرة لعبد الناصر، مع جملة من الهدايا التذكارية.
منذ ذلك الحين أصبح بإمكاننا في بعض الأمسيات أن تستمع من تونس إلى" صوت العرب من القاهرة"
وهو يبث خطابات لجمال عبد الناصر، وأناشيد عربية ملتهبة، لازلت أحفظ بعضها، كما يحفظ الطفل في ذلك العمر أناشيد تعلموها في روضة، وعلقت بذهنهم إلى الأبد . ثم ننام سعيدين، دون حاجةٍ إلى التلفزيون الذي لم نكن قد شاهدناه في حياتنا بعد.
لقد كنا نت... على العالم من شاشة جداريّة.مثبتة عليها صورة عبد الناصر، قبل أن يأتي يوم تجاور فيه صورة أبي على الجدار صورة عبد الناصر، بحجم أصغر، ولكن بالحجم الكبير ذاته الذي نقلتها به الصحافة وهي تعلن في صيف 1960 على صفحاتها الأولى، مقتل أحد قادة الثورة على يد المظليين الفرنسيين، بعد معركة ضارية في مدينة باتنة.
أذكر أنني احتفظت أيامًا بتلك الجريدة، كنت خلالها أفتحها بين الحين والآخر على الصفحة الأولى، وأقضي وقتًا طويلاً في تأمل ملامح أبي. كما توقف عندها الزمن إلى الأبد، قبل أن أفاجئ نفسي يومًا أقتطعها بمقص، وأقنع أمي بوضعها هي، ولا أية صورة أخرى في إطار، لتصبح هي الصورة الثانية في بيتنا.
ربما ولدت لدّي يومها تلك الهواية السري، التي لم تأخذ بعدها الموجع في حياتي، إلاّ بعد أكثر من عشرين سنة، والتي استيقظت فجأة داخلي على أيام الانتفاضة الفلسطينيّة، عندما بدأت أقضي وقتًا طويلاً في تأمل صور الشهداء. تلك التي درجوا على أخذها فرادى أو مجموعات للذكرى قبل أية عملية انتحارية. والتي كانت تنشرها الجرائد في اليوم التالي لتعلن استشهادهم. وكنت أنا أحتفظ بتلك الصفحة من الجريدة.. عملية بعد أخرى. ثم لكثرتها قررت أن أجمعها في كيس وأضعها بعيدًا عن متناول يدي.. ومتناول نظري، كي أرتاح.
وكنت قد نسيت أمر تينك الصورتين، اللتين بعد انتقالنا من تونس إلى الجزائر، لم تعودا جزءًا من ديكور غرفة استقبالنا، التي أصبحت أكثر فخامة من أن تزينها صورتان في تلك البساطة. قبل أن أعثر عليهما مصادفة ، منذ سنة تقريبًا، في غرفة صغيرة فوق سطح بيتنا ، حيث تعودت أمي أن تخبئ أشياء تحتفظ بها ، منظمة ومرتبة و"مدفونة " في حقائب وصناديق حديدية ، من ذلك النوع الذي اندثر ،مذ أصبح الناس يسافرون على متن الطائرة ، والتي أتوقع أن تكون أمي قد استعملتها لنقل حاجياتنا من تونس إلى الجزائر سنة 1962 غداة استقلال الجزائر.
أذكر أنني عثرت على تينك الصورتين بفرح كبير، فقد أيقظتا في شيئًا ما ، أو زمنًا ما ، لفرط بعده، ولفرط صغري، بدا لي وكأنه لم يكن.
كانتا ضمن أشياء أخرى تحتفظ أمي بها هكذا، لكونها أهم من أن ترمى، وأقل أهمية من أن تشغل مكانًا في بيتنا.
ترددت يومها في تركهما لغبار النسيان، وكأنني لم أصادفهما. ثم ترددت في أن آخذ واحدةً دون الأخرى. فقد كانتا ذاكرة لزمن واحد. حتى إنه لم يكن بإمكان ذاكرتي البصريّة أن تفصل إحداهما عن الأخرى. ولذا قررت أن آخذهما معًا إلى بيتي، حيث أصبح لهما مكان ثابت في مكتبي.. أمام احتجاج أمي ودهشة زوجي.
لم أشعر برغبة في تقديم أية شروح أحد. فقد كانت تلك الذاكرة تخصني وحدي. وربما أنا وناصر لا غير.
ولكن ناصر أيضًا فاجأني بتعامله الصامت مع تينك الصورتين . وكأنه لم يكن ثالثهما.
ولم أشأ أن أستدرجه إلى اعترافات طفوليّة قد يكون ألغاها منطق الرّجولة تأملت فقط صمته أمامها، واستنتجت أنه ربما نسي ولعه الطفو لي بأحدهما، وولع الآخر الأبوي به، وأنه تركهما لي، ليصبحا قضيتي وحدي.
ولكن هاجسي الأول ظلّ هو. فهو رحل منذ أكثر من شهر، وأمي تطاردني بأسئلة عنه، لا أجد لها جوابًا.
_لماذا ذهب إلى ألمانيا؟ الناس يذهبون عادة إلى فرنسا.. أنا لم أسمع بأحد سافر إلى ألمانيا..
ولا ادري ماذا أقول لها. أنا نفسي لم أعرف بوجهته إلا منذ أسبوع.
كان ذلك عندما حدثني على اله.... وكنت أزور أمي مصادفة.سألته إذا كان كل شيء كما يريد. أجاب :" الحمد لله" سألته إذا كان له عنوان أو رقم ه... نطلبه عليه فرد أنه سيتصل بنا كلما استطاع ذلك. فهمت أنه لا يريد أن يقول شيئًا على اله.... ثم سألني إن كانت أمي تقيم معي منذ سفره. أجبته أنها تصر على البقاء في بيتها . قال" لا تتركيها كثيرًا بمفردها إذن.." ثم أضاف للتأكيد " أرجوك..".
أمي رفضت منذ البدء، فكرة الانتقال للعيش معي في انتظار عودة ناصر. فهي ترفض ذلّ الإقامة عند صهرها. خاصّة أنها تملك شقة جميلة، وأنها متعلقة بكل أشيائها الصغيرة.
ولكنها، منذ ذلك الحين، أصبحت تزداد تعلقً بي. لا تكفّ عن زيارتي، أو طلبي ه...يّاً ، واستشارتي في كل شيء، ومرافقتي إلى كل مكان، حتى بدأت أشعر من فرط حاجتها إلي بأنني أصبحت أنا أمها.
وكنت أتفهم حاجتها الدائمة إلى حناني. فهي التي ترمّلت في سن العشرين، وتيتّمت قبل ذلك في طفولتها، لا تفهم أن تطاردها الحياة حتّى ذريتها، وأن يكون قدرها أن تعيش بين ابنة عاقر.. وابن غائب.
وهكذا أصبحت أستمع برحابة صدر، إلى تذمرها، وشكواها، وثرثرة أمومتها. ولا أملك إلا أن أستسلم مكرهة لكل نزواتها. حتى أنني قبلت أن أرافقها بعد ظهر اليوم إلى " الحمّام التركي" برغم أنني لم أكن أشاركها يومًا حماسها لطقوس النظافة الأسبوعية، في هذا الحمّام الجماعيّ.
في الواقع كنت أتفهم منطقها. الحمّام هو المكان الذي يمكن أن تلتقي فيه بكل نساء المدينة. ومثلهنّ يمكنها أن تثرثر وتحكي ماجدّ في حياتها، وهي تباهي بمشترياتها الجديدة، وصيغتها، وثيابها التي لم يرها رجل.
تمامًا كما كانت في زمنٍ مضى تستعرض أواني الحمّام الفاخرة. من طاسة فضّيّة، ومشط من العاج والفضة بأسنان دقيقة، ومناشف فاخرة مطرزة، و"صابون ريحة" مستورد، وعطور، ومستحضرات لإزالة الشعر أو صبغة، وكثير من التفاصيل النسائية التي تعودت أن أراها في طفولتي مجموعة في سطل فاخر من الفضة المنقوشة، موجود دائمًا في ركن من الخزانة. جاهز للاستعراض الأسبوعي.
بعد عشرين سنة، لم تتغير الأشياء كثيرًا. صحيح أن السطل فرغ من محتوياته وانتقل الآن من خزانة أمي إلى الصالون، ليتحول وعاءً فاخرًا يحتوي نبتة خضراء تزين قاعة الجلوس.ولكن عقل أمي لم يفرغ تمامًا من محتوياته.. ولا من عقليّته الأولى. لقد تأقلم فقط مع لوازم العصر. ولم يعد هناك من ضرورة الآن لتلك الحقيبة المبطنة والمغلفة من الداخل بالساتان السماويّ، بأثواب أمي الحميمية، وتمتع بها أكثر مما تمتع بملمسها رجل.
وأذكر أنني في طفولتي، كثيرًا ما كنت أفتح تلك الحقيبة خلسةً، كما نفتح صندوق العجائب. وأجلس على طرف السرير. أحلم بذلك العالم النسائيّ الذي لم أكن أعرفه بعد.
أت... على أشياء أمي الصغيرة.. أحلم أن يكون لي يومًا جسد يشبه جسدها تمامًا، أملأ به كل تلك الأثواب الحميمية.
أحلم.. أحلم.ثم أغلق على جسد أمي في حقيبة. أعيد تلك الحقيبة إلى الخزانة. وأغادر مسرعة تلك الغرفة قبل أن تفاجئني أمي الأخرى. تلك التي لا جسد لها.
هيذي أمي" الحاجة" بجسدها الذي تغير منذ ذلك الحين، تسبقني كما في طفولتي. فألحق بها من قاعة إلى أخرى داخل الحمام دون جدل.
في تلك القاعات المتفاوتة التدفئة، والتي تزداد حرارتها كلما اتجهت نحو الأبعد، تصر أمي على القاعة الثالثة، الأشد حرارة. ولا أجادلها، رغم كراهيتي لهذه القاعات بالذات.
ألحق بها. أمشي رويدًا رويدًا على بلاط مائيّ، جاهز للتّزلج والتهشم.
أذكر أنني شاهدت يومًا امرأة، تقع أمامي.. وهي ممسكة برضيع، فيفلت من يدها، ويسقط ليموت بعد ساعات في مستشفى.
أدخل قاعة، يتصاعد البخار فيها من البرك الجدارية. ويعلو صراخ طفل هنا.. وضحكات نساء هناك.
أمام أول بركة، أجلس أرضًا،دون سؤال. أو بالأحرى بسؤال واحد:
لماذا منذ طفولتي الأولى، كنت أكره الجلوس في هذه القاعات العارية إلا من البخار والماء، والتي لا تؤثثها سوى أجساد نساء عاريات؟
ترى احترامًا للأنوثة، التي كنت أتوقعها أجمل من أجساد لم تعد لها من حدود ، ولا تضاريس "طبيعية"؟
أم لأنني منذ البدء، خلقت لأكون كائنًا من ورقٍ وحبر، تلغيه هذه الكميات الهائلة من الماء والبخار؟
تجلس أمي جواري. تضع أشياءها. أما أنا فلا أشياء لي، سوى ما تركته في الخارج من أثواب أحضرتها إكرامًا لها.. فيما لو التقينا بمن يعرفني.
تزعجني هذه الفكرة. فألف حول جسدي تلك الفوطة من جديد، وأعيد ربطها حول صدري تلقائيّاً.
ولكن صوت أمي يباغتني، يعيد كلمات أعرفها تمامًا، لفرط ما سمعتها في هذا الحمام نفسه، مذ أصبحت صبية تستحي من أنوثتها، وتختبئ داخل الفوطة بإصرار من يبعد عنه تهمة.
هنا أنت تتعلمين من عيون الآخرين، كيف تنكرين جسدك، وتضطهدين رغباتك، وتتبرأين من أنوثتك. فقد علموك أن ليس الجنس وحده عيبًا. وإنما الأنوثة أيضًا.. وكل ما يشبهني ولو صمتًا.
تصرخ أمي بي كعادتها" انزعي عنّا هذه الفوطة !" تقودني كلماتها إلى أسئلة جديدة.
تراها تظن جسدي أحد أملاكها الخاصة، لأنها أنجبتني؛ ومن حقها إذن أن تستعرضه أيضًا على الناس، كأحد إنجازاتها، واجدة فيه عزاءً وتعويضًا عما آل إليه جسدها هي؟
فجأة، وجدتني أعي أحد أسباب علاقتي المعقدة البعيدة بهذا المكان. ففي هذه المدينة التي ليس فيها أي مكان لما هو حميميّ وخاص، الحمام هو المكان الذي تنتهك فيه حرمة الجسد وحياؤه. تسلط عله الأضواء، والنظرات الفضوليّة للنساء. تتالى عليه الأيدي حكّاً ودلكًا وتشطيفًا، ساكبة عليه كميّات هائلة من الماء. وكأنها تريد أن تطهره من أنوثته.
فهل الأنوثة نجاسة؟ أم هل لهؤلاء النساء اللاتي يولدن ويمتن غالبًا، دون أن يتعرين تمامًا أمام رجل، علاقة شبقية ما بهذه الكميات الهائلة من الماء، التي يسكبنها على أجسادهن سطلاً بعد آخر، ساعات بأكملها دون توقف، بلذة غامضة ما، وبانشغال تام بتفاصيلهن النسائية، وكأنهن جئن هنا، ليكنّ على موعد مع أجسادهن لا غير؟ أم أن جميع النساء، هن على اختلاف أجناسهن وأعمارهن حفيدات"كليوباترا" تلك الأنثى التي حكمت بلدًا في عظمة مصر، دون أن تغدر حمامها تمامًا!
.. وأنهن يعتقدن ، عن صواب أو عن سذاجة،أنهن بعد كل حمام يعدن إلى بيوتهن ملكات، على عرش ليس سوى فراش الزوجية،عرش سيحملن تاجه لبضع لحظات_في العتمة_ ويعدن بعدها لحياتهن العاديّة.
العتمة..!
اكتشف الآن إحدى نعم العتمة. وأنا أت... على أجساد مشوهة الأنوثة، مترهلة البطون، متدلّية الصدور. وأفهم أن يكون الله ، بحكمته تعالى، قد خلق _ العتمة_ أيضًا ليمنح كل مخلوقاته حق ممارسة الحب في الظلام.
وإلا..فمن من الرجال، مهما جمحت به رغبته الجنسية.. أو حالته المتقدمة من السكر، سيقدر على مضاجعة نساء على هذا الشكل.. في عز النهار؟
أحتفظ بتلك التعليقات لنفسي، تمامًا كما أحتفظ بتلك الفوطة حول جسدي، وكأنني أرفض أن أختلط أو أحسب على هذا الرهط من النساء، اللاتي تجلس كل واحدة منهن الآن جوار بركة ماء، وحولها سيول سوداء، أو بلون الحناء، حسب الصبغة التي وضعتها على شعرها، والتي تقوم الآن بغسلها، محولة هي وغيرها بلاط الحمام، إلى "دانوب" متعدد الألوان.
وفجأةً، تدخل الحمام ثلاث نساء. متوسطات العمر، متوسطات الجمال، لكن بإغراء وبمظهر "مميز". فقد دخلن عاريات. شاهرات أنوثتهن في وجه الجميع، بينما العادة هنا أن تدخل جميع النساء بالفوطة ولا يخلعنها إلا وهن جالسات.
وفي لحظة، التفتت نحوهن الأعماق، وطاردتهن نظرات فضولية وأخرى شزرة من كل صوب.
أفهم من مسبات أمي ونعوتها لهن، أنهن مومسات. مومسات،
وهل مازال في هذه المدينة مكان لمهنة كهذه..؟ عدا أرصفة بعض الشوارع قليلة الحركة، حيث يحدث لبعض البائسات أن يقفن.
ينقسم تلقائيا، قاعة الحمام، إلى شطرين . النساء" الشريفات" من جهة، والنساء" المشبوهات" في الطرف الآخر.
الطرف الأول يلاحق الطرف الثاني بالتعليقات.. والغمزات.. ونظرات الازدراء، التي مصدرها إحساس مفاجئ بفائض عفة وشرف. بينما يتجاهل الثاني تمامًا وجود الطرف الأول. وتتصرف النساء الثلاث، وكأنهن بمفردهن. ويضحكن بصوت عالٍ ، ويتغاسلن.. ويتغازلن استفزازًا للأخريات.
وجدت لذة في وجودي ال... بين طرفين، دون أن أنحاز أخلاقاً لأحدهما دون الآخر.
وربما كنت سرًا أتسلى بكتابة بعض التعليقات في ذهني. هنا، وسط البخار والماء والشهوة.. والنفاق النسائي. فقد كنت على مسافة وسطية من العفة.. والخطيئة. هناك حيث يقف الكاتب.. وحيث يقف أي إنسان طبيعي.
فأنا أدري أن كل إنسان عفيف، يحمل في داخله قدرًا كافيًا من القذارة، قد تطفو يومًا فتغرق حسناته، تمامًا كما أن في أعماق كل إنسان سيء، شعلة صغيرة للخير، ستضيء داخله يومًا ، في اللحظة التي يتوقعها الأقل .
وأدري قبل كل هذا، أن بإمكان أية امرأة أن تغدو قديسة أو عاهرة في أي لحظة. لقد خلقت بنصفين معًا. ولكنها كلما انحازت إلى أحد نصفيها، تمادت في السخرية والتشهير بالنصف الآخر.
تهجم أمي على ذراعي، وتبدأ في دلكهما وحكهما بعد أن نفد صبرها، رافضة أن تسلمني إلى "طيابة".
تواصل متحدثة إليّ شتم تلك "الفاجرات". تقول إن العائلات الكبيرة، تعودت أن تستأجر الحمام وتحجزه مرة في الأسبوع، لتدعو القريبات والصديقات على حسابها.
كل هذا، حتى تضمن عدم اختلاطها بالغرباء، وبهذه النماذج التي هجمت على قسنطينة فانتهكت حرمتها، وأهانت أهلها.
لا أجيب. أتظاهر بالاستماع فقط.
فقد كنت مشغولةً عنها، بمقولة لساشا غتري: " ليس هناك من نساء غير شريفات.. وأخريات شريفات. ثمة فقط، نساء غير شريفات.. وأخريات قبيحات!".
يومها غادرت الحمام، دون أن يغادرني ساشا غتري تمامًا حتى أنني عدت إلى البيت عصرًا تحت المطر. وأنا أستعيد إحدى مقولاته الساخرة: " لا تمارس الحب مساء السبت.. إذ ما الذي تفعله لو أمطرت السماء صباح الأحد؟".
وهي غمزة ساخرة، عن الأزواج الذين يمارسون الحب عن ضجرٍ جسدي مساء السبت، ثم لا يدرون بعدها، ماذا يفعلون بأنفسهم طوال الغد، عندما يبقون في البيت.. في يومٍ ممطر!
ورغم أنه كان يوم سبت ممطرًا، فقد قررت أن أخالف ذلك المساء نصيحة ساشا غتري ، بكون السبت ليس نهاية أسبوع عندنا بل بدايته. وبالتالي لن يكون زوجي هنا في الغد ليقاسمني ضجري، لكوني عائدة من حمام نسائي أشعل شهوتي، وبي رغبة في أن أهدي أنوثتي إلى رجل.
طبعًا.. لم أكن أدري أنه يكفي أن أنوي الحب، كي تنقلب البلاد رأسًا على عقب. ولا توقعت أن التاريخ سيهدي إلى الجزائر يومها إحدى مفاجآته. ولا أن الرئيس ال...لي بن جديد، سيختار ذلك السبت بالذات، ليعلن في نشرة الثامنة مساءً من ليلة 11 يناير 1992 استقالته، وحله البرلمان.. ومن ثمة دخول البلاد في متاهة دستوريّة.
لم أعتب على ال...لي بن جديد إهداره ليلتها رغبتي.
فقد أهدر قبلها سنوات بأكملها من رغبات شعب.



انتهى الفصل الثالث *b

Najma
29-08-2007, 04:33 PM
قطعًا
ـــــــــــ
وحده الزمن سيدلك على الصواب، عندما يفقد الآخرون صوابهم.
أمّا التاريخ.. فلا تتوقع في هذه الحالات أن يقول كلمته على عجل.
هو أيضًا ينتظر.
ثمانية وعشرون عامًا من الانتظار. وطائرة تحطّ على مطار. ورجل تجاوز الثانية والسبعين من عمره، ينزل. يمشي على سجاد أحمر، مذهولاً من أمره.
أكان بين الوطن والمنفى مسافة ساعة فقط؟ لماذا.. كان يلزمه إذن، ثمانية وعشرون عامًا ليقطعها؟!
رجل نحيف، ومستقيم، وفارع كما هو الحقّ، احدودب ظهره قليلاً، وخشنت يداه كثيراً، وبانت عظام وجهه وعظام أصابعه.
قبل قليل.
قبل التاريخ بقليل. كان اسمه محمد بوضياف. وكان يسكن في مدينة صغيرة بالمغرب. يدير بيديه اللتين اخشوشنتا مصنعًا بسيطًا للآجُرّ. ويعيش بعيداً عن كلّ عمل سياسيّ. سوى ذكريات ثورة تنكّرت له، وأخبار وطن حذف حكامه اسمه حتّى من كتب التاريخ المدرسية، كزعيم أشعل ذات نوفمبر سنة 1954 الشرارة الأولى للثورة التحريرية.
اللّحظة لم يعد له اسم.
مذ خطا على تراب الوطن، أصبح اسمه هو "التاريخ".
أليس التاريخ "هو ما يمنع المستقبل من أن يكون أيّ شيء"؟
الآن.. لم يعد له من عمر.
لقد أصبح له أخيرًا عمر أحلامه، تلك التي جاءت متأخرة بجيلين وأكثر.
الآن.. في هذا العمر، هو يتعلم المشي من جديد على تراب وطن، لم يمش عليه يوماً بحرية ولا بأمان. فقد طاردته فرنسا فوقه أرضًا وجوًا. ولم تجد من سبيل لإلقاء القبض عليه هو ورفاقه سوى خطف طائرتهم سنة 1956، وهي تعبر أجواء البحر الأبيض المتوسط، في رحلة تقلهم من المغرب نحو تونس، فحوّلت وجهتها نحو فرنسا، واقتادت بوضياف مع رفاقه الأربعة: أحمد بن بللّة وآيت أحمد ومحمد خيدر ورابح بطاط، موثقي الأيدي نحو معتقلاتها، أمام اندهاش العالم الذي لم يكن قد سمع بعد ببدعة خطف الطائرات، وأمام غضب الشارع العربي ومظاهراته، والذي كان عبدالناصر في السنة نفسها قد ألهبه خطابات حماسية، وملأه عنفواناً وغروراً قوميًا.
حتى إن إذاعة صوت العرب من القاهرة لم يكن يلزمها أكثر من أيام لتخرج إلى العالم العربي بألحان حماسية تطالب بإطلاق سراح الزعماء الخمسة، أناشيد تلقفتها أفواه أطفالنا، وحناجر رجالنا، وزغاريد نسائنا، فردّدنا معها:
"باسم الأحرار الخمسة حنرد الثار يا فرنسا.."
كنّا نبكي.
ووحده التاريخ كان يضحك. فهو وحده كان يدرك ما لم يكن يتوقعه أحد.
فما كادت الجزائر تنال استقلالها، ويصبح "الزعماء الخمسة" أحراراً، حتى أرسل بن بللّة وقد أصبح رئيساً، من يقبض على رفيق نضاله محمد بوضياف، في حزيران 1963، وهو يغادر بيته. واقتيد بوضياف من مكان إلى مكان. حتّى انتهى به المطاف في معتقلات ضائعة في غياهب الصحراء، حيث خبر رجل الثورة الجزائرية الأول، قبل غيره، مهانة أن يكون لك وطن، أقسى عليك من أعدائك.
وهو ما اكتشفه بعده بسنتين، بن بللة نفسه. عندما جاءه بومدين ذات حزيران (أيضًا) من سنة 1965 فأزاحه من السلطة ورمى به في السجن، ليخرج منه بعد خمسة عشر عامًا عجوزاً.
أمّا بو ضياف الذي لم يطالب يومًا بالسلطة، وإنما رفض منذ البدء أن يكون قد كافح ليحرر وطنًا من الاستعمار، كي يسلمه لدكتاتورية الحزب الواحد، فقد تساوى عنده الحاكمان.
يوم اختفى، لم يوجد من بين رفاقه أحد ليسأل أين ذهبوا به!
كانوا مشغولين عنه باقتسام الوليمة.
فمضى بذلك القدر الهائل من الغياب، كما عاد بهذا القدر الهائل من الحضور.
تذكّروه، هكذا فجأة، بعد ثلاثين عامًا، وقد شبعوا وانتفخوا، وملأوا جيوبهم وأفرغوا جيوب الجزائر. وانسحبوا تاركين لنا وطنًا مرهونًا لدى البنك الدوليّ –مع كثير من التمني- لعدة أجيال فقط.
فقد كان الوحيد الذي ما زال على ذلك القدر من النّحافة.. والنزاهة.. ولم يجلس يومًا حول طاولة الصفقات المشبوهة للسلطة.
كان لابد من اسمه ليعيد الثقة إلى شعب لم يعد يثق بشيء، ولا بأحد. وقد تناوب عليه حكمًا بعد آخر، علي بابا والأربعون حراميّاً.
جاؤوا به. قالوا له الكلمات التي لم تصمد امامها شيخوخته "الجزائر في حاجة إليك.. أنت الرجل الذي سينقذها".
فقام العجوز. غسل يديه من طين الآجرّ، وذاكرته من الحقد. فقد آمن دائمًا أنه لا يمكن ان تبني شيئاً بالكراهية. وكان له مقدرة مذهلة على الغفران، فاحتضن من نفوه ومضى نحو "وطنه".
فمنذ الأزل، لم يحدث أن نادته الجزائر ولم يستجب لندائها.

ها هوذا..
يرتدي بذلة لم يتوقع أنه سيرتديها لمناسبة كهذه.
يتعلّم المشي أمامنا. يتعلم الابتسام لنا. يرفع يده اليمنى ليحيينا بخجل، كمن يعتذر عن يدٍ لم تحمل يومًا سوى السلاح.. والآجرّ، ولم تكن مهيأة لمثل هذا الدور.
ها هوذا.. بوضياف.
يأتينا مشيًا على الأقدام، مشيًا على الأحلام. فتخرج لاستقباله الأعلام الوطنية، وجيل لم يسمع باسمه قبل اليوم. ولكنه يرى في قامته، تاريخ الجزائر في عظمتها الخرافية.
ها هوذا..
ليست أقدامه التي كانت تبوس تراب الوطن مع كلّ خطوة، إنما تراب الجزائر، هو الذي كان يحتفي بخطاه، ويقبّل حذاءه.
فلا تملك القلوب إلا أن تهتف: أيها التاريخ توقّف.. لقد جاءنا رجل من رجالك.
كان يوم 14 يناير 92 يومًا استثنائيًا، حتى في طقسه. فقد توقفت فيه الأمطار التي هطلت قبل ذلك بغزارة، وجاء يوم مشمس. وكأنّ الطبيعة تطابقت مع مشاعر الجزائريين، أو كأنها أرادت أن تتواطأ مع التاريخ، وتهدي إلى بوضياف يومه الأجمل.
طوال الظهيرة، تعلقت عيون الجزائر بشاشة التلفزيون؛ الكلّ يريد أن يرى ويسمع هذا الرجل الذي دخل حزب الصمت، منذ ثلاثين سنة. ماذا تراه سيقول؟
الكلّ يريد أن يقبل، ولو بعينيه، هذا الذي ينادي رفاقه "سي الطيب الوطني" والذي تناديه قلوبنا اليوم "أبي".
فمنذ موت بومدين ونحن يتامى. نعاني إفلاسًا عاطفيًا، يفوق إفلاس اقتصادنا، وعجزًا وطنيًا في المحبة، يفوق عجز مزانيتنا.
نحن نبحث عن رجل له قامة عبدالناصر، وكلمات بومدين، ونزاهة بوضياف، رجل في بساطة أهلنا، يمرّر يده على رأسنا، يربت على أكتافنا، يقول لنا أشياء بسيطة نصدّقها. يعدنا بأحلام بسيطة ندري أنه سيحققها، يبكي أمامنا عن كلّ من ماتوا، دون أن يحقق في انتماءاتهم. يعتذر للأحياء عن موتاهم.. وللموتى عن اغتيال احلامهم. رجل منذ نزوله من الطائرة يعلن الحرب على من سطوا على مستقبلنا، وبنوا وجاهتهم.. بإذلال وطن.
يقول "الجزائر قبل كلّ شيء" فيوقظ فينا الكبرياء.
وتصبح كلماته البسيطة شعارنا.
قطعــًــا.. منذ الأزل، كنّا ننتظر بوضياف، دون أن ندري. ولكن بوضياف، ماذا تراه كان ينتظر؟ هو الذي قال يومها لزوجته "كلّ هذه الحفاوة لن تمنعهم من اغتيالي.. فلا ثقة لي في هؤلاء".
وعندما سألته إن كان جاء إذن بنية الانتحار. أجابها كمن لا مفر له من قدر "إنه الواجب.. كلّ أملي أن يمهلوني بعض الوقت".


