يا لذاك الغثاء السياسي الذي طغى على مائه بل وقد غطى مجراه فتفرّع مساره في كل شارع وزقاق بل ومكتب وبيت وحي ورسم خارطته على ألواح الثلوج السوداء التي إستخلقتها بالوعات الحكام فأمرض الصدور وخثر الدماء في العروق ، وعكّر صفو أمواه الوطن فتُقطف ثماره وتمضغها أفواه الضواري تفتك بمخالبها الأخضر واليابس ، هناك ضجيج سياسي وجلبة إعلامية وصخب طائفي وأزيز عسكري وسائل تهدف إلى تدمير الوطن وتقطيعة إرباً إرباً فلا يجد المواطن متكأه حتى في داره محل أمنه وسلامته ، أصبح شراك الإستحواذ على فضيلة المجتمع تتثرب من تحت الإهاب ، فأصبح ركب الأنانية السياسية موكب يجتاح جوف المواطن فيفرغه من طعامه الذي ناله صاحبه من مقلاة يديه وساقيه بندى جبينه ، إنه الإستحواذ على حوائج أبناء الوطن ، فاصبح قادة العناد السياسي بمثابة قطة حولها صغارها بعد عسر مخاض لا يقربها أحد إلا وكشرت عن أنيابها ، إلى متى هذه الوجيعة تشقق الروؤس وتفصد الأبدان ، فكان الوطن جميل ومازل جميل ولكن ما أقبح من يلطم العروس في ليلة زفافها . أصبح اليوم مصير ابنائه في موطنهم كالغرباء كأن الحاكم أجنبي عليهم وكأنّ حالهم يقول أعيش بموطني وكلاليب الغربة تتخطفني.
فهذه الحياة التي تزفر وتشهق أنفاسها من صدر المواطن فهي تمشي الهوينى على تراب الوطن كالأسد المريض بين سهوله وربوعه وجروفه وأمصاره وجباله ومدنه وقراه وهناك من يأتينا كل فوّاهٍ صيّاحٍ بنعيق في وجوه أبنائه من الحفاة العراة واليتامى والثكلى والمساكين والمستضعفين بدندنة قعقعات رتيبة ملّها العاقل والخبل وبتصريحات ونداءات تنفش الجبال نفشاً ، فإن جئنا وأخذنا في ترقيم المرات للجُمل التي تدعو إلى التنمية والإزدهار والرفاهية والأمن والأمان ورغد العيش غير العزة والمجد والكرامة من أفواه ولاتنا لكُنا من أوائل الأمم في القرن الواحد وعشرين نرفع رآيات تقدمنا وتطورنا ولكن للأسف ذاك النعيق الذي يحك صدورنا بمنقاره قد سئمته القلوب والعقول فأصابتها القروح والجروح فأصبحت في شغلٍ شاغلٍ ما بين تجفيف دماء وتضميد جراح ومواساة أحزان ، فاضحى وكأن المواطن يرى سيوفاً مسلطة على رقابه من غمد قاصّ للرقاب لا لسان من فيه حاكم حكيم بالخير يجود.
ولأننا شعب مسالمٌ حتى الثمالة نجد كثيراً من حكامه يستغلوننا إستغلال النار للوقود ، نعم! وكأن الشعب أصبح وقوداً لطهي ما لذّ وطاب لموائد الحكام ، المواطن يتمرغ ببدنه على رمضاء الرزق حافياً عارياً مريضاً واهناً ضعيفاً يتنفس من وهج الهجير ومن بعد ما له نصيب غير حفنات من دنانير أو دقيق بل ويأتون زبانية كسرى ويقاسمونه فيها بحجة جباية وضريبة ورسوم وطقوس وفقوس وهلم جرّ من فقاعات تبريرات هذا الجرم.
نتبتل إلى الله أن يرحم هذا الوطن من كل جبار مؤتمن عليه وأن يجعله سيفاً للوطن لا عليه.