* * *


في اليوم التالي استيقظت المدينة بمزاج جاهز للجدل. واستيقظتُ بمزاج جاهز للكتابة، وكأنني لم أجد من طريقة للاحتفاء بعودة بوضياف، سوى العودة إلى ذلك الدفتر.
فتحته حيث توقف بي الحبّ. وتوقف بي الحبر، منذ أربعة أشهر، عند قبلة.
كانت نيتي أن أكتب شيئًا عن الحاضر، أن أصف اندهاشي الجميل أمام بوضياف.
ولكن كانت عواطفي تلوي عنق قلمي نحو الماضي، وتوقظ داخلي رجلاً آخر، رجلاً أكاد لا أفتح هذا الدفتر حتى يحضر.
رجل قال لي "تمنّيت أن أموت وأنا أقبلك. إذا كانت كلّ القبل تموت. فالأجمل أن نموت أثناء قبلة".
ورحل.
من وقتها، وأنا أغذي الذاكرة بكلماته المحمومة. كي لا تنطفئ في انتظاره نيران الجسد.

أهي الرغبة؟ أم حاجة إلى الكتابة؟ أم.. قدر يجعل دائمًا كلّ قصة فردية، موازية لقصة جماعية، لا ندري أيتهما تكتب الأخرى؟
وإلا فما تفسير تلك المفاجأة التي كانت تنتظرني بعد ثلاثة أسابيع من عودة بوضياف؟
وإذا بي، أنا التي لم يفارقني هاجس اللّقاء به، في كلّ مكان ذهبت إليه أو مررت به، أعثر عليه حيث لم أتوقعه، في بيتي، على صفحات جريدة مهملة.. ملقاة عند أقدام مكتب زوجي!
أحبّ تلك الهدايا التي تقدمها لك الحياة، خارج المناسبات، فتقلب بمصادفة حياتك، حتى تلك التي كهذه يرمي لك بها القدر أرضًا.
فتنحني لالتقاطها ممنونًا، لأنك تعثّرت دون قصد.. بالحبّ!
وماذا لو تكون قد تعثرت بشيء آخر؟ فلم يحدث للحب أن كان مجاوراً للسياسة إلى هذا الحدّ.


* * *


في صورة تذكارية تجمع بوضياف مع أعضاء من "التجمع الوطني" أراه، وأكاد لا أصدق عيني.
يتسمّر نظري عند وجهه بالذات: هذه الملامح أعرفها تمامًا، وهذه النظرة الغائبة، إنها نفسها التي استوقفتني يوم خلع ذلك الرجل نظاراته السوداء في موعدنا الأخير، ليقبلني. وهذا الشعر.. هذا الفم.. هذا الكل.. أعرفه. إنه..(هو)!
أعيد قراءة ذلك المقال المرافق للصورة بعجل، ثمّ بتأنَّ، كي أجد تفسيرًا لوجود هذا الرجل هنا.
أفهم أنّ بوضياف قررّ إنشاء المجلس الوطنيّ الاستشاريّ، وهو تجمّع يضمّ عددًا كبيرًا من شرائح المجتمع الجزائري، معظمهم من المثقفين والسياسيين الجزائريين المعروفين بنزاهتهم، وغيرتهم الوطنيّة. وغير المحسوبين على أيّ نظام سابق، كي يساعدوه في إخراج الجزائر من مأزقها السياسيّ والتشريعيّ.
أواصل قراءة المقال في الصفحة الثالثة، التي تملأها عدة صور، مرفقة ببطاقة تعريف بعض الأعضاء. فأعجب لنسبة الكتّاب والمثقفين، اللذين اختيروا ليكونوا أعضاءً في هذا المجلس. حتّى أن أحد الذين سيتناوبون على رئاسته، لن يكون سوى الكاتب عبد الحميد بن هدوقة. وإن من أعضائه كثيراً من المثقفات والأساتذة الجامعيين والصحافيين. في بلد لم يسأل فيه المثقفون ولا النساء.. يوماً عن رأيهم.
أطالع كلّ الأسماء.. وكلّ المهن. ولا أعثر على أي رسّام بين كلّ هؤلاء، حتى أكاد أقتنع أن بي هوساً، وأنني أصبحت أرى صورته في كلّ مكان، خاصةً أنني أدري بوجوده في باريس. وتبدو لي مشاركته في تجمّع كهذا أمرًا مستبعدًا، إلا إذا كان قد عاد من السفر..
ثم تخطر في ذهني فكرة، وأجدها قادرة على أن تحسم شكوكي، فأتجه نحو اله... وأطلب تلك الأرقام التي ما زالت يدي تحفظها عن ظهر قلب، أو قلبي عن ظهر يد.
كانت الساعة التاسعة صباحاً. لم أتساءل حتّى إذا كان الوقت مناسبًا، أو إذا كان ذلك الرجل نفسه هو الذي سيردّ على اله...،بل إذا كانت تلك الأرقام التي كنت اطلبها بيد مرتبكة، وقلب يتضاعف نبضه.. صحيحة حقاً.
فجأة أصبحت على عجل. لا وقت لي حتّى للتحقق من صحتها. أريد أن أسمعه، أو أسمع على الأقل ذلك اله... وهو يرنّ في بيت عرفت فيه الحبّ، فيوقظ أثاثه، ويتحرش بذاكرته.
ولكن في الدقة الثانية رُفعت السماعة، وكاد قلبي معها يتوقف عن النبض.
أوشك أن أقول شيئًا، ثم أنتظر أن يردّ أحد قبل أن أنطق.
بعد شيء من الصمت، يأتي ذلك الصوت الذي لم أعد أنتظره لفرط ما انتظرته.
تراه عرفني من أنفاسي كي يسأل دون مقدمات:
-كيف أنت؟
أكاد لا أصدق ما يحدث لي. أردّ:
-أأنت هنا؟
ثمّ أواصل بالاندهاش نفسه:
-كيف عرفتني؟
يجيب بسخريته المحببة:
-من صمتك.. الصمت كلمة السرّ بيننا.
ولا أجد شيئاً أرد به سوى كلمات محمومة.. أردّدها كيفما اتّفق كمن يهذي:
-اشتقتك.. كيف تخلّيت عنّي وسلّمتني إلى هذه المدينة المجنونة.. أريد أن أراك.. كيف أراك؟ أجبني. أتدري أن الحياة لا تساوي شيئاً دونك.. ماذا فعلت بي لأحبّك إلى هذا الحدّ؟
ولا يجيب بشيء، وكأنّ كلماتي لم تصله. يسألني فقط:
-من أين تتكلّمين؟
أجيب:
-من قسنطينة..
يواصل:
-من أيّ مكان بالذات؟
أجيب:
-من البيت.
يردّ:
-اطلبيني من مكان آخر.
أسأله:
-لماذا؟
لا يردّ.
أسأله:
-متى؟
يجيب:
-متى تشائين.. أنا باق هذا الصباح في البيت.
ويضع السماعة.
حدث كلّ هذا في دقائق. ولم يكن يلزمني أكثر من هذه الدقائق لأعود تلك المرأة الأخرى التي كنتها قبل أشهر.

ها أنا أدخل الدوّامة نفسها من الفرح والخوف والترقب والتفاؤل.. والتساؤل.
لماذا يعود هذا الرجل دائمًا عندما أكفّ عن انتظاره؟ لماذا يعود دائمًا بتوقيت الأحداث السياسية الكبرى؟ لماذا لم يعطني إشعاراً بوجوده، مادام قد عاد من فرنسا؟ ولماذا يسألني من أي مكان بالتحديد أتحدث إليه؟ ولماذا.. كما عَبْرَ نهر، يأخذني إليه دائمًا تيّار الرغبة الجارف. يدحرجني من شلالات شاهقة للجنون.. يمضي بي من شهقة إلى أخرى.. يجذبني عشقه حيث لا أدري.

جميل ما يحدث لي هذا الصباح. كأن تستيقظ من نوم شتويّ، تزيل ستائر نافذتك بكسل، وفضول من يريد أن يعرف ماذا حدث في العالم أثناء نومه. وإذا بالحبّ، يطالع جريدة على كرسيّ في حديقة بيته وينتظره!
بينك وبينه، لم يكن سوى زجاج النافذة المبلل.. وفصل.
وحيثما كنت، ستستيقظ حتمًا، على حبّ لا علاقة له بالفصول.
المطر لن يمنعني من مغادرة البيت، فلي هذا الصباح نشرتي الجوية الخاصة. وهكذا في أقلّ من نصف ساعة، كنت قد ارتديت ثيابي.. وتهيأت للخروج.
أمّي التي لم تتعود زياراتي الصباحية، فاجأها حضوري في ساعة قلّما أكون غادرت فيها السرير.
ولكنّها راحت تستفيد من وجودي الذي لم تجد له من مبررا عدا ضجري، واشتياقي إليها، كي تحجزني أمام فنجان قهوة، وتبدا بسرد همومها ومتاعبها الصحية.

استمعت إليها بما أوتيت من صبر، وبما أوتيت من ذكاء أيضًا.
فقد وجدت لمتاعبها حلاً فوريًا على قياسي: أن نسافر معًا إلى العاصمة للاستجمام!
طبعًا قبلت أمي فكرتي بحماس. فإضافة إلى كلّ الأقارب والأصدقاء الذين بإمكانها زيارتهم هناك.. سيكون بإمكانها أن تحجزني معها في بيت واحد لعدّة أيام. وهذا في حدّ ذاته، تسمّيه أمي "تغيير جو"!
كان لهذا المشروع الذي ارتجلته تواً مفعول منشط على أمي، التي ذهبت نحو المطبخ، تعدّ غداءً يتناسب مع مفاجأة زيارتي.. ومفاجأة سفرنا.
أمّا أنا.. فاتجهت نحو اله... بالتوتر والفرحة نفسها.. لأطلب ذلك الرقم إيّاه.
وبالهدوء نفسه، عاد ذلك الصوت نفسه يسأل:
-كيف أنتِ؟
أجبته كمن يحلم:
-الآن فقط بإمكاني أن أقول إنني جيّدة.
-وكيف كنت من قبل؟
-كنت أعيش فراغًا في كلّ شيء.
-احذري الفراغ.ز إنه يصنع الرداءة.
-ولكنه زمن رديء على كلّ حال.
-قد يصبح أجمل.. يكفي أن نثق بذلك.
-أنت نفسك سبق أن قلت إنك لم تعد تثق بشيء.. أتذكر؟ قلت هذا في ذلك اليوم الذي التقينا فيه عند بائع الجرائد.
-أذكر.. ولكنني اثق برجل. ولأنه عاد، عادت ثقتي بالقدر.
أسأل:
-أعدت من أجله أم..؟
أصمت وكأنني أمنحه فرصة اعتراف عاطفيّ ما.
ولكنّه يجيب متجاهلاً إيحائي:
-أجل.. عدت من أجله.
-وأنا ..؟
يصمت قليلاً وكأنه لم يتوقع سؤالي ثمّ يقول:
-أنتِ..؟
ويغرق في صمت آخر.
أواصل:
-في ذلك اليوم الذي التقينا فيه عند بائع الجرائد. أتذكر؟ نصحتني أن لا أطالع الجرائد. ومنذ ذلك اليوم.. لم أطالع جريدة. ولو لم أتصفح جريدة هذا الصباح مصادفة، لما كنت عرفت بوجودك هنا. أيعقل أن تعود دون أن تعطيني علمًا بذلك؟
-ولكنّني فعلت.. أتعتقدين أنك عثرت مصادفة على تلك الجريدة؟ لا شيء يحدث مصادفة حقًا. ثمّة أشياء لفرط ما نريدها بإصرار وقوة تحدث. حتّى يبدو لنا في ما بعد كأننا خططنا لها بطريقة أو بأخرى.
-ولكنك تبدو فاتر العواطف.. غير مشتاق!
ردّ بنبرة ساخرة:
-بلى. أنا مشتاق وعندي لوعة.. ولكن
-ولكن ماذا؟
-ولكن ه...ك في البيت مراقب.. وربما هذا أيضًا. تحاشَيْ طلبي من البيت. أفضّل أن تأتي إلى العاصمة. سيكون ذلك أفضل.
أجبته بثقة امرأة:
-سآتي..
ثم أضفت قبل أن ينقطع الخطّ:
-حتمًا.


* * *


النساء أيضًا كالشعوب؛ إذ هنّ أردن الحياة فلابدّ أن يستجيب القدر. حتّى إن كان الذي يتحكم في أقدارهنّ ضابط كبير، أو دكتاتور صغير في هيأة زوج.
حتّى الآن، لا أدري كيف استطعت إقناع زوجي بفكرة سفري إلى العاصمة للاستجمام على شاطئ البحر، في عزّ الشتاء!
وكيف لم يجد في سفر كهذا شبهةً ما.
أتذكّر تلك المقولة الساخرة "ثمّة نوعان من الأ...اء: أولئك الذين يشكّون في كلّ شيء. وأولئك الذين لا يشكون في شيء!".
أمّا زوجي الذي يملك من التذاكي المهنيّ ما يجعله دائمًا على حذر، فقد بدأ حياته الزوجية معي، كأيّ عسكريّ، بالتجسس والتحري والاشتباه في كلّ شيء.
ثمّ أمام غياب الأدلّة، أعطاني من الحرية ما فاجأني، أو ربّما بقدر ما يلزمه من الوقت كي ينصرف عنّي إلى مهامه، واثقًا من سطوة نجومه الكثيرة.. عليّ.
وهذه المرة ايضًا، من الأرجح أنه مشغول عنّي بالمستجدات السياسيّة، وأن لا وقت له للتجسس على مشاغلي النسائيّة، التي حتّى الآن، لم يكن فيها ما يستحق الإخفاء والحذر.
مشكلتي الآن مع "الآخرين"، أولئك الذين عوض التنصّت إلى الإرهابيين.. يتنصّتون إلى هو... العشّاقّ!
ساعة في طائرة، لا أكثر، وإذا بي أبتعد عن قيودي بمئات الكيلومترات. وأعود إلى ذلك البيت نفسه الذي جئته منذ أربعة أشهر مع فريدة.
بيت أسميته بيت الحلم، فهنا كلّ شيء يصبح ممكناً كما في الأحلام.
ما كدت أصل، وأضع شيئًا من الترتيب حولي حتّى أسرعت إلى اله.... وجاء ذلك الصوت بحرارة هذه المرة يؤكد لي أنني لا أحلم.
-أخيراً أنتِ.. لو تدرين كم افتقدتك.. سأراك غدًا.. أليس كذلك؟
كلمات، وسؤال لا أكثر، ويصبح العالم أجمل، وتصبح الأسئلة أكبر. ولكن لا وقت لي للإجابة عنها؛ مأخوذة أنا بهذه الحالة العشقيّة.. مأخوذة حدّ الأرق.
مقولة لبودلير منعتني من النوم.
"كلّ إنسان جدير بهذا الاسم، تجثم في صدره أفعى صفراء، تقول (لا) كلما قال (أريد)".
قضيت ليلتي في محاولة قتل تلك الأفعى.
اكتشفت قبل الفجر بقليل أنّ "لا" أفعى بسبعة رؤوس، وأنك كلّما قتلتها، ظهرت لك "لا" أخرى، شاهرة في وجهك –لأسباب أخرى- أكثر من حرف نهي وتحذير.
وبرغم ذلك، غفوت وأنا أقرض تفاحة الشهوة، على مرأى من رؤوسها.
لي موعد مع "نعم". وكلّ شيء داخلي يعيش على مزاج "نعم".
صباح "نعم" أيها العالم. صباح "نعم" أيها الحبّ.
يا كلّ الأشياء التي تصادفني والتي اصبح اسمها "نعم".
يا كلّ الكون الذي يستيقظ جميلاً على غير عادته: من نقل إليك خبر "نعم"؟
أيّتها الأغاني التي يردده المذياع هذا الصباح.. وكأنه يدري ما حلّ بي. أيتها الطرقات المشجرة التي تمتد أشجارها حتى قلبي، أيتها الطاولات التي تنتظر على رصيف شتويّ عشاقها، أيتها الأسرة غير المرتبة، التي تنتظر في مدن "نعم" متعتها.
أيّها الليل الذي مساؤه "ربّما". صباحك "نعم". فكم كان مساؤك "لا" يا أيها المساء!
في اليوم التالي استيقظت من ليل تقاسمته مع بحر شتويّ هائج. وبداته بصباح مفخخ بأسئلة أمّي ومشاريعها.
ولكنني نجحت في إحباط كلّ برامجها المشتركة بكذبة. وذهبت نحو مشروعي الأجمل.
انطلقت بي السيارة ظهرًا، سالكة طريق الحبّ نفسه. الذي بدا لي أطول رغم سرعة السائق، ورغم خلوّ الطرقات هذه المرّة، من حواجز التفتيش.
شعرت بالاطمئنان، وأنا أرى الشوارع قد عادت إلى حياتها الطبيعيّة.
وفرغت من المتظاهرين، والملتحين، واختفت منها اللافتات، والهتافات.
ولذا، نزلت عند ساحة الأمير عبد القادر. وواصلت طريقي مشيًا على الأقدام.
رقم.. رقمان.. بناية.. بنايتان. وطوابق أربعة أصعدها بسرعة سارقة، وبلهفة عاشقة.
شوق يركض بي.. قلب تسرع دقّاته. وباب ينفتح من دقة واحدة، وينغلق خلفي.
باب يفصلني عن مدينة "لا" ويدخلني عالم "نعم".
رجل لا اسم له ينتظرني. يتأملني. يضمني. وقبلة خلف باب مغلق توّاً على فرحتي تسمّرني بين عالمين.
يسألني وهو يراني ألتقط أنفاسي:
-هل وجدت صعوبة في الوصول إليّ هذه المرّة؟
وأجيب:
-الأصعب كلّ مرة أن أجتاز هذا الباب..
ثمّ اواصل بعد شيء من الصمت:
-دخولاً .. وخروجًا!
يردّ بشيء من السخرية:
-ابقي هنا إذن!
أرتمي متعبة على الأريكة. أقول:
-احجزني رهينة عندك.. أيمكنك هذا؟
يجيب ساخرًا:
-كلنا رهائن.
-رهائن من؟
أتوقع أن يقول "رهائن الحبّ".. ولكنّه يقول:
-رهائن الوطن..
أردّ بشيء من العصبية:
-أرجوك.. دعني من السياسة. أنا لست هنا لأحدثك عن الوطن. أنت لا تعي كم أنا أجازف للوصول إليك.. فقط لأعيش لحظة حبّ.
-ولكن ليس ثمّة من حبّ خارج السياسة. ألم تفهمي هذا بعد؟
أصمت لأنني لم أفهم. ولا أريد أن أفهم. لماذا تصبح السياسة طرفًا ثالثأ في كلّ علاقة؟
لماذا تنام في سرير الأزواج، وفي سرير العشّاق؟
لماذا تتناول معنا فطور الصباح.. وكلّ وجبات النهار. وترافقنا إلى زيارة الأحياء والأموات من أهلنا؟
لماذا تسبقنا إلة مدن الحلم، وحال وصولنا، تجلس معنا على الأريكة. ولماذا تبعث بقريب إلى الغربة، وتعود متى شاءت بمن نحبّ؟
أقول:
-ربّما كنت على حقّ.. في النهاية السياسة هي التي عادت بك.
ثمّ أواصل:
-لحسن حظّ الحبّ.
-وماذا لو كان العكس؟
-لا أصدّق أن تكون قد عدت من أجلي..
-أنا لم أقل أنني عدت من أجلك.. لنقل إنني عدت كي نواصل كتابة الرواية معًا.. أليس هذا الذي يع...؟
-ربّما.. ولكن لا أفهم أن يع... أنت إلى هذا الحدّ.
يضحك:
-طبعاً يعنيني.. لأنني لا أريد أن أخلف نهايتي، أريد لنا نهاية جميلة.
-حقًا؟
-طبعًا.. مهمّة هي النهايات، في الكتب كما في الحياة.
أقاطعه:
-أتدري ما يعنيني الآن بالتحديد؟ يعنيني أن أعرف من تكون. ولا شيء غير هذا. منذ ذلك اليوم وأنا أشتري كلّ الجرائد، أتفحّص كلّ الصور، أطالع كلّ المقابلات السياسية التي يدلي بها أعضاء المجلس الوطنيّ. أعرف حياة الجميع. أقرأ تصريحاتهم جميعًا حول كلّ شيء، ولا أقرأ شيئًا لك.. لماذا؟
يردّ ساخراً:
-لهم نياشين الكلام.. ولي بريق الصمت.
-ولكن مع ايّ جهة أنت؟ إلى أيّ حزب تنتمي؟
يردّ:
-السؤال الحقيقي. هو عمّ انت منشق. وليس إلى أي حزب تنتمي.
لا أملك إلا أن أتبع منطقه في قلب الأسئلة. أسأل:
وعمّ انت منشق؟
يصمت وكأنّ السؤال فاجأه. ثمّ يجيب:
-لي أكثر من جواب عن سؤال كهذا. لنقل إنّني منشق عن أحلامي. أنا الشاهد الأخير يا سيدتي على الأفول العربيّ. قضيت عمري على شرفة الخيبة. أت... على غروب أحلامي وطنًا.. وطنًا، بما في ذلك وطني. أفهمت لماذا كان لابدّ أن لا أخلف نهايتي في هذه القصّة؟ تسألينني عن سرّ صمتي، أنا رجل كنت قبل مجيء بوضياف فارغًا بلا أحلام. كلّ أحلامي كانت خلفي.
-وأنا؟
-أنتِ؟
-أين تضعني في كلّ هذا؟
-أضعك تمامًا حيث أنتِ الآن.
-أي..؟
-أي على ورق. أحلامي معك، كمشاريعك معي لا تتجاوز مساحة صفحة. حتّى عندما تكون هذه الصفحة في حجم سرير. إنه قدرنا.

هذا الرجل يتقن الكلام، إلى درجة يمكنه معها أن يمرّ بمحاذاة كلّ الأسئلة، دون أن يعطيك جوابًا، أو هو يعطيك جوابًا عن سؤال لم تتوقع أن يجيبك عنه اليوم بالذات، وأنت تطرح عليه سؤالاً آخر.

وهكذا ها هو يجيبني عن سؤال كان يشغلني في البدء. بل كان سببًا لبدء هذه القصة، يوم كان همّي أن أعرف لماذا دخل هذا الرجل دير الصمت، واختصر اللغة حتّى لم تعد تتجاوز بضع كلمات تراوح بين "حتمًا" و"قطعًا" و"طبعًا" و "دومًا" وكأن كلّ الحياة يمكن أن تختصر بها.
لماذا حوّل العالم كلماتٍ قاطعةً، والحبّ كلماتٍ متقاطعةً، يصعب على أية امرأة أن تجاريه فيها أو تهزمه؟
وأنا التي دخلت معه هذه المبارزة اللغوية، ككاتبة تحترف الكلمات، وترفض أن يهزمها "بطل" في عقر دارها، وفي كتاب هي صاحبته، ها أنا أهزم أمامه شوطًا بعد آخر، وأتورط معه سؤالاً بعد آخر، بعدما أصبح كلّ سؤال يوصلني إلى أسئلة أخرى.

ومنذ البدء كنت أدري تمامًا أن الأسئلة توّرط عشقيّ. ولكن.. لم أكن أعرف أنه، مع هذا الرجل بالذات، تصبح الأجوبة أيضًا انبهاراً لا يقلّ تورطًا.
أحبّ أجوبته، وأعترف أنني كثيرً ما لا أفهم ما يعنيه بالتحديد. كثيرًا ما يبدو لي وكأنّه يحدّث امرأة غيري عن رجلٍ آخر. ولكنني أحبّ كلّ ما يقول، ربّما لأنني مأخوذة بغموضه.
أقول وأنا أعبث بيده:
-أحبّك.. حرّرني قليلاً من عبودّيتك.
يحتضنني ويسحبني نحوه قائلاً:
-الحبّ أن تسمحي لمن يحبّك بأن يجتاحك ويهزمك، ويسطو على كلّ شيء هو أنت. لابأس أن تنهزمي قليلاً.. الحبّ حالة ضعف وليس حالة قوة.
-ولكن..
-ولكن.. لأنك لم تعي هذا، أن تتكررين خطأً سبق أن ارتكبته في كتاب سابق.
أريد أن أسأله متى حدث هذا، وفي أيّ كتاب، ولكن شفتيه تسرقان أسئلتي وتذهبان بي في قبلة مفاجئة.. كأجوبته. فأستسلم لاجتياح شفتيه لي. وكأنني أريد أن أثبت له، مع كلّ مساحة تسقط تحت سطوة رجولته، كم، كم أنا أحبه.
في الواقع، لم أكن املك القوة، ولا الرغبة في مقاومته. كنت أجد متعتي في اندهاشي به، وهو يضع مفاتيحه في الأقفال السرّية لجسدي.
في المتعة كلمة سرّ، وشيفرة جسدية، تجعل من شخصٍ عبداً للآخر دون علمه. وهذا الرجل الذي لم يستعمل معي سوى شفتيه، من دلّه على متعتي، كي يسلك ممرات سرّية للرغبة، لم تعبرها شفتا رجل قبله؟
ثمّ فجأة وضع قبلتين متلاحقتين على فمي. كما يضع نقاط انقطاع بعد جملة مفتوحة، ونهض ليبحث عن علبة سجائر.
اغتنمت فرصة انشغاله. فاتجهت نحو الحمّام كي أجدّد هيأتي.
تأمّلت دون اهتمام تفاصيل أشيائه الرجالية، التي استوقفني منها على رفّ المغسلة، زجاجتا عطر من النوع نفسه، إحداهما مفتوحة، والأخرى مازالت مغلفة بورقها الشفّاف.
سحبت تلك المفتوحة. ورحت أتأملها بفضول من وقع على سرّ. تذكّرت كلّ تلك المرات التي كنت سأسأله فيها "ما اسم عطرك يا سيّدي؟".
تذكّرت أيضاً أن قصتي مع هذا الرجل، ولدت بسبب كلمة وعطر. وربما بسبب هذا العطر وحده. الذي لولاه لما استدللت عليه.
كنت لا أزال ممسكة بتلك القارورة، عندما عبر الممر، متجهاً نحو المطبخ.
سألته ممازحة، وأنا .... العطر على كفّي:
-ألأنني أبديت إعجابي بعطرك، أصبحت تشتري منه قارورتين دفعة واحدة؟
ردّ ضاحكاً:
-لا.. لقد أحضرت معي هاتين القارورتين من فرنسا.كلّما سافرت أحضرت واحدة لي، وأخرى لصديقي عبد الحق. في الحقيقة، هو الذي جعلني اكتشفه. إنه لا يستعمل غيره.
كنت على وشك أن أغادر الحمّام عندما عاد وكانه تذكر شيئاً. ثمّ قال وهو يمدني بتلك القارورة المغلقة:
-أعتذر، لأنني لم أحضر لك شيئاً معي. لقد عدت على عجل. هل تسمحين لي بأن أهدي إليك هذا العطر؟ يقال إن المرأة تحبّ استعمال عطر الرجل الذي تحبه.. ضعيه كلّما اشتقتِ إليّ.
قلت وأنا أتسلم منه تلك القارورة:
-لم أكن اعرف هذا.. تبدو لي الفكرة جميلة. ولكن أخاف أن تلزمني قارورة كلّ أسبوع إذا كان الأمر يتعلّق بالشوق!
ثمّ أضفت مستدركة:
-وصديقك؟
أجاب:
-لا تهتمي.. سأتّدبر أمره.
سعدت بتلك الهديّة. شعرت أنني أطوق هذا الرجل موعداً بعد آخر. أتسلل إلى عالمه الحميميّ من حيث لا يتوقع، وأسطو على كلّ ما قد يدلّني عليه.
عدت إلى قاعة الجلوس. كان يدخّن بهدوء على الأريكة المقابلة لي. وكأنه قرّر أن يتأملني. أو يتأمل ما فعله بي في عمر قبلة.
أخفيت تلك القارورة في حقيبة يدي، بفرحة تشبه تلك التي احسست بها يوم أخذت منه كتاب هنري ميشو. عساني أكتشف أخيرًا من يكون.
وجدتني أقول له دون تفكير وأنا أعيد الحقيبة إلى مكانها.
-أتدري ماهو اجمل شيء يمكن أن تهديه إليّ؟
ردّ وهو يواصل تدخين سيجارته، واضعًا قدميه على طرف الطاولة:
-ما هو..؟
قلت:
-الحقيقة! أيمكنك أن تهدي إليّ الحقيقة؟ من حقّي أن أعرف من تكون.
ردّ ساخراً:
-أجّلي خيبتك قليلاً!
واصلت بإصرار:
-ما اسمك؟ هل صعبٌ إلى هذا الحدّ أن تبوح لي باسمك؟
ردّ ضاحكاً:
-لا.. ولكن أيّ الاسمين يع...؟
قلت:
-وهل لك اسمان..؟ لماذا؟
ردّ:
-لأننا نعيش في عصر، حتّى الدول والأنظمة والأحزاب، غيّرت فيه أسماها في ظرف سنوات قليلة، وبجرّة قلم. أي بما يعادل لحظة من عمر التاريخ. في روسيا وحدها توجد ثمان وعشرون مدينة غيّرت اسمها. بما في ذلك لنينغراد. ولماذا لا نستطيع، نحن الناس البسطاء، أن نفعل ذلك عدما نغيّر معتقداتنا.. أو عندما يطرأ على حياتنا ما يغيّر مجراها؟
أتدرين.. تعجبني حكمة الصينيين، وذلك التقليد الجميل، الذي يتّبعونه في اختيار اسم جديد لهم، في آخ حياتهم. كأنهم، وقد خبروا الحياة، أصبح بإمكانهم أن يختاروا اسما يناسبهم لحياة أخرى. في النهاية، إنّ الأسماء التي تشبهنا تهبنا إيّاها حياتنا. أمّا تلك التي نأتي بها الحياة، فكثيراً ما تجور علينا. لنقل أنني أعجبت بهذه الفكرة، وقرّرت أن أكون رجلاً باسمين.
جوابه كالعادة لا يحمل أيّ جواب. وإنما قدرة مدهشة على تحاشي الأسئلة.
ولكنّني لا أستسلم. بل أطارده بإصرار.
-أعطني أيّ اسم شئت. أريد اسماً أناديك به.
يجيب بنبرة عادية:
-اسمي خالد بن طوبال.
أرددّ مذهولة:
-خالد بن طوبال؟ ولكن..
يقاطعني:
-أدري.. إنّه اسم بطل في روايتك.. أعرف هذا ولكنّه أيضًا اسمي..
أجلس على طرف الأريكة. أتفرّج على رجل أتعرّف إليه. وأستعيد آخر، عرفته يومًا في كتاب سابق. كان أيضًا رسامًا من قسنطينة.
رجل أعرف كلّ شيء عنه، كما لو كان أنا. ولم تفصلني عنه سوى الرجولة، وجسد شوّهت الحرب ذراعه اليسرى.
أيعقل أن يكون هو؟ أتأمله دون أن أصدق هذا. أتوقع أن يقول شيئاً. ولكنّه لا يفعل. يواصل تدخين سيجارته بالهدوء نفسه.
في لحظة ما، أشعر أنني أقترب من الحقيقة، ولا يفصلني عنها سوى سؤال واحد. "هل خالد بن طوبال هو اسمه الأول أم اسمه الثاني؟".
والجواب عن هذا السؤال سيكون مخيفًا وحاسمًا، لأنه سيقلب كلّ مقاييس هذه العلاقة، ومعها هذه القصّة. ولذا تماديًا في الغموض والمراوغة.. لا أتوقع أن يجيبني عنه بسهولة.
أسأله:
-هل هذا هو الاسم الذي يناديك به أصدقاؤك وزملاؤك في الشغل؟
يردّ:
-طبعاً.. وهو أيضًا الاسم الذي أوقع به مقالاتي.
ثمّ أمام دهشتي. يمدّني بجريدة على مقربة منه. ويدّلني على مقال سياسيّ يحمل توقيع خالد بن طوبال.
آخذ منه الجريدة غير مصدّقة لما أرى.
طبعًا، كنت توجست من مطالعتي لكتاب هنري ميشو أن يكون صحافيّا وأذكر تماما، ذلك البيت لهنري ميشو:
"في انتظار الشمس، تعلّم أن تنضج في الجليد".
والذي أضاف أسفله، بقلم أزرق (أو في جريدة)!.
ولكنّني لم أتوقف طويلاً عند البيت الآخر.
"ليس لي اسم
اسمي تبذير للأسماء"
والذي وضع تحته سطرين. وكأنه البيت الذي يشبهه الأكثر.
بقيت ممسكة بالجريدة، بينما واصل هو تدخين سيجارته متجاهلاً نظراتي. وربّما تماديًا في التجاهل، أشعل جهاز التلفزيون. وها هوذا يغرق في متابعة تحقيق أخباري حتّى كاد ينسى وجودي معه.
كان التلفزيون يعرض تغطية مباشرة للجولة التي يقوم بها بوضياف في الوطن، لشرح مبادئ التجمّع الوطنيّ. كان بوضياف يخطب ملوحًا بيده:
"إنّ في هذا البلد مافيا ومسؤولين استحوذوا على أموال ليست لهم. اعدكم بإعلان حرب حقيقية على هؤلاء. إن العدالة ستدرس كلّ الملفات. وستقوم بدورها. وإنني أطلب من المواطنين أن يساعدوا العدالة في ذلك.. أن يكتبوا إليها.. ويزودوها بكلّ ما لديها من معلومات..
لن يكون هناك بعد الآن من أحد فوق العدالة، العدالة ستطول الجميع. فمن حقّ الشعب أن يعرف الحقيقة. من حقه أن يعرف أين ذهبت أموال هذا الوطن.."
كان لكلمات بوضياف المرتجلة، في ذلك النقل المباشر، والتي ألهبت الحضور هتافات وزغاريد، ما جعل مزج جلستنا يتغيّر بعض الشيء، قبل أن يكسر ذلك الرجل الصمت بيننا.. ويتوجّه نحوي معلقًا:
-لن يتركوه ينجز ما جاء من أجله.. أنا واثق من هذا..
لا أدري بالتحديد ماذا كان يعني. فقد كان ذهني ما يزال مشتتّاً، ولكنّني سألته بنية مدّ الحديث:
-لماذا؟
أجاب بلهجة تهكمّية:
-لماذا؟ لأنهم لم يأتوا به ليفتح الملفات الملغومة، وإنما واجهة يواصلون خلفها حكم الوطن ونهبه. ولذا يقول المقربّون منه، إنه يغلق على نفسه ساعات طويلة في النهار والليل. إنه يبحث عن الحقيقة التي يريد أن يهديها إلى الشعب بعد ثلاثة أشهر.. بمناسبة عيد الاستقلال.
ثمّ يواصل بعد شيء من الصمت:
-تبحثين عن الحقيقة؟ الكلّ يبحث عن الحقيقة.. ولكنّ الكلّ يخافها. أتدرين لماذا؟
أتمتم:
-لماذا؟
يطفئ سيجارته في المنفضة ببطء، وكأنه يسحقها. ثمّ يقف فجأة، ويشرع في فكّ أزرار قميصه الواحد تلو الآخر بيد واحدة.
أتذكّر أنّني لم أره يومًا يستعمل معي إلا يده اليمنى. يذهلني هذا الاكتشاف المتأخر، والذي يعيدني إلى ذلك البطل في روايتي. وقبل أن اتمادى في تفكيري، أراه يلقي بقميصه على الأريكة المجاورة. ويواجهني بصدره العاري قائلاً وكأنّه يواصل الحديث عن أمر آخر:
-لأنّ الحقيقة تعبّر عن نفسها دائماً بشكل رديء!
ثمّ يتابع بعد شيء من الصمت:
-وأحياناً بشكل قاتل، حتّى عندما لا تتعدّى جريمتها قتل أوهامنا.
أنتبه فجأة لذراعه اليسرى. التي تبدو مصابة بشلل يمنعها من الحركة، بينما تظهر أعلاها بعض التشويهات، وكأنّ عملية جراحية أجريت لها في موضعين أو ثلاثة، دون أية مراعاة جمالية.
تنتابني قشعريرة، وحالة من الذعر، ليس مصدرها ما أرى. وإنما خوفي من أن أكون قد بدأت أجنّ، ولم أعد أعرف الفاصل بين الكتابة والحياة.
...أو كأنني حلمت يومًا بأن ما يحدث لي سيحدث. وها هوذا يحدث فعلاً. وإذا بي أمام رجلٍ خلقته، وشوهته بنفسي.
كنت أعي أنه يختبرني. ويتابع وقع المفاجأة عليّ بحساسية مفرطة. فتداركت ارتباكي وقلت بنبرة صادقة:
-لا يعنيني ما تعتقده اللحظة. ولكن ثق أنني أحبك كما أنت. وإلا لما كنت خلقت رجلاً يشبهك تماماً لأعيش معه سنوات في كتاب.
ردّ ساخرًا:
-لقد مارست دائمًا بجدارة صلاحيات الحبّ في التدمير!
قلت:
-بل مارست صلاحيات الكاتب في التخيّل ليس أكثر.
ردّ:
-كفّي عن التخيل.. كلّ الذي أجهدت نفسك في خلقه.. قد سبقتك الحياة إليه. الإنجاز الوحيد بالنسبة إلى كاتب، هو ما يتركه في كتابه من بياض.
كلّ صفحة بيضاء في كتاب، هي مساحة مسروقة من الحياة، لأنها تصلح بداية لقصّة أخرى أو كتاب آخر. ومن هذا البياض جئتك.. وليس ممّا تتوقّعينه أدباً.
قلت متحاشية الدخول معه في جدل:
-لا يعنيني أن أعرف من أين جئتني.. كلّ ما أدريه أنني أريدك.
ردّ ساخرًا:
حقًا.. توقعت أنك تريدين الحقيقة !
أجبته بشيء من العصبية:
-أيّ اعتراف تريد منّي بالتحديد؟
ردّ بالسخرية نفسها:
-أنا لا أريد منك أيّ اعتراف؛ يعنيني فقط أن تكوني صريحة مع نفسك، وتعترفي ولو لها، أن ما يحدث بيننا كرجل وامرأة يع... بالدرجة الأولى. وأنّ هذه القصة من دونه لا تستحقّ مشقة الكتابة.
-ثمّ؟
-ثمّ لا شيء.. عدا كونك تمّرين بمحاذاة هذه الحقيقة الكبرى، وتنشغلين بالبحث عن حقيقة أخرى، أقلّ أهمية، تدور كلّها حول سؤال واحد "من أكون؟".
السؤال الأهم في اعتقادي هو "لماذا أنتِ هنا؟".

حشرني في المربع الأخير للاعتراف. ولم أجد ما أجيب به سوى:
-أنا هنا.. لأن واجبي ككاتبة هو البحث عن الحقيقة.. وكامرأة.. من الطبيعيّ أن أبحث عن الحبّ. ولكنني معك لم أعد أحسن التمييز بينهما.
ردّ بنبرة أستاذ:
-سأدّلك على طريقة، تتعرفين بها عليهما دون خطأ. فالحقيقة تعبّر دائماً عن نفسها بشكل بشع، والحبّ يبدو دائماً أجمل مما هو!
كان يتحدّث إليّ، وهو يرتدي من جديد قميصه، ويده اليمنى تحاول بصعوبة إدخال تلك الأزرار.
وبدل أن أساعده على تزريرها، امتّدت يدي تخلع عنه القميص. وراحت شفتاي تتدحرجان على مساحة صدره. ثمّ تنزلقان نحو ذراعه الثابتة مكانها، فتكسوها قبلاً، بشراسة العشق الذي هو وحده قادر على جعل أية حقيقة.. جميلة في بشاعتها !

* * *

زهير
29-08-2007, 04:35 PM
الأعزاء فداء زنجمة
شكراً لكما وانتما تتحفوننا بجميل كتابات الأستاذة أحلام.
لكما الود.

زهير
29-08-2007, 04:39 PM
الأعزاء فداء ونجمة
شكراً لكما وانتما تتحفوننا بجميل كتابات الأستاذة أحلام.
لكما الود.

عذراً لإنعدام خاصية التعديل.

Najma
29-08-2007, 04:41 PM
عندما غادرته، انتابتني أحاسيس متناقضة تراوح بين المتعة، والخيبة، والاندهاش الجميل والمؤلم في الوقت نفسه.
أن تذهب إلى موعد حبّ، وإذا بك مع شخص خارج توًا من كتابك، يحمل الاسم نفسه، والتشويه الجسدي نفسه لأحد أبطالك، وأن تبقى برغم ذلك على اشتهائك نفسه له، لا بدّ أن يترك في نفسك كثيرًا من فوضى المشاعر.. وفوضى الأسئلة، خاصة عندما ترى اسمه، كما اخترعته أنت، وأجهدت نفسك للعثور عليه، قد غادر كتابك، وأصبح مكتوبًا، أسفل مقال صحافيّ على جريدة، كاسم لرجل لا علاقة له بك، لولا تلك الخصوصية الثانية التي تذهلك: كيف يمكن أن يكون معطوب الذراع أيضًا.. كبطلك؟

ما يدهشني هو كون هذا الرجل، يواصل معي قصة بدأت في رواية سابقة، وكأنّه يعيد إصدارها في طبعة واقعيّة. من نسخة واحدة.
حتّى أنّه يوم قبّلني لأوّل مرّة، أمام مكتبته، قال "نحن نواصل قبلة.. بدأناها في الصفحة 172 من ذلك الكتاب.. في هذا المكان نفسه".
وعدت إلى كتبي، بحثًا في رواياتي عن الصفحة 172 في كلّ كتاب. وعثرت على تلك القبلة، مطوّلة مفصلّة، مرتجلة، كما حدثت ذات يوم بين ذلك الرسام، وتلك الكاتبة.
ثمّ عندما استعرت منه كتاب هنري ميشو، قال إنّه يخشى أن يكررّ معي حماقة حدثت في كتاب سابق، ملمّحاً إلى حبّ البطلة في تلك القصّة لصديق البطل.. بسبب كتاب.
أمّا أنا فانتبهت أنّني كنت أكرّر في الحياة تصرّفات تلك البطلة بعد قبلة، وأستعير كتابًا.
كلّ شيء كان يعيدنا منذ البدء، إلى تلك القصّة، بما في ذلك المدينة التي جمعتنا.
بل حتّى في حديثه عن الجسور.. وعن قسنطينة، ثمّة رجوع ما، أو تراجع متعمد، عن كلّ ما قاله ذلك الرسّام في تلك الرواية. وكأنّ المسافة الزمنية قد جعلته يراجع أراءه، ويصحّحها، عن خيبة وتطرّف عشقيّ.
وبرغم كلّ هذا، يبقى الأمر مربكًا. فأنا لا أريد أن أصدق أنّ ذلك الرجل الذي ما انفك منذ ستة أشهر يقلب حياتي رأسًا على عقب، هو خالد بن طوبال، ذلك الكائن الحبريّ الذي خلقته منذ عدّة سنوات. ثمّ نسيته داخل كتاب. ألقيت به إلى جوف مطبعة كما نلقي بجثة إلى البحر، بعد أن نثقلها بالصخور، حتّى لا تعود إلى السطح، ولكّنه عاد.
هذا الكائن أعرفه عن ظهر قلب. فقد عشت معه أربع مائة صفحة وما يقارب الأربع سنوات. ثمّ افترقنا. انتهى عمره مع آخر سطر. وبدأ عمري دونه منذ ذلك الحين.
ولكن من منا كان يبحث عن الآخر، خلال كلّ ذلك الوقت؟ ومن منّا ترى كان الأحوج إلى الآخر؟
أذكر مقولة لروائيّ سئل "لماذا تكتب؟" فأجاب ساخرًا "لأن أبطالي في حاجة إليّ.. إنّهم لا يملكون غيري على وجه الأرض!".
طبعًا كان يرواغ. ويقدّم اعترافًا بيتمه دونهم. فكلّ روائي هو في النهاية يتيم.. ومخلوق عجيب، تخلّى عن أهله، ليخلق لنفسه عائلة وهميّة، وأصدقاء وأحبّة، وكائنات حبرّية، يعيش بينها، مشغولاً بهمومها، محكوماً بمزاجها، حتّى لكأنّه لا يملك على وجه الأرض غيرها !
فأين العجب في أن يصبح هذا الرجل كلّ عائلتي، ويشغل مكان زوجي، وأخي، وأمي.. وكلّ من يحيطون بي؟!
في الواقع، كان عجبي الوحيد أن أتعلق بهذا الرجل بالذات، من بين كلّ من خلقت من أبطال، وإن يقع بيغماليون في حبّ تمثال خلقه بيده، وكان آية في الكمال، فهذا الأمر يبدو منطقيّاً، كما جاء في الأسطورة. أمّا أن يحبّ نحّات التمثال الذي أخفق في خلقه، ويحبّ روائي البطل الذي شوهه بنفسه.. فهنا تكمن الدهشة.
ذلك المساء.. توقّعت أن يكون في جلوسي إلى أمي الحلّ الأمثل للهروب من نفسي؛ فقد كنت أهملتها بعض الشيء، بعد أن أغريتها بالاتصال ببعض معارفها في العاصمة.. وأعددت لها برنامجًا على قياس حرّيتي.
كانت سعيدة، أو ربما بدت لي كذلك، وهي تحدّثني عن قريبة بعيدة، تعقد قران ابنها في نهاية الاسبوع، وتدعونا لحضور احتفال الزواج، ولم يعد صعبا أن أتوقع برنامجها للأيام القادمة.
أمّي تعيش دائمًا بين عرسين، أو حجتين، أو نذرين. وحيثما حلّت، تعثر على من يوشك أن يزوّج قريبًا، أو من له قريب عائد توًا من العمرة أو الحج. أو "شيخ".. يدعوها ل"وعدة" أو "زردة" !
وبرغم هذا، لم تكن سعيدة تماما، قد كان ينقص سعادتها شيء اسمه "ناصر".
قبل اليوم كانت تتمنى أن تزوجه، ويمتلئ البيت بكنّة تتحكم فيها. وبأحفاد تربّيهم وتتسلّى بهم.
أمّا الآن وقد رحل ناصر، فقد أصبح كلّ زواج يعيدها إليه، بل أصبحت لا تريد أكثر من عودته ليقاسمها ما بقي من العمر.
وأكثر ما كان يؤلمها في سفر ناصر أنّها لم تكن مهيأة له. فلا شيء في طبع ناصر ولا في نمط حياته، كان يوحي بأنه قد يأخذ قراراً مفاجئاً وحاسماً كهذا.
منذ سافر ناصر، من ثلاثة أشهر، وأنا أحاول أن أجيب أمّي عن السؤال نفسه الذي أخفي عليها دائمًا نصف حقيقته.
هي تسأل:
-لماذا سافر أخوك يا ابنتي؟ أخبريني؛ أنت يقول لك كلّ شيء.
وأنا أجيب:
-لقد سافر لأنه غير مرتاح في هذا البلد..يريد أن يجّرب حظه في الخارج مثله مثل الآخرين.. ولكنّه سيعود.. لقد وعدني بذلك.
-ولكن متى؟ بعد أسابيع؟ بعد أشهر؟ بعد سنوات؟
ولا أملك إلا أن أجيبها:
-عندما تهدأ الأوضاع قليلاً.. وتتحسن الحاله..
فتردّ:
-أية أوضاع؟ وأية حالة هذه التي ستتحسن؟ ألم تسمعي بما حدث منذ يومين في البليدة.. لقد روت لنا امرأة اليوم أنهم..
وأقاطعها:
-لا أريد أن أعرف.. لا تقصّي عليّ أيّ شيء أرجوك..
لم أكن أريد أن تفسد عليّ أمي ليلتي بأخبار الموت، كما تعودت أن تفعل ليلا، بين حين وآخر، عندما كانت تطلبني ه...يا عن ضجر، أو عن خوف، ولا تجد ما تقصه علي إلا قصصا لم أشاهد مثلها حتى في أفلام الرعب.
وكانت قد شاعت فجأة بدعة تشويه الجثث، والتمثيل بها، كي لا ترتاح نفوس أصحابها، ولا تدخل الجنة، وكي يعتبر بها "الكفار" أو أولئك الذين يعملون في خدمة "الدولة الكافرة".
وهي صفة لا تعني غالبا، سوى رجال الأمن، وبعض البائسين من شرطة السير، الذين انقرضوا في بضعة أشهر رميًا بالرصاص، وذبحًا ومطاردة حتّى المقابر، حيث اغتيل العديد منهم وهو يرافق قريبا إلى مثواه الأخير.
أما أولئك "الأذكياء" الذين جاؤوا لزيارة موتاهم بعد يومين أو أكثر. فقد فوجئوا بمن ينتظرهم ليلا ونهارا خلف القبور، وذهبت بهم المفاجأة في مقبرة، فكل القبور هنا مفتوحة تنتظر تهمة لتنغلق على أحد.
فماذا يمكن لأمي أن تضيف إلى مسلسل الرعب الذي أتابعه مذهولة كل يوم، مثل كل سكان هذا البلد؟
فجأة سألتني أمي وقد عادت إلى هاجسها الأهم:
-هل ترك لك ناصر عنوانا في الرسالة التي بعث بها مع ذلك الصديق؟
قلت:
-أجل
قالت:
-اكتبي إليه إذن..
قلت:
-سأفعل حال عودتي إلى قسنطينة. فقد سألني عن أمور لا بدّ أن أراجعها هناك.
في الواقع، لم يكن قد سألني سوى عن أخباري وأخبار امي. ولكنني كنت فقط أريد إرجاء هذه الرسالة إلى ما بعد. فقد كان ذهني مشغولاً بأمر واحد: ذلك الرجل، تماما كانشغال أمي بأمر واحد هو ناصر. ناصر الذي أصبح يذكرها فجأة بأبي الذي غاب هكذا منذ أكثر من ثلاثين سنة مع حفنة من الرجال كي يخططوا لما سيسمى في ما بعد "ثورة نوفمبر".
ربما منذ ذلك الحين، أصبحت أمي تخاف الرجال الذين يرحلون هكذا فجاة، دون أن يتركوا عنوانا لغيابهم، ولا تاريخا لعودتهم؛ فقد لا يعودون، أو قد يعودون عندما لا ننتظرهم، لفرط ما انتظرناهم. في ذلك اليوم الذي لا نصدق ذلك الصوت الصغير الذي يردد على مقربة منّا، أنهم سيأتون، اليوم.. وربما الآن. ثمّ فجأة تحدث المعجزة، وتدقّ يد على الجرس. وينفتح الباب، على رجل متعب، مغبّر الثياب، يرفعنا كدمية نحوه، يضمّ جسدنا الصغير إلى صدره. يقبلنا.. يقبلنا.. ولا ندري لصغر سننا، أكان لحظتها يبتسم أم يبكي.
كتلك الحادثة المذهلة التي تحكيها أمّي، والتي حدثت يوم كنت طفلة في الخامسة من عمري، وكنا في شهر رمضان، وكانت أمي تعد "البريك" للإفطار، فرحت ألاحقها طالبة منها أن تعدّ واحدة لأبي، لأنه يحبه. وكانت تجيبني أنه غائب، ولا يمكنه أن يحضر. وأجيبها بعناد الأولاد "بلى سيحضر.. أعدّي له واحدة"!".
وما كدنا نجلس حول طولة الإفطار، حتّى دقّ الباب، وجاء أبي قادمًا من الجبهة، بعد غياب سنة تماماً. فقد كانت زيارته الأخيرة تعود إلى رمضان الفائت. لحظتها أجهشت جدّتي بالبكاء وهي تردد "لقد قالت لنا حياة إنك ستأتي.. ولم نصدّق!".
ولذا أتوقع أن تطاردني أمي بعد الان بالسؤال "متى يعود ناصر؟" معتقدة أنني ما زلت أملك تلك الحاسة السادسة أو ذلك الحدس الذي يملكه الأطفال دون غيرهم، والذي يدلهم على ما يجهله الكبار.
طبعاً، فقدت ذلك الحدس منذ زمن بعيد، من جملة ما فقدت من أشياء جميلة، تركتها خلفي، كلّما تقدم بي العمر.
ولو كنت ما زلت أملكه، لوجدت الجواب عن أسئلة كثيرة أخرى. كان أحدها في الماضي "متى يعود ذلك الرجل؟" وأصبح الآن "من يكون؟" و "متى أراه؟" وأين هي ذاهبة بي هذه القصة الغريبة؟

ما كدت أتذكره حتى انتابتني رغبة جارفة في الحديث إليه، وحاجة عجلى إلى سماع صوته، فانتظرت أن تنام أمي وذهبت لأطلبه.
ولكن طوال ربع ساعة، كان خطّ ه...ه مشغولاً دون توقف. وهو ما فاجأني وأزعجني. كأنني لم أتوقع أن يكون في حياة هذا الرجل شخص آخر، قد يتحدّث إليه ليلاً.
ثمّ دقّ اله... اخيراً، وجاء صوته:
-كيف أنتِ؟
-بي شوق إليك. رأيت أن أطلبك وكان خطك مشغولا طول الوقت.
-كنت في حديث مع قسنطينة.
-أما زال أهلك هناك؟
-لا.. كنت أتحدث مع صديقي عبدالحقّ.
-تتحدث إلى صديق؟ في هذه الساعة المتأخرة من الليل!
ردّ كمن ينفي شبهة:
-إنه رجل الوقت ليلاً.
-ماذا تقصد؟
-إنه صحافي يعمل ليلا في الجريدة.
-وهل ثمة من جديد؟
بدا لي وكأنه كاد يقول شيئاً. ولكنّه بعد شيء من الصمت، أجاب وكأنه يخفي أمراً:
-لا.. لا شيء
ثمّ.. بصوت غائب:
-وأنتِ؟
-أنا.. كنت أريد أن أسمعك.
صمت قليلاً. ثمّ قال:
-وأنا أريدك.
فاجأتني مباشرته. سألته متعجبة:
-حقًا؟ لماذا إذن استمتّ البارحة في الدفاع عن جمالية الحرمان؟
أجاب:
-يحدث أن نقول كلاما.. ليس تماما ما كنّا نريد قوله.
-وما الذي تريد قوله حقًا؟
-الليلة.. لا شيء. إنّي ثمل بالأضداد. لا تتوقعي منّي كلامًا منطقيًا.
-أمّا أنا.. فلي كلام كثير إليك. ولكن أصبحت أتحاشى المكاشفة. قد خوّفتني باله...؛ ربّما كانوا يتنصّتون إلينا الآن.
ردّ ساخرًا:
-لا تهتمي.. ما فائدة السرّ إذا لم يسمع به الآخرون!
صحت:
-هل جننت؟
-لا.. ولكن ألا تحبّين جمالية الفضيحة في الحبّ؟
فاجأني استهتاره.. قلت:
-ولكنّني متزوجة..
ردّ قائلاً:
-أدري.. ولهذا أنا في كلّ لحظة أتزوجك وأقتلك.
-لماذا؟
-كي أشرّع حبك.. أريدك حلالي كي أمارس معك كلّ الحرام.
-وهل أنت في حاجة إلى كلّ هذا كي تحبّ امرأة؟
-طبعًا.. لقد حدث أن كنت رجلا بكثير من المبادئ.. وقتها كنت أشهى ما أرفض.
-ثمّ؟
-ثمّ لا شيء. الآن أريدك دون أسئلة. لم يبق من الوقت الكثير.
يصمت قليلا ثمّ يواصل:
-تعالي غداً. أريد أن أسرب إليك جنوني.
أسأله:
-وهل تعدني لو جئت أن تخبرني من تكون؟
يردّ:
-لا أعدك بشيء عدا المتعة.. وستأتين.
-لماذا أنت واثق إلى هذا الحدّ بقدومي؟
-لأنّ ثمة من يحوم حولي.. وقد يسرقني منك. ألا تشعرين بالغيرة من كائن قد يستحوذ عليّ إلى الأبد؟
أسأله غير مصدّقة:
-هل ستتزوج؟
يردّ بحزن مستتر:
-بإمكانك أن تسمّي هذا زواجاً.. مع اختلاف في بعض التفاصيل. إنه الارتباط الأبدي الوحيد الذي لا ننجو منه ولا نختاره.
لا أفهم ما يقوله. أستنتج أنه يمازحني، كي يحثني على المجيء.
أقول:
-سأجيء.. وبرغم هذا احذر غيرتي. أنا امرأة من برج الحمل. إنه برج يشكّل أكبر نسبة من مرتكبي الجرائم العشقيّة. وسآتيك بتحقيق يؤكد قولي..
يضحك.. يقول:
-تعالي.. قد أكون أنا من سيقتلك..!
لماذا يصرّ هذا الرجل على إضرام النار في جسدي وفي دفاتري؟ وما الذي غيّر قناعاته، هو الذي كان يقف دائماً على حافة الحرام، مكتفيًا بقبلة؟ وهل حقًا ثمة امرأة تحوم حوله؟ من تراها تكون؟ وكيف حدث هذا.. وأنا أتحدّث إليه يوميًا؟
حاولت أن أنام، وأنا أبحث عن أجوبة عن هذه الأسئلة. ثمّ تذكرت قوله "انتهى وقت الأسئلة" فأخفيت علامات استفهامي تحت الوسادة.
ورحت أحلم بالموعد القادم.

* * *

Najma
29-08-2007, 04:43 PM
تسلم يا زهير
احلام كاتبة مبااالغة
و انت بتقرا بتحس انك في عالم تاني
و انشاء نلقي الرواية التالتة
و تسلم كتير
نجمة

Najma
29-08-2007, 04:44 PM
كان في انشغال أمي بذلك العرس هدية نزلت عليّ من السماء. فأمام معرفتها بمزاجي المضادّ للأفراح، وبعد اليأس من مرافقتي لها، ذهبت لحضوره بمفردها، وتركتني أستعدّ لتلك الأفراح السريّة التي كانت وحدها تعنيني.
كان الوقت ظهرًا عندما وصلت إلى ذلك البيت.
فتح لي ذلك الرجل الباب، بمزاج بحريّ. فقد بدا لي غامضًا، وغير متوقّع كما هو البحر.
قبّلني دون أن يقول شيئًا.
فجلست على الأريكة المقابلة له أتأمله.
قلت:
-فيك شيء من البحر.
قال:
-أكان لقبلتي مذاقه المالح؟
قلت:
-لا.. بل كان لها هدوؤه الكاذب.
لم يجب.
كان الصمت يجعلنا أكثر فصاحة. ذبذبات الرّغبة التي تعبرنا صمتًا تضعنا دائمًا في كلّ موعد في منطقة حزام الزلازل.
الشهوة حالة ترقّب صامت للجسد. ولذا كنّا نحبّ صمتنا المفاجئ هذا، ونخافه.
كان أذان الظهر يأتي من مئذنة بعيدة، بدا لي كأنّه يستمع إليه باهتمام خاصّ. فلم أجرؤ على التحدّث إليه.
ما كاد ينتهي حتّى وقفت. رأيته مشغولاً عنّي بتدخين سيجارة. قلت وأنا أهمّ بالتوجه نحو المطبخ:
-أيمكن أن أحضر ماءً؟ إنني عطشى.
ولكنه لم يجب.
امتّدت يده تستوقفني، وتجذبني نحوه. ثمّ سألني فجأة:
-أما زلت تحبّين زوربا؟
فاجأني سؤاله. بدا لي شبيهًا بتهمة حبّي لرجل آخر.
قلت:
-ربّما.
أجاب:
-بل تحبّينه. ما زال بك افتتان بكلّ ما هو رائع ومهلك. وبتلك الخسارات الموجعة التي تقلب المنطق.
قلت:
-أجل.
قال:
-تعالي إذن.. عندي لك ما يناسب مزاجك من متعة.
كان في نبرته شيء من الحزن الساخر الذي لم أفهمه.
كنت سأسأله ماذا كان يعني. ولكن، كان قد سحبني من يدي. وذهب بي نحو أسئلة أخرى.

في غرفة مجاورة، يؤثثها سرير شاسع، وتفترش الجرائد والكتب الملقاة أرضًا، زاوية من سجّادها المتواضع، تركني واقفة للحظات، واتجه نحو جهاز على مقربة من السرير وراح لدقائق يبحث بين الأشرطة عن شيء ما، قبل أن يضع شريطًا لديميس روسوس ويعود.
قلت وقد أربكني وجودي في غرفة نومه:
-يبدو أنك تحبّ الموسيقى.
أجاب وهو يسدل بإمعان ستار النافذة الوحيدة:
-إن الموسيقى تجعلنا تعساء بشكل أفضل... ألا تعرفين هذه المقولة؟
قلت:
-لا.
قال:
-إنها لرولان بارت.
ثمّ واصل:
-وهذا الشريط هل تعرفينه؟
قلت:
-أنا أعرف معظم أغاني ديميس روسوس... وأحبّ كلّ ما يغنيه.. ولكن لا أدري أيّ شريط هو هذا..
أجاب:
-أنا أيضًا لا أدري.. فقد وجدته هنا مع أشرطة أخرى.. ولكن على أحد وجهيه أغنية ستحبينها حتمًا.
لم أسأله أية أغنية يعنيها. فقد شعرت فجأة. أننا كنّا نستنجد بالموسيقى في محاولة لإنقاذ ما قد يلحق بنا من دمار إثر متعة قد تفضي بنا إلى حزن، لأكثر من سبب.
غير أنّ رغبة مخيفة في صمتها، وحواسّ في حالة تأهّب، كانت تجعلنا دون مناعة عاطفية، أمام صوت يوناني يغنّي بالإنكليزية، ببحّة الألم، خيباته العاطفية.
كنّا على مشارف قبلة، عندما جاءت تلك الموسيقى إيّاها. مباغتة لنا، زاحفة نحونا، متباطئة، كسلى، ثمّ متقاربة الإيقاع، بمزاجيّة الرغبات الطاعنة تناقضًا.
كخطى راقص على أرصفة الشغف، تحت مطر المساء، كانت الأقدام الحافية تنقل لنا إيقاعها العشقيّ منتعلة خفّة شهوتنا.
في حضرة زوربا.. خلع البحر نظاراته السوداء وقميصًا أسود، وجلس يتأملني.
رجل نصفه حبر، ونصفه بحر، يجرّدني من أسئلتي، بين مدّ وجزر، يسحبني نحو قدري.
رجل نصفه حياء.. ونصفه إغراء، يجتاحني بحمّى من القبل.
بذراع وحدة يضمّني. يلغي يديّ ويكتبني. يتأملني وسط ارتباكي. يقول:
-إنّها أوّل مرّة أطلّ فيها من نافذة الصفحة لأتفّرج على جسدك.. دعيني أراك أخيرًا.
أحاول أن أحتمي بلحاف الكلمات، يطمئنني:
-لا تحتمي بشيء. أنا أنظر إليك في عتمة الحبر، وحده قنديل الشهوة يضيء جسدك الآن. لقد عاش حبّنا دائمًا في عتمة الحواسّ.
أودّ أن أسأله:
-لماذا أنت حزين إلى هذا الحدّ؟
ولكنّ زوبعة بحرّية ذهبت بأسئلتي. وبعثرتني رغوة.. على سرير الشهوة.
كان البحر يتقدّم، يكتسح كلّ شيء في طريقه. يضع أعلام رجولته، على كلّ مكان يمرّ به.
مع كلّ منطقة يعلنها منطقة محتلّة وأعلنها منطقة محرّرة، كنت اكتشف فداحة خسائري قبله.

كمن يتململ داخل قفص الجسد، انتفض واقفًا. كان يريد أن يغادر ذاته ويتّحد بي.
أسأله:
-ماذا أنت فاعل بي؟
يجيب:
"لا تملك الأشجار إلا
أن تمارس الحبّ واقفة
تعالي للوقوف معي
أريد أن أشيع فيك صديقي
إلى مثواه الأخير"
أسأله مستغربة:
-ماذا تقول؟
يجيب وهو يحاول الإمساك بي.
-إنّي أضمر لك قصيدة.
فجأة تصبح كلماته كأطراف أصابعه، أعواد كبريت تشعل كلّ شيء يمرّ به. ولا أفهم ماذا يعني. ولا.. لماذا يريد لنا حريقًا كبيرًا ومخيفًا إلى هذا الحدّ؟
رجولته تباغتني، فأنتفض بين ذراعيه كسمكة. ثمّ أدخل طقوس الاستسلام التدريجيّ.
فجأة يستوقفني:
-هل تحبينني؟
كانت ذراعه الوحيدة تنقل إليّ عدوى شراسته العشقيّة، في محاكاة جسديّة ملتبسة، فأجبته مذعورة:
-طبعاً أحبك.. لم يحدث للحبّ أن أوصلني إلى الخطيئة قبلك.
ولكنّه أجاب بحسرة ساخرة:
"حتّى متى سأبقى خطيئتك الأولى
لك متسع لأكثر من بداية
وقصيرة كلّ النهايات
إنني أنتهي الآن فيك..
فمن يعطي للعمر عمرًا
يصلح لأكثر من بداية؟"
كان لصوته مذاق متأخر للبكاء.
كدت أسأله "أيحدث للبحر أن يبكي؟". ولكنه اختفى.

تنتهي العاصفة.
يتركني البحر جثة حبّ على شاطئ الذهول. يلقي على جسدي نظرة خاطفة.
قبلة.. قبلتان
موجة.. موجتان
وينسحب البحر سرًا.. مع الدمعة القادمة.
البحر أيضًا يرحل على رؤوس الأصابع. بعدما يكون قد أتى صاخبًا.. هائجًا، على عجل. أيحدث له أيضًا، أن يمارس الحبّ عن ألم؟
انسحب البحر إذن. غادر جسدي بين قصيدتين ودمعتين. وبقي الملح.
وبقيت هنا إسفنجة بحرية.
لحظتها كان زوربا، بوعي الخذلان المبكر، يواصل الرقص حافيًا على شاطئ الفاجعة، فاردًا ذراعيه إلى أقصاهما كنبيّ مصلوب، يقفز على مقربة منّي، على وقع الطعنات المتلاحقة، بشراسة وجع يجعلك مازوشيًا حدّ النشوة. فرُحتُ أواصل الرقص معه، منتفضةً كسمكة خارجة توًا من سطوة البحر.
عندما تنتهي العاصفة.. يشعل البحر سيجارة. يدخن متكئًا على الأسئلة.
ثمّ عندما يعثر على الأجوبة، يكون قد أصبح رجلاً من جديد.
دومًا، بعد الحبّ، تعود أسئلة ذكورية أبديّة، يصوغها الرجال حسب ذكائهم، ليطمئنّوا إلى دوام رجولتهم:
-لقد خفت عليك دائمًا من لحظة كهذه؛ على سرير الواقع تصبح المشاعر اقلّ جمالا!
أطمئنه:
-جميل ما حدث بيننا. ولا أريد أن أعرف، إذا كان كذلك حقًا، أم أنّ الحبّ جعله يبدو أجمل ممّا هو.
أحاول أن أتحاشى الانتباه لذراعه وأنا أحدثه. ولكن كنت في انشغالي عنها أتأمله.
في الواقع، مشكلة الروائيّ أنّه لا يستطيع إلا أن يراقب كلّ شيء، حتّى أولئك الذين يقاسمونه سريره.
سألني وهو يصلح من جلسته:
-ما الذي تريدين رؤيته؟
فاجأتني نبرته الساخرة. قلت وكأنني أبررّ ذنبًاً:
-أريد أن أطالع التاريخ السريّ لجسدك، كي أعرف إن كنت حقًا خالد بن طوبال. أنت تتصّرف مثله في كلّ شيء. عجيب كم تشبهه!
أرحني.. قل لي من تكون.
أجاب ساخرًا:
-رجالك جميعًا يتشابهون.
ثمّ أضاف بعد شيء من الصمت..
-ولكنني لست هو.
لفظ هذه الكلمات الأخيرة بهدوء. بالوقع نفسه الذي يقول به بقيّة الكلام، وكأنّه لم يلفظ شيئًا يغيّر مجرى قصتنا.
قلت:
-ولماذا أخفيت عنّي الحقيقة كلّ هذا الوقت؟
أجاب:
-ليس هناك من حقيقة واحدة. الحقيقة ليست نقطة ثابتة. إنّها تتغيّر فينا.. وتتغيّر معنا. ولذا لم يكن ممكنًا لي أن أدلك إلا على ما ليس الحقيقة.
وأضاف:
أتذكرين.. كنت تقولين "أحبّ جسدك" وكنت أجيب "إنّ جسدًا قد يخفي جسدًا آخر" ولا تصدّقين. وكنت تقولين "أحبّ الرجال في الأربعين" وأصحّح؛ أقول "لست الرجل الذي تتوهمين" ولا تصدقين.
بل تماديًا في الخطأ، وقعت في حبّ يديّ. وكنت تطاردينني عنهما بالأسئلة. تقولين "أحبّ يديك.. ما عمرهما؟" وأجيب " لقد أحببت دائمًا عُقدي.." ولا تفهمين. ولا أملك الآن سوى هذا الجسد. لأردّ به على كلّ أسئلتك.
أجيب:
-ولكن لم يكن من داعٍ للمراوغة. فأنا أحبه كما هو..
يبتسم.. يقول:
-أنت تتوهمين
ثمّ يواصل:
-الحقيقة الوحيدة هي أنّك كنت جاهزة للحبّ. وكان يمكن أن آتيك متنكرًا في أيّ شخص، وفي أيّ زيّ، أن أقول كلامًا كنت تنتظرينه، أو لا أقول شيئًا. كنت ستحبينني.
تابع قائلاً:
ذلك أن الحبّ يتأقلم مع كلّ الحالات. وله هذه القدرة الخارقة على إضفاء جمالية حتّى على الأشخاص العاديّين. والدليل أنّك عندما ستكتشفين من أكون، ستجدين أيضًا في تفاصيل قصتنا ما يذهلك، ويقنعك بأنّك تحبينني أنا.. وليس ذاك الذي كنت تتوقعين!
-ولكنك أريتني جريدة عليها اسم خالد بن طوبال.
-تلك حقيقة أخرى. إنه اسمي. أو إذا شئت إنه الاسم الذي اخترته لأنه يشبهني. ولأنه مذ وصلتني تهديدات بالقتل. كان لا بدّ أن اختار اسمًا جديدًا أوقع به مقالاتي. ولا أشعر أنني سرقت هذا الاسم من احد. كل كلمة وقّعتها في تلك الجريدة، كنت أشعر أنه كان بإمكان ذلك الرجل الخارج من كتاب أن يقولها.. لو أنه نطق.
يذهلني كلامه. ألأننا كنّا نعيش وضعًا روائيًا، كلّ ما ينتج عنه أصبح روائيًا أيضًا؟
سألته:
-ما عدا هذا.. من أنت؟
ضحك.. أجاب:
-أنا قارئ جيّد..
-لا أفهم.
-لنقل أنني قرأتك جيدًا، قرأتك دائمًا، وإنّني أعرف عنك ما يكفي لإدهاشك. أنا ذاكرة أخرى لك.. أعرف عنك ما نسيت..
-ولكن في الحياة.. من أنت؟
-في الحياة.. اعمل صحافيّاً. ولن تصدّقيني لو قلت لك إنني منذ ثلاث سنوات كان هاجسي أن أتعرف إليك، بحجّة إجراء حوار للجريدة.
أضاف قائلا بعد شيء من الصمت:
في الواقع، كنت أريد أن اطرح عليك أسئلة، لم تكن تعني غيري. فقد صادف صدور كتابك مع تلك الحادثة التي شلّت فيها ذراعي.
وهو ما جعلني أقضي فترة النقاهة في قراءتك. أذكر أن صديقي عبد الحقّ جاءني بكتابك إلى المستشفى. وقال لي وهو يمدّني به: "جئتك بكتاب سيعجبك.." تصوّري: خفتُه قبل أن أقرأه.. ثمّ خفته لفرط ما قرأته. أذهلني أن أعثر على بطل يشبهني إلى هذا الحدّ. كان بيني وبينه مدينة مشتركة، واهتمامات وخيبات مشتركة، وعاهة وذوق مشتركان. ووحدك كنت الشيء الذي لم يكن مشتركًا بيننا. فقد كنت حبيبته وحده.
وتابع:
يوم التقيت بك، أصبح عندي يقين بأنّ حياتي ستطابق بطريقة أو بأخرى قصتك معه. حتّى إنني خفتك. وكثيرًا ما راودتني رغبة في عدم الاتصال بك. لو تدرين كم أحببتك.. وكم حقدت عليك بسبب كتاب!
-ثمّ؟
-ثمّ لا شيء.. أعتقد أنّك كنت تكتبين لقلب الأشياء، عندما اخترت بطلاً فاقد الذراع. ولكن تظلّ الحياة أكثر غرائبية من القصص التي نبتكرها. أيّ فخّ كبير هي الحياة!
تصوّري.. كنت أريد منك أجوبة لا أكثر. ولكنّ الحياة كانت تعدّ لي دورًا معاكسًا. لقد جئتك في زمن الأسئلة. انقضى هذا الكتاب، وأنا أردّ على أسئلتك. أعرف أنه دور أجمل ممّا توقعت. ولكنني لم أسع إليه. اكتفيت بمجاراة قدري، ومجموعة المصادفات التي واكبته.
-وأثناء ذلك، كنت تقودني إلى تيه النصّ، والمتاهات السريّة للعواطف.. وكمائن المواعيد.
-بل كنت أقودك إلى العشق. إنّ أجمل حبّ هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر. أدري.. كنت تبحثين عن رجل، خارج من كتبك. خلقته أنت، على قياسك. ولكن أليس أجمل أن أكون أنا الرجل الداخل إلى هذا الكتاب.. ولست الخارج منه؟
-ألهذا جئت اليوم؟ ألكي يمكنك أن تدّعي بعد الآن، أنّك كسرت ذلك الوهم الجميل، وحصلت على تلك المرأة التي لم تمتلك منها سوى كتب.. وأسئلة لا جواب لها.
-طبعًا لا. وأنت تعرفين تمامًا أنّ هذا ليس صحيحًا. فأنا أملك من الكلام ما يمكّنني من إقناعك بما أشاء، ولكنّني كنت احرص على ألا أكسر أي شيء فيك. ولا أي شيء بيننا. لقد اعتقدت دائمًا أنّ الاشتهاء هو وحده حالة الامتلاك، أما المتعة فهي بداية الفقدان.
-وما الذي أوصلنا إلى هذا السرير إذن؟
-أوصلنا إليه الموت.
-ألا ترى في قولك إهانة للحبّ؟
-بل ردّ اعتبار له. لا تظنّي انه من السهل أن نأتي بالمتعة عن ألم، أو نأتي الجنس بذريعة موت الرفاق. يلزمنا كثير من الحبّ لنثأر به من الموت.
-ولكن.. منْ مات من معارفك كي يداهمك كلّ هذا الحزن؟
يستنجد بسيجارة ثمّ يجيب:
-مات سعيد مقبل.. ألم تسمعي بموته البارحة؟
قلت كمن يعتذر:
-أنا لم أشاهد التلفزيون منذ أيّام.. ولا قرأت الجرائد.
ثمّ واصلت:
-هل كان صديقًا مقربًا إليك؟
أجاب:
-لا. أنا لم ألتق به أبدًا. أصبح صديقي البارحة. فقد رفعه القتلة برصاصتين إلى مرتبة صديق. تصوّري.. لي تسعة وعشرون صديقًا، لم ألتق بمعظمهم، إلا على الصفحات الأولى للجرائد بمناسبة نعيهم. ولكنّه كان صديقًا مقربًا من عبد الحقّ، فقد كان يعمل معه في الجريدة قبل أن يتركها عبد الحق ويسافر إلى قسنطينة. ولقد اتصلت به منذ مدّة، لأعرض عليه الكتابة في الجريدة نفسها.. وكان مفترضًا أن نلتقي هذه الأيام..
أسأله:
-وكيف قتلوه؟
يجيب:
-كان يتناول غداءه. رفقة زميلة له في مطعم صغير جوار الجريدة. عندما اقترب منه شخص، توّهم منه أنّه يريد محادثته. ولكنّه أخرج مسدسًا، وأطلق النار عليه ومضى بهدوء. تصوّري.. كان اسم المطعم "الرحمة"ّ
-ولكن.. كيف لم يأخذ حذره؟
-طبعًا كان على حذر. مذ حاولوا اغتياله منذ شهرين وفشلوا، وهو يغيّر عناوين نومه، ومواعيد قدومه إلى المكتب، والطرق التي يسلكها في العودة، والأماكن التي يرتادها. ولم يغيّر كلّ هذا شيئًا من قدره. لقد وصف كلّ هذا الرعب اليومي الذي يعيشه الصحافيّ في الجزائر هذه الأيام في نصّ جميل ومؤثر قبل أسبوعين من اغتياله. وأعادت الجرائد نشره اليوم في صفحاتها الأولى وهي تنعاه. ألم تقرأيه؟ لقد تناقلته معظم وكالات الأنباء.
قلت بنبرة خافتة:
-لا
فمضى. ثمّ عاد بجريدة أعطاني إيّاها قائلاً:
-إقرإيه إذن.. وستبكين صديقًا.
وما كدت أتوقف عند عنوان المقال "هذا السارق الذي.." حتّى أخذ مني الجريدة وراح يقرأ:
"هذا السارق الذي يتسللّ في الليل بمحاذاة الجدران، عائدًا إلى بيته. إنّه هو.
هذا الأب الذي يوصي أولاده، بأن لا يفضحوا في الخارج المهنة التي يتعاطاها. إنه هو.
هذا المواطن السيئ الذي يجرّ أذياله في قاعات المحاكم، منتظرًا دوره للمثول أمام القاضي. إنه هو.
هذا الفرد الذي يساق خلال مداهمة لحيّ، والذي يدفع به كعب بندقية إلى قاع شاحنة. إنه هو.
هو الذي يغادر منزله كلّ صباح، غير واثق بأنّه سيصل إلى مقرّ عمله.
وهو الذي يغادر عمله مساءً، غير متأكد من أنه سيصل إلى بيته.
هذا المشرد الذي لم يعد يعرف عند من يقضي ليلته. إنه هو.
إنه هو الذي، يتعرض للتهديد في سرّيّة إدارة رسمية.
الشاهد الذي ينبغي عليه أن يبتلع كلّ ما يعرف.
هذا المواطن الأعزل.
هذا الرجل الذي أمنيته أن لا يموت مذبوحًا. إنه هو.
هذه الجثة التي يخيطون عليها رأسًا مقطوعًا. إنه هو.
هو الذي لا يعرف ماذا يفعل بيديه، سوى كتاباته الصغيرة.
هو الذي يتمسك بالأمل، ضدّ كلّ شيء؛ ألا تنبت الورود فوق أكوام القاذورات؟
هو الذي كلّ هذا. وليس سوى صحفيّ".



ألقى بالجريدة على الطاولة المجاورة، ثمّ واصل:
-كيف أحمل حداد رجل كان في السابعة والخمسين من عمره، يواجه الموت بكلّ هذا العناد، ويصدر الجريدة الواحدة بعد الأخرى، في زمن لم يبق فيه أحد ليغامر بوضع توقيعه أسفل مقال؟ ويسمّي زاويته "مسمار جحا"، معلنًا أنّه باق هنا بنية إزعاج الجميع، ساخرًا من السلطة والإرهابيين على حدّ سواء.
سحب نفسًا من سيجارته، وواصل بنبرة محبطة:
لا أفهم، كيف يمكن لوطن أن يغتال واحدًا من أبنائه، على هذا القدر من الشجاعة؟ إنّ في الوطن عادة شيئًا من الأمومة التي تجعلها تخاصمك، دون أن تعاديك، إلا عندنا، فبإمكان الوطن أن يغتالك دون أن يكون قد خاصمك! حتى أصبحنا حسب قول عبد الحق.. نمارس كلّ شيء في حياتنا اليومية.. وكأننا نمارسه كلّ مرّة للمرة الأخيرة. فلا أحد يدري متى وبأية تهمة سينزل عليه سخط الوطن.
سألني فجأة:
-أتدرين لماذا طلبت منك الحضور اليوم؟
وقبل أن أجيب واصل:
-لأنني خفت أن أموت قبل أن أعيش هذه اللحظة!
قاطعته بشيء من العتاب:
-ما هذا الذي تقوله؟ نحن لسنا هنا لنتحدث عن الموت
ردّ بسخرية:
-طبعًا، نحن هنا لنلعب معه، لنتحايل عليه. ولكنه موجود في جدول تفكيرنا الباطنيّ. المتعة أيضًا.. كما عشناها منذ قليل، بتلك الشراسة وبذلك العنف، وكأننا على أهبة افتراس جسديّ متبادل، ليست سوى حالة تطبيع مع الموت لا أكثر. في زمن النهايات المباغتة، والموت الاستعجاليّ، والحروب البشعة الصغيرة التي لا اسم لها، والتي قد تموت فيها دون أن تكون معنيًا بها، الجنس هو كلّ ما نملك لننسي أنفسنا.
-والكتابة؟
-الكتابة؟ إنها وهمنا الكبير بأن الآخرين لن ينسونا!
-أتقول هذا لتجعلني أعدل عنها؟
-بل لأجعلك تعدلين عن الحلم، والأوهام الكبيرة. هذا الذي مات، صديقي الذي يوارونه في هذه اللحظة تحت التراب، الآن بتوقيت صلاة العصر، يسلّمونه للديدان، كان يؤمن أيضًا بجدوى الكتابة، وبأنّ عموده اليومي ضروري لتغيير المجتمع، وأنّ القارئ لا يمكن أن يبدأ صباحه دون تعليقاته الساخرة، ونكاته اللاّذعة. الآن، لم يعد بإمكانه أن يُضحك أو يتحدّى أحدًا. لقد ضحك عليه الموت وتحدّاه. هو الذي كان يتوهم أنه يغيّر العالم كلّ يوم ببضعة أسطر. ها هي الحياة تستمرّ بعده، والجريدة تواصل الصدور دونه، والناس الذين مات من أجلهم، سينسون مكانه في تلك الصفحة، حيث أقام لعدّة سنوات، ففي الصحافة كثير من نكران الجميل.
كلامه وضعني في حالة من الإحباط المفاجئ. أفقدني رغبتي في الجدل، أو حتّى في الحبّ.
"أكلّ هذا.. من أجل هذا؟"
كل هذه المجازفة، وهذه المخاطر، وهذا الترقب، وهذا التحايل، كي أخلو برجل يحدّثني عن الموت؟
قلت:
-كان من الأفضل لو كنت كائنًا حبريًا، وبطلاً وهميًا في قصة؛ هؤلاء على الأقلّ لا يغتالون، ولا يموتون، ولا نخاف عليهم من شيء. لماذا جئت إذا كنت رجلاً حقيقيًا؟
ردّ وهو يسحبني نحوه:
-جئت لأسرّب إليك الرغبة. جئت لإمتاعك، وإمتاع نفسي بك. هؤلاء لا يمكنهم أن يفعلوا هذا.. أليس كذلك؟
وراحت شفتاه في تقبيلي من جديد، باللّهفة نفسها، وكأننا التقينا توًا، أو كأنه انتبه فجأة لوجودي معه. برغم تلك الجثة الموجودة بيننا.
كان يحلو لي أن أتابع تقلّبات مزاجه العشقيّ.
أحاول أن أفهم ما الذي أثاره فجأة من جديد، ليجتاحني بكلّ هذا النّهم الجسديّ.
أتأمله في انشغاله بي، لم يكن جسده هو ما كنت أحبّ. بقدر ما أحبّ كرم رجولته، وأخلاق جسده.
كان لجسده ذلك الحضور السخيّ، الذي يعطي ويعطي كما هو الحبّ. كأنه يعوّض عن نقصانه بالعطاء. ثمّ يأخذ ويأخذ كما هي اللّهفة.
وكانت له تلك الرجولة التي تحسن التواضع أمام الأنوثة، وكأنّها مدينة لها بكلّ شيء.
فجأة ضمّني إليه وقال:
-سأعترف لك بشيء.. لا تضحكي منه!
وقبل أن أجيب واصل:
-حدث أن غرت من زياد. تصوّري لم أغر من زوجك يومًا.. وغرت من كائن حبريّ. تقاسم معي بطولة ذلك الكتاب. ما زلت أشعر أنّه وجد حقّا في حياتك. وأنّه سبقني إلى جسدك.
أضحك.. أقول:
-أيّها المجنون.. هذا الرجل لم يعد يوجد أبدًا. لقد أوجدته، لأنني أحبّ قصص الحبّ الثلاثية الأطراف. وأجد في قصص الحبّ الثنائية، كثيرًا من البساطة والسذاجة التي لا تليق برواية. ولذا كان يلزمني رجل يعيش بمحاذاة تلك القصة، قبل أن يصبح هو بطلها. لأنّ هذا هو منطق الحبّ في الحياة، نحن نخطئ دائمًا برقم.
-وبرغم هذا أحسده. كنت أريد لي قدرًا مطابقًا لقدره. حتّى إنني أحفظ أشعاره. ما زلت أحلم بحبّ كبير.. بقضية كبرى، وبموت جميل.
-ولكن انتهى زمن الموت الجميل. لم يعد بإمكان أحد الآن حتّى في رواية، أن يموت في معركة كبيرة. لقد أفلست جميع قضايانا، ولذا أحببت أن يموت زياد أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. تصوّر، هو الذي كان يحلم بالعودة إلى غزّة. لو عاش، لدخل اليوم مباشرة إلى سجونها. أو انتهى به الأمر شرطيًا فيها، يقوم بسجن وتعذيب فلسطينيين آخرين بتهمة المسّ بأمن إسرائيل. كم من الأوهام ماتت معه. فبعده، لم يعد ثمة شيء اسمه فلسطين.. سعيدة أنا من أجل الذين سيأتون بعدنا: لقد وفرنا عليهم أعمارًا لن ينفقوها في أوهامنا.
يصلح من جلسته. يترك رأسي على كتفه، ويشعل سيجارة.
يباشر بتدخينها في بطء قائلاً:
-دعينا من فلسطين.. أجيبيني: هل أنت سعيدة معي ؟
يفاجئني سؤاله. لا أدري كيف أردّ عليه أقول:
-حين نكون تعساء ندرك تعاستنا. ولكن عندما نكون سعداء، لا نعي ذلك إلا في ما بعد. إنّ السعادة اكتشاف متأخر.
يردّ ساخرًا:
-أيجب أن أنتظر الكتاب القادم، كي أعرف إن كنت سعيدة معي؟
أردّ ضاحكة:
-طبعًا لا.. بإمكاني أن أجيبك الآن. ولكن في الواقع تعلّمت أن أخاف السعادة. ما اكتشفتها مرّة إلاّ وفقدتها.
يجيب:
-ولذا عليك أن تعيشيها كلحظة مهدّدة. أن تعي أنّ اللّذة نهب، والفرح نهب، والحبّ.. وكلّ الأشياء
الجميلة، لا يمكن إلا أن تكون مسروقة من الحياة، أو من الآخرين. فالمرء لا يبلغ المتعة إلا سارقًا. في انتظار أن يأتي الموت، ويجرّده من كلّ ما سطا عليه.
أقول:
-أنت تذكّرني بفيلم "حلقة الشعراء الذين اخ...ا". أتذكر ذلك المشهد الأول، عندما تحلّق الطلبة حول الأستاذ، ليتأملوا الصور المعلّقة على جدران الصفّ، لطلبة سبقوهم منذ أجيال إلى ذلك المعهد. عندما كان الأستاذ يردد "تأملوا هيأتهم وشبابهم الذي يشبه شبابكم اليوم. إنهم يقولون لكم.. استفيدوا من اليوم الحاضر.. لتكن حياتكم مذهلة.. خارقة للعادة.. فذات يوم لن تكونوا شيئًا.."
يعلّق دون اهتمام:
-أنا لم أشاهد هذا الفيلم.. ولكن أتوّقع أن يكون المشهد جميلاً..
أسأله دهشة:
-أحقًا.. أنت لم تشاهد هذا الفيلم؟
يجيب متعجبًا من نبرتي:
-أكان يجب أن أراه؟
ولا أجد شيئًا أبرر به اندهاشي أمام هذا الاكتشاف سوى كلمات مرتبكة:
-توقّعت أن تكون شاهدته.. فقد حصل على عدّة جوائز..
وأعود إلى صمتي. أستعيد قصتنا منذ البدء. أحاول أن أفهم: إن لم نكن قد التقينا في ذلك العرض، فمنذا الرجل الذي يا ترى جلس إلى جواري في ذلك اليوم.. بالعطر نفسه.. والصمت نفسه؟

كانت الأسئلة تذهب بي في كلّ صوب. عندما قطع تفكيري قائلاً كمن يعتذر:
-حدّثني عبد الحقّ عن هذا الفيلم. وعرض عليّ أثناء زيارتي إلى قسنطينة أن أرافقه إلى مشاهدته. كان يريد أن يكتب عنه مقالاً للجريدة. ولكنّني شغلت ذلك اليوم بأمور أخرى. فذهب لمشاهدته بمفرده. من المؤكّد أنّه لا يزال يعرض في قاعات بالعاصمة. سأحاول أن أحضره هنا، حتّى يصبح بإمكاني أن أتحدث معكما عنه، بدل الاستماع إلى كلّ واحد منكما وهو يروي مشهدًا من الفيلم.
ثمّ يواصل وهو يمرر يده على شعري:
-أيسعدك أن أراه؟
أجبته وأنا أضع قبلة على خدّه:
-حتمًا.
بدا لي فجأة أنني أستعمل معه لغة "عبد الحقّ". فلم أضف شيئًا إلى ما قلته.
بعد قليل، كنت أغادره. كان هو يعود إلى حداده. وأنا أعود –حتمًا- إلى أسئلتي!


* * *

Najma
29-08-2007, 04:46 PM
ما كدت أخلو بنفسي ذلك المساء، حتّى فتحت الدفتر الأسود. متصفحة قصتي مع ذلك الرجل، كما كتبتها يومًا بعد آخر، على ذلك الدفتر.
رحت أستعيد بداياتها، أتوقف عند منعطفاتها، عساني أفهم، كيف ولدت هذه القصة. ومن أين جاءني هذا الرجل؟
كيف تمّكن خلال ثمانية أشهر أن يتهرب من كلّ أسئلتي، وينجو من كلّ مقالبي، ويعيش داخل هذا الدفتر، متنكرًا في رجل آخر، ثمّ يفاجئني بالحقيقة عندما يشاء هو.
ولكن أيّة حقيقة؟ أتلك التي باح لي بها؟ أم الأخرى التي لا يعرفها هو نفسه، والتي أوصلني إليها دون أن يدري، مؤكدًا كلامًا سابقًا له: "ليس ثمة من حقيقة واحدة. الحقيقة ليست نقطة ثابتة. إنها تتغير فينا وتتغير معنا. ولذا لم يكن ممكنًا لي أن أدلك إلا على ما ليس الحقيقة".
حبه أيضًا أصبح وسط التساؤلات، حقيقة متحركة. في الواقع، كان لنا زمن سريّ وذاكرة مشتركة، لشيء شبيه بالحبّ، عشناه معًا، حتّى قبل أن نلتقي.
هو قال "أجمل حبّ هو الذي يأتيك أثناء بحثك عن شيء آخر" وأنا صدّقته، ونسيت من انبهاري به عن أي شيء بالتحديد كنت أبحث يوم صادفته.
ها هوذا اليوم، في دوره الأخير، يصبح قارئي.
فكيف يمكن لقارئ أن يفعل بكاتبٍ كلّ هذا!؟

يربكني تدخّل البعد الّلاعقلاني في السلوكات والقرارات الإنسانية. وتذهلني الحياة السريّة للمشاعر.
أذكر أنني، قرأت يومًا بحثًا نفسيًا، يقول إنّ وقوعنا في الحبّ، لا علاقة له بمن نحبّ. وإنما لتصادف مروره في حياتنا بفترة نكون فيها دون مناعة عاطفية، لأننا خارجون توًا من وعكة عشقيّة. "فنلتقط حبًا" كما نلتقط "رشحًا" بين فصلين!
واستنتجت يومها أنّ الحبّ عارض مرضيّ.
ثم قرأت بعد ذلك مقالاً طبيًا عن "كيمياء الحبّ" جاء فيه أننا نرتكب أكبر حماقاتنا في الصيف لأن الشمس تغيّر مزاجنا. ولها تأثيرات غريبة في تصرفاتنا: فأشعتها تخترق بشرتنا وكرياتنا الدموية.. فتعبث بجهازنا العصبي، وتحولنا أناسا غريبين بإمكانهم فعل أيّ شيء.
وقلت.. الحبّ إذن حالة موسمية.
وقرأت أيضًا.. أن الكتابة تغيّر علاقتنا مع الأشياء، وتجعلنا نرتكب خطايا، دون شعور بالذنب. لأن تداخل الحياة والأدب يجعلك تتوهم أحيانًا أنّك تواصل في الحياة، نصًا بدأت كتابته في كتاب. وأنّ شهوة الكتابة ولعبتها تغريك بأن تعيش الأشياء، لا لمتعتها، وإنما لمتعة كتابتها.
واستنتجت أن مشكلة الكاتب أنه لا يقاوم أحيانا شهوة الخروج عن النص، والتورط الأدبي مع الحياة، حتى في سرير.
وهكذا بعد شيء من التفكير، توصلت إلى كون ما حدث لي لا علاقة له بالمنطق. وإنما بتصادف عدّة شروط لا منطقية.
فقد دخل هذا الرجل حياتي ذات صيف، مستفيدًا من فقداني لأية مناعة عاطفيّة، وانشغالي بين فصلين، بكتابة قصة حبّ وهمية. وحبّه ليس إلا تصادف اجتماع عدّة ظروف استثنائية.
في الواقع، من كثرة ما قرأت، اكتشفت أن مصيبتي هي في كوني لست أمية. فكم من الأشياء قد تحدث لنا بسبب ما نقرأ..
ذلك أن ثمة قراءات تفعل بنا فعل الكتابة، وتوصلنا إلى حيث لا نتوقع.
وأذكر مقابلة صحفيّة للكاتب الأرجنتيني بورخيس سأله فيها الصحافيّ "ماذا كنت تعني عندما سئلت مرة عن حياتك فقلت "حدثت لي أشياء قليلة.. ولكنني قرأت كثيرًا" فأجاب "كنت اقصد لأنني قرأت كثيرًا.. حدثت لي أشياء كثيرة".
وأنا التي كنت أحلم بكتابة كتاب واحد، يمكنني بعده أن أموت "كاتبة"، كتاب يتدخل في حياة القارئ، حدّ منعه من النوم، وجعله يعيد النظر في حياته، ها أنا وُفّقت على الأقل مع قارئ واحد. من اندهاشه بكتاب، تطابق مع بطلي حدّ إدهاشي، وقلب حياته وحياتي.. رأسًا على عقب.
وهكذا أصبحت خلاصتي في النهاية، أنّ على الكاتب أن يفكّر كثيرًا قبل أن يكتب قصة.
ففي أيّة لحظة، قد تأخذ الحياة قصته مأخذ الجد، وتعاقبه بها، أو تعاقب ذلك المسكين الذي وقع تحت سطوة الكلمات، ولم يعد يدري وهو يقرأها، أين يقع الخطّ الفاصل بين الوهم والحياة.
عندما كتب غوته كتابه "الآم فرتر" ليصوّر فيه قصة حبّ يائس، أصبح ألوف من شباب أوروبا يرتدون ثيابا مثل بطله فرتر، ويتصرفون مثله في المجالس. ويحملون تحت إبطهم مثلما كان يفعل، ديوان هوميروس. وكثير منهم أقدموا على الانتحار مثله، حتى وجّه إليه النقاد الّلوم لأنه زين لهم الانتحار.
والواقع أن غوته لم يزين لهم الموت، بل زين لهم الحياة بين دفتي كتاب. في تلك المساحة المخصصة للحلم والوجاهة، والتي اسمها "الأدب".
وإذا كان من المعقول أن تحبّ كاتبًا، حتى تتوهم أنك بطل من أبطاله، فأين العجب في أن يحب كاتب بطل من أبطاله، حتى يتوهم بدوره، أنه موجود في الحياة، وأنه حتمًا سيلتقي به يومًا في مقهى.. ويتبادلان كثيرًا من الأخبار، والذكريات!


* * *




عودة أمي، أعادت إلى الحياة وجهها الطبيعي، وأخرجتني لوقت من أسئلتي الدائمة. فقد جاءت ومعها أخبار عن عرس أتوقع أن تحدثني عنه كثيرا في المستقبل فهي تؤكد أن شروط الانفجار جاهزة بين الزوجتين الأولى والجديدة.
أتسلى بالاستماع إليها وأنا أعرف مسبقا المنحى الذي سيأخذه حديثها. فهي على يقين ثابت من أن ضرتي هي سبب عقمي، وبعض ما حل بي وهو ما لا أصدقه.
طبعا،لم يكن سهلا أن أتقبل فكرة مقاسمة رجل مع امرأة أخرى بل كان بإمكاني أن أشترط طلاقه منها. فقد كان يريدني وقتها إلى درجة الرضوخ لكل مطالبي. ولكنني كنت أشفق على تلك المرأة التي تكبرني بخمس عشرة سنة والتي شاركت زوجي عشرين سنة من حياته وأعطته ثلاثة أولاد قبل أن يصبح ضابطاً، على قدر من الأهمية بحيث كان لابد له ككل المسؤولين من حوله أن يعيد النظر في حياته الزوجية .
أعتقد أن استسلامها منذ البدء للأمر الواقع هو الذي جردني من أسلحتي. لا أعتقد أنها كانت من الطيبة لدرجة التحمس لهذا الزواج. ولكنها لم تكن شريرة ولا حاولت يوما أن تكيد لي.
ثمّ مع الوقت ولد بيننا شيء من التواطؤ النسائي الصامت، بعد أن أدركت كل واحدة منا، أنها لا يمكن أن تلغي الأخرى، أو تنفرد بامتلاك ذلك الرجل.
كثيرًا ما سألت نفسي إن كنت أغار من هذه المرأة، التي من الأرجح أن يكون زوجي الآن في بيتها، يقاسمها سريرا لا يشغله إلا نادرا، وغالبا أثناء غيابي.
والمدهش أن الجواب يأتي دائما بالنفي. وبرغم ذلك لم يتقبل جسدي تماما فكرة وجودها. بل انه لم يتقبل هذا، منذ الليلة الأولى.
وأذكر أنه طوال ليلة زفافي، لم تفارقني فكرة وجودها، ولا مشهد حضورها الصامت، في تلك السهرة مراعاة لزوجي الذي كان يريد أن يثبت للحضور مباركتها لهذا الزواج.
ربما لذلك السبب، صنع جسدي يومها، حاجزا لم يستطع زوجي تخطيه، رغم ما أوتي من إمكانيات فحولية.
ورغم اشتهائي له، شيء في كان لا يطاوعني ويرفض الاستسلام له. خاصة أن مقاطعة ناصر لكل احتفالات الزواج، قد وضعتني في حالة نفسية سيئة.
تراودني كل هذه الأفكار، وأمّي تنقل لي "وقائع"هذا الزفاف الذي لم تسفر ليلته عن نتائج ترضي كبرياء العريس الممتلئ فحولة ذكورية، وهو ما جعل النساء كعادتهن يجتهدن في تفسير الأمر.
أما الخبر الأهمّ، فكان بالنسبة إلي شعور أمي المفاجئ بالضجر ورغبتها في العودة إلى قسنطينة في أقرب وقت.
خبر تلقيته بمذاق سابق للحزن، أسرعت بإخفائه عنها.
فقد تعلمت أن أخفي عنها حزني وفرحي، حتى لا أجد نفسي مجبرة على شرح الأول، أو على تبرير الأخير. فلم تكن لنا يوما المقاييس نفسها للسعادة.
السعادة، ذلك العصفور المعلق دوما على شجرة الترقب، أو على شجرة الذكرى. هاهو على وشك أن يفلت مني الآن أيضا. ولأنني أدركت ذلك بدأت أعيش ذلك الحب، بشراسة الفقدان.
كالذين يعيشون عمرًا مهددًا، علمني الموت من حولي أن أعيش خوف اللحظة الهاربة، أن أحبَّ هذا الرجل كل لحظة.. وكأنني سأفقده في أية لحظة، أن أشتهيه، وكأنّه سيكون لغيري، أن أنتظره.. دون أن أصدق أنه سيأتي. ثم يأتي.. وكأنه لن يعود، أبحث لنا عن فرحة أكثر شساعة من موعد، عن فراق، أجمل من أن يكون وداعًا.
غير أنه كان يبدو فجأة غير مبال بمداهمة الحياة لنا، بل إنه كان يملك من ترف الوقت، ما جعله يصرّ على أن لا يكون موعدنا الأخير في بيته، وإنما في مطعم بحريّ على بعد نصف ساعة سيرًا على الأقدام من بيتي.
وعبثاً حاولت إقناعه بأننا قد لا نلتقي قبل زمن طويل، وأنّ هذا المكان لا يصلح لوداعٍ، ولا لموعد أخير. ولكنه كان يجيب:"سيكون لنا هناك موعد أجمل".


* * *

التقينا.
في مقهى ارتجله الحب لنا، كان هنا. هو والبحر.. وطاولة صيف مسائية..
هو وأنا وتنهّدات الأمواج بيننا.

قلت عاتبة:
-كان بإمكاننا أن نلتقي عندك. لماذا أصررت على تبذير ثروة الحلم أمامي ؟
أجاب دون أن يتوقف عن التدخين :
-تبذير الحياة.. هو أيضا جزء من الحياة.
-ولكنني أريدك.. وقد لا نلتقي قبل زمن طويل.
وضع بيننا كعادته منفضة الصمت. وأعقاب جمل لم تكتمل ثم قال:
-لفرط ما أردتك أفهم معنى أن تريديني. ولكن لا بد أن نتعود الحرمان، حتى عندما نكون معا.
-ولكن لماذا؟
-لأن قدرنا أن لا نكون معا دائماً.
-لماذا أهديت إليّ إذن كل تلك المتعة.. إذا كنت تعدّني لكل هذا الألم ؟
-أنا أعدّك لمتعة أجمل. قبلك لم يكن الحرمان جميلا. لأنه لكي يكون كذلك، لابدّ أن نريده، أن يكون تواطؤا سرّياً بين اثنين. وقتها فقط يغير اسمه، تصبح له تسمية أجمل.
يسألني بعد شيء من الصمت :
-أتعرفين ما اسمه؟
أقول دون تفكير :
-لا
يجيب:
-يصبح اسمه الوفاء!
تترك الحروف خلفها ذيلا من الدخان الذي ينفثه بكسل نحوي .
أجيب:
-أنا أفهم تماما ما تقول. ولكن، ألا تعتقد أنك تزايد على القدر، وتعاقبنا أكثر مما عاقبتنا الحياة؟
يرد:
-ما أعتقده هو أنك كنت دائما الطفلة المدللة للحب. أتوقع أن يكون قد منحك دائما ما أردته دون جهد. ثمة أناس لهم تلك القدرة الخرافية على المشي فوق قلوب الآخرين، دون شعور بالذنب.
أتمتم:
-ألهذا..؟
يقاطعني:
-لا..ليس لهذا أعاقبك اليوم بالحرمان. وإلا أكون أعاقب نفسي بك.ولكن جميل أن يروضك رجل،لم يفهم قبلك في الخيول..
وقبل أن أنطق يقول:
-أتدرين.. مع الخيول الوحشية، الأصعب دائما هو لحظة الاقتراب منها. أما ترويضها بعد ذلك فهو قضية وقت. ولهذا أوجد رعاة البقر لعبة الروديو، التي يتنافسون فيها على عدد الدقائق التي يبقون فيها على ظهر حصان وحشي، قبل أن يرمي بهم أرضا، لتتهشم عظامهم عند أقدامه. ففي دقائق قد يربحون حصانا، كما أنهم قد يخسرون حياتهم في دقائق!
ثم واصل وهو ينفض دخانه ببطء في المنفضة، دون أن تغادرني نظراته:
ولذا عكس ما تتوقعين، لم أربحك في موعدنا الأخير، وإنما في موعدنا الأول. في تلك الدقائق القليلة التي سألتك فيها في مقهى "الموعد"، إذا كنت تسمحين لي بالجلوس. وكنت على وشك أن تقولي "لا". ولكنك قلت "طبعا". ولم أكن أملك بعد ذلك سوى حبل الكلمات لأطوقك به، وأوقف جموحك الفطريّ. يومها فقط.. جرّبت رعب الاقتراب من فرس.
-ثم..؟
-ثم ها نحن معا أمام امتحاننا الأصعب. عكس موعدنا الأول، لسنا نحن الذين نختبر بعضنا بعضًا اليوم، أو نقيس استعدادنا للصمود في وجه الحب، أو قدرتنا على الإيقاع بغيرنا. إنما الحياة هي التي تختبرنا معاً، وتختبر الحب بنا. ولكي ننجح علينا أحيانا أن نتساوى بالعشاق المفلسين، أن نتخلى عن ترف تملكنا لمفاتيح شقة. ونعيد للحب جماليته.. واستحالته الأولى.
-جميل ما تقوله.. لولا أنك تجرب فينا نظريات في الحب، لا يمكن أن تنطبق على واقعنا. أنت تنسى وضعي الاجتماعي.. وتنسى أنني موجودة معك هنا خلسة.. ومجازفة.
-لم أنس هذا. ولكن أنت نفسك قلت إنك لا تعيشين حبنا بخجل، وإنك تكرهين العلاقات المستترة التي تعيش في ظلّ الشوارع الخلفية. فامنحي حبنا شرعية الضوء، وشيئا من الكرامة التي تخرجنا من صنف السرّاقين.
-وماذا لو رآنا أحد معا؟ كيف أدافع عن تهمة معرفتي بك.. أو وجودي معك هنا؟
يقاطعني:
-تدافعين عن هذه التهمة! أي تهمة؟ وأمام من؟ أمام زوجك؟ وهو أحد المتهمين في هذا البلد! الذي أعجب له الأكثر، أن يكون الحب هو الفعل الذي يحرص الناس على إخفائه الأكثر، والتهمة التي يتبرأون منها بإصرار. ما عدا هذا.. فبإمكانك أن تكون مجرما أو سارقا وكاذبا وخائنا وناهبا لأموال الوطن.. وتفرد ما سطوت عليه أمام الناس دون خجل، وتواصل حياتك بينهم محترما. أليس الأمر مدهشا؟
يضيف متذمرا:
-بين الذين أهدروا ماضينا، والذين يصرون على إهدار مستقبلنا، بين الذين أفرغوا أرصدتنا، وأولئك الذين سطوا على أحلامنا، نظل نحن أثرياء الحب أشرف من غيرنا.
يواصل وهو ينفض سيجارته بشيء من العصبية:
-مذ شلّت ذراعي، تعلمت شيئا: الأجدر أن يُعرّف الإنسان بما فقد وليس بما يملك. فنحن دائما نتيجة ما فقدناه. ولكن لا أحد يسألك عن الذي فقدته؛ هم يسألونك فقط عما تملك وأنتِ نفسك، لم تسأليني يوما كيف فقدت ذراعي، ومتى شلّت.. وكيف ؟ ألا يع... أن تعرفي هذا ؟
أقول معتذرة وقد باغتني بسؤال لم أجرؤ على طرحه:
-توقعت أن يكون في الأمر إزعاج لك.
يقول بسخرية المرارة:
-ولم يخجلني أمر لست فاعله؟ أتعرفين قصة بيكاسو، عندما رسم لوحته الشهيرة "غر...ا" مصورا فيها خراب تلك المدينة على أيدي الفاشيين. فجاء منهم من يسأله "أنت الذي فعلت هذا؟" فرد عليهم بجوابه الشهير "لا.. بل أنتم ". لو سألتني لأجبتك مثله: "لست أنا ..بل هم".
لم أفهم من كان يقصد بالتحديد.سألته:
-ومتى كان هذا..؟
أجاب وهو يسحب سيجارة جديدة، ويشعلها ببطء من يشعل فتيلة الذكريات:
-حدث هذا أثناء أحداث أكتوبر 1988.كنت وقتها أعمل مصورا صحافيا. فذهبت لألتقط صورا لتلك التظاهرات التي اجتاحت فيها الحشود الشوارع دون سابق قرار. وكان شيئا مذهلا ذلك الذي شاهدته: سيارات مسرعة.. وجوه مرعبة وأخرى مرعوبة، رصاص طائش وصدور تتلقى قدرها بغتة. مدينة تحكمها الدبابات. كل شيء قائم فيها قد أصبح أرضا، حتى أعمدة الكهرباء .
كان العسكر يضعون حاجزا بشريًا أمام الآف الشبان الذين راحوا يكسرون في طريقهم كل شيء يرمز إلى الدولة، ويوجهون رصاصهم تارة في الهواء وتارة وسط الناس لإخافتهم دون جدوى. بينما احتل جنود سطوح المباني الرسمية. أذكر أني حاولت أن ألتقط صورة لعسكري وهو يقف على مبنى مقر الحزب، موجها رشاشه نحو الشارع، وخلفه علم الجزائر. عندما انطلق رصاص من ذلك المبنى، واخترق ذراعي اليسرى. ولم أدر إن كان العسكري قد اشتبه في أمري عندما رفعت آلة تصويري وتوقع أنني أرفع سلاحا أم أنني تلقيت رصاصا طائشا كان موجها إلى أي شخص.
ثم واصل بنبرة غائبة:
-تصوّري تلك اللحظة التي نزلت كي أصورها، وتختزنها آلة تصويري اختزنها جسدي إلى الأبد. وأصبحت ذاكرة جسد، أتقاسمها مع مئات الجرحى والقتلى الذين سقطوا في تلك الأحداث.

مرة أخرى فاجأني هذا الرجل بقصة لم يكن مقررا أن يقصها علي اليوم بالذات في هذا المكان وهذا الظرف بالذات.
وكعادته أجابني عن السؤال الذي عدلت عن طرحه لفرط ما طاردتني علامات استفهامه.
تأملته وهو يفك آخر زر في هذا المعطف الكثير الأزرار ويحل آخر لغز في تلك الفوازير التي شغلتني عدة أشهر وكأنه بلغ حالة تعب من المراوغة وقرر أن يهدي إلي أخيرا الحقيقة

بدا لي في عنفوانه أجمل من وهمي به.
قلت:
-أتدري أن الحقيقة تزيدك إغراء.
أجاب:
-تمنيت أن تزيدني احتراما فلا أعتقد أن بإمكاننا أن نحب أو نشتهي شخصا فقد احترامنا ولذا حرصت أن لا أصغر في عي... بسبب عاهتي.. والأجمل أن أكبر في عي... بها.
قلت:
-لم ألتق قبلك برجل ثمل كبرياء إلى هذا الحد..
أجاب:
-هل أفهم أنك تحبينني؟
كدت أقول "طبعا"ولكنني قلت:
-حتما..
واصل:
-أتأذنين لي أن أسألك إن كنت تحبين زوجك؟
أجبت:
-حدث أن أحببته.
-وهل أنت سعيدة معه؟
-لا أدري ..أحيانا اكتشف تعاستي ..ثم أعود فأنسى .
-ولماذا بقيت معه إذن؟
-لأنه زوجي.. لأنني وحيدة.. ولأنني متعبة ولا قدرة لي على اتخاذ أي قرار.
-ولكنك حرة في تغيير مجرى حياتك والانفصال عنه.
-أظنه أندريه جيد الذي قال"من السهل أن تعرف كيف تتحرر ولكن من الصعب أن تكون حرا".قد أنجح في أن أتحرر من هذا الرجل رغم أني لا أتوقع أن يكون هذا أمرا سهلا ولكن الأصعب أن تكون حريتي بعده فحياة امرأة مطلقة في بلد كهذا هي عبودية أكبر إنها تتحرر من رجل كي يصبح كل الناس أوصياء عليها.
أصمت فجأة ثم أسأله:
-لو انفصلت عنه..فهل تتزوجني؟
يجيب بنبرة المفاجأة :
-أتزوجك؟ أنت تمزحين؟
-ألا يسعدك أن أكون امرأتك؟
-طبعا..لكن..
-ولكن ماذا؟
-أنا لا أملك شيئا يا سيدتي لا شيء مما تعودته في نمط حياتك كل ثروتي في بيت للإمام الشافعي:
"غني بلا مال عن الناس كلهم وليس الغنى إلا عن الشيء لا به"
-كل هذا لا يعنيني.. تلك الشقة التي تسكنها تكفينا لنكون سعيدين معا.. أنا أحبها.
-ولكن حتى تلك الشقة ليست لي أنا أقيم فيها مؤقتا فقط.
-ولمن هي إذن ؟
-إنها لعبد الحق.. ذلك الصديق الذي حدثتك عنه تركها بعد أن وصلته تهديدات بالقتل فذهب ليعيش لمدة في قسنطينة حيث مازال أهله يقيمون وقد يعود إليها عندما تتحسن الأوضاع.
-وكل ما في البيت له؟
-طبعا.
-وتلك المكتبة أيضا؟
-أيضا.
-وكتاب هنري ميشو الذي استعرته منك..هل هو له؟
-هو أيضا له..
تفاجئه أسئلتي التي تبدو لع غريبة بينما أصاب أنا بصاعقة الذهول وأدخل في حالة صمت لا يجد لها تفسيرا.
سألني مازحا:
-مالذي يزعجك أكثر أن يكون ذلك البيت له؟ أم أن يكون ذلك الكتاب له؟
أجبته بابتسامة غائبة:
-لا شيء يزعجني من كل هذا.. ولكن فاجأني..
-وأنت أيضا فاجأتني. هذه أول مرة تطلب فيها امرأة يدي. قبلك طلب العسكر يدي اليسرى وأخذوها في أحداث 88 مع آلة التصوير. أما اليمنى فما كدت أتحول إلى الصحافة المكتوبة حتى أصبح الإسلاميون يطالبون بها! تصوري: أنا رجل مزعج، ...ق الفريقان على قطع يديه. وعليك أن تقرري بسرعة إن كنت تريدينني حقا. قد يأتي زمن لن يتمكن فيه أحد في هذا البلد من طلب يد صحافي للزواج!

أضحك لهذه "النكتة" ولهذه الروح الساخرة التي يخفي بها دائما حزنه. ولكنه لا يشاركني الضحك.
أسأله:
-أنت قلمّا تضحك.. لماذا؟
-علمتني الحياة أن أبتسم عشر مرات قبل أن أضحك.. وأن أعيد صياغة كلماتي عشر مرات قبل أن أنطق بها، ولهذا اخترت في الماضي مهنة التصوير. الصورة لحظة صمت طويل.. إنها كالرسم، تجربة في الصمت.
-وماذا علمتك الحياة أيضا؟
-علمتني الصبر. أنا رجل من برج الصبر. وهذا آخر ما أريد أن أعلمك إياه.
يضع يده في جيبه ويخرج حاملة مفاتيح جلدية يضعها على الطاولة ويواصل:
-بيننا وبين المتعة مفتاح لا أكثر. ولكنني أرفض أن يتحكم هذا المفتاح فينا. وإلا فسيكون في هذا إهانة للحب. أنا لا أقل عنك اللحظة رغبة ولا إشتهاءً بل إنني أحوج منك إلى الحب، من حاجتك أنت إلى هذا الحبّ، وهذه المتعة ذاتها. ولكن عندما نبلغ ذلك القدر المخيف من اللذة، كل متعة لا تزيدنا إلا جوعا. وعلينا الآن أن نجرب لذة الامتناع، لنتصالح مع أجسادنا، لنعرف كيف نعيش داخلها عندما لا نكون معا.. ولنكتشف جمالية الوفاء عن حرمان.
أقاطعه:
- لا أفهم، لماذا أغريتني بالخيانة، إذا كنت ستطالبني بالوفاء.. عن جوع!
يردّ ساخرًا:
-أنت تسيئين فهمي مرة أخرى. أنا لم أطالبك بشيء. أعددتك للإخلاص، دون أن أطالبك بأن تكوني مخلصة لي..

-تمنيت أن تقول غير هذا. كان يسعدني أن تطلب مني ذلك..
-ولكن الإخلاص لا يُطلب؛ إن في طلبه استجداءً ومهانة للحب. فإن لم يكن حالة عفوية، فهو ليس أكثر من تحايل دائم على شهوة الخيانة، وقمع لها. أي أنّه خيانة من نوع آخر. ولذا أجد في تسمية الخيانة بالمغامرة قلبا للحقيقة. إنّ المغامرة الحقيقية هي الوفاء.. لأنها الأصعب حتما.
-لماذا الأشياء معك معقدة دائما إلى هذا الحد؟ أريد منك كلمات بسيطة. كتلك التي يقولها العشاق وهم على وشك غياب. كلمات جميلة في بساطتها. موجزة، مربكة، ممتعة، موجعة. كلمات تذهلنا، تخترقنا ولا تغادرنا، لكنك لا تقول شيئا من كلّ هذا.
-لا أريد لنا حبا يقتات بالكلمات، حتى لا يقتله عند البعد صمتنا. تريدين كلمات قرأتها في الكتب، وشاهدتها في الأفلام، ولكن أجمل مما قرأته وما شاهدته قصتنا.
توقف لحظة، ثم أضاف:
-عندما قرأت كتابك منذ ثلاث سنوات، تساءلت كيف يمكن لقصتي أن تبدأ حين انتهت قصة خالد، في السنة والأحداث نفسها؟ تراني فقدت ذراعي فقط لأمنح الحياة ترف مطابقتها لرواية، أم لأمنح الأدب زهو مواصلة قصة في الحياة ؟ أدركت الجواب عندما التقينا. لقد تواطأ الأدب والحياة، ليهديا إلينا قصة الحب التي هي من الجمال بحيث لم يحلم بها قارئ وكاتبة قبل اليوم. أنت نفسك كروائية تجاوزتك قصتنا لأنها أغرب من أن تجرؤي على تصورها في كتاب.
أجيب:
-أعترف بأنني ما كنت تصورت أمرا كهذا. برغم كوني حلمت دائما بقارئ يأتي ليقاصصني بكتاباتي. جميل كل ما يمكن أن يحدث لنا بسبب كتاب. ممكن أن نكرّم، يمكن أن نسجن، يمكن أن نغتال، ممكن أن نُحَبّ، يمكن أن نُكرَهَ.. يمكن أن نُقدَّس، يمكن أن نُنفى. فلا يمكن أن نخرج بحكم البراءة من كتاب. البراءة في هذه الحالات، ليست سوى شبهة أن لا نكون في الواقع كتّابًا. العجيب في قصتنا أن الحياة هي التي قرأتني وعاقبتني بتحويل ما كتبته إلى حياة. ربما لأنني كنت كاتبة بنزعات إجرامية، تجلس كل مساء إلى مكتبها، ودون شعور بالذنب، تقتل رجالاً لا وقت لها لحبهم، وآخرين خطأً أحبتهم، تصنع لهم أضرحة فاخرة في كتاب، وتذهب للنوم.
أصمت. ثم أواصل بنبرة غائبة:
كيف كان لي أن أعرف أننا في كل ما نكتبه نكتب قدرنا؟ لشدّة ما تأتي الحياة متنكرة في بساطة كتاب. في أي يوم، أمام أي نص، قد يكتشف أحدنا أن صفحة من كتاباته قد وقعت في قبضة الحياة.. وأصبحت هي حياته.
يتوقف فجأة عن التدخين ويسألني متهكما لفرط حزنه:
-هل لي أن أعرف إن كنت تنوين قتلي؟
أرد مازحة:
-طبعا لا. أنت بالذّات سأستميت في الإبقاء عليك حياً.
وأواصل كما لتأكيد قولي:
-ثمّ إنّ خالد لا يموت في تلك الرواية.
يقاطعني:
-أدري.. يموت زياد. ولكن لا أرى حولي أحدا. أصدقائي جميعهم قتلوا.. لقد حان دوري، أليس كذلك؟ أي رقم سيكون رقمي في قائمة الاغتيالات حسب رأيك؟
لا أدري إن كان يحدثني حقاً عن لعبة الكتابة، أم أنّ هاجسه الحقيقيّ كان الحياة، أو على الأصحّ الموت الفعليّ فيها مغتالاً ككلّ رفاقه.

وقبل أن أجيبه يضيف:
-حياة.. أجّلي موتي قليلا. ولكن أحبّيني وكأنني سأموت. لقد وقعت على اكتشاف عشقيّ مخيف. لا يمكنك أن تحبّي أيّ شخص حقاً، حتى يسكنك شعور عميق بأنّ الموت سيباغتك، ويسرقه منك. كلّ الذين تلتقين بهم كلّ يوم، ستغفرين لهم أشياء كثيرة. لو تذكّرت أنهم لن يكونوا هنا يوماً، حتى للقيام بتلك الأشياء الصغيرة التي تزعجك الآن وتغضبك. ستحتفين بهم أكثر، لو فكّرت كلّ مرة، أنّ تلك الجلسة قد لا تتكرر، وأنّك تودعينهم مع كلّ لقاء. لو فكر الناس جميعا هكذا لأحبوا بعضهم بعضا بطريقة أجمل.
أسأله:
-وهل تفكر فيّ بهذه الطريقة نفسها؟
يردّ ضاحكاً من ذعري:
-معك.. أوجدت فلسفة أجمل. أنا أعمل لدنياي كأنني سأراك غدا. وأعمل لآخرتي وكأننا سنموت معا! ولذا أنا أستعد كل يوم للقائك هنا.. أو هناك، بالتألقّ والشوق نفسه.
أتمتم:
-أخاف إحساسك هذا. أشعر وأنا أستمع إليك بأن حبنا استغفال للحياة، وأنه لم يبق لنا من الوقت سوى قبلتين وضمة.
-بل لنا متسع من العمر. وسأنتظرك في الحياة.. وفي الكتب. إن لحظة حب تبرر عمرا كاملا من الانتظار.. هل تعين هذا؟
-أحاول ذلك.. ولكن كل شيء ضدنا.
- الحب ككل القضايا الكبرى في الحياة، يجب أن تؤمني به بعمق، بصدق، بإصرار، وعندها فقط تحدث المعجزة. انظري مثلا بوضياف: رجل في الثانية والسبعين من عمره. قضى نصف حياته في مكافحة الاستعمار، والنصف الآخر منفيا من وطنه. رجل نُفِيَ حتى من الذاكرة الوطنية، أُلغي حتى من الكتب المدرسية. ثم جاء به التاريخ، رئيسا بعد ثمانية وعشرين عاما من المنفى. أليس هذا أمرا مذهلا.. ورائعا؟ صدقيني إنها قضية وقت فقط..
-ولكنني أخاف الوقت.. إنه عدو العشاق
-بل هو عدو الثورات، الكبيرة منها.. وتلك الصغيرة المرتجلة. جميعها يقتلها الوقت. وسننتظر موت الأوهام الثورية.


* * *


طبعا.. الوقت عدو العشاق.
ها هوذا يفرقنا. خطوات.. ويتوارى خيال رجل يعود إلى عتمته الأولى، مرتديًا سواده.
فأعود رفقة البحر مشيا على الأقدام. أمشي وتمشي الأسئلة معي. وكأنني انتعل علامات الاستفهام.
نيتشه كان يقول "إن أعظم الأفكار، هي تلك التي تأتينا ونحن نمشي" فأمشي.
ولكن كل فكرة يأتيك بها البحر، تذهب بها الموجة القادمة.
كنت أعتقد أن الرواية هي فن التحايل، تمامًا كما أنّ الشعر هو فنّ الدهشة. ولم أفهم كيف أنّ هذا الرجل الذي لم يكن مهيّأً لدور الشاعر، ولا لدور الروائي، تمكّن من إدهاشي، والتحايل على كلّ حواسي إلى حد جعلي أمّية أمام الرجولة.
كيف دون أن يدري، كتب هذه القصة على قياسي، في هذا الكتاب الذي غيّرنا فيه أكثر من مرّة، أماكننا وأدوارنا، كيف أصبح ذلك الصديق الغائب فجأة، هو البطل الرئيسي.
فقد بدا واضحًا الآن أنه الرجل الذي جلس إلى جواري عند مشاهدتي لذلك الفيلم، وأننّي ما فتئت أعيش بمحاذاته منذ ذلك اليوم. أشتمّ عطره.. أطالع كتبه.. أستمع إلى موسيقاه، أجلس على أريكته.. أتحدّث على ه...ه.. وأقع في حب بيته!
لم أفهم، كيف بغباء مثالي وقعت في فخ كل الإشارات المزورة التي وضعها الحب في طريقي.
وإذا بي أثناء وهمي باكتشاف رجل، كنت أكتشف آخر.
لا أدري في أية محطة، أخطأت قطار الحب "الأول"، فأخذت قاطرة أوصلتني إلى حب آخر.
كسائح شارد يأخذ الميترو لأول مرة، كمغامر يكتشف قارة دون قصد. في لحظة شرود عاطفيّ. أخطأت وجهتي. وقبلي أخطأ كولومبس، فاكتشف أمريكا. ومات وهو يعتقد أنه اكتشف الهند.
يا للروائيين، كما البحارة هم يموتون دائما في لحطة جهل!
قطعا..لم تصل.
أنت المسافر في كل قطار صوب الأسئلة. من قال إنّك وصلت؟ من قال إنك تدري أين هي ذاهبة بك الأجوبة؟ ف"الأجوبة عمياء ..وحدها الأسئلة ترى".
الوقت سفر..
مراكب محملة بالأوهام عادت، وأخرى بحمولة الحلم ذاهبة.
ضحك البحر لما رآني أبحر على زورق من ورق، وأرفع الكلمات أشرعة في وجه المنطق. عساني أعرف..كيف كل هذا قد حصل.

الوقت مطر..
غيمة تغادر اله.... وتأتي كي تقيم في حقيبتي. وخلف نافذة الخريف، مطر خفيف.. يطرق قلبي على مهل.
الوقت قدر..
يغلق البحر قميصه. يتفقد ليلاً أزرار الذكرى. يغلقها أيضاً بإمعان، حتى لا يتسرب الملح إلى الكلمات.
ثم يرتدي صوته الأجمل. يدير أرقام ه..... يسأل:
وتجيب امرأة:
-ألو نعم!
الوقت ألم..
لماذا نحن نقول دائما"نعم" عندما نرد على اله..... حتى عندما يكون الوقت "لا"؟
الوقت "لا"..

في بهو الحزن الفاخر، تعلّمي الاحتفاء ليلاً بالألم.. كضيف مفاجئ.
هو ألم فقط.. فلا تستعدي له كما لو كان دمعك الأول.
متأخّر هذا البكاء، لحزن جاء سابقا لأوانه، كوداع.
فالوقت وداع..
يقول الحب: ألو.. "نعم"
وتجيب الحياة: ألو "لا". والملح يتسرب عبر خط اله... يجتاحنا. بين استبداد الذاكرة، وحياء الوعود. تتابع الأشياء رحلتها.. دوننا.


* * *


أغادر سيدي ... فجرًا، قبل أن يستيقظ البحر، ويستبقيني بدمعة.
له كل ذلك الموج، ولي الملح، وطائرة تنتظر.
عندما جئت إلى هنا منذ أسبوعين، كان بودلير يرافقني بتلك المقولة الجميلة، التي كانت تستبقه إلى كل سفر "الشهوة تناديني.. والحب يتوجني".
الآن، أترك عرش الحب خلفي. فالشرعيّة تناديني.. وقسنطينة تنتظرني. والحياة التي استغفلتها وخرجت على قانونها، تعيدني إلى بيت الطاعة، متوجةً ببريق الذكريات.
أعود إلى قسنطينة، متحاشيةً النظر إلى هذه المدينة.
كنت أتمنى لو أراها بعيون بورخيس عندما يرى بوينوس آيرس بعينين فاقدتي البصر. عساني أحبّها دون ذاكرة بصرية.
أحيانا يجب أن نفقد بصرنا، لنتعرّف مدناً لم نعد لفرط رؤيتها نراها.
هنا شوارع نخاف من عيون عابريها، مطاعم لا نجرؤ على ارتيادها، بيوت لا يمكن أن ندخلها معا.
هنا.. مدينة لا تعترف بالحب، إلا في أغاني "الفرقاني". لا تغادر بيتها إلا لتذهب إلى المسجد، أو إلى مقهى. لا تفتح نافذة إلا لتطل على مئذنة.
وأنا جئتها بأعراض عشقية، وكلمات اسخيليوس في مواجهة أثينا:
"يا سيدتي.. تخلي قليلا عن الآلهة. واعطيني شيئا من شقائك العظيم.."
وهل أكثر شقاءً من عاشق في قسنطينة؟

زوجي قابلني بلطف مثير للشبهات، أو ربما أنا التي كنت أبالغ في تضخيم أخطائه. بل أتربص بها، ليمكنني فيما بعد، المبالغة بعدم الشعور بالذنب تجاهه.
بدا لي سعيدا بعودتي. أو ربما كان سعيدا، لأسباب أخرى. فمذ جاء بوضياف، عاد شيء من الأمان إلى قلوب الناس. وعادت الحياة الطبيعية إلى المدينة. ومعها تلك الحمى التي تسبق الصيف دائما، وتذهب بالعائلات أفواجا إلى مروج عين الباي، وجبل الوحش.
وبدأ الناس يجرؤون أخيرا على القيام بمشاريع قريبة أو بعيدة الأمد، مراهنين على خروج البلاد من النفق.
هذه الطمأنينة المباغتة، جعلتني أتعلّم الاستكانة إلى الوقت والمكان، واثقةً بكلام ذلك الرجل.
تراني تعلمت منه التفاؤل.. أم تعلمت التريث؟ حتى إنني كثيرا ما قاومت تلك الرغبة التي تستيقظ داخلي، وتغريني بالتحري لمعرفة من يكون عبد الحق.

ماكان يربكني هو كوني حيث كنت، أواصل العيش بمحاذاته مادمت حتى هنا، أتقاسم معه المدينة نفسها.
أحياناً.. كانت تذهب بي الأحلام، فأتصور مكاناً قد يجمعنا مصادفة، قد لا يتعرف إلي، برغم أنه قرأني، بل كتبني طوال هذه القصّة مادام هو الذي أهدى تلك الرواية لصديقه وأوصله دون أن يدري.. إليّ.
وحده كتاب هنري ميشو قد يدله عليّ. لو أنا أخذته معي. أما أنا فسأستدل عليه بصمته، أو بتلك الكلمات القليلة التي كانت ميزته، والتي كعطره، سربها لصديقه.
سأسأله:
-هل عرفتني؟
وسيجيب:
-طبعاً.
أو قد يجيب:
-حتمًا.
...الكلمتين الوحيدتين اللتين قالهما يوم جلس إلى جواري في قاعة السينما.
عندها سأعترف له:
-اشتقتك.. أتدري روعة أن نشتاق إلى شخص لم نلتقِ به؟
كنت أحلم، أتصور لنا أكثر من بداية. وأتصور لي أكثر من طريقة للعثور عليه. ثم أعدل عن أفكاري، وأنا أتذكّر أنني أكرّر معه مغامرتي مع صديقه بكلّ حذافيرها.

هذه المرة أيضًا، أنا أمام رجل لا أعرف اسمه. فعبد الحق ليس اسما عائلياً، ولا يكفي للعثور على صحافي، لا أدري في أية جريدة.. ولا بأية لغة يكتب، ولا بأي اسم يوقع مقالاته، في زمن أصبح فيه لكل صحافي اسمان.
في الواقع، كان يسعدني أن يكون هذا الرجل، لا أحد.
رجل لا اسم له بالتحديد. لا أوصاف، لا صفات مميزة، ولا أوراق ثبوتية.
فقد تعلمت من تجربتي السابقة. أنّ في ما نجهله جماليّة ...ق فرحتنا بمعرفة الحقيقة.
ولذا، قرّرت أن أترك موعدي مع عبد الحقّ للحياة، تتدبره كما تشاء. حتى لا أفقد عنصر المفاجأة.. وحتى لا أستعجل الخاتمة.
فعندما نعثر على الشيء الذي بحثنا دائما عنه، تكون بداية النهاية.
أما السبب الأهم لعدولي عن البحث عنه، فهو كوني كنت أجد في انشغالي الدائم واللاشعوري به، شيئًا من الخيانة المستترة، لذلك الرجل الذي قضى موعدنا الأخير، في إقناعي بالإخلاص، وكأنه كان يستبق الأحداث، أو كأنه كان يعرف عني في كتابٍ، ما يكفي ليحذر نزعتي لحبّ صديقين في الوقت نفسه.
ألهذا أعطاني من شراسة الحب وتقلباته، كما لو كان أكثر من رجل. وقال وهو يودعني على اله... ذلك الاعتراف الذي ألمني: "لا أملك إلا الحبّ.. لأردّ عنك خطره".
ما كدت أذكره، بذلك القدر من التفاصيل، حتى عاودتني حالة من الاشتهاء له، حاولت أن أهرب منها إلى الكتابة. ولكن..
لليد ذاكرة لا تنفك تطاردك بالسؤال عن جسد الفقدان. وأنا ما زلت لا أفهم، كيف أن جسده الذي لم يكن الأجمل.. أصبح الأشهى إلى حدّ إرباك سكينتي، ومنعي لأيام من الكتابة.


* * *

Najma
29-08-2007, 04:47 PM
مر شهران..
كنت خلالهما أكتفي بوجبات الأحلام، ورشفات حبر سريعة، وأترك للآخرين ولائم الضجر.. وقهوة النميمة.
فمنذ الأزل، كانت عقدة النار، كيف التوحّد مع الماء. وأنا لم أتقن يوماً، فنّ هدر الوقت والجلوس إلى النساء. كنت سيدة الحزن، وكنّ خادمات لدى الفرح.
وأذكر الآن، تلك المقولة الجميلة "إن عظمة النار في كونها تحرق..وتحترق".وأفهم لماذا، كنت منذ الأزل، لا أجالس غير الرجال.
فمع النساء لم أكن أحرق سوى أعصابي..!
وبرغم ذلك، قبلت يومها، حضور دعوة لدى إحدى القريبات، احتفالا بنجاح ابنتها في امتحان ما.
كنا في نهاية حزيران. وكانت النساء من حولي يتبادلن أحاديث حول قهوة.. وأصناف من الحلوى. وكنت أهرب من ثرثرتهن، وأسترق النظر أحيانا إلى جهاز التلفزيون الذي كان مفتوحا.. لمزيد من الضجيج.
رحت أتابع بين حين وآخر، خطاب بوضياف الذي كان التلفزيون ينقله مباشرة، من دار الثقافة في عنابة. ولكن،لم يكن يصلني منه الكثير فاكتفيت بتأمّله، لأوّل مرة، دون أن أدري أنني أتأمل ذلك الرجل في حضوره الأخير.
حتى دون صوت، كان بوضياف يخترقك بعينين حزينتين، لهما ذلك الحزن الغامض، الذي يجبرك على أن تثق بما يقوله.
عينان تعرفان تدرّب الوطن على الغدر منذ الأزل. عينان تغفران وتنسيان، مذ داهمهما حزن المنافي، وإحساس عميق بخيانة الرفاق.
فلم يعد يغادرهما حزنهما ولا عادتا تقويان على الضحك.
وكان بو ضياف في وقفته الأخيرة تلك موليا ظهره إلى ستار القدر.. أو "ستار الغدر".
يبدو واثقاً وساذجاً وشجاعاً، وبريئًا.
فكيف لا يحصل له..كل الذي حصل؟
لا أدري عن أي شيء كان يتحدث لحظتها. أذكر أن آخر كلمة قالها كانت "الإسلام..".
وقبل أن ينهي جملته، كان أحدهم، من المسؤولين عن أمنه، يخرج إلى المنصة من وراء الستار الموجود على بعد خطوة من ظهره، ويلقي قنبلة تمويهية.. جعل دويّها الحضور ينبطحون جميعهم أرضًا .
ثم راح يفرغ سلاحه في جسد بوضياف، هكذا مباشرة أمام أعين المشاهدين، ويغادر المنصة من الستار نفسه.
كنا في التاسع والعشرين من حزيران.
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وسبع وعشرين دقيقة.
وكانت الجزائر.. تت... مباشرة على اغتيال أحلامها.
كان الجميع ينتظر سيارة الإسعاف التي لم تأت.
وكان علم الجزائر الموجود على المنبر، قد أصبح مصادفة غطاء لرجل ينام أرضاً. جاء ليرفع رؤوسنا.. فجعلنا أحلامه تنحني في بركة دم.
ذلك كان قدر بوضياف مع حزيران الوطن.
منذ أربعين سنة، في الشهر نفسه، اقتاده رفاقه إلى سجون الصحراء.
ثم جاء به الوطن, كي يحكمه 166 يوما. وها هو يكافئه ذات حزيران.. بكفن!

وابل من الرصاص، مقابل خمسة أشهر من الحكم.
لم يمهلوه سبعة أيام فقط. كل ما كان يلزمه كي يصل به العمر حتى 5 يوليو عيد الاستقلال الذي كان يريد أن يهدي فيه إلى الجزائر، خطابه المنتظر.
فجأة، توقف بنا القدر، كما تتوقف عجلات سيارة في الوحل، وهي في طريقها إلى مشوار جميل.
فقد كان كل شيء جاهزا كي لا يخلف بوضياف هذه المرة موعده مع الموت، بما في ذلك سيارة الإسعاف التي أضاعت طريقها إلى المستشفى وهي تنقله.. فكان آخر من يصل من المصابين.
يوم موت بومدين، قال بوضياف "لقد كنت دائما على خلاف مع بومدين في كثير من القضايا. ولكن عندما شاهدت جنازته شعرت بأنني ظلمته. فلا يمكن لرجل يشيعه شعبه بهذا القدر من الفجيعة.. أن يكون قد أخطأ في حق الوطن".
أولئك الذين كانوا يطلقون الزغاريد من الشرفات عند سماع الخبر ويعلنون دون خجل أمام التلفزيون شماتتهم بموته، ويتسابقون إلى المساجد متصدقين بولائم "الكسكسى" احتفالا بدمه المسفوك.
والأربعون حرامياً، الذين كانوا يسعدون سرا.. أمام جثمانه، ويفركون أيديهم فرحا بغنائم، يمكنهم مواصلة التناوب على السطو عليها لسنوات أخرى، أولئك الذين ظنوا أن جثمانه قد يمر سهوا في غفلة من الوطن، أن موته قد يكون حادثا لا حدثا في تاريخ الجزائر.
تراهم توقعوا له.. جنازة كتلك؟

انهيار صاعق للأشياء.
وطن يغمى عليه، يدخل حالة من الهستيريا، يبكي رجاله كالأطفال في الشوارع. يه...ن "إنا هنا". تخرج نساؤه ملتحفات بالأعلام الوطنية، حاملات مع موتاهنّ صورة رجل، لم يحكم كي تغطي صوره الشوارع... إنما كي تغطي صورة الجزائر صور القتلى الذين يملئون صفحات الجرائد.
رجل لم يمش يوما باطمئنان على تراب الوطن، تحمله القلوب، أمواجا بشرية نحو التراب.
رجل يمضي.. ويتركنا من جديد ليتمنا. نردّد خلفه.. امضِ "إنّا هنا". فيواصل التاريخ بعدنا:
"نم.. ولا تهتم أبو ناصر.. إنهم هنا"

لم أغادر يومها البيت كي أشارك في تشييعه. كان حزني أكبر من أن أتقاسمه مع أحد .
ولكن في مكان ما من أعماقي، كنت سعيدة من أجله.
هذا الوطن الذي لم يهدِ إليه حياةً على قياس أحلامه، أهدى إليه جنازة على قياس حياته.
جنازة لرجل عبر الحكم مشيا على الأقدام.. 166 يوما لا غير. ولكنها جنازة ليس في متناول أولئك الذين حكموا أوطانا ربع قرن بجيش من المخبرين، متسلطين على شعوب طحنها الذل الأزلي.
هؤلاء الواثقون من ولاء الدبابات لهم، عليهم أن يجربوا الموت مرة ليختبروا رصيدهم في جنازة.. فيذهلو
* * *

أسبوعًا بعد آخر، موتًا بعد آخر، كنت أعي أنني أعيش عمراً قيد الإعداد. تصنعه تارة أحداث كيرى، وتارة أحداث هامشيّة أخرى.
في كل لحظة، لأيّ سببٍ كان، يمكن لقدري أن يأخذ مجرى آخر.
فأنا امرأة تعيش بين رجال ثلاثة، حياتهم معلقة برصاصة القدر.
ويتصرف بأعمارهم وأقدارهم أولئك الذين يهندسون الموت والرعب كل يوم في هذا الوطن.. ولا أدري متى سيسقط أحدهم قتيلا بتهمة، أو يسقط الآخر بنقيضها.
ولذا أصبحت مسكونة دائما بهاجس الصدمة، مهووسة بهذا الموت المباغت الذي أراه يحوم حول كل من يحيطون بي.
بين أخي الأصولي الذي تطارده السلطة، وزوجي العسكري الذي يتربص به الأصوليون، وذلك الصحفي الذي أحب، والذي يصفي الاثنان حساباتهما وخلافاتهما بدمه، كيف يمكنني أن أعيش خارج دائرة الذعر؟
منذ سقط بوضياف قتيلا مباشرة على شاشة التلفزيون أمام ملايين الناس، كان واضحا أن موسم الصيد قد فتح، وأصبح السؤال بعد كل موت.. من سيكون دوره الآن؟
كنت أحاول أن أستعين على الخوف بالكتابة، وغالبا بالحب، أستعيد كل ما قاله لي ذلك الرجل وهو يهيئني لزمن كهذا.
ولكنه هو نفسه لم يعد هنا ليؤكد لي ذلك. منذ اغتيال محمد بو ضياف وأنا أحاول الاتصال به دون جدوى.
كان مجرد طلبه ه...يا من قسنطينه أمرا فيه كثير من المجازفة، وهو ما جعلني أحاول الاتصال به كلما وجدتني عند إحدى القريبات، نظرا إلى كون ه...ي مراقبا.. بحكم أنه ه... عسكري. وه... أمي كذلك بنية التجسس على أخبار ناصر وتنقلاته. وه... ذلك الرجل أيضا موضوع تحت التصنت.. لكونه صحافيًا وعضوا في المجلس الاستشاري. وهو الأمر الذي زاد من وحدتي وشعوري بأنني أعيش قدرا مضادا للحب. ليس الجانب البوليسي سوى أحد أوجهه المخفيّة والمخيفة.
ذات صباح استيقظت، وبي رغبة للتحرش بالذاكرة. كنت قد تعبت من جثة الوقت بيننا، بعد أربعة أشهر من الترقب. ولم أجد لي سوى مكان واحد قد يوصلني إليه، أو إلى عبد الحق.
وهكذا أخذت أكثر قراراتي جنونًا. لبست أكثر ثيابي احتشاما. وغادرت البيت دون زينة.. ودون السائق. ولا شي في حقيبة يدي سوى كتاب هنري ميشو "أعمدة الزاوية"، الذي أخذته معي كي أحتمي به من نظرات الفضول وأستعين به على انتظار قد يطول. وربما أيضا لأجعل ذلك الرجل يتعرف عليّ إذا ما حضر إلى المقهى، ورآني أطالع كتابه الشخصي. وهو ما سيوفر علي ارتباك مبادرته بالكلام.
مشيت خطوات على قدمي. كدت أتوقف لأشتري جريدة بعد أن أصبحت قراءة الجرائد إحدى عاداتي السيئة مثلي مثل كل الجزائريين الذين يهجمون كل صباح على الجرائد عن ضجر أو عن ذعر. وكأن شيئا ما حدث أو سيحدث.
ولكن هذه المرة عدلت عن الفكرة، تفاديا لما قد يلحقني من شبهات أخرى.. إن أنا رحت أطالعها في مقهى وظن البعض أنني صحفية.
سعدت وأنا أوفّق على بعد شارع من بيتي، بسائق أجرة. فطلبت منه بكثير من التودد إيصالي إلى مقهى الموعد. شعرت أن عليّ أن أثبت براءتي لكل من يصادفني.. بدءًا من السائق. فقد كنت أعي تماما أنني أقوم بعمل جنوني آخر.
في الواقع كنت أملك احتياطيا كافيا من الجنون يبدو أمامه رصيدي من العقل هزيلا، ورصيدي من الصبر معدوما. وكنت سعيدة أن تكون ثروتي لا تتعدى روايات أكتبها لنفسي لا تدر عليّ أي دخل.. ولكن يتدخل أبطالها في حياتي.. حد احتمال إيصالي إلى حتفي.
في ذلك الطابق العلوي للمقهى، جلست أمام أمكنة الحب الشاغرة. أترقب رجلاً.. تعوّدت أن أنتظره بصمتي. أعبر إلى الوقت من غيابه. أتأمل طاولة في الزاوية اليمنى، مستعيدة جمالية ألغام الرغبة، لحظة لقاء أول.
أكنت أنتظره حقا؟.. من الأرجح أنني كنت أنتظر صديقه بحجة أنه الرجل الذي سيزودني بأخباره.. أو سيوصلني إلى عبد الحق.
حتما.. كنت موجودة هناك من أجل عبد الحق. ولذا وضعت كتاب هنري ميشو على الطاولة.. عسى يلحظه إن هو حضر.
كان في الطابق السفليّ صخب يخفي حزن الناس، ويأتي حتى طاولتي ليدخل الرعب إلى قلبي. كيف لا عقل يحرسني من طيش رغبات صباح بارد، ولماذا بي افتتان برجال مجبولين بالعصيان.. وبأقدار يتعذر الإمساك بها؟
رحت أحاول تشخيص حالة حبّ، تسبقها دائمًا أعراض كتابة، وتليها دائما فجيعة ما.
ما الذي جاء بي هنا؟ وأي إحساس قادني هذا الصباح في هيئة لا تصلح للقاء، وأجلسني في مناطق منزوعة الرغبة، مقابلة لطاولة منزوعة الشهوات؟
إنها حتما حاستي الكتابية السادسة، تلك التي لا تخطئ.. والتي تعدني اليوم بمفاجأةٍ ما.
كانت الأصوات الرجالية التي تصلني بأعداد أكثر كلما تقدم الوقت، تزيد رعبي، ولا يقيني منها سوى وجود امرأة ورجل يتحدثان في زاوية قريبة مني. ولكن هما نفسهما لم يكونا على قدر من الطمأنينة، فقد كانا مرتبكين.. وعصبيين.
ذلك الرعب أصبح فجأة عدوى جماعية قابلة للانتقال من شخص إلى آخر، ومشهدا عاديا قابلا للتضخم يوما بعد آخر. وأنت تصغر أمامه حتى تصبح في حجم حشرة لا تدري في جوف أي فريق ستنتهي، وفي أية وجبة سيتم أكلك. وبأية تهمة سيكون قتلك. إنه المنطق العبثي والعشوائي للموت، في زمن الحروب غير المعلنة، تلك العبثية الموجعة التي اختصرها خليل حاوي في ذلك البيت الجميل:
"كل ما أعرفه أني أموت
مضغة ....ة في جوف حوت"

لم يكن في المقهى ما يمكن أن يثير فضولي.
فرحت أتأمل بين الحين والآخر، شابًا في مقتبل العمر بهيئة بسيطة، يجلس على بعد طاولة مني، يطالع جريدة.
بدا لي أصغر من أن يكون عبد الحق. وبرغم ذلك رحت أسترق النظر إليه عن ضجر. رافعة أحيانا كتاب هنري ميشو تمويها، أو إشعارا لغريب قد يحضر. ثمّ فجأة، هممت بمغادرة المكان عن يأس، أو بالأحرى عن خوف، وأفكار بوليسية تباغتني، خاصة وأنا أتنبه لوجودي في مقهى يرتاده الصحافيون.
ماذا لو كان هذا الشاب الجالس على بعد خطوة مني يخفي مسدسا، ويختفي خلف جريدة تربصا بأحد ما؟ فمعظم الاغتيالات ارتكبها شبان في العشرين يرتادون المقاهي، أو يقفون متكئين على جدار وهم يطالعون جريدة.. في انتظار ضحيتهم.
كنت أجمع أشيائي مذعورة، وأترك ثمن قهوتي على الطاولة قبل مغادرة المكان، عندما رأيته يفتح الجريدة على صفحة داخلية ويغرق في قراءة شيء ما.
وإذ بي ألمح في الصفحة الأولى من تلك الجريدة التي كان يرفعها، صورة كبيرة، أعرف تماما ملامح صاحبها، وفوقها كلمتان بالفرنسية مكتوبتان بخط أسود كبير..
كلمتان جعلتاني أتسمّر في مكاني ذهولاً.


كنت أتوقع من الموت كلّ شيء.
تقريبا كل شيء، من نوع تلك المفاجآت الدنيئة، التي وحده يتقنها.
ولكن هذا الصباح، كانت الجريدة التي لم أشترها. تنقل لي الموت الوحيد الذي لم أتوقعه.
فالبارحة فتح ذلك الحوت فكيه، وابتلع لوجبته المسائية من جملة من ابتلع - عبد الحق!
أي قناص سادي هو القدر؟ يتخذ له زاوية منسية في حياتنا، ثم يأخذ في إطلاق النار كيفما ...ق على من أحببنا، دون شعور بالألم.
قطعًا، لم أتوقع أن تكون لي مع عبد الحق، مفاجأتان، الأولى موته، والثانية صورته. وكأنه كان لا بد أن يموت ليصبح أخيرا رجلا حقيقيا باسم كامل، ووجه، وملامح، وقصة حياة.. وقصة موت.
بالنسبة إلي كانت القصة تبدأ من صورته. فأنا لم أنس هذه الملامح التي قضيت وقتا طويلا ذات يوم في تأملها، بإعجاب سري في هذا المكان نفسه.
أكنت قد جئت إذن هنا، لأن الحياة كانت تهيئني هذا الصباح لمفاجآت قدرية ظالمة.. في هذا المكان الذي رأيته فيه لأول مرة؟
أجئت أشهد غيابه، وأتأمل طاولته الشاغرة دونه، لأكمل بحضوري دورة الفراق.. في قصة لم يكن فيها سوى لقاء.. وكثير من صمت الغياب.

أثناء تفكيري، جاء أحدهم وطلب من ذلك الشاب الحضور معه.. لأنهم يحتاجونه في المطبعة.
كان المسكين صحافيا إذن.. أو موظفا في جريدة. كدت احتضنه وأجهش بالبكاء، لو كنّا بمفردنا. ولكنني لم أجد في صوتي شجاعة سوى لطلب تلك الجريدة منه.. فناولني إياها.. ومضى.
لم تكن قدماي قادرتين على حملي. فعدت وجلست مكاني.
هذه المرة.. لم أكن أجالس وهما.. وإنما ألماً.
مهملا كان الحزن في ركن من هذا المقهى.. حيث طاولة مغلقة على سرها كبيانو تنتظر رجلا تعود أن تأتيها ليكتب. وهي الآن صامتة دونه. وحدها تشاركني الحداد عليه. وتسأل.. لماذا اختارها هي دون غيرها؟

أفتح الجريدة على صورته. فتؤلمني الكلمتان على بساطتها “ADIEU ABDELHAK”.
أيكفي أن تضيف كلمة "وداعا" إلى أي اسم.. ليثير فيك كل هذا الألم؟


إنه عبد الحق إذن..
الرجل الذي كان يجلس بقميص وبنطلون أبيض على هذه الطاولة إياها.. في ذلك اليوم الذي..
أذكر.. كان لا يتوقف عن الكتابة والتدخين. وطوال جلوسه وحيدا لنصف ساعة تقريبا، لم يبادلني سوى الصمت، ولحظات من الشرود.
ثم جاء صديقه، في زيّ أسود. سلم علي من بعيد، وكأنه يعرفني. تحدثا طويلاً. كنت أتساءل طوال الوقت، أيّهما ذلك الرجل الذي..
ثمّ فجأة، نهض اللون الأسود. ناولني صحنا من السكر، كنت سأطلبه من النادل.
أذكر، فاجأني عطره. أعادني إلى ذلك العطر الذي..
فرحت أختبره بكلمات اعتذار. وإذ به يجيبني بتلك الكلمات الصغيرة التي..
ولحظتها.. أفلتت حواسي مني. وأخذته مأخذ وهمي به.
لم أكن أدري أن الحب كان يسخر مني، مسربا كلمة السر نفسها لأكثر من رجل.
الآن أعي أنني يومها أخلفت، بفرق كلمة ولون، قطار الحب الذي كنت سآخذه.
فلحقت في لحظة من فوضى الحواس، بذلك اللون الأسود، وأخطأت وجهتي.
هو قال: "أجمل حبّ، هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر".
وكيف لي أن أعرف الآن، إذا كان ما عشته معه هو أجمل حقًا مما كان مفترضا أن أعيشه، لو أنني لحقت باللّون الآخر.
ولكن، أكان ثمة حقا.. لون آخر؟
لقد أصابني الحب يومها بعمى الألوان. وأربك فيّ أيضا حاسة النظر.
وأذكر أنني سألت اللون الأسود في أول لقاء لنا:
-قبلك لم أر رجلاً يلبس الأسود في هذه المدينة. حتى لو كان ذلك حدادًا.
فأجاب:
-وأيّ لون توقعت أن أرتدي؟
قلت:
-لا أدري.. ولكن الناس هنا، يرتدون ثيابا لا لون لها.
ثم واصلت بعد شيء من التفكير:
-صديقك أيضا يبدو غريبا عن هذه المدينة..
رد ضاحكا:
-لماذا..؟ ألأنه يرتدي الأبيض باستفزازية الفرح.. في مدينة تلبس التقوى بياضا؟
ثم واصل ساخرا :
-صديقي.. فرحه إشاعة. إنه باذخ الحزن لا أكثر، والأبيض عنده، لون مطابق للأسود تماما.
لقد كنت في النهاية، أمام رجلين يرتديان، بطريقة مختلفة، اللون نفسه.
ويبدو واضحا الآن، أنه لم يحدث للحبّ أن سخر إلى هذا الحد، من امرأة كانت واثقة من نفسها إلى ذلك الحد.
قطعًا..
الحبّ ليس سوى حالة ارتياب.
فكيف لك أن تكون على يقين من إحساس مبني أصلا على فوضى الحواس، وعلى حالة متبادلة من سوء الفهم، يتوقع فيها كلّ واحد أنه يعرف عن الآخر ما يكفي ليحبّه.

Najma
29-08-2007, 04:48 PM
في الواقع، هو لا يعرف عنه أكثر مما أراد له الحبّ أن يعرف. ولا يرى منه أكثر مما حدث له أن أحب، في حب سابق.
ولذا نكتشف في نهاية كلّ حبّ، أننّا في البدء.. كنّا نحبّ شخصًا آخر!

من بين كلّ الميتات، جاء اغتيال عبد الحقّ، الأكثر صدمة لي.
هل أكثر ألماً من أن تدخل حياة أحد، وهو على وشك أن يغادر الحياة؟
هذا الرجل الذي لا أعرفه، وأعرف كلّ شيء عنه، ماذا يمكن للجرائد أن تضيف إلى معرفتي به سوى تفاصيل موته، التي لا أريد أن أعرفها، والتي نشرتها كلّ الصحافة الوطنية في صفحاتها الأولى، بصورة كبيرة له، وتحتها الكلمات نفسها، بلغة أو بأخرى "وداعًا.. عبد الحقّ"
تعوّد الصحافيون هنا إنزال صور موتاهم، بالأحجام نفسها، ورثاء أنفسهم مسبقًا مع سقوط كلّ صحافيّ جديد.
وعبد الحقّ نفسه لم يخالف القاعدة. ولذا لم يجدوا في الجريدة التي كان يكتب فيها، أجمل من أن ينشروا في الصفحة الأولى جوار صورته الكبيرة، تلك القصيدة نفسها التي كتبها غداة اغتيال صديقه الصحافي والشاعر الطاهر جعوط، وكأنه كان يرثي نفسه بها.
إذ كلّ التفاصيل التي تميّز موت عبد الحقّ عن موت صديقه، تبدو مجرد تفاصيل.
ولم يعد مهمًا أن يكون الطاهر جعوط، قد اغتيل داخل سيّارته حاملاً أوراق مقاله الأخير، إلى الجريدة، عندما باغته قاتلوه من الخلف وأطلقوا رصاصتين على رأسه، بينما اختطف عبد الحق من أمام مسكن والدته في سيدي المبروك، وكان قد حضر سرًا ليودعها قبل سفرها إلى "العمرة" أوّل أمس. وعثروا على جثته البارحة، مقتولاً برصاصة في الصدر.. وأخرى في جبينه.
أي أنّه شاهد قاتليه وهم يطلقون النار عليه، دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه، لأنه قتل وهو مغلول اليدين: ربطت يده اليمنى بحزام بنطلونه، واليد الثانية بسلك حديديّ، متصل بالحزام أيضًا. ووجد منكبًا على وجهه على حافة الطريق.
ربّما يكون قد استعاد لحظتها، تلك الكلمات الأخيرة التي لفظها شي غيفارا وهو يرى جلاّده قد صوّب رصاصه نحوه، غير مصدّق أن يكون ذلك الرمز قد أصبح في متناول مسدسه، وهو ما جعل "غيفارا" يصيح به "أطلق النار أيها الجبان.. إنك تقتل إنسانًا!".
وهي المقولة التي وضعها عبد الحقّ منذ شهرين عنوانًا لزاويته اليوميّة، عند رثائه لصديقه الصحافيّ "سعيد مقبل" الذي لم يتردد قاتله في إطلاق ا لنار عليه وجهًا لوجه وهو يتناول غداءه..
في النهاية، قضى عبد الحقّ الأشهر الأخيرة، في ابتكار ستّ وثلاثين طريقة، لرثاء نفسه. وهي عدد أصدقائه ورفاقه في مهنة المتاعب المصائب.. والموت، الذين سبقوه إلى تلك النهاية. ولذا لم يعد ممكنًا للموت أن يباغته على الأقلّ في هذا المجال. فأيّةً كانت الطريقة التي سيأتيه بها، فقد استبقه ووصفها. وأيّةً كانت الجهة التي سيأتي منها القتلة فقد استبقهم.. وشتمهم.. وتحدّاهم بما يكفي ليعجّل موته، حاملاً الرقم "37" في قائمة الاغتيالات التي لا أحد يعلم أين تنتهي.
عدت إلى البيت محملة بأكثر من جريدة باللغتين.
ها هوذا عبد الحقّ إذن..! أصبح بإمكاني الآن أن أطالع الجرائد.. وأعرف من هو.
"هذا السارق الذي يتسلل في الليل بمحاذاة الجدران عائدًا إلى بيته، إنه هو.
هذا الرجل الذي أمنيته أن لا يموت مذبوحًا. إنه هو. هذه الجثة التي يخيطون عليها رأسًا مقطوعًا. إنه هو.
هذا الذي لا يعرف ما يفعل بيديه.. سوى كتاباته الصغيرة.
هو الذي يتمسك بالأمل، ضد كلّ شيء؛ ألا تنبت الورود فوق أكوام القاذورات؟
هو الذي كلّ هذا.. وليس سوى صحافيّ".

كنت أحاول أن أكتشف حياته الأخرى باندهاش متأخر، كمن أحبت رجلا بالمراسلة، فعرفت كلّ شيء عنه، ولم تمنحها الحياة فرصة التعرف إليه عن قرب. وها هي تطالع الآن الجريدة كآلاف القرّاء المجهولين الذين يكتشفون هذا الصباح موت رجل لم يلتقوا به. أمّا هو فلن يعرفها أبدًا.
تلك المرأة التي كان لها في حياته دائمًا، ذلك الحضور السريّ النكرة، كيف له أن يدري ماذا فعل بها موته؟ هي التي عاشت في بيته، ونامت في سريره مع صديقه، وتحدّثت مع رجل غيره على ه...ه، وطالعت دون علمه، كتابًا كان يحمل هواجسه، واستعملت عطرًا كان له، وتقاسمت معه في عتمة قاعة سينما، اشتعالاً مباغتًا للرغبة، ولحظة بكاء، وتبادلت معه على بعد طاولة في مقهى، ذبذبات حديث لا يقال إلا صمتًا!
كلّ هذا، دون أن يتوقع وجودها في عالمه الحميميّ، على الطرف الآخر من حياته.
أنحتاج إلى موتنا كي نحبّ.. ونعرف أنّ ثمة من أحبونا؟!

في ذلك المساء، حاولت أن لا أطيل النظر إلى صورته. كي لا أكتشف على شفتيه، آثار أخر امرأة قبّلها، فأحزن لها، أو تلك التي كان يمكن أن يقبّلها لو لم يمت، فأحزن له.
تحاشيت عينيه اللّتين تنظران الآن إلى مكان واحد يراه، وشاربيه اللّذين كأحلامه، يرفضان أن يتواضعا حتّى بعد موته.
وبرغم ذلك، وجدتني، بحركة تلقائية، أقتطع تلك الصورة، وأخفيها بين أوراقي.
في البدء، كنت أردت أن أقتطع تلك القصيدة، وأحتفظ بها في الدفتر الأسود نفسه، الذي يعرف الكثير عن ذلك الرجل، عندما فاجأني إحساس قديم ومربك. فقد أعادتني تلك الحركة إلى طفولتي البعيدة، إلى ذلك اليوم الذي اقتطعت فيه صورة أبي من الجريدة، يوم تصدّرت منذ ثلاثين سنة الصفحات الأولى للجرائد، بهذا الحجم نفسه، ولكن في حرب كان الغرباء فيها هم القتلة، وكان للموت فيها تسمية أجمل من الجريمة.
أجل "كل حرب تغير لبعض الوقت تعريف الموت، وبهذا تفصل بشرخ سري بين الأجيال".
هيَذي تلك الصورة، في اصفرارها، معلقة أمامي مذ عثرت عليها، منذ بضعة أشهر، كما توقّفت عندها نظرة أبي إلى الأبد، يفصلني عنها.. زجاج الوقت.
ويفصلها عن الوقت، تسمية جديدة للموت.
وجوارها صورة عبد الناصر ذاتها، تلك التي رافقت وجودها في بيتنا دائمًا، صورة أبي، ولكن بحجم أكبر دائمًا. وكأنها تلخص في انكسار عنفوانها موتًا أكبر من كلّ الميتات.. الموت قهرًا.
لقد كانتا حتى الآن، تختصران في حضورهما الصامت، صور كلّ الشهداء، وكلّ القضايا، التي آمنت بها منذ طفولتي الأولى، دون أن أسأل نفسي لماذا.
تمامًا، كتلك المعتقدات التي نتربّى عليها، ولا نجرؤ على التشكيك فيها.
ولا يعنيني أن لم تعد الناصرية إلا في خانة المشاعر، أو في أسماء جيل حمل، لمصادفةٍ تاريخيةٍ، اسم آخر محارب عربي.. بروح شاعر.
هل أجمل من أن يكون أبي قد أعطى لابنه الوحيد اسم "ناصر"، قبل أن يستشهد، وأن يكون اسم الابن البكر لمحمد بوضياف، أيضًا "ناصر".. وأن يكون في مكتبة هذا الرجل كتب عن عبد الناصر، وأن يترك لنا كلّ الذين يرحلون في فجيعة وطنيّة.. شيئًا من وهم القوميّة؟
كانت تراودني كلّ هذه الأفكار، بينما كانت يدي تفكّ إطار صورة. وتضع خلفها بطريقة مستترة، صورة أخرى، بعد أن وجدت أنّه الطريقة الفضلى للاحتفاظ بها حاضرة وغائبة في الوقت نفسه، كما كان صاحبها، وتفاديًا أيضًا لما قد يثيره وجودها في مكتبي من أسئلة.
كنت أستعين بأبي، لأخفي خلفه رجلاً أحببته. فقد كنت أدري أنه وحده هو سيتفهم هذا. فطالما جاءني الرّجال متنكرين فيه.
كنت أخبئ موتًا.. بآخر. وأغطي وطنًا بآخر. وأخفي تهمة حبّ خلف حبّ آخر.
وبإمكاني الآن أن أقول، وأنا أرى صورة أبي على مقربة مني، إنّ رجلا قد يخفي رجلاً ثانيًا.. وربما أيضًا رجلاً ثالثًا.. وإني وحدي أعرف ذلك!

في اليوم التالي، استيقظت باكرًا على غير عادتي. والأرجح أنّني لم أنم.
كنت أبحث عن طريقة أعيش بها ذلك اليوم، بما يناسبه من جماليّة الألم.
حاولت أن أكتب، فلم أستطع.
كان ذلك الرجل الذي اختفى منذ شهرين، قد فرش لي حقولاً من الألغام في كلّ الطرق المؤدية بي إلى الكتابة، ونجح في إقناعي بأنّ البياض هو الحدّ الأقصى لأية مساحة روائية، وأنه الإنجاز الوحيد في أي كتاب، وأن كل رواية لا بد أن تنتهي باحتمالات البياض.
فماذا أفعل إذن؟ وكيف أواجه هذا "الخراب الجميل" دون قلم؟ وأذكر أنه قال، يوم موت صديقه:
"في زمن النهايات المباغتة، والموت الاستعجاليّ والحروب البشعة الصغيرة التي لا اسم لها، والتي قد تموت فيها دون أن تكون معنيًا بمعاركها، الجنس هو كلّ ما نملك لننسى أنفسنا".
سألته يومها:
-والكتابة؟
ضحك وأجاب:
-الكتابة؟ إنها وهمنا الكبير بأن الآخرين لن ينسونا!
فماذا أفعل اليوم بحزني؟
هل أمارس الحبّ إذن؟ ومع من؟ وكيف لي أن آتي المتعة بذريعة موت رجل تمنّيت أن أكون له يومًا.. ولم أكن؟
تلك الرجولة التي جَلَسَتْ باستفزاز صامت بمحاذاة أنوثتي، تلك التي أردتها ولو لمرة واحدة.. استكثرتها عليّ الحياة، وقدمتها وليمة للديدان.
وذلك الجسد الذي اشتهت شفتاي أن تغطياه قُبَلاً، بعد حين سيغطيه التراب. ولم يعد بإمكاني أن أشعله ولو وهمًا.. لقد دخل عالم الصقيع.
و.."القبر بارد يا أمي.. أرسلي لي قميصًا من الصوف".

كنت أفضّل لو أن لقائي مع هذا الرجل، كان في يوم آخر، على انفراد، بعيدًا عن البكاء والدعاء والصلوات. لو كان فيه شيء من الحميميّة، والشاعريّة، برغم ما بيني وبينه الآن، من مسافة ترابيّة.
ولكن.. لابدّ أن أكون هناك، كي أواصل كامرأة نكرة، حضوري السريّ، في آخر مشهد من قصة حبّ جئت أشيع فيها عن بعدٍ رجلاً أعرفه ولا يعرفني، وأبحث عن آخر يعرفني.. وما زلت لا أعرفه.
ولذا وصلت تلك المقبرة، بتوقيت يكون معه الآخرون قد انتهوا من مراسيم الدفن، دون أن يكونوا قد غادروا المقبرة تمامًا، عساني أعثر بينهم على ذلك الرجل.

قطعًا..جنازته لم تكن سبب حضوري.
فأنا سأشاهدها في نشرة الأخبار المسائية، مفصّلة، مطوّلة، ومؤثّرة دائمًا.. كما جرت العادة.
فثمّة من لم يعنهم يومًا اغتيال الآخرين إلا بقدر ما يمكنهم في مناسبة كهذه، التذكير بوحشية الطرف الآخر.. وساديته.
وبين لعبة الطرفين، كانت الأقلام تسقط رأسًا بعد آخر، ضحية الموت الإشهاري.
ألأنني توهمت دائمًا أن الحالة الإبداعية تجعل الموت مختلفًا، ذهبت إلى ذلك المأتم كما نذهب إلى موعد عاطفيّ؟
وكما كليوباترا –التي وضعت كلّ زينتها، وتعطرت، وارتدت استعدادا لموتها، ذلك الثوب الذي رآها فيه أنطونيو لأول مرة، كي يتعرف عليها هناك.. حيث سيلتقيان بين ملايين البشر- مثلها، تجملت، وضعت عطر ذلك الرجل نفسه، الذي بدأت به هذه القصة، وارتديت ذلك الفستان الأسود نفسه ذا الأزرار الذهبية الكبيرة، التي تمتد على طوله من الأمام، والذي تعودت أن أترك زرّه الأخير مفتوحًا، وأضع معه زنّارا أسود يشدّ الخصر ويرسم استدارات الأنوثة، وهو ما كان يمنحني هيأة "ممثلة إيطالية" حسب وصف ذلك الرجل الذي كان يحبّ هذا الفستان بالذات.. ويقول كلما رآني به:"الأسود يليق بك".
فأجيبه بنبرة غائبة:
-جميل قولك هذا.. إنه يصلح عنونًا لرواية قادمة!
قطعًا، لم أكن أرتدي الأسود حدادًا. كنت باذخة الحزن لا أكثر، باذخة الإغراء، مفرطة التحدي.
لم أذهب إليه متنكرة في عباءة العفة: حماقة أن نواجه الموت في مثل هذا الثوب.
فقد اخترت هيأتي بنية إغراء رجلين، رأيتهما معًا لأول مرة في ذلك المقهى، وأنا أرتدي هذا الفستان نفسه.
أحدهما لو حضر ليشيع الثاني، للمحني حتمًا حيثما كان، ولتعرف إليّ في هذا الفستان، فأراه أخيرًا.
أمّا الثاني..
فلا يهمني أن أراه، بقدر ما يهمني أن يراني. وكأنثى لا أريد أن أبدو أمامه أقلّ تألقًا ممّا يجب أن أكون في موعد أوّل.
يسعدني حقًا أن ألفت نظره، وأشغله عن موته بمفاجأة حضوري. أتوقع أن يلمحني. فوحدي أحمل في يدي دفترًا، في مكان تأتيه النساء عادة محملات بالأرغفة، والتمر للصدقة.
وحدي أيضًا فكرت في أن أحضر له علبة سجائر لليلته الأولى. بعد ذلك، سيكون عليه أن يتوقف عن التدخين، لا لأن التدخين يضرّ بالصحة، وإنما لأنه لن يكون بإمكاني أن أزوده بالسجائر دائمًا.
عندما توقفت في طريقي لأشتري هذه العلبة منذ قليل، نظر إليّ البائع شزرًا، حتّى توقعت أن يطردني من محله.
امرأة تجرؤ على اشتراء سجائر في قسنطينة، لابدّ أنها على قدر من سوء الأخلاق.. أو على قدر من الجنون.
وبرغم كوني لم أدخن سيجارة في حياتي، وجدت من الحماقة أن أتبرأ من تلك التهمة، وأشرح له أن علبة السجائر ليست لي.. وإنما لرجل سيدفن بعد قليل.. وسيحتاجها إذا أراد أن يكتب شيئًا هذا المساء. فأنا أتوقع أن لا يستطيع اليوم بالذات.. أن يمتنع عن الكتابة.

في الواقع، أحببت دائمًا الكتّاب الذين تكمن عظمتهم، في كونهم يقولون لنا الأشياء الأكثر ألمًا وجدية.. باستخفاف يذهلنا.
تمنيت دائمًا أن أشبههم، أولئك الرائعين، الذين يأخذون كلّ شيء مأخذ عكسه، فيتصرفون هم وأبطالهم بطريقة تصدم منطقنا في التعامل مع الموت والحبّ.. والخيانة.. والنجاح.. والفشل.. والفجائع..والمكاسب..والخسارة. ولذا أحببت زوربا، الذي راح يرقص، عندما كان عليه أن يبكي.
وأحببت ذلك البطل في رواية "الغريب" لألبير كامو، الذي حكم عليه القاضي بالإعدام، لأنه لم يستطع أن يبرر عدم بكائه، عند دفن أمه. بل إنه يوم مأتمها، ذهب ليشاهد فيلمًا.. ويمارس الحبّ رفقة صديقة جديدة.
وربّما كنت، منذ البدء، أبحث عن مناسبة كهذه، تمنحني فيها الحياة فرصة الذهاب بجنوني عكس المنطق، وتهدي إليّ إمكانية فريدة لأن .... في الحياة بعض المشاهد التي تمنيت بجنون الكتابة أن أعيشها.. لمتعة كتابتها بعد ذلك.
لسبب أجهله، ليس الحزن هو الذي كان يسكنني يومها، وإنّما شعور عارم بالتحدي، لم تكن زينتي وأناقتي سوى بعض مظاهره الخارجية.
لا أظن أنني ذهبت كذلك لأتحدى الموت. الموت قدر من الله نتساوى أمامه جميعًا. ولا أظن أيضًا.. أنني كنت امرأة بطلة؛ فقط.. كنت أتحدى القتلة، شاهرة التهمتين اللتين جمعتهما: تهمة الأنوثة وتهمة الكتابة، تلك التي كانت تحديًا صامتًا في يدي، ودفترا مغلفا على قصة، الكتابة فيها هي البطل الرئيسي.
في الواقع، في مواجهة الموت، الأنوثة كما الكتابة، ليست عزاءً على الإطلاق. لأنهما تذكير دائم به. ولكن في مواجهة الجريمة.. ماذا يملك الكاتب عدا كلماته.. وتلك الحياة التي مذ بدأ الكتابة.. لم تعد في جميع الحالات حياته؟
تمنّيت أن أقول كلّ هذا صمتًا، لذلك الرجل لو أنه جاء. أو ربما، تمنيت أن يأتي.. كي نواصل كتابة هذه القصة هنا..
هو الذي أراد في آخر موعد لنا.. أن نتساوى بالعشّاق المفلسين. ورفض أن نلتقي في شقة عبد الحقّ. بإمكاننا الآن أن نلتقي في جنازته، ونتساوى حقًا.. بعشّاق هذه المدينة الذين ضاقت بهم الحياة يومًا بعد آخر، فأصبحوا يلتقون في المقابر، متنكرين في زيّ الحزن، جالسين على أي قبر يصادفونه، ليتبادلوا ما شاؤوا من حديث الوجد. فوحد الحبّ يملك هذه القدرة الخارقة، على جعل كلّ شيء جميلاً، حتّى لقاء عاشقين في مقبرة!

وبرغم هذا.. فحتّى موعد عاطفي على هذا القدر من الألم، لم يكن ينتظرني هناك، حيث وقفت بعيدًا بين القبور، على مسافة وسطيّة، بين الألم، وما يلزم من الجأش للتدقيق في وجوه عشرات الرجال، الذين وحدهم دون النساء، يملكون حقّ مرافقة الموتى، والذين رحت أبحث بينهم عن رجل لا يشبه أحدًا.. ولا يشبه شيئًا، ولا يمكن له أن يخلف موعدًا كهذا.

ثمّ انسحب الجميع، بعد أن أودعوا حملهم جوف التراب ورحلوا، لأجد نفسي في موقف عجيب، شبيه بمشهد سينمائي صامت لفيلم بالأسود والأبيض. وأنا في كلّ تألقي الأسود، أقف وحيدةً وسط ذلك الديكور الرخامي الشاسع البياض، وذلك الدفتر الأسود في يدي.
عسى ذلك الرجل، إن جاء.. أن يستدلّ به عليّ.
ولكنّه لم يأت.
وكلّما تقدم بي الانتظار، تحوّل إحساسي بالتحدي، إلى إحساس عارم بالحزن والخيبة. فأنا كنت أريد أن أتحدى به.. ومن أجله. أتراه تغيّب ليتحدّاني بغيابه؟ وكيف له أن يخلف موعدًا كهذا، وعبد الحقّ أقرب صديق إليه؟ تراه مسافرًا، ولم يعد بعد؟ أم تراه ما زال في هذه المدينة مسافرًا عن نفسه داخل الوطن.. وقد يعود ليزور هذا القبر على انفراد؟
أم.. تراه الآن يمارس الحبّ مع امرأة أخرى، ليشيّع فيها عبد الحقّ على طريقته؟
لا أدري كيف، قبرًا بعد آخر، كانت الأسئلة تتقدم بي نحو الرجل الآخر. حتى تلك الخطوة الأخيرة التي أوصلتني إليه.
كان جثة أحلام.. تنام تحت كومة من التراب الذي تغطيه باقات الورود.

الأغرب أنني لم أبكِ.
فقد كنت لحظتها أواصل الكتابة، وأبحث عن الكلمات المناسبة لأصف هذا الموعد العجيب. أستعيد في ذهني بعذ المقاطع والخواطر من كتاب هنري ميشو تلك التي وضعها هذا الرجل تحتها خطًا.. أو كتب جوارها تعليقاته.
وأستعيد تلك القصيدة التي كتبها في رثاء (الطاهر جعوط) والتي نشرت البارحة من جديد جوار صورته وخبر نعيه، والتي اقتطعتها، وخبأتها في هذا الدفتر الأسود..
فاجأتني رغبة في قراءتها من جديد. فأخرجتها ورحت أكتشف وقعها عليّ هنا.
أكنت أقرأها لنفسي أم له، بصوت خافت يسمعه لأول مرة، منذ ذلك اليوم الذي جلست فيه جواره في قاعة سينما، ولم نتبادل سوى كلمتين؟!
ها هو.. ما زال الصامت الأكبر، حتّى في دوره الأخير، وما زلت وحدي أواصل الحديث إليه.
"مذهول به التراب
خرج ذلك الصباح
كي يشتري ورقًا وجريدة
لن يدري أحد ماذا كان سيكتب
لحظة ذهب به الحبر إلى مثواه الأخير
كان في حوزته رؤوس أقلام
وفي رأسه رصاصة
ولذا.. لم يضعوا وردًا على قبره
وضعوا ما اشترى من أقلام
ولذا لم يكتبوا شيئًا على قبره
تركوا له كثيرًا من بياض الرخام
ولذا.. لن تعرفوا إليه
هناك، حيث كلّ القبور
لا شاهدة لها سوى قلم
وحيث كلّ مساء
تستيقظ أيدٍ لتواصل الكتابة"
أعتقد أن صوتي قد مات مع آخر بيت، وأنني عندما أغلقت الدفتر على تلك القصيدة، بدا وكأنني أصبحت جزءًا من مشهد سينمائي.
ألهذا لم أبك، وأنا أضع ذلك الدفتر على كومة التراب وأمضي؟
بل لم أحاول بعد ذلك أن ألتفت خلفي لأشاهد لآخر مرة ذلك المنظر الذي لن يتكرر بعد ذلك أبدًا، والذي بإمكاني بعد الآن أن أصف في روايات قادمة، وقعه على نفسي. لأنه حدث بالفعل.
منذ سنتين، وأنا أريد أن أختبر مرةً واحدةً، هذا الشعور الذي ينتابك عندما تضع مخطوطًا على قبر وتمضي، غير متحّسر على شيء.
وها أنا قد فعلت، دون أن أخطط للأمر تماما، ودون أن أتوقعه أصلاً. فهذا الدفتر أحضرته كي أعطيه للرجل الآخر. ولكن وقد غاب، لم أقاوم فكرةً جنونية راودتني.

أمام المواقف غير المتوقعة التي تضعنا فيها الحياة، أحبّ أن يتّبع المرء مزاجه السريّ، ويستسلم لأول فكرة تخطر بذهنه، دون مفاضلتها أو مقارنتها بأخرى. فالفكرة الأولى دائمًا على حقّ، مهما كانت ...ة وغريبة، لأنها وحدها تشبهنا.
وكانت تلك الفكرة، تشبه كاتبةً عرفتها.
تشبهها إلى درجة جعلتني أعتقد أنني أثأر لها من زمن بعيد، كانت تتسلى فيه بخلق أبطال من ورق، وقتلهم في كتب، مطابقة لمنطق الحياة في الحبّ والقتل دون سبب.
حتّى راحت الحياة بدورها، تلعب معها، لعبة تحويل كلّ ما تكتبه إلى حقيقة.
أكانت تتحرش بالحياة؟ وإذ بالحياة تعيد إصدار كتابها، في طبعة واقعية، وإذ بها القارئة الوحيدة لنسخة مزورة، تكفل القدر بنقلها طبق الأصل عن روايتها، بعد أن أدخل عليها بعض التغييرات الطفيفة في الأسماء، أو في تسلسل الأحداث، كما في كلّ السرقات الأدبية!
أغرب ما يمكن أن يحدث لكاتب، أن يكتشف أنه مع كلّ صفحة يكتبها، يكتب عمره الآتي. وأنه برغم ذلك لا يستطيع رفع دعوى على الحياة لأنها طابقت خياله، وقلّدت قصته تقليدًا فاضحًا.. فعادة يحدث العكس!
ذات يوم، كتبت تلك الكاتبة رواية، بنية استباق الألم، فقتلت أحبّ الناس إليها.
طبعًا، لم تكن تتوقع أنها تكتب قدرها. ومثل بطلها ستعود إلى الجزائر على عجل، على متن طائرة للحزن، بتوقيت حظر التجول، محملة بمخطوط تلك الرواية نفسها. وأمام ذلك الجمركي العصبي نفسه، الذي سينبش في حقيبتها بالإصرار نفسه، لن تجد شيئًا تصرّح به سوى مخطوطتها، وتلك الذاكرة التي جاءت لتدفنها.. وهي تدفن أباها.
أمام قبره لم تبكِ.
كانت مشغولة بالتساؤل: لماذا مات الآن؟ لماذا مات اليوم؟ لماذا بعد بوضياف بثلاثة أشهر؟
لماذا قبل صدور الكتاب بأسبوعين.. وقد انتظره عدة سنوات، كلّ تلك السنوات التي كان يزودها فيها بالمعلومات عن مدينة لم تزرها، اسمها قسنطينة، وبذاكرة أتعبه حملها بمفرده؟
أرحل كي يترك مكانا أكبر لذلك الكتاب، وكأن الحياة لا يمكن أن تسعهما معا؟
أو كأنه وهو الشاعر، رحل كي يصبح ذلك النصّ بموته أجمل؟
أم فقط، لأنهم في زمن الميتات الملفقة، والسيارات المفخخة، فخخوا أحلامه، وأطلقوا الرصاص على ذاكرته أمامه، فدخل عمر الذهول، لا عن شيخوخة، ولكن لأن الوطن كان يدخل سنّ اليأس، وهو لم يكن له من عمر يومًا، سوى عمر الوطن.
حتمًا.. كان عليه وهو رجل التاريخ أن لا يخطئ في اختيار تاريخ موته.
وهي تذكر صباح أوّل نوفمبر..
وذلك النشيد الوطني الذي كان يدوي في كلّ المستشفى العسكري، وهم يخرجون جثمانه. حتى بدا لها وكأنهم يعزفونه من أجله.. أو كأنه يستوقف حامليه ليسمعه للمرة الأخيرة:
قسمًا بالنازلات الماحقات والدماء الزاكيات الطاهرات
والبنود اللامعات الخافقات في الجبال الشامخات الشاهقات
نحن ثرنا فحياة أو ممات وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا
كانت سيارات الإسعاف العسكريّة تغطّي لحظتها على النشيد الوطني، وتشق الطريق بصفاراتها، لتلقي على الأسرة المتحركة جنودًا جزائريين سقطوا بسلاح جزائري. بعضهم جرحى، وبعضهم جاؤوا مشوهي الجثث لينتظروا أهلهم في براد.
ولذا نسيت يومها أن تبكي أباها، وراحت تبكي النظرات الفارغة لجنود لن يدركوا يومًا لماذا ماتوا.

عندما زارت قبره في اليوم التالي، حاولت أن تكون جميلة. تزينت كعادتها كي تتميز بمظهرها عن جميع النساء من حوله، وكي تمنحه –كعادته- زهو المفاخرة بها في مجلسه الأخير.
كانت ترفض وهي أحب مخلوق إليه، أن تتساوى بمن جئن ليبكينه يومًا.. ويذهبن.
ثمة حزن يصبح معه البكاء مبتذلاً، حتّى لكأنه إهانة لمن نبكيه.
فلم البكاء، مادام الذين يذهبون يأخذون دائمًا مساحة منا، دون أن يدركوا، هناك حيث هم، أننا، موتًا بعد آخر، نصبح أولى منهم بالرثاء، وأن رحيلهم كسر ساعتنا الجدارية، وأعاد عقارب ساعة الوطن.. عصورًا إلى الوراء؟
الأغرب يومها، أنها تركت الجميع متحلقين حول قبره، وذهبت امام دهشتهم، تبحث عن قبر آخر.
في تلك الباحة الشرفية للموت. حيث ينام كبار شهداء الجزائر.
تحت باقات الورود الرسمية، التي وضعت توًا على قبورهم بمناسبة اول نوفمبر، توقف أمام قبر بوضياف.
غير أن قبرًا صغيرًا، أثار فضولها بتواضعه، ووجوده على يمينه، ببساطةِ من يعتذر عن المساحة التي يشغلها هناك.
هوذا إذن.. سليمان عميرات، الرجل الذي لم تسمع باسمه قبل ذلك اليوم، الذي أفردت له الجرائد صفحاتها، لتنعاه في موته الغريب، الموجع.
لم تتوقع أن يكونوا أهدوا إليه قبرًا صغيرًا جوار بوضياف، وأنه منذ ذلك اليوم الذي سقط فيه ميتًا بسكتة قلبية، عند أقدام جثمانه، لم يفترقا.
انتهى به المشوار هنا.
من عامه السابع عشر إلى عامه السبعين، وهو متورط مع الوطن، منخرط في حبّ الجزائر، حتى الموت. عرفته سجون فرنسا، وسجون الجزائر الثورية. حيث بقي عدة سنوات متهما بجرم المطالبة بالديموقراطية..
أما في آخر مقابلة تلفزيونية له، وكان قد أدرك خطر وقوع سلاح الديموقراطية في يد من لا يؤمنون بها إلا مطية، فقد صرح: "لو خيرت بين الجزائر والديموقراطية.. لاخترت الجزائر".
وها هوذا اختار.. الموت قهرًا عند أقدام الوطن.
الوطن؟ كيف أسميناه وطنًا.. هذا الذي في كلّ قبر له جريمة.. وفي كلّ خبر لنا فيه فجيعة؟
وطن؟ أي وطن هذا الذي كنا نحلم ان نموت من اجله.. وإذ بنا نموت على يده.
أوطن هو.. هذا الذي كلما انحنينا لنبوس ترابه، باغتنا بسكين، وذبحنا كالنعاج بين أقدامه؟! وها نحن جثة بعد أخرى نفرش أرضه بسجاد من رجال، كانت لهم قامة أحلامنا.. وعنفوان غرورنا!
بين قبرين، لا تميز أحدهما عن الآخر سوى بعذ الوجاهة الرخامية، رأيت تلك المرأة تجهش بالبكاء، فتتغير هيأتها وتصبح امرأة ككل النساء الناحبات هنا.
لم أستطع أن أفعل شيئًا من اجلها. فقد أصبحت في لحظة امرأة لا أعرفها، حولتها الفجيعة إلى امرأة أمية، بطقوس حزن بدائية، وبنحيب مفاجئ مزق الصمت حولها. وكأنها كانت تريد أن تقلد ذلك الرجل في موته. وتختبر حالة يمكن فيها، من البكاء، الموت قهرًا أمام قبر.
أهكذا ماتت الخنساء وهي تبكي أخاها؟ ولم هي تبكي هكذا على كل قبر تصادفه خطاها، أفي كلّ قبر لها صخر؟
لم يكن بإمكاني أن أسألها لماذا الآن؟ لماذا هنا؟ لماذا هما؟
هذه المرأة الغريبة الأطوار، لا تملك أجوبة عن أسئلة بديهية، وإلا لما تركت الناس يبكون اباها.. وراحت لتبكي غيره.
شيء فيها، أصبح فجأة يخيفني، ويصيبني بالذعر. فتركتها يومها عند قبر بوضياف تنتحب، وغادرت المكان على عجل.

هذه الذكريات التي فاجأتني. فقط لأنني وضعت ذلك الدفتر على قبر ومضيت، لم تغير مزاجي، أو على الأقل، لم تغيره حدّ استدراجي إلى البكاء.
في الواقع، لم أكن أشعر بشيء. لا شيء على الإطلاق.
فجأةً، كما في انقطاع كهربائي، إثر ضغط عال، توقفت داخلي الأحاسيس، وأصبحت الأشياء حولي تحدث لامرأة أخرى غيري.
أما أنا فكنت أشعر بخفة، وشيء شبيه بالسعادة، التي لم أجد لها من تفسير، إلا عندما تذكرت أن سببها ذلك الدفتر الذي تركته خلفي، غير معنية بمصيره.. ولا بتلك المكاسب الأدبية التي كان يمكن أن أجنيها من وراء نشره.. بعد أن قضيت عاما كاملا في كتابته.
الحقيقة، هي كوني خفت إن أنا احتفظت به، أن يحلّ بي ما حلّ بتلك الكاتبة، التي لم تغفر لنفسها أبدًا ترددها في وضع مخطوط روايتها على قبر أبيها.. والعودة إلى منفاها.
هي التي حملته إليه يوم موته، لتقول له كمن يعتذر عن غياب: أنها خلال السنوات الطويلة التي لم تحضر لزيارته، ولم تره فيها، كانت مشغولة عنه بالكتابة إليه.. ومن أجله.
طبعًا.. كانت تكذب. هي كانت تكتب من اجلها. وإلا لكانت يومها، تركت ذلك المخطوط على قبره.. ومضت.
ولأنها لم تجرؤ على ذلك، لم تستطع بعدها أن تكتب شيئًا.
أعوام من الصمت لتعاقب نفسها على جريمة تفضيلها الآف القراء، على قارئ واحد، لن يقرأها ووحده يعنيها.
ربما بسبب جبنها في ذلك اليوم، تغيّرت نظرتي إلى الكتابة، وإلى وجاهتها، وإلى زهو شهرة تنزل عليك مصادفة بسبب كتاب، والتي ليست إلا تذكيرًا بخيانة لقارئ واحد. نسرق منه بذريعة أو بأخرى مخطوطًا كتب له. كي نصنع منه الآف النسخ المزورة لقراء لا يعنيهم أمرنا.
قطعًا.. في كلّ نجاح لكتابٍ خيانةٌ لشخص.

* * *

هي الحياة إذن..
قطعًا.. "لا يحدث للإنسان ما يستحقه.. بل ما يشبهه".
فلمَ الألم..؟ ما دامت تلك النهايات تشبهنا.. حتى لكأنما الموت يجعلنا أجمل؟
رحم تقذفنا إلى رحم. ونحن الذين تساوينا في المجيء، لن نسأل لمَ يكون الميلاد واحدًا.. ويتعدد الموت إلى هذا الحدّ؟
مع غارات الحزن الّليلية، اغتالني عطر رجل مات توًا، تاركا لي رائحة الوقت.. ومدينة جبلية يحلو لها أن تخيفك بجسور الاستفهام.. وأودية شاهقة الفجيعة.
في كمائن المواعيد التي نصبتها لي الحياة، راح القدر عروةً.. عروة، يفكّ بذلك البطء المتعمد أزرار الوهم.
ذاك الذي حصل.. أكان حبًا بصيغة الافتراض؟
كان يعرف عنها ما يكفي ليحبها..
كانت تعرف عنه ما يكفي لتحبّه..
قطعًا.. لم يكن أحدهما يعرف الآخر بما فيه الكفاية!

برغم حزني.. غادرت المقبرة شبه سعيدة.
إذا كان كلّ فرح يحمل قدرًا من الحزن، فلا عجب أن يحمل الحزن أيضًا شيئًا من فرح نستحيي أن نسميه، ولكن يعرفه المبدعون تمامًا.
أجل، كانت تسعدني فكرة التخلص من ذلك الدفتر، فقد أتعبني البقاء عامًا على قيد الكتابة، بحجة أنها وسيلتي الوحيدة للبقاء على قيد الحياة.
حتمًا.. ليس هذا صحيحًا. ليس فقط لأن الكتابة هي الوصفة المثلى لإنفاق حياتك خارج الحياة، ولكنها في هذا البلد بالذات، هي التهمة الأولى التي قد تفقد بسببها حياتك.
ولذا قررت بعد هذا الدفتر، أن أقوم بمحاولة اكتشاف فضائل الجهل، ونعمة أن تكون أميًا، في مواجهة الحبّ، وفي مواجهة الموت.. وفي مواجهة العالم.
لا أدري إذا كان انحداري نحو الجهل، سيكون سهلاً. ولكن لطالما صدّقت مقولة جبرا ابراهيم جبرا "الكاتب.. هو الذي يستطيع الصعود والنزول على سلم الحياة بسهولة تامة".
ربّما، لأنني قضيت حياتي على درجات ذلك السلّم، صاعدةً نازلةً.
دون أن أعطي انطباعًا للآخرين بأنني لاهثة.
في الواقع، وحدها الكلمات كانت تلهث داخلي.. ولهذا أنا كاتبة.

عدت إلى البيت، امرأة منزوعة الشهوات. لم يبق لها من تلك القصة سوى عطر اختزنه جسدها. وما زالت تتعطر به لتتحرش بالذاكرة.
الرائحة.. هي آخر ما يتركه لنا الذين يرحلون.
وأول ما يطالبنا به العائدون.
وكلّ ما يمكن أن نهدي إليهم، لنقول لهم إننا انتظرناهم.
ولذا، لم يخطئ ذلك العاشق الرائع، الذي يدعى نابليون، عندما بعث يزفّ خبر نصره إلى زوجته طالبًا منها أن تحتفظ له برائحتها، قائلاً:
"جوزفين.. لا تستحمي.. إني قادم بعد ثلاثة أيام!".
منذ نابليون، لم يوجد قائد عسكري يتقن الحديث إلى النساء. وينهزم أمام الأنوثة.. بالعظمة نفسها التي يهزم بها الأعداء.
ولذا.. سآخذ حمامًا.. وأنام هذا المساء!
وربّما جلست إلى أمي، بعد أن أهملتها كلّ هذه الفترة، وأهملت أيضًا ناصر، الذي لا تنفك أمّي تطالبني بالكتابة إليه. ولكنّني لا أفعل، لانشغالي بذلك الدفتر.. وبتلك الحياة الوهميّة.

ما كدت أتخلّص من عبودية الكتابة، حتّى عاودني الشوق إلى ناصر. شوق مخيف في مباغتته وفي تأنيبه.
كيف تخلّيت عنه كلّ هذا الوقت، دون أن أفكر في ما قد ينتظره هناك من مقالب أخرى للحياة؟
كيف استطعت أن أعيش كلّ هذا الوقت دونه ودون نبرته المتذمرة.. وتعليقاته الساخرة.. وحنانه المكابر الذي لا يمكن لكلّ كلمات العشق الرجاليّة أن تعوّضه لديّ.
قررت أن أكتب له رسالة طويلة.. جميلة.. موجعة.. مربكة.. كنصّ عشقيّ. أردت أن .... عليه نزعاتي الإجراميّة.. أن أسعده.. أن أبكيه.. عساني استعيده برسالة. حتّى أنني قلت له إنني أفكر في الطلاق، إن كان هذا الأمر يرضيه..
كنت أريد أن أحتفي بعودتي إلى الحياة، وأعطي إشعارًا لمن حولي بذلك. أن أتقاسم معهم حياتهم العاديّة، بمشاغلها وتفاهتها اليوميّة، بأحاديثها وضجرها.. بأفراحها وحزنها ومخاطرها، أن أعود أخيرًا امرأة طبيعيّة بعائلة وبيت.

زوجي استفاد من اهتمامي المفاجئ به، لينقذ علاقة اجتاحها فتور لم يجد له سببًا. فراح يحاول استعادتي بالتفاتات صغيرة.
أمّي كعادتها، لم تفهم شيئًا ممّا حلّ بي، واكتفت باجتياح كلّ برنامجي.
البارحة مثلاً.. قضت النهار وهي تُملي عليّ رسالة إلى ناصر.
وهذا الصباح، ما كادت تستيقظ حتّى طلبتني لتذكّرني بإرسالها.
كدت أسلّمها إلى زوجي، ليتكفل بها. ولكنّي تنّبهت أنني لا بدّ أن أخفي عنه العنوان الذي يقيم فيه ناصر.
وهكذا لم يكن أمامي، إلا أن أرتدي ثيابي، وأذهب لأشتري من محلّ القرطاسيّة ظرفًا وطوابع بريدية.

كنت أغادر البيت لأوّل مرّة منذ أسبوعين. عندما أشعلتني الرياح الخريفيّة التي لم أحسب لها حسابًا. وفاجأني الحزن القادم، كما المطر هنا سابقًا بموسم.
واجهات تعرض الشتاء المقبل في دفء معطف. ومكتبات تعرض الكتب.. والدفاتر.. والأقلام.
"قطعًا".. كانت الحياة تستعدّ لإنهاء دورة الفصول، والبدء من جديد.
تذّكرت وأنا أرى الأطفال يركضون بحقائبهم متوجهين إلى المدارس، أ، آخر مرة ذهبت فيها إلى هذا المحلّ، كانت منذ سنةٍ تمامًا، لأشتري الأشياء نفسها.
كما اليوم، كان الطقس خريفيّاً يغري بشيء ما. ولكنني اليوم، لا أحاول أن أسأل نفسي، بماذا هو يغري بالتحديد.
فمنذ أسبوعين، وأنا امرأة أميّة تتحاشى الأسئلة، خشية أن تباغتها أعراض كتابة.

كنّا في بداية الموسم الدراسيّ. أذكر...
"بدءًا" كانت سماءٌ تجدّد هيأتها بين فصلين. وكاتبة تجدّد حبرها بين كتابين.
وكما اليوم، البائع نفسه كان منهمكًا في ترتيب ما وصله من لوازم مدرسيّة. فارداً دفاتره وأقلامه أمامي.
كما منذ سنة، ها هو يتوقف قليلاً. يتجه نحوي.. يضع حمولته من الدفاتر الجديدة، على تلك الطاولة التي تفصلنا.. ويسألني مستعجلاً ماذا أريد.
كنت سأطلب منه ظروفًا وطوابع بريديّة، عندما...





تمت.

فداء
29-08-2007, 10:48 PM
نجمة وزهير
شكرا على اثراء البوست

عبدالمنعم محمد
01-09-2007, 09:57 AM
قليل ان نقول في حق فداء ونجمة إني اشكرهم رغم انهم تسببوا لي بسهر جميل حرمت منة زمنا طويلاً كنت قد فقدت فية متعت ان تضاجع حروف حتي الصباح دون ان تثآب اعدتم لي متعة القراءة
أنا ممتن لك فداء أدخلتني لعالم أحلام مستغاني فإستهواني وأغواني بالبحث عن المزيد لهذة الأحلام

عبدالمنعم محمد
02-09-2007, 10:55 AM
فقط هي محاولة نجمة انتكون الكتابة واضحة ا